القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


في ال3 صباحا



في ال3 صباحا 

رجـل ذو نفـوذ يتلقـى اتصـالًا مـن ابنته عنـد 3 فجـرًا… وعـندما يصل يتجـمد في مكـانه…

— أبي، أرجوك تعال بسرعة… أنا خائفة جدًا. لا أستطيع التنفس جيدًا.

كان صوت ليان الشامي ذات 9 أعوام يرتجف عبر الهاتف عند الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرًا. والدها يوسف الشامي، رجل أعمال معروف وصاحب شركة أدوية كبرى، استيقظ فورًا عندما التقط نبرة الذعر في صوت ابنته.

— ليان، ماذا يحدث يا حبيبتي؟ هل أنتِ بخير؟

— لا أستطيع التنفس يا أبي. نورا أغلقت التدفئة وفتحت كل نوافذ غرفتي. الجو شديد البرودة.

قفز يوسف من سريره في جناحه الفندقي في جنيف، على بُعد مئات الكيلومترات.

— نورا فعلت ماذا؟! نحن في شهر نوفمبر!

— نعم يا أبي — قالت ليان بصوت واهن — قالت إن البرد سيعلمني ألا أكون كثيرة الشكوى، لكنني شديدة البرد ويؤلمني صدري عندما أتنفس.

— أين نورا الآن؟

— نائمة في غرفتك، والتدفئة تعمل هناك. حاولت إغلاق النوافذ، لكنها مقفلة بشيء ما، لا أستطيع تحريكها.

اجتـاح يوسف مزيج من الغضب والهلع…

— ليان، اسمعيني جيـدًا. سأستقل أول رحلة إلى برشلونة. إلى أن أصل، اتـركي غرفتك واذهبي إلى الصالة وشغّلي المدفأة.

— لا أستطيع يا أبي. نورا أقفلت باب غرفتي بالمفتاح من الخارج. أنا محبوسة…

— ماذا؟! كان يوسف يتصل في اللحظة نفسها باستقبال الفندق بهاتفه الآخر.. هل حبستك؟

— نعم… قالت إنني إن خرجت ليلًا فسأُعاقَب عقابًا أشد.

كان يوسف يعرف مخاطر انخفاض حرارة الجسم، ويعلم أن طفلًا يتعرض للبرد لساعات طويلة قد يكون في خطر شديد.

— منذ متى وأنتِ على هذه الحال؟

— لا أعرف. حبستني نورا بعد العشاء. كان ذلك قرابة الثامنة مساءً.

نظر يوسف إلى ساعته. كانت الثالثة وعشرين دقيقة فجرًا. سبع ساعات كاملة. وفوق ذلك، فالهواء البارد يضيّق الشعب الهوائية، وليان تعاني الربو.

— هل معكِ البخاخ؟

— لا. في الحمـام. نورا وضعته هناك هذا الأسبوع وقالت إنني لا أستخـدمه إلا بإذنها.

شـد يوسف الهاتف حتى ابيضّت مفاصله. بعد ثلاثين دقيقة وخمسين ألف يورو، كان قد صعد إلى طائرة خاصة متجهة إلى برشلونة. كانت الساعة الرابعة فجرًا.

— ليان، هل ما زلتِ معي؟

— نعم يا أبي — كان صوتها نعسًا جدًا، بالكاد يُسمع.

— لا تنامي يا حبيبتي. أعلم أنكِ مرهقة، لكن أحتاجكِ مستيقظة. هل تستطيعين؟

— أنا نعسانة جدًا…

هل سيتمكن يوسف من الوصول في الوقت المناسب قبل فوات الأوان؟ وما الذي سيحدث لزوجة الأب القاسية؟

صلي على محمد وال محمد وتابع 👇🔻👇

كان الهاتف يرن في الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرًا

رنّة واحدة كافية كي يفتح يوسف الشامي عينيه على اتساعهما

لم يكن نومه عميقًا أصلًا فهو منذ سافر إلى جنيف لحضور اجتماع عاجل وهو يشعر بأن شيئًا غير مطمئن يضغط على صدره

