بعد 8 سنوات في السجن… عاد ليجد بيت جدته مدمّرًا، لكن ما حدث غيّر حياته للأبد!
بعد 8 سنوات في السجن… عاد ليجد بيت جدته مدمّرًا، لكن ما حدث غيّر حياته للأبد!
للمرة الأولى بعد ثمانية أعوام عاد ميغيل أنخيل يطأ الأرض الرطبة لقرية صغيرة في ولاية أواكساكا بالمكسيك. كانت الأمطار قد هطلت للتو فتحول الطريق الضيق إلى طين زلق. كان يحمل حقيبة قديمة وهي كل ما يملك وما يزال يرتدي الزي البرتقالي الذي لبسه حتى يومه الأخير في السجن.
كانت ساقاه ترتجفان.
ليس من إرهاق الرحلة الطويلة من محطة الحافلات بل من التوتر.
أخيرا سيعود ليرى جدته إسبيرانثا الشخص الوحيد الذي لم يدر له ظهره يوما.
لكن حين ظهرت في نهاية الطريق ملامح البيت الذي نشأ فيه شعر وكأن شيئا يعصر قلبه.
كانت النوافذ محطمة. والسقف مثقوبا. والفناء حيث كانت جدته تزرع الورود مغطى بالأعشاب الطويلة.
همس قائلا
لا بيت جدتي لم يكن هكذا.
اقترب ببطء. كان السياج الخشبي متهدما. والشرفة التي طلاها بنفسه حين كان شابا قد تفككت ألواحها. أما الباب الرئيسي فكان يتحرك مع الريح مصدرا صريرا مخيفا.
تساءل
لماذا تركت البيت يتهدم إلى هذا الحد
وفجأة سمع خطوات داخل المنزل سريعة وخفيفة.
سرت برودة في مؤخرة عنقه.
هل يسكنه أحد أم لصوص
اختبأ خلف شجرة مانجو قديمة في الفناء وراح يراقب.
ثم خرج أحدهم.
كانت طفلة في نحو العاشرة من عمرها. شعرها متشابك وملابسها متسخة وممزقة وتحتضن دمية قديمة.
حين رأته توقفت فجأة.
سألته بصوت مرتجف وهي تختبئ نصف اختباء خلف أحد أعمدة الشرفة
من أنت
أجاب ميغيل وهو يخرج ببطء من خلف الشجرة رافعا يديه
أنا أنا من يفترض أن يطرح عليك هذا السؤال. هذا بيت جدتي.
نظرت إليه ولا سيما إلى زيه.
هل جئت من السجن سألته مباشرة.
أومأ برأسه.
نعم. لكنني لست إنسانا سيئا.
سكتت لحظة.
اسمي صوفيا قالت بعد قليل أنا أعيش هنا.
وحدك سأل بدهشة.
نعم أجابت كأن الأمر عادي.
دخلا
البيت. بعض الأثاث ما يزال في مكانه طاولة المطبخ الكرسي الهزاز الذي كانت جدته تجلس عليه في الأمسيات والموقد الذي كانت تخرج منه أشهى الأطعمة.
سألها
هل لديك شيء نأكله هنا
نعم أجابت صوفيا هناك شجرة مانجو في الخلف. وأحيانا تعطيني دونيا مرسيدس خبزا. ودون تونيو يسمح لي باستخدام صنبور متجره.
لاحظ كيف رتبت المكان سريرا بسيطا ملابس مطوية بعناية وبعض الكتب القديمة.
سألها
لماذا تركت بيتك
احتضنت دميتها.
أمي لديها صديق جديد. لا يحبني. دائم الغضب ودائم السكر.
انقبض صدر ميغيل.
وأمك لم تدافع عنك
هزت رأسها نفيا.
سألته فجأة
هل ستبلغ عني
أجاب فورا
لا. لكنني أيضا لا أستطيع أن أتركك هكذا.
في تلك الليلة في البيت المتهالك المليء بالذكريات التقت روحان وحيدتان.
ومن دون أن يعلمان كان ذلك بداية عائلة جديدة.
وأثناء تناولهما الخبز والمانجو سمعا أصواتا مرتفعة في الطريق.
تجمدت صوفيا.
إنه صديق أمي.
أطفأ ميغيل الضوء وأخفى الطفلة.
بعد لحظات انفتح الباب بعنف.
دخل رجل تفوح منه رائحة الكحول يرافقه اثنان آخران.
قال
ابحثوا عن الفتاة. أمها ما تزال مدينة لنا بالمال.
خرج ميغيل من الظلام.
هل تبحثون عن طفلة
ضحك الرجال حين رأوا زيه.
خرجت للتو من السجن
أومأ ميغيل.
