رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الخمسون 50بقلم سيلا وليد حصريه
رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الخمسون 50بقلم سيلا وليد حصريه
الفصل الخمسون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
كلٌ يبكي على ليلاه..
ماذا عن قلبٍ أحبّ حد الوجع، وماذا عن قلبٍ عشق الوجع؟ فلو كان للوجع صوت، لضجّت الأرض من عويل القلوب في هذه اللحظة.
من المفترض أن تكون هذه الحكاية مختلفة، لكن القدر كان له رأي آخر، فقد خطّ نهايتها بمدادٍ من رماد، وأحرق خلفها كل طرق العودة.
في السطور القادمة..
ستسمع صوت التهشّم الذي لا يسمعه أحد، وسترى كيف يمكن للإنسان أن يمشي، ويتنفس، ويضحك.. وهو في الحقيقة جثة مؤجلة الدفن، قتلتها خيبة لم تكن في الحسبان.
فليس كل مَن يحيى بيننا حياً، فثمة أرواحٌ ماتت في منتصف الطريق، وأكملت الرحلة بصمتٍ لا يفهمه إلا مَن ذاق مرارة الفقد.
خرج من الحمَّام يلفُّ نصفه السفلي بمنشفة، وأخرى يجفِّف بها خصلاته، بعد حديثها الذي عجز عن الرد، تجمَّد مكانه حين وجدها واقفة في الغرفة، تمسك هاتفه وتتحدَّث به.
ظلَّ يتطلَّع إليها بصمت، إلى أن أنهت المكالمة.
استدارت نحوه، عيناها تقدحان وجعًا:
_ بيت الطالبات بيقولوا إنِّ زهرة انتحرت بعد ماكنت عندها، روحت لها ليه يا يوسف؟
ألقى المنشفة من يده بعصبية واقترب خطوة:
_ ضي…إنتِ بتشكِّي فيَّا؟
لم تُجب..لمعت عيناها بالدموع، وصمتها كان أوجع من أي اتهام.
_روحت للبنت اللي اعترفت لك بمشاعرها ليه يا يوسف؟
ثم أضافت بصوتٍ مكسور:
_ مالوش دعوة بالشك…
وضعت كفَّها فوق صدرها كأنَّها تحاول تهدئة قلبٍها الذي أوشك أن ينفجر:
_ريَّح قلبي، حقِّي أعرف جوزي راح للبنت اللي قهرتني ليه.
اقترب أكثر، وقال بصوتٍ خرج حازمًا:
_ ولا عاش اللي يقهرك يا ضي، إنتِ أكبر من إنِّك تحطِّي نفسك في مكانة عيِّلة.
انسابت دموعها، وبقيت تنظر إليه بشفاهٍ مرتجفة، ودقَّات قلبها تعلو وتفضح هشاشتها.
ضمَّها إلى صدره، فانهارت تبكي بحرقة، تهمس بصوتٍ متحشرج:
_ هوَّ أنا ليه بقيت مريضة بحبَّك يا يوسف؟
ليه بقيت ضعيفة وغبية في أي حاجة تخصَّك؟
أبعدها قليلًا، واحتضن وجهها بين كفَّيه، يغوص في عينيها:
_ايه اللي بتقوليه دا،في واحدة تقول على حبها لجوزها،غبية ومريضة، مديرة بيت الطالبات هيَّ اللي كلِّمتني..
قالتلي إنِّ البنت عاملة إضراب عن الأكل بقالها كام يوم، وكمان الكلية…
تنهَّد وأكمل:
_ متنسيش إنِّ زهرة متربية معانا، وتعرفي إنَّها بريئة..غلطت…آه، بس على قدِّ غلطنا إحنا، شافت حاجات ماكنش المفروض تشوفها.
روحت علشان خاطر أمَّها، الستِّ الغلبانة اللي بقالها سنين بتخدمنا.
كلِّمتها، فهَّمتها إنِّ اللي بتعمله غلط ولازم تركِّز في مذاكرتها.
_ يعني…روحت بدافع المصلحة وبس.
اقترب أكثر، وقال بصوتٍ خافت:
_ لو مش مصدَّقاني…
وضعت كفَّها سريعًا على فمه:
_خلاص…مصدَّقاك.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيها، ابتسامة موجوعة لا تشبه الفرح:
__ بغير عليك…الغيرة وصَّلتني لمرحلة الهوس، أنا مابشكِّش فيك، بس قلبي واجعني منَّك.
مرَّر يده على شعرها بحنانٍ متأنٍّ، كأنَّه يداوي كسرًا لا يُرى:
_ ألف سلامة على قلبك...
انهارت داخل حضنه، دفنت وجهها في صدره، فشدَّها إليه أكثر، وهمس بالقرب من أذنها:
_ وأنا مجنون بيكي، والله العظيم بحبِّك بجنون.
رفع ذقنها برفق، وحدَّق في عينيها:
_ عندك شك في حبِّي؟
هزَّت رأسها نفيًا، ثم التقطت كفَّيه اللذين يحتضنان وجهها، قبّلتهما:
_ وأنا كمان يا يوسف…بس أنا تعبانة، وإنتَ مش مريَّحني.
ثبَّت نظره في عينيها، وقال بصدقٍ:
_ ضي، أنا مش مانع الإنجاب…ربِّنا لسه ماأذنش.
تراجعت خطوة تطالعه باستنكار، تهزُّ رأسها نفيًا بعنادٍ مخلوط بالخوف:
_ لو زي مابتقول، تعال نروح لدكتور… نكشف مع بعض.
ابتعد عنها فجأة، كأنَّ الاقتراح أصابه في مقتل، واتَّجه نحو غرفة الملابس، وقال بصوت حاسم وهو يدير لها ظهره:
_ أنا قلت اللي عندي.
ثم أضاف، وكأنَّه يُغلق باب النقاش:
_وقت ماربِّنا يأذن…هييجي لنا بيبي.
اقتربت خطوتين، وصوتها مكسور:
_ برضو يا يوسف، مهما أقول مفيش فايدة.
استدار إليها بعينينِ متعبتين:
_كلِّ اللي شاغل بالك البيبي…وأنا فين؟
دنت منه،و نظراتها تحتويه قبل كلماتها:
_ إنتَ كلِّ حاجة…علشان كده عايزة أجيب بيبي، هوَّ الستِّ لمَّا تبقى عايزة تخلِّف من جوزها، مش علشان بتحبُّه؟
تنفَّس بعمق، ثم قال بقلقٍ مكتوم:
_ ضي، لو حياتنا هترتبط بالبيبي… هنتعب.
ارتعش قلبها، ضيَّقت عينيها وهمست بتقطُّع:
_ تقصد إيه يا يوسف؟
ساد صمتٌ ثقيل، ثم نظر إليها بهدوءٍ، ثم قال:
_الموضوع هيتأخَّر…ومعرفش هيبقى عندنا بيبي ولَّا لا.
اقتربت أكثر، كأنَّها لم تفهم أو لا تريد أن تفهم:
_ إنتَ قصدك إيه؟
تراجع بجسده حتى لامس الخزانة، يريد أن يهرب قبل أن يكتشف امره:
_ ماأقصدش حاجة، كلِّ اللي عايزك تتأكِّدي منُّه إنِّي مش رافض يكون عندنا ولاد.
صفعت الكلمات روحها قبل أذنها:
_ يعني إيه! يعني إنتَ مش اللي؟.
قاطعها بحدَّة خافتة:
_ ضي، كفاية كلام في الموضوع ده. قلت لك لمَّا ربِّنا يأذن، ده اللي أقدر أقوله.
انتفض جسدها، وتسلَّل صوت الطبيبة إلى عقلها كصفعةٍ أخرى، يرنُّ في أذنها كعويلٍ لا يهدأ.
ياإمَّا جوزِك مأجِّل…ياإمَّا عنده مشكلة.