مد يده إلى الهاتف وهو لا يزال بين اليقظة والنوم ثم رأى اسم ابنته يلمع على الشاشة

ليان

رفع السماعة فورًا

جاءه صوت صغير مرتجف كأن الهواء نفسه يقطّعه

أبي أرجوك تعال بسرعة أنا خائفة جدًا لا أستطيع التنفس جيدًا

جلس يوسف في السرير كأن أحدهم دفعه بعنف

تعرّف إلى تلك النبرة فورًا

نبرة رعب طفلة تعرف أن جسدها يخونها

وليان لم تكن طفلة عادية في صحّتها فقد كانت تعاني الربو منذ عامها الخامس

كان يعرف شكل نوبات الربو كما يعرف أسماء مديري فروعه

ومع ذلك فإن سماعها في صوت ابنته كان يمزقه كل مرة

قال بصوت منخفض ثابت وهو يحاول ألّا يزيد خوفها

ليان حبيبتي أنا معك تحدثي بهدوء قولي لي ماذا يحدث الآن

سمع شهيقًا متقطعًا ثم قالت بصعوبة

نورا أغلقت التدفئة وفتحت كل نوافذ غرفتي الجو شديد البرودة وأنا بردانة جدًا وصدري يوجعني عندما أتنفس

توقفت أنفاس يوسف لحظة

تدفئة مغلقة ونوافذ مفتوحة في نوفمبر

في برشلونة

في شقة تطل على بحر بارد وهواء رطب

وفوق ذلك ليان محبوسة

قال وهو يكتم غضبه كي لا ترتجف أكثر

نورا فعلت ماذا يا ليان

أين هي الآن

قالت بصوت واهن

نائمة في غرفتك والتدفئة تعمل هناك

حاولت أغلق النوافذ لكنها مقفلة بشيء ما لا أستطيع تحريكها

مرّت أمام يوسف صور كثيرة دفعة واحدة

زواجه الثاني بعد رحيل أم ليان

فكرة الاستقرار

وعده لنفسه أنه لن يجعل ابنة عمره تسع سنوات تعيش مرة أخرى في بيت ناقص

اختياره لنورا لأنها بدت هادئة لبقة تحسن الحديث أمام الناس

ثم تلك الإشارات الصغيرة التي كان يتجاهلها

تعليق جارح هنا

نظرة ضيق هناك

صرامة غير مبررة

كل ذلك كان يبدو كمنغصات عابرة حتى جاءت هذه الليلة لتضعه أمام الحقيقة عاريًا

قال وهو يضغط على الكلمات

ليان اسمعيني جيدًا

هل تستطيعين الخروج من الغرفة الآن

اذهبي إلى الصالة وشغلي المدفأة

صمتت ثانيتين ثم قالت

لا أستطيع

نورا أقفلت باب غرفتي بالمفتاح من الخارج

أنا محبوسة يا أبي

لم يعد يوسف يسمع شيئًا سوى دقات قلبه

قال بحدة لم يستطع منعها

هل حبستك حقًا

قالت وهي تكاد تبكي

نعم

قالت إنني إن خرجت ليلًا فسأعاقب عقابًا أشد

كان يوسف يعرف مخاطر انخفاض حرارة الجسم عند الأطفال

وكان يعرف أيضًا أن الهواء البارد يضيّق الشعب الهوائية

وليان إذا بدأت نوبة ربو في جو بارد فقد تتدهور خلال دقائق

لكنه الآن يسمع أنها محبوسة منذ ساعات

قال سريعًا

منذ متى وأنت على هذه الحال

قالت وهي تحاول تذكّر الوقت وسط التعب

بعد العشاء

قرابة الثامنة مساءً

أنا حاولت أضحك وأرسم وأستحمل

بس بعدين بقيت بردانة قوي

نظر يوسف إلى ساعته

الثالثة وثلاث وعشرون دقيقة

سبع ساعات كاملة

سبع ساعات لطفلة وحدها في غرفة باردة محكمة القفل

قال وهو يلتقط هاتفه الآخر بيده

ليان هل معك البخاخ الآن

قالت بضعف

لا

في الحمام

نورا وضعته هناك هذا الأسبوع وقالت إنني لا أستخدمه إلا بإذنها

أغمض يوسف عينيه كأن ظلامًا كثيفًا سقط فوقه

ثم فتحهما بنظرة رجل اتخذ قرارًا نهائيًا

ضغط رقم الاستقبال في الفندق بجنيف

ثم قال دون مقدمات

أحتاج طائرة خاصة إلى برشلونة الآن