ولن أعود إليه.
اندلعت المشاجرة فجأة كأن التوتر الذي كان يملأ جدران البيت المتهالك وجد أخيرا طريقه إلى الانفجار. سقطت الكراسي أرضا وارتطمت بالأرض الخشبية المهترئة وتناثرت الأطباق فتكسرت إلى شظايا صغيرة انعكست عليها أضواء المصباح الخافت. ارتج المكان كله لكن ميغيل لم يتراجع خطوة واحدة.
لم يكن يقاتل بدافع الغضب ولا لإثبات قوته ولا حتى دفاعا عن كرامته التي داسها العالم طويلا.
كان يقاتل من أجل طفلة احتمت به
من أجل روح صغيرة لم تجد في هذا العالم صدرا آمنا سوى صدره.
ورغم الفوضى والصراخ والارتطام بقي ثابتا. كان يعرف أن أي خطأ قد يعيده إلى السجن إلى الزنازين الباردة التي أقسم ألا يعود إليها. ومع ذلك لم يسمح للخوف أن يشله.
وفي النهاية حين أدرك الرجال أن مقاومتهم لن تجدي وأن وجودهم قد يجر عليهم مشكلات أكبر انسحبوا وهم يطلقون تهديدات فارغة ثم تلاشت أصوات خطواتهم في ظلام الطريق.
ساد صمت ثقيل.
خرجت صوفيا من مخبئها ببطء وعيناها واسعتان من الخوف. نظرت إلى الفوضى حولها ثم إلى ميغيل الذي كان يلتقط أنفاسه.
اقتربت منه فجأة وأحاطته بذراعيها الصغيرتين.
هل سيعودون سألت بصوت خافت.
مسح على شعرها برفق وقال بثبات حاول أن يجعله مطمئنا
لا لن يعودوا.
لم يكن متأكدا تماما لكنه كان متأكدا من أمر واحد إن عادوا فلن تكون وحيدة.
في صباح اليوم التالي وبينما كانت الشمس تسطع بخجل فوق القرية توجه ميغيل إلى بيت دونيا مرسيدس الجارة التي كانت دائما الأقرب إلى جدته. كان قلبه مثقلا بقلق لم يفارقه منذ رأى البيت في حالته تلك.
استقبلته المرأة بعينين امتلأتا بالدهشة ثم بالشفقة.
ميغيل عدت أخيرا قالت بصوت خافت.
جلس أمامها ويداه متشابكتان كأنه يستعد لسماع حكم.
وهناك عرف الحقيقة التي كان يخشاها.
جدته إسبيرانثا رحلت قبل عامين.
لم يكن هناك وداع.
لم يكن هناك عناق أخير.
ولا كلمة أخيرة يسمعها منها.
أخرجت دونيا مرسيدس صندوقا خشبيا صغيرا كانت تحتفظ به في خزانة قديمة قرب المطبخ الخزانة نفسها التي كانت جدته تضع فيها أكياس السكر وأكياس الأعشاب المجففة. ناولته الصندوق بكلتا يديها كما لو كانت تسلمه شيئا أثمن من الخشب وما يحتويه.
طلبت مني أن أعطيك هذا إن عدت يوما قالت بصوت متهدج.
شعر ميغيل أن أنفاسه تثقل. لم يكن يخشى ما في الداخل بل كان يخشى ما قد يوقظه داخله.
جلس على الكرسي
المقابل وفتح الصندوق بيدين مرتجفتين. كان الغطاء يصدر صريرا خافتا كأنه يشتكي من طول الانتظار. في الداخل وضعت رسالة مطوية بعناية وبجانبها مفتاح نحاسي صغير تعلوه طبقة خفيفة من الصدأ.
أمسك الرسالة أولا. كانت الورقة قديمة لكنها محفوظة بعناية. خط جدته كان واضحا متماسكا كما لو أنها كانت تكتب بثقة لا تعرف التردد.
قرأ بصوت خافت لكن الكلمات كانت تثقب قلبه
ميغيل أعلم أنك ستعود
وأعلم أن الحياة قد تكون قاسية لكنها لا تسلبنا القدرة على البدء من جديد.
هذا البيت بيتك.
إن عدت فاجعله ينبض بالحياة من جديد.
ولا تدع أخطاء الأمس تسرق منك غدك.
جدتك.
ارتجف صوته عند السطر الأخير. شعر أن الكلمات لم تكتب بالحبر فقط بل كتبت بالحب بالصبر وبإيمان لم ينطفئ يوما.
للمرة الأولى منذ ثمانية أعوام بكى ميغيل دون أن يخجل من دموعه.
لم يبك يوم وقف أمام القاضي.