دلفت خلفه وقلبها يخفق كالمضخَّة، تتشبَّث بدعاءٍ صامت أن يكون مافهمته وهمًا لا أكثر.
توقَّفت خلفه حتى أنهى ارتداء ملابسه، ثم همست بتقطُّع، وهمست بتقطع لتشعر بأن الحروف نفسها ترتجف خوفًا من البوح:
_ يوسف…
أطبق على جفنيه بقوَّة، يحاول السيطرة على أعصابه التي توشك أن تخونه، التفت إليها برأسه فقط، فالتقت عيناه المتألمتانِ بعينيها الراجيتين، كأنَّ كِلتيهما تستنجد بالأخرى:
_ إنتَ مخبِّي حاجة…زي ماتوقَّعت، صح؟
زفر بنفاد، وصوته خرج مشدودًا:
_ ضي، هوَّ كلِّ يوم هنفضل في الحوار ده، عايز أعرف مشكلتك إيه بالظبط؟
اقتربت حتى توقَّفت أمامه مباشرة، رفعت نظرها إليه بثباتٍ مهتزّ:
_ إنتَ كشفت…وفيه مانع يبقى عندنا أولاد؟
انفجرت الكلمات في صدره كطلقٍ مباشر.
زاغت عيناه، وتيبَّس فكِّه، ولم يعد قادرًا على النطق.
كأنَّ الحروف هربت من فمه أو أنه لم يعرف النطق
أمسكت بذراعيه، وانسابت دموعها رغماً عنها حين لم تجد سوى صمته:
_ يوسف…مابتردِّش ليه؟
ابتعد خطوة، وثقُل تنفُّسه، يشعر بأنَّ الهواء صار عدوِّه، أراد أن يصرخ، أن يعترف، أن يفرغ مايقتله، لكنَّه لم يقوَ..لم يكن يتخيَّل أنُّه سيُذبح هكذا، بلا سكِّين.
شعر كأنَّه يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو واقف.
دنت منه مرَّةً أخرى، وصوتها يكاد ينهار:
_ اللي بقوله صح…مش كده؟
كيف يستطيع الإنسان الصمت وهو يشاهد سعادة عمره تُسرق أمام عينيه وهو عاجز؟ لمست وجهه بأنامل مرتعشة، ترجوه بعينيها قبل كلماتها:
_ رد عليَّ…
أدار وجهه، وصوته خرج مكسورًا وهو يحاول الهرب:
_ ضي، أنا جاي تعبان وعايز أرتاح، لو سمحتِ أجِّلي الموضوع ده.
تحرَّك نحو الغرفة، لكنَّها ركضت خلفه وصاحت، والوجع يسبق صوتها:
_ إنتَ هتفضل لحدِّ إمتى كده؟
إمتى هتشاركني وجعك؟
إمتى هحس إنِّي مراتك بجد؟
اقتربت أكثر، وكلماتها تنزف قبل قلبها:
_ أنا مابقيتش فاهمة إنتَ بتعمل كده ليه…
لإمتى هتفضل جوَّه القوقعة بتاعتك؟
قولِّي…إمتى هتخرج من الماضي وتشاركني حياتك زي أي اتنين متجوِّزين؟
ضاق به المكان حتى خُيِّل إليه أن الجدران تطبق على صدره.
تهاوت قوَّته فجأة، فجلس على المقعد بعدما فقد القدرة على الوقوف.
ظلَّ صامتًا، رأسه منكَّس، كتفاه مثقلتان.
رجلٌ يجلس في مواجهة الحقيقة…
يشعر بالعجز،
والانكسار.
اتَّجهت إليه وجلست أمامه، عقلها يكاد ينفجر:
_ كالعادة سكوت…كالعادة كأنَّك عايش لوحدك..أنا مراتك، ومن حقِّي أعرف كلِّ حاجة، من حقِّي يا يوسف… سمعتني؟ من حقِّي.
مدَّ يده وأمسك كفَّها، أجلسها إلى جواره، سحبها إلى أحضانه ، ثم طبع قبلةً طويلة على جبينها، قبلةٌ تشبه الاعتذار أكثر ممَّا تشبه الطمأنينة:
_ حبيبتي، أنا جاي تعبان، لو بتحبِّيني أجِّلي أي كلام دلوقتي.
أومأت وهي تتأمَّل عينيه، تستشفُّ صدقًا ممزوجًا بوجعٍ لم تفهمه، فتمدَّدت جواره، سحبها لتسكن بين ذراعيه..غفت سريعًا، كأنَّها ألقت بثقلها كلِّه على صدره.
أمّّا هو…فلم يغمض له جفن.
ظلَّ ينظر إليها طويلًا، كالمبدع الذي يتأمَّل لوحته الأخيرة، يخشى أن تُنتزع منه فجأة.
عيناه تجولان فوق ملامحها ببطءٍ موجع، وكأنَّهما تحفظانها عن ظهر قلب، خشية يومٍ يُحرم فيه حتى من النظر.
أغمض عيناه يحاول أن يُصمت صراع عقله الذي يقوده للجحيم، لا من بعدها، بل من الطريق الذي يقوده إليها عقلُه عنوة.
طريقٌ يعرف نهايته، ولا يملك الشجاعة ليغيِّره.
_هينفع أكمِّل كده؟
ولَّا أنا بضحك عليها وبضحك على نفسي؟
اقترب منها أكثر، كأنَّ قربه قد ينقذه من المصير الذي يطارده..دفن رأسه في عنقها، سحب رائحتها بشراهة، يريد أن يدفنها داخله، ضمَّها بقوَّة، لا ليحميها، بل ليمنع نفسه من السقوط.
_لو بعدت…هموت.
ولو فضلت…هتتوجع معايا.
ظلَّ هكذا طويلًا، يصارع أفكاره، يساوم قدره، يطلب معجزة لا تأتي.
حتى غلبه الإرهاق أخيرًا، فغفا نومًا متقطِّعًا، نومُ رجلٍ استسلم، لا رجلًا اطمأن.
عند رولا..
أشارت الطبيبة إلى الممرِّضة قائلة بهدوء مهني قاسٍ:
_ كلُّه جاهز؟
أومأت الممرضة، فاتَّجهت الطبيبة بنظرها إلى رولا:
_ جاهزة؟ أتمنى تكوني فكَّرتي كويس.
وضعت رولا كفَّيها لا إراديًّا على أحشائها، وانسابت دموعها بصمت:
_ خلَّصيني منُّه يا دكتورة…
سحبت الطبيبة الإبرة التي ستحقنها بها، وفي اللحظة نفسها اجتاحت رولا مشاهد سريعة مع بلال منذ زواجهما..
دلالها عليه، نظرته التي كانت تسبق قلبه عشقًا.
أغمضت عينيها، لتسقط داخل إحدى الليالي…حيث كان كلُّ شيء مختلفًا.
قبل أيَّام قليلة، كانت الحياة تشبه هدية نزلت من السماء دون موعد.
عاشت أيَّامًا من العشق الذي طالما تمنَّت أن يكون حقيقة لا خيال، حتى جاء ذلك المساء…مساء الوصول إلى المالديف، حيث بدا كلُّ شيء وكأنَّه خُلق ليبارك هذا القرب.
استيقظت من نومها على دفءٍ يحيط بها، ابتعدت قليلًا عن ذراعيه، تتأمَّله..
ابتسامة ناعمة أضاءت وجهها، وقلبها يهمس بدهشة:
_هل هذا هو بلال؟ ذاك الذي رفضته مرارًا.
كيف تحوَّل الآن إلى أنفاسها، إلى سببٍ خفي لبقائها على قيد الحياة.
اقتربت منه من جديد، ودفنت نفسها بين أحضانه، كأنَّ العالم لا يتَّسع لها إلَّا بأحضانه.