أكرر الآن

وأحتاج سيارة عند الوصول

وأحتاج أن يكون كل شيء جاهزًا خلال ثلاثين دقيقة

حاول موظف الاستقبال أن يسأل عن التفاصيل

لكن يوسف قاطعه بصوت لا يحتمل النقاش

افعل ما قلت

وسأدفع ما يطلب

أغلق

ثم عاد للصوت في الهاتف الأول

ليان حبيبتي أنا قادم إليك

هل تسمعينني جيدًا

قالت بصوت أضعف من قبل

نعم يا أبي

قال ببطء كي يثبّت وعيها

لا تنامي يا ليان

أحتاجك مستيقظة

سأطرح عليك أسئلة وتجيبيني

اتفقنا

قالت

أنا نعسانة جدًا

قال وهو يحبس رعبه

أعرف

لكن اسمعيني

إذا نمتِ قد يبرد جسمك أكثر

وأحتاج أن أعرف أنك بخير

قولي لي

هل تستطيعين الجلوس الآن

هل تستطيعين ضم ركبتيك إلى صدرك

سمع حركة خفيفة

ثم قالت

أيوه

أنا قاعدة على الأرض جنب السرير

قال

حسنًا

هل هناك بطانية قريبة منك

قالت بعد لحظة

في الدولاب

بس الدولاب بعيد شوية

قال

لا تتحركي كثيرًا

زحفي ببطء إن استطعت

وخذي البطانية

ثم ارجعي إلى مكانك

لا تقفي على قدميك بسرعة

نفّذت ليان ببطء وهي تلهث

يوسف يسمع في الخلفية صوت احتكاك خفيف

ثم سمعها تقول

لقيتها

أنا اتغطيت

قال وهو يشعر بدموع حارة تصعد دون إذن

أحسنتِ يا بطلة

الآن انظري حولك

هل هناك شيء يمكن أن يمنع الهواء من الدخول من أسفل الباب

منشفة

سجادة صغيرة

قالت

في منشفة في الكرسي

قال

ضعيها أسفل الباب

هذا سيساعد قليلًا

بعد دقائق

قالت بصوت ضعيف

حطيتها

قال يوسف

حسنًا

الآن سأجعلك تتحدثين معي

قولي لي ما اسم صديقتك الأقرب في المدرسة

قالت بتثاقل

سلمى

قال

سلمى

جميل

وما المادة التي تحبينها أكثر

قالت

الرسم

أنا أحب الألوان

قال

ما لونك المفضل اليوم

قالت

الأزرق

قال

أزرق مثل البحر في برشلونة

أتعلمين

عندما أصل سأريك البحر في الصباح

وسنشتري لك ألوانًا جديدة

لكن الآن لا تنامي

اتفقنا

همهمت همهمة موافقة

في المطار

كانت الطائرة الخاصة تنتظر

صعد يوسف وهو يرتدي معطفه على عجل

لم يأخذ حقيبة

لم يأخذ إلا هاتفين وبطاقة وهوية

ورجفان في اليد لم يعرفه من قبل

هو الذي اعتاد أن يوقّع عقودًا بملايين اليوروهات دون أن يتحرك جفن

الآن يرتجف لأن طفلة قد تفلت من بين يديه بسبب قسوة امرأة ظنها شريكة حياة

انطلقت الطائرة

جلس يوسف لكن لم يستند إلى المقعد

ظل يمسك الهاتف قرب أذنه

يسأل

ويعيد الأسئلة

ويعدها

ويستدرجها للحديث

كان يخاف لحظة الصمت

لأن الصمت في مثل هذه الحالات قد يكون بداية النهاية

قال لها بعد فترة

ليان

هل تشعرين بتنميل في أصابعك

قالت

شوية

قال

هل تستطيعين فرك يديك ببعضهما

فعلت

ثم قالت

بردانة

قال

أعرف يا حبيبتي

أنا قادم

قائد الطائرة قال إننا سنصل قريبًا

اسمعيني

إذا أحسست أن صدرك يضيق أكثر قولي لي فورًا

لا تخافي

فقط قولي

قالت

حاضر

كان يوسف يسمع صوتها يهبط

وكأنها تغرق في نعاس ثقيل

لذلك بدأ يحكي لها

حكى عن يوم ميلادها الأول


عن أمها حين كانت تضع قبلة على جبهتها ثم تضحك

حكى عن الرحلة التي وعدها بها ولم يحققها بعد

كان يحاول أن يمد خيطًا من الذكريات بينها وبين الحياة

خيطًا يمنعها من الانطفاء