لم يبك حين أغلقت أبواب الزنزانة خلفه.
لم يبك في ليالي البرد الطويلة حين كان يسمع أصوات السجناء الآخرين.
لكنه بكى الآن لأن المرأة الوحيدة التي آمنت به لم تعد هنا لترى عودته ولم تعد موجودة لتضع يدها على كتفه وتقول له كنت أعلم أنك ستعود.
أخذ المفتاح بين أصابعه. تساءل عما يفتحه. درج قديم صندوق آخر أم ربما غرفة كانت جدته تحتفظ بها مغلقة
عاد إلى البيت في المساء والشمس تميل نحو الغروب. جلس على الكرسي الهزاز الذي كانت جدته تحبه وراح يهزه ببطء. كان صوت الخشب يختلط بذكرياته. تذكر ضحكاتها ونصائحها ورائحتها التي كانت تفوح من المطبخ كل صباح.
تأمل الجدران المتشققة والسقف المثقوب والأرضية التي تحتاج إلى إصلاح. شعر أن البيت يشبهه كثيرا متعب مهمل لكنه ما يزال واقفا. لم يسقط رغم العواصف.
همس لنفسه
سنبدأ من جديد أنا وأنت.
في
الأيام التالية بدأ العمل. لم يكن يملك مالا كثيرا لكنه كان يملك يدين قويتين وإرادة لم تعد قابلة للكسر. صعد إلى السطح وأصلح الثقوب واستبدل الألواح المتعفنة وثبت النوافذ. استعان ببعض الجيران الذين ما زالوا يتذكرونه طفلا يجري في الأزقة.
لم يكن الجميع ينظرون إليه بالثقة ذاتها. بعضهم كان يهمس إنه الذي عاد من السجن. لكنه لم يلتفت. كان يعرف أن السمعة تبنى بالصبر لا بالكلمات.
وذات صباح بينما كان ينظف الفناء ظهرت والدة صوفيا عند الباب. كانت عيناها متعبتين وكأن النوم هجرهما منذ زمن.
جئت لأخذ ابنتي قالت بصوت منخفض.
تجمدت صوفيا خلف ميغيل تمسك بطرف قميصه.
نظر ميغيل إلى الطفلة ثم إلى أمها. كان يعلم أن الأم تبقى أما مهما أخطأت.
قال بهدوء
القرار لها لكن عليك أن تحميها.
اعتذرت المرأة. اعترفت بأنها أخطأت حين سمحت للخوف والضعف أن يقوداها. اعترفت بأنها لم تكن أما كما ينبغي. أخذت ابنتها وغادرت.
عاد البيت إلى صمته.
لكن الصمت هذه المرة لم يكن قاتلا. كان صمتا مليئا بالعمل بالأمل وبوعد خفي.
بدأ ميغيل يستيقظ باكرا كل يوم. عمل في ورشة نجارة في البلدة المجاورة وجمع بعض المال وعاد في المساء ليكمل إصلاح البيت. اشترى طلاء جديدا وأعاد طلاء الجدران بلون أبيض نقي. أعاد بناء السياج الخشبي. زرع شتلات ورد في المكان ذاته الذي كانت جدته تزرع فيه.
كان يشعر
أنه لا يعيد ترميم بيت فقط بل يعيد ترميم نفسه.
مرت أسابيع.
وفي مساء هادئ بينما كان ميغيل يرتب أدواته في الفناء بعد يوم طويل من العمل سمع طرقا خفيفا على الباب. لم يكن الطرق قويا بل مترددا كأن صاحبه يخشى أن يقابل بالرفض.
توقف لحظة مسح يديه بقطعة قماش ثم اتجه نحو الباب.
فتح.
كانت صوفيا تقف هناك وإلى جانبها أمها.
بدت الأم متعبة عيناها محمرتان من السهر والقلق وملامحها تحمل اعترافا صامتا قبل أن تنطق به. كانت تمسك بيد ابنتها بقوة كأنها تخشى أن تفلت منها مرة أخرى.
هل يمكنها أن تبقى هنا لبعض الوقت قالت بصوت منخفض ما زلت أبحث عن عمل وأحاول أن أرتب حياتي. أريدها في مكان آمن وأعلم أنها بأمان هنا.
نظر ميغيل إلى صوفيا. كانت عيناها تلمعان بشيء بين الأمل والخوف كأنها تنتظر حكما سيحدد شكل أيامها القادمة.
شعر بشيء دافئ يستقر في صدره إحساس لم يعرفه منذ زمن بعيد. لم يكن شفقة بل كان مسؤولية اختارها بقلبه.
ابتسم وقال بهدوء صادق
البيت مفتوح دائما.