تململ في نومه، تنفَّس بعمق، ثم فتح عينيه ببطء.
أسرعت بإغماض عينيها، متصنِّعة النوم، بينما كان قلبها يخفق كمن ضُبط متلبِّسًا بالسعادة.
حاول الاعتدال، ثم توقَّف…
توقَّف حين رآها بين ذراعيه، ساكنة، كم تمنَّى أن يستقيظ ويجدها بين أحضانه.
رفع كفِّه، أزاح خصلات شعرها عن عينيها، ومرَّر أنامله على وجهها بحنانٍ لم يعتده من نفسه.
ابتسامة خفيفة لمعت في عينيه، وأحداث ليلة الأمس عادت دفعةً واحدة، تشعره وكأنَّه امتلك العالم بأسره، لا امرأة فقط.
اقترب من أنفاسها، وهمس بالقرب منها، بصوتٍ دافئ، مليء بالمشاكسة:
_ صح النوم…عارف إنِّك صاحية. افتحي عيونك…
ثم أضاف بابتسامةٍ مائلة:
_ ولَّا أفتحها بطريقتي؟
هبَّت من مكانها فجأة، تبتعد عنه بخطوةٍ متوتِّرة، كأنَّها تخشى نفسها أكثر ممَّا تخشاه.
_ إياك…إياك تقرَّب منِّي.
ضحك بصوتٍ عميق، ضحكة خرجت من صدرٍ امتلأ بها، لا بها وحدها بل بكلِّ ماتمثِّله.
في لحظةٍ واحدة جذبها إليه، كأنَّ المسافة بينهما خطيئة يجب محوها فورًا:
_ هتعملي إيه؟
حاولت الإفلات من بين ذراعيه، لكنَّه كان كالحصن، ثابتًا، محكمًا، لا يفتح أبوابه إلَّا لها.
شدَّها أكثر، حتى التصق جسدها به، وانحنى يهمس قرب أذنها، بصوتٍ اختلط فيه الوجع بالعشق:
_ متحاوليش…متعرفيش أنا اتوجعت قدِّ إيه علشان تبقي في حضني كده.
رفعت عينيها إليه، قربه أربك أنفاسها، نظراته حاصرتها، كأنَّها تتنفَّسه لا الهواء.
همست بصوتٍ مرتعش:
_ آسفة…
ضمَّ رأسها إلى صدره فورًا، كأنَّ الكلمة جرحت قلبه لا طمأنته.
_ بتتأسِّفي على إيه؟
قالها وهو يشدِّد احتواءها:
_ أنا نسيت كلِّ حاجة من أوَّل ماأخدتك في حضني.
اقترب أكثر، حتى لامست شفتيه عنقها، لا بعجلة، بل ببطءٍ مُربك، كأنَّه يعلن امتلاكه للعالم من خلال هذا القرب:
_ من وقت مابقيتي رولا بلال الشافعي…
توقَّف لحظة، وكأنَّ الاسم وحده كفيل بمحو العمر كلِّه.
_ مسحت الماضي كلُّه.
ثم همس بصوتٍ مخنوق بالسعادة:
_ مش عارف أوصف سعادتي وإنتي في حضني…أنا كامل بيكي.
أغمضت عينيها، وتركت الكلمات تسكنها، ارتجف جسدها مع سخونة أنفاسه، وارتفعت أنفاسها دون قصد.
ومن قلبٍ كان يخشى الاعتراف..
خرجت كلمتها هادئة، صادقة، لأوَّل مرَّة بلا هروب:
_ بلال…أنا بحبَّك أوي.
كلمات بسيطة، لكنَّها سقطت عليه كإعلانِ نصر.
ضمَّها بقوَّة، لا يريد أن يترك لها فرصة للندم أو التراجع، سحبها إلى دوَّامته، إلى عالمه..
وفي تلك اللحظة، لم يعد يريد شيئًا…
سواها.
أفاقت من شرودها في تلك الليلة على صوت الطبيبة:
_ هاتي إيدك…
تعلَّقت عيناها بالإبرة بين أصابع الطبيبة، فانتفضت فجأة وكأنَّها أُفزعت من كابوس..اعتدلت في جلستها، وخرج صوتها مبحوحًا باكيًا:
_ لا…خلاص، مش هنزِّله.
لم تنتظر ردًّا..اندفعت نحو الغرفة، ترتدي ملابسها بعشوائية ودموعها تسبق خطواتها، انهار جسدها بالكامل.
خرجت من العيادة النسائيَّة تتخبَّط في سيرها، والألم يضغط على صدرها، تتذكَّر لقاءها بيوسف قبل يومين يرنُّ في عقلها بلا رحمة.
حين نزلت لتستلم جهاز اختبار الحمل من عامل التوصيل، توقَّفت رولا أمام الرجل، سحبت ماطلبته بسرعة وخبَّأته داخل حقيبتها الصغيرة، لكن يوسف كان قد لمح الدرَّاجة الناريَّة، حتى توقَّف قبالتها مباشرة:
— فيه حاجة؟
قالها وهو ينظر إلى الدراجة البخاريَّة، واسم الصيدلية المدوَّن عليها بوضوح.
تحدَّثت بسرعةٍ مرتبكة:
_كنت طالبة حاجة…إنتَ اللي فيه حاجة؟
تعلَّقت عيناه بالحقيبة الصغيرة في يدها..اقترب خطوة يحدِّق فيها:
_ لا…مفيش، شوفت الراجل وأنا طالع هوَّ بلال مش فوق؟
_معرفش، ومش عايزة أعرف.
اقترب أكثر، وقال بصوتٍ منخفض وهو يثبِّت عينيه في عينيها:
_ رولا…موضوع الجواز مش زي ماإنتِ مفكَّرة، بلال بيحبِّك بلاش تخسريه.
فتحت فمها لترد، لتدافع، لتصرخ… لكن توقَّفت على صوتِ رجل التوصيل:
— آسف يا أستاذة…بدَّلت الأوردر بالغلط، حضرتك كنتِ طالبة اختبار حمل، اتفضلي..الأوردر اللي معاكي مش طلبك.
تجمَّدت..ارتجف جسدها تحت نظرات يوسف التي انغرست فيها كالسكاكين. سحبت الطلب من يد عامل التوصيل دون كلمةٍ واحدة، بأصابع ترتعش، وأنفاسٍ تختنق.
خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مذهولًا، كأنَّه لا يصدِّق ماسمع:
— إنتِ حامل؟
_مش شغلك يا يوسف، خلِّيك في حياتك، وياريت متعرَّفش صاحبك.
الحمل مش هيغيَّر حاجة…ده لو كنت حامل أصلًا، وحتى لو..مش هجيبه.
اقترب منها خطوةً واحدة، ورفع سبَّابته في وجهها، تهديده كان فجّ وصريح:
— لو اتصرَّفتي بغباء، هنسى إنِّك بنت خالي.
رفعت ذقنها بتحدٍّ، ترمقه بعينين تقدحان نارًا:
_ميهمنيش، اعمل اللي تعمله.
كلِّ اللي يهمِّني أخلص من صاحبك الخاين.
رمقها باشمئزاز:
_عارفة يا رولا؟ أنا لو مكانه والله لو بموت فيكي، ماأبصِّش ورايا..
إنتِ بجحة أوي.
اقترب أكثر، وغضبه يتصاعد:
_ اتلمِّي، بدل ماأكشفك قدَّام أخوكي.
ثم انفجر ساخرًا، وصوته يحمل قسوة مهينة:
_ وإنتي عارفة ردُّه إيه، بلاش شغل الهبل والشيطنة ده يا بت.
مالك سايقة الدلال؟ احمدي ربِّنا إنُّه عبَّرك.
ومتفكَّريش نفسك جميلة…شوية الشخابيط دي جردل ميَّة يخلِّيكي زي الكتكوت المبلول..بنات آخر زمن!