وصلت الطائرة إلى برشلونة قبل الفجر بقليل

كان البرد قاسيًا والهواء رطبًا

ركض يوسف على درج الطائرة دون أن ينتظر

السيارة السوداء كانت في المكان

فتح الباب بنفسه وصعد

قال للسائق عنوان الشقة بصوت منضبط لكنه كالسيف

انطلق السائق

على الطريق

أعاد يوسف الاتصال بالطوارئ في برشلونة

أعطاهم العنوان

شرح الحالة بسرعة

طفلة ربو محبوسة في غرفة باردة منذ ساعات

طلب سيارة إسعاف تقف أمام البناية فورًا

لم يكن هذا مبالغة بل كان احتياطًا لرجل يعرف أن الثواني تُقاس الآن بحياة

وصل إلى البناية

كان الحارس في الأسفل يحاول أن يتحدث

لكن يوسف لم يرد شرحًا

أظهر بطاقة هويته

ثم قال

افتح الباب الآن

صعد الدرج ركضًا لأن المصعد بدا له بطيئًا

وصل إلى باب الشقة

أخرج مفتاحه

فتح الباب

دخل فورا

كانت الشقة دافئة في الصالة

التدفئة تعمل

ضوء خافت ينبعث من غرفة النوم الرئيسية

كان كل شيء هادئًا على نحو مقزز

كأن العالم يتواطأ مع الظلم حين يصمت

صرخ يوسف بصوت مزق الصمت

ليان

لم يسمع ردًا

فشعر بأن قلبه انقبض كقبضة حديد

اتجه مباشرة إلى ممر الغرف

باب غرفة ليان كان مغلقًا

لمس المقبض

شعر ببرودة غير طبيعية حول الباب

طرق بعنف

ليان افتحي

أنا يوسف

أنا هنا

لا رد

نظر إلى ثقب المفتاح

كان مقفلًا من الخارج

كما قالت

أخرج مفتاحًا احتياطيًا

لم يجده

ثم تذكر أن نورا أخذت المفتاح الثاني قبل أسبوع

قالت يومها بابتسامة لطيفة

حتى لا يضيع

سأحتفظ به

الآن فهم معنى تلك الابتسامة

دفع الباب بكل قوته

لم يتحرك

كانت هناك قطعة معدنية على المفصل

عائق متعمد

رفع قدمه وركله

مرة

مرتين

في الثالثة انكسر جزء من الخشب

فتح الباب قليلًا

مد يده وسحب

انفتح

في اللحظة التي رأى فيها ما داخل الغرفة

تجمد في مكانه كما لو أن جسده انقطع عنه الدم

ليان كانت على الأرض قرب السرير

ملفوفة ببطانية رقيقة

وجهها شاحب

شفتيها مائلتان إلى الزرقة

وعيناها نصف مغمضتين

وصدرها يرتفع بصعوبة مع صفير خافت

ركع يوسف بجانبها

ضمها إلى صدره

صرخ باسمها بصوت انكسر

ليان

ليان حبيبتي

فتحت عينها بصعوبة

همست

بابا

كان ذلك الهمس كافيًا ليعود الدم إلى عروقه مع ألم

أخرج هاتفه واتصل بالطوارئ وهو يضغط يدها بيده

قال عنوان الشقة

قال الطابق

قال إن الطفلة تعاني ضيق تنفس وربو وانخفاض حرارة

ثم تحرك بسرعة

أغلق النوافذ التي كانت مفتوحة فعلًا

لكنها كانت مقفلة بقطعة تمنع إغلاقها

كسرها بيديه

شد الزجاج حتى اهتز

ثم أغلق

رفع التدفئة إلى أعلى درجة

ثم خلع معطفه ولفه حولها

لا شيء في الدنيا أهم من أن تعود حرارة جسدها

وفي تلك اللحظة

خرجت نورا من غرفة النوم الرئيسية

بمنامتها الحريرية

شعرها مبعثر

عيناها نصف نائمتين

قالت بكسل مصطنع

يوسف

ماذا تفعل هنا

ألم تقل إنك في جنيف

رفع يوسف رأسه ببطء

كانت عيناه مختلفتين

لم تكن فيهما دهشة ولا سؤال

كان فيهما قرار نهائي

قال بصوت منخفض لكنه مرعب

ابتعدي

قالت وهي تحاول التظاهر بالبراءة

ما الذي حدث

لماذا هي على الأرض

هل وقعت

لم يرد

ظل يضع يده على جبين ليان