دخلتا.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد البيت صامتا كما كان.
عاد صوت الخطوات الصغيرة يركض في الممرات الخشبية. عاد المطبخ ينبض بالحياة مع أصوات الصحون والملاعق. عادت النوافذ تفتح صباحا لتدخل الشمس لا لتطرد الغبار فقط بل لتطرد الوحدة أيضا.
كانت صوفيا تجلس إلى الطاولة تذاكر دروسها تقلب صفحات كتبها القديمة بعناية
بينما كان ميغيل يصلح كرسيا مكسورا أو يدهن إطار نافذة أو يعد عشاء بسيطا من الأرز والخضار. كانا يتبادلان الأحاديث الصغيرة التي لا تبدو مهمة للغرباء لكنها تصنع عالما كاملا لمن يعيشها.
أصبح لهما نظام خاص بهما.
يستيقظان مع شروق الشمس.
تعد صوفيا الفطور البسيط بإشرافه وتضحك حين تخطئ في كسر البيض.
يسألها عن المدرسة فتحدثه عن صديقاتها عن المعلمة التي تحبها وعن الدروس التي تجدها صعبة.
ماذا تريدين أن تصبحي حين تكبرين كان يسألها.
معلمة كانت تجيب بثقة.
المعلمون يصنعون العالم كان يرد بابتسامة.
ومع مرور الأيام بدأت تناديه
عمي ميغيل.
في البداية كانت الكلمة تخرج منها بخجل كأنها تخشى أن تكون ثقيلة عليه. لكنه
في كل مرة كان يبتسم فتزداد جرأتها. ومع الوقت صارت الكلمة طبيعية مألوفة وكأنها وجدت منذ زمن بعيد تنتظر أن تقال.
لم يكن الأمر مجرد لقب.
كان إعلانا غير مكتوب بأنه لم يعد رجلا عاد من السجن بل رجلا أصبح سندا.
وفي إحدى الليالي بينما كانا يغرسان شتلة ورد جديدة تحت ضوء القمر توقفت صوفيا فجأة نظرت إليه بعينين صافيتين وقالت
شكرا لأنك لم تتخل عني.
تجمد للحظة.
تذكر نفسه طفلا يبحث في عيون الكبار عن شخص يتمسك به. تذكر ليالي الوحدة وتذكر كيف كان يتمنى لو أن أحدا قال له يوما أنا هنا من أجلك.
نظر إليها طويلا وقال بصوت مفعم بالصدق
شكرا لك لأنك منحتني
سببا لأبقى.
رفع عينيه إلى السماء. كان الليل صافيا والنجوم متناثرة كأنها مصابيح صغيرة. شعر في تلك اللحظة أن جدته تبتسم في مكان ما راضية مطمئنة إلى أن البيت لم يعد مهجورا وأن حفيدها لم يعد ضائعا.
مرت الشهور.
تحول البيت من بناء متصدع إلى منزل دافئ.
الجدران طليت بلون مشرق.
السقف أصلح بالكامل.
السياج أعيد بناؤه والحديقة امتلأت بالورود التي كانت جدته تحبها.
لم يكن الإصلاح مجرد عمل يدوي بل كان عملية شفاء بطيئة.
كل لوح ثبته كان يثبت معه عزيمته.
كل شتلة زرعها كان يزرع معها أملا جديدا.
وبعد ثمانية أعوام في السجن
اكتشف أن الحرية ليست بابا يفتح بل معنى يبنى.
لم يجدها في الهروب من الماضي ولا في محاولة إقناع الناس بأنه تغير.
وجدها في أن يكون حاضرا.
في أن يختار أن يكون أفضل كل يوم.
في أن يتحمل مسؤولية حياة أخرى بثبات.
أدرك أن الحرية ليست غياب الجدران بل وجود سبب للنهوض صباحا.
وأن الإنسان مهما كانت أخطاؤه جسيمة ومهما طال ظلامه يمكنه أن يختار طريقا مختلفا.
قد لا يمحو الماضي.
لكن يمكنه أن يكتب فصلا جديدا.
وتعلم أن العائلة لا تبنى دائما بالدم بل بالاختيار بالوفاء وبالبقاء حين يرحل الآخرون.
وهذه المرة
لم يعد وحيدا.
كان لديه بيت ينبض بالحياة.
حديقة تعود إليها الورود كل ربيع.
وصوت صغير يناديه كل صباح بثقة ومحبة
عمي ميغيل.
وكان يعلم في أعماقه دون شك أو خوف
أن هذا ليس مجرد تعويض عن سنوات ضائعة.
بل هو البدء الحقيقي.


تعليقات
إرسال تعليق