نظرت له ببرودٍ قاتل:
_ مش هردِّ عليك.
أنا لو ردِّيت، أبقى بدِّيك قيمة وإنتَ متستاهلش.
ابتسامة ساخرة شقَّت شفتيها:
_ هتقول إيه يعني؟ ماهو إنتَ شبهه.
قهقه بصوتٍ عالٍ، يصفِّق كفَّيه ببعضهما:
_ علَّمناهم السرقة، سبقونا على الأبواب.
دنا منها، همس بجوار أذنها بنبرةٍ هادئة خبيثة:
_ يا بت، ده إحنا طبخينها سوا..
وعلى رأي ببلاوي، وحياة رحمة أبوه لأجوِّزه أحسن منِّك.
وأجوِّزه ليه أصلًا؟ ماهو متجوِّز!
لفَّ ذراعه حول كتفيها بعنف، يجذبها إليه، وعينيه للأمام:
_ النهارده كام في الشهر يا بنت خالي؟
روحي بيتكم، علِّمي بالنتيجة..
بعد شهر بالظبط هنبارك لجوزك على البيبي.
ولو حبِّيتي تستظرفي، هيجيب بدل الطفل أربعة.
بلاش تاخديني في طريق يزعَّلك.
دفعته بقوَّة، ورغم ارتعاش جسدها لكن صوتها كان ثابت، وكلماتها خرجت كسكاكين:
_ هتعمل إيه؟متعملش فيها بريء وتهدِّد…
إنتَ أبشع منُّه.
تقدَّمت خطوة، تثبِّت عينيها في عينيه:
_واحد خان مراته.
والتاني بيلعب على مراته، ورافض يجيب منها عيال..تفتكر ليه يا ابن عمِّتي؟
اقتربت أكثر، همست بوجعٍ مكبوت:
_ مش بقالكم سنتين متجوِّزين؟
ولَّا أنا بحسب غلط، ليه مجبتش بيبي يا يوسف..وليه مفهِّم مراتك إنَّك بتحبَّها؟
ابتسمت بمرارة:
_ علشان اتجوِّزتها غصب عنَّك، أو يمكن استغلِّتها الله أعلم.
أشاحت بيدها في الهواء:
_ ماهي العيلة دي متعوِّدة على كده.
هزَّت رأسها بعدما وجدت ذهوله:
_أيوة..أنا عرفت سبب جوازك.
انخفض صوتها، لكنَّه صار أخطر:
_ متخلِّنيش أهرب من العيلة دي زي ماأمَّك عملت زمان.
لو قرَّبت من حياتي…
قسماً بالله أعمل زي عمِّتو ميرال، ومش هخلِّيكم توصلولي.
ابتسمت بسخرية موجعة:
_ آه…روح قول لخالك..
قولُّه أنا عرفت إزاي باعني لصاحبك
وإزاي عرف يكسرني..رفعت رأسها، والدموع محبوسة خلف عينيها بقهر:
_ وأنا لو حامل يا يوسف…
هنزِّله..ثم مالت نحوه، همست بتهديدٍ بارد:
_ ورِّيني بقى…هتعمل إيه؟
لم يَعِ مايفعل، ولم يشعر بنفسه إلَّا وكفِّه تهوي على وجهها بقسوةٍ عمياء، صفعةٌ أفقدتها توازنها فترنَّحت، كأنَّ الأرض انسحبت من تحت قدميها.
رمقها باشمئزازٍ بارد، نظرةٌ كانت أوجع من الضربة نفسها، ثم استدار وغادر… كأنَّه لم يفعل شيئًا.
عادت إلى الحاضر…
خرجت من العيادة تتهاوى، تبكي بانهيارٍ كامل، إلى أن حجبت دموعها عنها الرؤية، والعالم من حولها صار ضبابًا خانقًا..اتَّجهت نحو المصعد، لم تجده، فاندفعت إلى الدرج بخطواتٍ متعثِّرة، وصدرها يعلو ويهبط كمن يختنق.
همست لنفسها بصوتٍ مكسور:
_ ليه يا بلال..ليه كسرتني كده..ليه وجعتني لحدِّ ماكرهت الحياة؟
توقَّفت فجأة، وجسدها خانها، لتتجمَّد قدماها..وضعت كفَّيها على أحشائها، وأنفاسها تقطَّعت، لتتَّسع عيناها بذعر:
_ إنت…إنتَ اللي هتخلِّيني أعرف يعني إيه انتقام، وآخد حقِّي منَّك، يا كدَّاب… يا خاين.
مسحت دموعها بعنف، كأنَّها تمسح ضعفها، ثم تحرَّكت بسرعةٍ يائسة، وشرٍّ يتوهَّج في عينيها:
_ خلِّيه يقابلني لو شافك…لو عرف بيك، خلِّيه يروح لحبيبة الروح.
قالتها وهي تهبط الدرج مسرعة، لكن فجأة خانتها قدماها، انزلقت…
صرخةٌ ممزَّقة شقَّت المكان، وجسدها يتدحرج على الدرج بلا رحمة، ارتطامٌ بعد ارتطام، حتى سكنت عند أوَّل سلَّم، جسدٌ منكسر وروحٌ تُذبح.
كانت إحدى السيدات تصعد إلى العيادة، فشهقت وركضت نحوها.
رولا كانت تبكي وتحتضن أحشائها بجنون:
_ ابني…ابني!
نظرت السيدة إليها بصدمة:
_إنتِ…إنتِ حامل؟
_ آآآه…
خرجت الكلمة مع بكائها، مع الألم الذي شقَّها نصفين.
وقعت عينا السيدة على الدماء، فتراجعت بخوف:
_ لا حول ولا قوة إلَّا بالله…شكلك سقَّطي يا بنتي!
صرخت بأعلى صوتها:
_ حد يلحقنا! حد يساعدني نطلَّعها العيادة!
ثم بصوتٍ مرتجفٍ مكسور:
_ البنت كانت حامل…وسقَّطت.
بعد وقتٍ بدا له دهرًا، وصل بلال إلى العيادة.
دلف إلى الداخل يلهث، صدره يكاد ينفجر، وعيناه تجوب المكان بجنون، كمن جاء متأخِّرًا ويحاول إنقاذ مالا يُنقذ.
أردف بصوتٍ متحشرجٍ، مكسور:
_ مدام رولا الشافعي…جات هنا بعمليِّة إجهاض؟
نظرت الممرِّضة إلى الجهاز أمامها، ضغطت بعض الأزرار، ثم رفعت عينيها إليه:
_في العمليات يا فندم.
في تلك اللحظة…شعر أنَّ الأرض مالت، وأنَّ الجدران تضيق، كأنَّ الهواء انسحب من رئتيه.
بل شعر بأنَّه فقد حياته دفعةً واحدة.
ابتلع ريقه بصعوبة، حاول النطق ولكن لسانه ثقل ولم يعد لديه القدرة على النطق:
— بت…بتنزِّل البيبي؟
لم تجبه، فقط أومأت برأسها في صمتٍ قاتل...انهار شيءٌ بداخله.
خرجت الطبيبة من غرفة العمليات، فاندفع نحوها كوحشٍ جريح:
_ إنتِ إزاي كده؟!
صاح بها بصراخِ روح، لا صوتِ رجل.
_ إنتِ قاتلة! فاكرة نفسك دكتورة؟!
اقترب منها وهو يهذي:
_ أقسم بالله لأقفل لك العيادة دي… دكتورة من غير أخلاق ولا قيم!
تراجعت الطبيبة بخوف:
_ إنتَ مين يا أستاذ؟! قاتلة إيه؟!
رفعت هاتفها:
_أنا هتِّصل بالبوليس…شكلك مجنون!
كاد يطبق على عنقها، وعروق رقبته نافرة، عيناه حمراواتان كأنَّهما تريان الدم.