يحاول أن يشعر بالدفء يعود

ثم سمع صفارة الإسعاف تقترب

اقتربت نورا خطوة

قالت بحدة

يوسف لا تتصرف كأنني مجرمة

هي طفلة مدللة

كانت تشتكي من كل شيء

أردت أن أعلمها التحمل

رفع يوسف نظره إليها

وقال بهدوء قاطع

حبستِ طفلة ربو في غرفة باردة سبع ساعات

وأخفيتِ بخاخها

وأغلقتِ عليها الباب بالمفتاح

هذا ليس تعليمًا

هذا تعذيب

تراجعت نورا خطوة

ظهر الغضب في عينيها

لكنها حاولت أن تستعيد السيطرة

قالت

لا تبالغ

لم يحدث شيء

انظر هي تتكلم

جاء المسعفون

دخلوا بسرعة

وضعوا قناع الأكسجين

أعطوها رذاذًا موسعًا للشعب

قاسوا حرارتها

تبادلوا نظرات قصيرة

ثم قال أحدهم بجدية

نحتاج نقلها فورًا

حملوها على النقالة

يوسف سار معهم دون أن يترك يدها

ليان كانت تنظر إليه بعينين زجاجيتين

لكنها كانت تشعر بالأمان لأنها أخيرًا رأت وجهه

في المستشفى

جلس يوسف أمام غرفة الطوارئ

يداه متشابكتان

عقله يعمل على مستويين

مستوى الأب الذي يتمنى فقط أن يسمع سعال ابنته يتحول إلى تنفس طبيعي

ومستوى رجل الأعمال الذي يعرف كيف تُبنى القرارات وكيف تُهدم الأكاذيب

بعد ساعة

خرج الطبيب

قال إن الحالة استقرت

لكنها كانت قريبة جدًا من التدهور

قال إن بقاءها أكثر كان سيشكل خطرًا كبيرًا

يوسف شكر الطبيب دون كلمات كثيرة

ثم وقف

وتقدم نحو غرفة الانتظار

كان هاتفه يمتلئ برسائل من مساعده

ومن مدير الأمن الخاص

ومن المحامي الشخصي

كان يوسف قد أرسل رسالة واحدة فقط وهو في السيارة

تعالوا إلى المستشفى الآن

وصل المحامي بعد وقت قصير

جلس أمام يوسف

قال

ماذا حدث بالضبط

أخبره يوسف بكل شيء

بلا انفعال زائد

كأنه يقرأ تقريرًا رسميًا

لكن عينيه كانت تفضحان أن الأمر ليس تقريرًا

بل جرح

قال المحامي بعد أن انتهى

هذا اعتداء وإيذاء لطفل

خاصة مع علمها بحالة الربو

يمكن أن تتحول القضية إلى تهمة أشد

لكننا نحتاج أدلة واضحة

ابتسم يوسف ابتسامة قصيرة لا تشبهه

قال

ستحصل على الأدلة

في تلك الليلة نفسها

لم يعد يوسف إلى الشقة

حجز جناحًا في فندق قريب من المستشفى

ونقل ليان بعد يومين إلى جناح خاص تحت المراقبة

ثم جاء الجزء الذي كان يشبهه أكثر

خطة هادئة بوجه بارد

أرسل يوسف فريقًا تقنيًا خاصًا

ليس للتجسس

بل لاستعادة ما هو موجود بالفعل

الكاميرات التي كانت في الصالة والممر بحجة الأمان

كانت نورا تظن أنها تتحكم بها

لكن يوسف هو صاحب النظام

وهو من يدفع الاشتراك

وهو من يملك كلمة المرور الأساسية التي لم يعلمها أحد

استعاد التسجيلات

وجد فيها ما يكفي ليغلق كل أبواب الإنكار

نورا وهي تسحب بخاخ ليان من يدها

وتضعه في الحمام

ثم تغلق الباب عليه

نورا وهي تفتح النوافذ وتغلق التدفئة

نورا وهي تقفل الباب بالمفتاح من الخارج

ثم تمشي ببطء إلى غرفتها الدافئة

ثم تعود بعد نصف ساعة لتقف أمام الباب وتقول من وراء الخشب

اصمتي ولا تتصنعي المرض

لم يكن يوسف بحاجة إلى المزيد

في الصباح

ذهب إلى قسم الشرطة بنفسه

قدّم البلاغ

سلّم نسخة من التسجيلات

وأرفق تقرير الطبيب الذي يثبت الربو واحتمالات الخطر