لكنَّه توقَّف فجأة…تجمَّد حين رأى
الممرِّضة تدفع رولا على الفراش نحو إحدى الغرف...جسدها ساكن، شاحب، كأنَّ الحياة انسحبت منه.
ركض نحوها وهو يصيح كمن فقد عقله:
_ والله لأقفل العيادة دي!
ثم صرخ في الممرضة:
_إيَّاكي تلمسيها!
اندفع بجسده أمام الفراش:
_ ابعدي…سيبيها!
انحنى عليها…كانت غائبة عن الوعي.
دمعةٌ وحيدة انسلَّت من طرف عينها كسهمٍ اخترق قلبه، هنا…انكسر.. انحنى وحملها بين ذراعيه، كمن يحمل خطيئته، كمن يحمل جنازة روحه، وخرج بها من العيادة كلَّها، غير عابئٍ بصراخٍ أو تهديد.
كان يخطو وكأنَّه يمشي فوق زجاجٍ حاد، كلُّ خطوةٍ تغرس الألم في قدميه.
ودموعه لا تنزل…بل تصرخ، تعوي، تفضح حجم الوجع الذي ينهشه من الداخل.
لحقت به الطبيبة تصرخ:
_ مراتك وقعت! إحنا ماأجهضنهاش!
لكن كلماتها لم تصل، لم يسمع.
لم يعد يسمع شيئًا منذ سقط قلبه قبل جسدها..ظلَّ يجرُّ قدميه بصعوبة حتى وصل إلى سيارته.
فتح الباب الخلفي، وضعها برفقٍ مبالغ فيه، كأنَّه يخشى أن يوقظ الألم النائم بداخلها..رغم مايشعر بكمِّ الألم الذي يصرخ داخله
توقَّف، وظلَّ ينظر إليها طويلًا.
هنا…بكى قلبه، صرخ دون صوت..
انهار دون دموع..كيف تفعل به ذلك!!
كيف تسحب أنفاسه من صدره،
وتدفنه في قبرٍ مظلم…
وهو مازال على قيد الحياة.
مضى وقتٌ طويل وهو جالس أمام فراشها، لا يتحرَّك، لا يتنفَّس
حتى تأوَّهت في نومها، أنينٌ ضعيف خرج منها كطفلٍ تائه.
فتحت عينيها بصعوبة، جفونها ثقيلة، وصوتها خرج هامسًا مكسورًا:
_ ابني…
عاد بجسده إلى الخلف، عقد ذراعيه أمام صدره، ملامحه جامدة، قاسية، بلا أثرٍ لأي شعور…كأنَّ المشاعر ماتت بقلبه.
حاولت أن تستوعب، أين هي ولكن الدوار ينهش رأسها، وضعت كفَّها على أحشائها بحركةٍ غريزيَّة، وفزعٍ صامت.
وقعت عيناها عليه…كان جالسًا كالجثَّة، جسدٌ حاضر وروحٌ غادرت منذ زمن.
دارت بعينيها في الغرفة، ثم همست بخوف:
_ أنا فين؟
نهض من مكانه دون أن يجيب.
خرج لدقائق ثم عاد، وضع شنطة بلاستيكية على الكومودينو بجوارها، حركاته كانت آليَّة، بلا روح.
دلفت الخادمة:
_ نعم يا دكتور؟
_ العلاج ده مكتوب عليه المواعيد والعدد…
توقَّف لحظة، ثم أكمل ببرودٍ قاسٍ:
_فكَّري بيه المدام، ودلوقتي اعملي لها أي حاجة تاكلها.
_ تحت أمرك يا دكتور.
دخل غرفة الملابس، دقائق قليلة، ثم خرج وهو يحمل ثيابه..تحرَّك نحو الباب، فأوقفه صوتها…مبحوحًا، مرتجفًا:
_ بلال…
توقَّف..لم يلتفت..أعطاها ظهره كأنَّها لم تعد موجودة.
_ ابني…
سكتت لحظة، كأنَّها تخشى الإجابة، ثم همست:
_ حصل له إيه؟
التفت برأسه فقط، نصف التفاتة، بلا رحمة:
_ متنسيش العلاج.
ثم أضاف وكأنَّه يتحدَّث عن أمرٍ عابر:
_ لازم تخفِّي بسرعة…بكرة كتب كتاب شمس.
رفع حاجبه قليلًا:
_ مش عايز أكسر فرحة العيلة.
استدار بكامل جسده، عيناه ثبتتا في عينيها، نظرة حاسمة، فاصلة:
_ فيه خدم في البيت…
توقَّف لحظة قصيرة، ثم أكمل:
_لو احتاجتي حاجة.
قالها…وخرج.
أغلق الباب خلفه بهدوءٍ قاتل، دون كلمةٍ أخرى، دون نظرة، دون حتى كذبة مواساة.
ظلَّت تحدِّق في الباب المغلق.
ثوانٍ…ثم دقائق...وفهمت.
انفجرت باكية، بكاءً مكتومًا، موجوعًا، كمن يبكي داخل قبر.
وضعت كفَّيها على أحشائها الفارغة، وانهار صوتها:
لقد فقدت جنينها…وفقدت معه كلَّ شيء.
عند حمزة..
عاد إليه ورمقه بنظرةٍ صامتة، فهم مايدور داخله دون كلمة واحدة.
انحنى حمزة مستندًا على ركبتيه، اقترب منه، وغاص بنظراته داخل عينيه بقسوة لا تعرف المزاح.
بتقول جدَّها وخالتها والنظام ده؟
ربت على كتفه بقوَّة أوجعته، ثم قال بنبرةٍ منخفضة لكنَّها قاتلة:
_أنا خايف عليك…رقبتك ممكن تضيع مكان رقبة خالتها، آه والله.
مال أكثر حتى صار صوته يهمس داخل أذنه:
_فيه مواضيع مفيهاش تفاهم، أبويا نفسه معرفش يتعامل معايا فيها.
اعتدل قليلًا، ثم أكمل بنبرةٍ ساخرة:
_خلِّيني أدِّيك مثال بسيط…يا أبو صلاح، إنتَ عارف حمزة من أيام الكلية، واحد ظريف كده، طريف، قرَّر يعاكس خطيبتي.
توقَّف لحظة، ثم ابتسم ابتسامة جانبية:
_آه صح…نسيت أقولَّك أنا متجوز.
رفع كفَّيه أمامه ليُريه الدبلة:
_دي شمس حمزة..واللي يقرَّب منها، حمزة يحرقه…من غير مايرمش له جفن.
اقترب خطوةً أخرى، وصوته ازداد برودًا:
_تخيَّل بقى، الواد قالَّها بس: «ممكن أوصَّلك يا جميل»…تحبِّ تعرف عملت فيه إيه؟
كان صلاح يستمع بصمت، قبل أن يهمس حمزة في أذنه:
_ضيَّعت رجولته.
شهق صلاح ووضع كفَّيه تلقائيًا على موضع الألم، فتراجع حمزة وهو يغمز له باستخفاف:
معنديش مشكلة يا أبو صلاح..الشرف مفيهوش هزار.
حكَّ مؤخِّرة رأسه متصنِّعًا التفكير، ثم قال وكأنَّه يتسلَّى:
تصدَّق؟ الواحد الأيام دي فاضي ومش لاقي حاجة يعملها.
ابتعد بنظره قليلًا، تاركًا الرعب يتمدَّد في ملامحه، ثم سأله فجأة:
_ماقولتش بقى…مين البنت؟ وأنا أقولَّك تعمل إيه.
نهض من مكانه وتحرَّك مبتعدًا:
_لا خلاص، زي ماقلت…أنا متجوِّز، كفاية مراتي.
ظلَّ حمزة بمكانه، يجزُّ على أسنانه، والغضب يشتعل داخله:
ماشي يا حيوان…كنت بتغاضى عن أفعالك، بس إنتَ كده عدِّيت حدودك معايا.
رفع رأسه بعينينِ تقدحان شررًا:
اسمها اتنطق على لسانك غلط…ولازم قلم يعلِّمك إزاي تنطقه صح.
بعد عدَّة ساعات..
وصل إلى كمبوند الشافعي، أوقف سيَّارته ورفع هاتفه:
_جبتلك الفستان، انزلي خديه وأشوفك…قدَّامي بالظبط نصِّ ساعة.
جاءه صوتها متذمِّرًا:
_إيه ده!..إنتَ لسه هترجع تاني؟
شموس حبيبتي يلَّا…هتأخَّر.
تنهَّدت وهي تنهض وتسحب حجابها:
_على فكرة بقالك خمسة وأربعين يوم ماجتش.
قالتها مع نزول إلياس يهبط من سيَّارته:
أهلًا بجوز بنتي.
ضحك حمزة:
_طيب اقفلي يا شموس…بابا غزالته رايقة، بيقولِّي جوز بنتي.
أغلقت الهاتف وهي تضحك..اقترب حمزة:
_أبو مراتي وحشتني والله.
طالعه إلياس بصمت، ثم اقترب:
_هكذب عليك وأقولَّك إنتَ أكتر؟
ابتسم حمزة بخفَّة:
_وأنا قابل الكدبة يا سيدي.
استند إلياس على سيارته وقال بجديَّة مشوبة بعتاب:
_مشغول ولَّا إيه؟ بقالك فترة ماجتش، ولا حتى قرفتني باتِّصال…لدرجة إنِّي قلت الحمد لله ساب البت.
رفع حمزة حاجبه:
_بتِّ مين دي اللي أسيبها؟ ده أنا أسيب إسحاق..وبنتك لأ.
قاطعهما وصول شمس، اقترب منها حمزة بعينينِ تلمعان شوقًا:
_وحشتيني...قالها وجذبها إلى أحضانه.
صرخ إلياس:
ماتتلمّ يا حيوان! هوَّ أنا مش واقف؟
غمز حمزة لشموس:
مش بيقولوا الراجل بكلمته يا شموسة؟ سمعتيه بيقولِّي جوز بنتي… وبنته وحشتني.
لم يُكمل جملته بعدما جذبه إلياس دافعًا إياه بعيدًا:
_ولا، إنتَ لسه ماكتبتش الكتاب.. متخلِّنيش أقلب عليك.
قهقه حمزة بصوتٍ عالٍ:
وعد عليَّ يا حمايا العزيز، بكرة لأبوسها قدَّامك.
جزَّ إلياس على أسنانه:
_طيب شوف يا حلوف…مين اللي هيوافق على كتب الكتاب.
اقترب حمزة يعدل ياقة قميصه:
افتح كلِّ المواقع، هتلاقي بالبونط العريض:
«حفل عقد قران الضابط المؤدَّب المحترم».
قطع حديثهم صوت يزن:
_ مبروك يا كابتن.
الله يبارك فيك يا عمُّو يزن.
ضمَّ يزن شمس يداعب وجنتيها:
_مبروك يا شموس...
_الله يبارك فيك يا خالو حبيبي.
سحبها حمزة فورًا من بين ذراعيه:
_ ماتتلمِّي يا أختي، هيَّ الأحضان ببلاش؟
لكزه إلياس في صدره:
_وسَّع يا أخويا.
قهقه يزن وشمس عليهما، حملت شمس الفستان:
_ هطلع أنا بقى.
اقترب منها حمزة، وقال بصوتٍ خافتٍ مشتاق:
_هانت…باقي يوم بالظبط، وتكوني حرم حمزة الجارحي.
ضحكت:
مين اللي ضحك عليك كده؟
تمتم بحسرةٍ مصطنعة:
_يادي النيلة…ثم التفت لإلياس:
عمُّو إلياس، ادعي لنا بقلبك.
اقترب منه وهمس فجأة:
_مااتكلِّمناش على المؤخَّر.
ردَّ إلياس ببرود:
عشرة جنيه يا ابن إسحاق.
فتح حمزة عينيه بدهشة:
ليه بتحسِّسني إنِّي شحَّات؟
ابتسم إلياس بخبث:
علشان يبقى الطلاق سهل يا حبيبي.
ضحك حمزة:
_مدام قلت حبيبي، يبقى أنا كده اطمِّنت، بحبَّك والله يا أبو مراتي.
قهقه يزن، بينما رمقه إلياس محذِّرًا:
كلِّمت المأذون، خلِّي بالك ليتخطف.
ردَّ حمزة بثقة:
متخافش، مكلِّم أربعة..ريَّح نفسك… ومش هقولَّك مين.
_ماشي يا حمزة..
باليوم التالي..
نهضت من فوق الفراش وخرجت متَّجهة إلى غرفته، دلفت بهدوء، وجدته غافيًا على الأريكة، نظرت لنومه وارتجف قلبه بعدما وقعت عيناها على السجائر التي أحرقها طيلة الليل، خطت إلى أن وصلت إليه.
جلست على طرف الفراش، فتح عيناه حينما شعر بها...اعتدل يمسح على وجهه:
_عايزة أتكلِّم معاك.
نزل من فوق الأريكة واتَّجه إلى الحمَّام دون أن يعطيها أهميَّة.
بلال لازم تسمعني...قالتها واقتربت منه، ولكنَّه أغلق الباب بوجهها دون التفوُّه بكلمة.
ظلَّت بمكانها تنظر للباب الذي أغلقه، تراجعت متَّجهة إلى فراشه، دارت عيناها بالغرفة..وقع نظرها على صورتهما الملقاة على الأرضية، انحنت ورفعتها، تسحب الصورة من بين شظايا الزجاج، نزلت دموعها فوق الصورة وهي تتذكَّرها عندما كانوا برحلة المالديف، كان يحملها ويركض بها، ضحكاتهما مرتفعة، بريئة دون شوائب، تذكَّرت ماذا فعلت حتى ينزل بها البحر، كلُّ شيئٍ كان جميلًا، ولكن فاقت على ألم الخيانة.
خرج من الحمَّام...وجدها مازالت جالسة، اتَّجه إلى غرفة الملابس دون أن يلتفت إليها، نهضت واتَّجهت إليه.. كان يقف أمام الخزانة يسحب ملابسه:
_بلال...مبقاش ينفع نعيش مع بعض، لازم نطلَّق.
أطبق على جفنيه..كلِّ كلمة تنطق بها تسحب أنفاسه وهو مازال على قيد الحياة.
دنت تضع كفَّيها على كتفه العاري:
_مش بتردِّ ليه؟
ابتعد عنها كالملسوع، وأشار إليها:
_إيَّاكي تلمسيني، اطلعي برَّة، عايز أغيَّر.
طالعته بذهول، كانت تظنُّ أنَّه يعلم إجهاضها بسبب سقوطها من فوق الدرج.
_إنتَ بتكلِّمني كدا ليه، الموضوع جه غصب عنِّي، ومكنش ينفع يبقى عندنا أطفال بعد خيانتك.
_اطلعي برَّة يا بت مش عايز أسمع صوتك، واعتبري من اللحظة دي إنِّك متهمِّنيش، ونرجع للاتِّفاق..دنا منها ونظر إليها:
_جوازي منِّك كان باتِّفاق، وزي ماقولتي قبل كدا، اتجوِّزتك علشان أنتقم، اطلعي برَّة الأوضة دي وإيَّاكي تدخليها تاني، وتأكَّدي لو مش خايف على سمعة أبوكي وأخوكي، كنت زماني طلَّقتك بلا رجعة، لأن مايشرَّفنيش أكون متجوِّز واحدة قتلت ابني.
ثار غضبها تصرخ بوجهه:
_بالراحة على نفسك، ومتفكَّرش كنت هموت عليك.