طلب أمر منع اقتراب فوري

وأمرًا مؤقتًا بحضانة كاملة

لم يصرخ

لم يصنع مشهدًا

كان هادئًا إلى حد يخيف


ذلك الهدوء الذي يسبق سقوط جبل

حين واجهت نورا الأمر

حاولت أن تلعب دور الضحية

قالت إنها كانت تربي

قالت إن ليان تبالغ

قالت إن يوسف ينتقم منها لأنه منشغل عنها

لكن القانون لم ير في التسجيلات تربية

رأى احتجازًا وإيذاءً

صدر أمر منع الاقتراب في اليوم نفسه

وعندما عادت نورا إلى الشقة لتجمع أغراضها

وجدت الأمن الخاص ينتظر عند الباب

ومعه موظف تنفيذ رسمي

والقائمة مكتوبة

مسموح لك بأغراضك الشخصية فقط

لا مجوهرات ليست مسجلة باسمك

لا وثائق

لا مفاتيح

لا بطاقة الدخول

لا شيء

وقفت نورا مذهولة

قالت بغضب

هذه شقتي أيضًا

قال الموظف بهدوء

هناك أمر قضائي

والشقة مسجلة باسم السيد يوسف وحده

تغير وجهها

كانت تظن أن الزواج يمنحها حصانة

لكنها اكتشفت أن يوسف كان يحمي ابنته حتى في الأوراق

سجّل كل شيء باسم واضح

ترك لها رفاهية الحياة

لكنه لم يترك لها مفاتيح السيطرة

وفي المساء

اتصلت به وهي تبكي وتصرخ

يوسف أنت تدمر حياتي

أنا لم أقصد

أنا كنت أعلمها فقط

رد يوسف بصوت ثابت

ليان كانت ستفقد حياتها

وأنت كنت ستكملين نومك

هذه ليست غلطة

هذه شخصية

ثم أغلق

بعد أسبوع

خرجت ليان من المستشفى

بوجه مرهق لكنه حي

وعينين تبحثان عن الأمان

أخذها يوسف إلى بيت جديد

بيت اختاره بعناية

بعيدًا عن ذكريات الشقة

بعيدًا عن كل ما يحمل رائحة القسوة

وفي أول ليلة

جاءت ليان إلى غرفته

لم تنم وحدها

وقفت عند الباب وقالت بخوف طفولي صريح

بابا

هو ممكن حد يقفل عليا تاني

انحنى يوسف

ضمها

وقال

لا يا حبيبتي

من هذه الليلة لن يقفل عليك أحد

أنا هنا

والبيت هذا بيتك

وأي شخص يزعجك لن يبقى فيه لحظة

نامت ليان وهو يمسك يدها

وعندما شعر أن تنفسها صار منتظمًا

نظر إلى السقف طويلًا

لم يكن يفكر في نورا فقط

كان يفكر في نفسه أيضًا

في كيف سمح لامرأة أن تقترب من ابنته بهذا الشكل

وفي كيف يمكن للشر أن يلبس وجهًا مهذبًا

لكن يوسف لم يترك الأمر للندم

حوّل الندم إلى فعل

بعد شهرين

صدرت قرارات المحكمة

الطلاق تم

الحضانة كانت ليوسف كاملة

ونورا مُنعت من الاقتراب

وأُحيلت للقضاء بتهمة إيذاء طفل واحتجاز

قد تحاول تسوية

قد تحاول اعتذارًا

لكن يوسف رفض

لأن بعض الأشياء لا تُشترى بتوقيع

ولا تُمحى باعتذار

وفي يوم الجلسة الأخيرة

عندما التفتت نورا إليه في القاعة بعينين ممتلئتين بالرجاء

لم ير فيها المرأة التي تزوجها

رأى فقط الباب المغلق

والنافذة المفتوحة

وبنتًا صغيرة تحاول أن تتنفس

خرج يوسف من المحكمة

أخذ ليان إلى المدرسة

وقف معها عند الباب

قال لها

إذا شعرت يومًا بالخوف اتصلي بي في أي وقت

حتى لو كان الفجر

حتى لو كنت في آخر العالم

ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة

وقالت

وأنت هتيجي

قال

سأجيء

دائمًا

ومضى بها إلى الداخل

ثم توقف لحظة عند الباب

وشعر للمرة الأولى منذ تلك الليلة أن صدره يستطيع أن يتنفس هو أيضًا








تعليقات

التنقل السريع
    close