دنت أكثر من اللازم تهمس إليه:
_أنا مش قاتلة، دا ربِّنا بيحبِّني وحب أتخلَّص من ابنك، علشان مفيش حاجة تربطنا.
لم يشعر بنفسه سوى وهو يسحبها بقوَّة ويدفعها خارج الغرفة ويغلق الباب بقوَّة.
بقصر الجارحي..
خرج من الحمَّام، بدخول إسحاق الغرفة:
_صباح الخير يا بابا.
_صباح الخير حبيبي...قالها واتَّجه إلى الفراش، جلس يتابعه، بينما حمزة توقَّف أمام المرآة يجفِّف خصلاته، نظر لوالده من خلال المرآة:
_خير يا باشا، بتبصِّ لي كدا ليه؟
ابتسم إسحاق وطالعه بنظرات الأب الحنون:
_بفكَّر إزاي الأيام بتجري بسرعة كدا، رغم إنَّك مش صغير، لكن حاسس إنَّك لسة طفل عندك خمس سنين، استدار واقترب منه:
_كدا هتخلِّيني اتأثر يا إسحاقو والله.
توقَّف وعيناه تفترس ملامحه:
_رغم إنَّك شبهي بس مش واخد منِّي حاجة يا بن إسحاق.
ضحك حمزة بصوتٍ مرتفع، وضع رأسه بصدر والده، الذي ضمَّه وارتفعت ضحكاته معه:
_مش بقول مش شبهي يا بن إسحاق.
اعتدل ينظر لوالده:
_غلطان يا باشا، أنا بس متقلِّب الأدوار، ومتقن بكلِّ واحد ياخد مكانته.
احتضن إسحاق وجهه:
_عايزك النهاردة تفرح، وتعيش يومك، مكنتش متخيِّل إنِّي هفضل عايش لليوم دا.
قبل كفَّيه ونظر إليه:
_بعد الشرِّ عليك يا حبيبي، إن شاءلله تربِّي ولادي وولاد عمران.
_ياااه يا حمزة، لسة هعيش لليوم دا.
_مالك يا إسحاق، بقولَّك تربِّي ولادي مش أحفادي، كلَّها سنتين، ويمكن قبل، ربِّنا يهدي حمايا.
قهقه عليه يحاوط أكتافه:
_إن شاء الله حبيبي...ياله كمِّل لبسك وأنا هشوف ماما خلَّصت ولَّا لسة.
أومأ له دون حديث، خرج إسحاق من غرفته، بينما أمسك هاتفه:
_صباح الورد على مراتي وأميرة قلبي.
_صباح الخير...لسة صاحي ولَّا إيه؟
جلس على الفراش:
_لا حبيبي..صحيت من شوية، المهمّ نسيت أسألك الفستان حلو.
_أوي يا حمزة...تسلم إيدك.
_شموس، عايزك تجهزي بعد كتب الكتاب هنخرج، ومتسأليش فين.
_يعني إيه مااسألش يا حمزة؟
_شموسة، حمزة مش عايز أسئلة، خمس ساعات بس وهتكوني ملكي.
_قول إن شاء الله.
_شمس أنا بحبِّك أوي.
تنهَّدت وأجابته:
_متأكِدة من كدا...وتأكَّد إنتَ أغلى شخص في الكون.
_يا كذابة، أغلى من إلياس ويوسف.
ابتسمت وقالت:
_لا يا حبيبي..دول مكانتهم ماتتقارنش، زي مكانتك برضو، كلِّ واحد فيكم له مكانة خاصة.
_ماشي يا شموسة، هقفل علشان معطلكيش.
_لا إله إلَّا الله.
_محمد رسول الله.
بمكتب آسر..
اعتدل على المقعد يفرك جبينه، دلفت إليه بالقهوة:
_عملت لك قهوة ياربِّ تعجبك.
رفع حاجبه وابتسم ساخرًا، وهو يتناول القهوة:
_شطورة، تسلم إيدك، أقعدي بقى علشان أنا أموت وأعرف بترسمي على إيه يا بنت عمِّتي.
_إيه برسم على أيه دي؟! أنا غلطانة أصلًا، صعبت عليَّ.
ارتفعت ضحكاته، وبلحظة جذبها إلى أن اصطدمت بصدره تشهق:
_عيبك يا أفريقيا حافظك أكتر من نفسك.
_إيه أفريقيا دي؟
انحنى يغمز لها:
_عكس آسيا.
جزَّت على أسنانها تدفعه وركضت للخارج، فارتفعت ضحكاته:
_أفريقيا خلِّي بالك ممكن تفرقعي من العصبية والجيران ياخدوا الحدود.
حمل القهوة وتحرَّك إلى النافذة ينظر للخارج:
_ياترى بتخطَّطي لإيه يا آسيا؟
تذكَّر تلك الليلة:
_كان يغفو بنومه، دلفت إليه سدن وهي تحمل ثعبان لعبة ووضعتها على فراشه، ثم حرَّكته بجهاز التحكُّم إلى أن مشى على وجهه، أزاحه بيده وهو غارقًا بنومه مع ضحكات سدن، فتح عيناه بعدما شعر بشيءٍ يمشي..هبَّ فزعًا، ولم يتخيَّل أنَّ كلَّ هذا لعبة، ضحكت بصوتٍ مرتفع، التفت إليها، شعر بالضيق من حركاتها، اتَّجه ناحيتها، فركضت تصرخ فوق فراشه، ليجذبها من خصلاتها، لتفقد توازنها وتسقط وهو بجوارها، ضحكا بصوتٍ مرتفع، لتدلف آسيا ترمقها ثم قالت:
_حلوة اللعبة دي يا متر؟ خلِّي بالك فيه ألعاب بتجرح.
خرج من شروده على وقوفها بجواره:
_فيه موضوع عايزة أقولَّك عليه، معرفش تعرفه ولَّا لأ، بس أنا مضايقة منُّه، ومعرفش أنتوا المصريين إزاي عندكوا القدرة تعملوا كدا في البنات اللي بتحبُّكم!.
طالعها بعيونٍ مستفهمة:
_بلال جوز أختك، طلع متجوِّز عليها، وباباك عارف، وهيَّ متعرفش، أنا سمعت خالو بيتكلِّم مع عمُّو إلياس، واضَّايقت جدًّا، وكان لازم أقول لرولا، من فضلك اقف معاها وخلِّيه يطلَّقها لأنُّه مايستلهاش.
_لحظة لحظة، إنتي مش بتعملي فيَّا مقلب؟
_مقلب إيه، دي الحقيقة، رولا تعبانة جدًّا يا آسر، شوفتها إمبارح مش رولا، جوزها دا خاين حيوان، تخيَّل متجوِّز عليها وباباك عارف وساكت، ليه يهين بنته كدا؟!
شعر بأنَّ الأرض تُسحب من تحت أقدامه..
وصفعات لمشاهد رولا مع بلال، وعقد قرانهم المفاجئ، ركض للخارج سريعًا.
بمنزل آدم ركضت كالأطفال:
_بابي...بابي...أنا نجحت أنا نجحت
يا أهل مصر فروحة نجحت وجابت 96/100
وهدخل سياسة واقتصاد وهدخل سياسة واقتصاد.
خرج رائد ينظر إليها بسعادة مع نزول آدم:
_فروحة مبروك يا روح بابي.
ركضت ألى أحضانه:
_نجحت يا بابي وجبت المجموع اللي هدخل بيه الكلية.
ملس والدها على خصلاتها بحنان، ثم سحبها واتَّجه بها إلى المقعد:
_حبيبتي تعالي عايز أتكلِّم معاكي بخصوص الكلية.
_آدم بعدين، لازم نجهز علشان كتب الكتاب، وإنتي يا فروحة، مبروك حبيبة مامي، يالة اجهزي، فستانك فوق، وبلاش ميكب أوفر.
_حاضر مامي.
التفتت لرائد:
_إيه مش هتيجي؟
_لا يا ماما، مشغول.
قالها وتحرَّك للداخل، توقَّف آدم متَّجهًا إليها:
_بتطلبي منُّه يروح فرح البنت اللي حبَّها!
_بقول كدا علشان ينساها يا آدم.. صعبان عليَّ أوي.
بمنزل يوسف..
توقَّفت تنهي زينتها، نظرت لجلوسه الشارد:
_يوسف مش هتلبس؟
نهض وتحرَّك للخارج:
_هشوف شمس، وبعدين أجهز.
_كلِّمت بيت الطالبات؟
توقَّف واستدار إليها:
_كلِّمت بابا يشوفهم، مبسوطة كدا؟
ركضت إليه تلقي نفسها بين ذراعيه:
_أوي أوي...متزعلش منِّي، مراتك وغيرانة عليك.
حاوط جسدها وابتسم بحنان:
_حقِّك يا قلبي، رفع ذقنها وداعب وجنتيها:
_معنديش أغلى منِّك، عايزك تبقي دايمًا سعيدة.
احتضنت وجهه تقبِّل وجنتيه بصوتٍ مرتفع وقالت بمشاكسة:
_سعيدة طول ماإنتَ معايا، دفنت رأسها بعنقه تحيطه بذراعيها:
_وتريَّح قلبي، نفسي تريَّح قلبي.
_ضي وعد بعد كتب كتاب شمس هنتكلِّم، واللي إنتي عايزاه أوعدك هعمله حتى لو فيها وجع لقلبي.
تراجعت للخلف تنظر إليه:
_إنتَ ليه بتقلقني؟
_لا حبيبي...اسمها إنتَ بتحبِّني أوي أوي.
ياله كمِّلي لبس وهشوف شمس.
عند عمران..
خرج من الجامعة، يدور بسيارته دون هدى، اليوم علم بأنَّ من أحبَّها ستكون لغيره، هل بصمته خسرها، أم أنَّه لم تكنَّ له مشاعر بالفعل مثلما قال صديقه؟...
توقَّف بسيارته أمام النيل ينظر بشرود
مع ارتفاع رنين هاتفه:
_عمران إنتَ فين؟ ماتتأخَّرش علشان كتب الكتاب.
_حاضر يا حمزة.
_مال صوتك، إنتَ كويس؟
_مفيش أنا جاي دلوقتي.
بعد عدّّة ساعات..
أُنير المنزل بالأنوار ذات البهجة مع الموسيقى المرتفعة التي تخصُّ هذه المناسبات، دلف إليها يوسف بعد الطرق على الباب..توقَّف ينظر لجمالها الطفوليّ، أطلق صفيرًا واقترب منها، التفتت إليه وانسابت دموعها:
_يوسف.
حملها يدور بها:
_طيب قولي إزاي هخلِّيه يخطفك منِّي؟
زادت دموعها بقوَّة..ممَّا جعله ينزلها بهدوء، وأزال دموعها:
_دي دموع الفرحة مش كدا يا شموسة؟
حاوطت جسده:
_أنا بحبَّك أوي.
قبَّل رأسها:
_إنتِ أجمل حاجة حصلت لي، وأجمل هدية جاتلي أنا وإلياس اللي برَّة دا.
ضحكت وهي تمسح دموعها كالأطفال:
_وإنتَ كمان أحسن أخ في الدنيا.
احتوى كفَّيها ورفعهما يقبِّلهما:
_دايمًا هتلاقيني جنبك، أوعي في يوم من الأيام تتردِّدي إنِّي أكون حمايتك.
هزَّت رأسها مع دموعها:
_ربِّنا يخلِّيك ليَّا.
_مالك يا بنِ إلياس النهاردة كتب كتاب مش فرح.
ضحك وهو يضمُّها والتفت لوالده:
_أبوكي لو طايل يخبِّيكي ويسيبك جنبه هيعملها.
كان إلياس يراقبها، لقد كبرت صغيرته، هل حقًّا سيأتي يومًا وتُسحب من بين أحضانه؟
شعرت به، فاقتربت منه:
_بابا حبيبي..
ضمَّها كأنَّه يضمُّها لأوَّل مرَّة.
_شمس وحياة إلياس إنتي.
أخفت نفسها وبكت مع دخول فريدة:
_مالك يا إلياس، سيب البت، أومال لمَّا تتجوِّز هتعمل إيه؟!
نظر لابنته كأنَّه يودِّعها ثم قال لوالدته:
_بتفكَّريني ليه يا أمِّ إلياس.
رفرف قلب فريدة مقتربةً منه، أمسكت ذراعه:
_أوَّل مرَّة تقولِّي يا أمِّ إلياس.
نظر لوالدته بضياع، فاليوم يشعر بشعورٍ مؤلمٍ ولا يعلم سببه..حمحم يوسف:
_المشهد خلص يا إلياس ومش لايق عليك.
لكزته شمس:
_يا بني كنت انتظر لمَّا يحضنها.
قطب جبينه بخفَّة:
_يحضن مين يا بنتي؟ إيه جوِّ العشق الممنوع دا، دي فريدة مش ميرال.
بعد فترة..
كانت تجلس بالحديقة، لا تشعر بشيءٍ حولها، لقد أحضرها رغمًا عنها:
_النهاردة العيلة كلَّها لازم تبقى سعيدة، مش هكسر فرحتهم علشان واحدة أنانية، هتخرجي معايا، ولا كأنِّ فيه حاجة بينا، ولو غلطِّي صدَّقيني مش هبقى على أي كلمة بينَّا، شمس بالنسبالي بنتي، مش بنت عمِّي، لازم أدوس على قلبي وأتحمِّلك الكام ساعة دول.
_لا والله دا إنتَ بجح!.
_طولة لسان هقطعه لك، اللي قدَّامك دفنتيه وإنتي رايحة تقتلي ابنه حتى من قبل مايعرف بيه، مش مسامحك يا رولا.
دنا منها:
_وجوازي من كارما كان مجرَّد مساعدة وإنتي ماصنتيش المعروف، من اللحظة دي اعتبرينا منفصلين..
دمعة تدحرجت على وجنتيها، باقتراب رحيل تجلس بمقابلتها:
_حبيبتي عاملة إيه؟ من يوم ماروحتي مع بلال ماشفتكيش.
ردَّت عليها بخفوت:
_كويسة يا ماما.
حبيبتي مالك، وشِّك مخطوف ليه كدا؟
_مفيش يا ماما، تعبانة شوية.
_ألف سلامة عليكي، طيب مكشفتيش ليه؟..قالتها ثم نادت على بلال الذي يقف بالقرب منهم بجوار يوسف:
_بلال.
_ماما عايزاه ليه؟!
التفت إليها لتشير إليه..ربت يوسف على كتفه:
_شوف طنط رحيل، وأنا هشوف ليه حمزة اتأخَّر ليه؟
_يوسف ماليش خلق أتكلِّم مع حد.
رسم ابتسامة، ثم ناوله علبة من الآيس كريم:
_خد دي وفرفش، وبعد كتب الكتاب هنخرج كلِّنا، عمَّك عامل مفاجأة لحمزة، وحمزة عامل مفاجأة لعمَّك، تفتكر مين اللي هيفوز؟
ابتعد بنظره دون تعليق على حديث يوسف.
_بلال..طب لو قولت لك علشان خاطري يلا.
_مالك يا متخلِّف هوَّ إنتَ حبيبتي!
_أنا مش عارف أقولَّك إيه، ولا أصبَّرك إزاي..
وبرضو مش عارف أنصحك.
_يوسف ممكن مانتكلِّمش في الموضوع دا.
نظر بساعته ثم قال:
_غريبة حمزة اتأخَّر أوي..وبتِّصل بيه مابيردش.
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق