القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 نقطـه و مـن أول السطـر 



نقطـه و مـن أول السطـر 

لما عرفوا إني قدمت استقالتي ووقفت كل التحويلات البنكية، لقيت حماتي "الست زينات" رزعت على بابي الساعة 6 الصبح.. قالت إيه "جاية تصفي الأمور وتشوف إيه اللي حصل".


خرجت "هناء" من باب الشركة لآخر مرة، وهي شايلة كرتونة صغيرة فيها حاجتها. هوا أكتوبر كان بيطير شعرها، بس هي كانت حاسة بخفة غريبة في قلبها.. لا ندم، ولا تردد، مجرد راحة بال مكنتش دايقتها من سنين.بقلم منال علي 


7 سنين شقا في الشركة دي بقوا ورا ضهرها. 7 سنين كان فيها كل قرش من مرتبها بيطير في سكك "معروفة" من قبل ما حتى تلحق تفكر في نفسها. حماتها "الست زينات"، وأخت جوزها "عبير"، وعيال عبير، وفواتير النور والمية، والجمعيات، وعلاجات السكر والضغط، ولبس المدارس.. قايمة مابتخلصش وطلبات مابتشبعش.


الموضوع بدأ بالتدريج.. أول ما هناء اتجوزت "مدحت"، حماتها وضحت لها من أول يوم إن "مرات الابن الأصيلة هي اللي تشيل مع جوزها وتكون نفع للعيلة". هي طبعاً مقالتش كدة بالبونت العريض، بس "الست زينات" كان عندها قدرة عجيبة تخليك تتكسف تقول "لأ".


قالت لها مرة بمسكنة:


 "يا هنوئة يا بنتي، وصل النور لسه جاي ومبلغ وقدره، والمعاش يا دوب ممشي البيت بالعافية.. ممكن تدفعيه والشهر الجاي أردهولك؟ رقبتي سدادة يا حبيبتي."بقلم منال علي 


وطبعاً "الشهر الجاي" ده عمره ما جه، والطلبات بقت هي اللي بتيجي


وتزيد بانتظام:

"يا هناء، ولاد عبير داخلين على مدارس والدنيا غليت نار، شوفي كدة تقدري تحولي لها كام؟"

"يا هناء، الدكتور كتب لي على دوا مستورد غالي أوي.. إلحقيني يا بنتي، ماليش غيرك."


في الأول، هناء افتكرت إن ده "واجب" وإنها بتساعد أهلها، وده الطبيعي. وكل ما حماتها تتصل، مدحت يهز دماغه ويقول لها:

"معلش يا هناء، ساعدي أمي.. دي ست وحيدة ومالهاش غيرنا."


وحيدة؟! الحقيقة إن الست زينات مكنتش وحيدة ولا حاجة. كان عندها بنتها "عبير"، اللي شغالة في محل ملابس، بس لسبب ما عبير دي مكنتش بتدفع مليم، وكانت شايفة إن ده "فرض عين" على مرات أخوها الموظفة اللي "خيرها كتير متوفره على روايات واقتباسات هناء كانت هي اللي بتحول، وهي اللي بتسدد الفواتير، وتشتري خزين البيت وتروح بيه لحد بيت حماتها. وتقعد هناك تسمع أسطوانة مابتخلصش عن الجيران، وعن صحتها اللي "نازلة في الأرض"، وعن ضيق اليد.


"شوفتي ابن فلانة؟ بيودي أمه المصيف كل سنة ويجيب لها هدايا ذهب.. ومدحت ابني نسي أمه خالص."


وهناء تسكت.. هي عارفة إن مدحت منساش، هو بس رامي الحمل كله على مراته وعارف إنها "ست أصيلة" ومش هتكسفه بقلم منال علي 


ومع الوقت، المطالب زادت، لدرجة إن كلمة "شكراً" اتمسحت من القاموس. بقى الفلوس حق مكتسب، وكأن مرتب هناء ده "ميزانية العيلة" اللي الكل له نابت فيها، ومحدش بيستأذن.


عبير


كمان اتعودت على العز ده، بقت تتصل كل شهر بنفس النغمة:

"يا هناء، ابعتي قرشين للعيال.. محتاجين كوتشيات جديدة، والدروس الخصوصية قطمت وسطنا، ومصاريف الأنشطة في المدرسة بقت بالشيء الفلاني."

عيال عبير كانوا زي الفل، وماسكين أحدث الموبايلات، ومع ذلك الفلوس مكنتش بتكفي أبداً. هناء كانت بتبعت عشان مفيش طاقة للخناق، وعشان مدحت كان ديماً رده جاهز:

«يا ستي فيها إيه؟ دول عيال صغيرة، هتستخسري فيهم؟»


عيال.. عيال ناس تانية مابتشوفهمش غير في المناسبات، بس مطلوب منها تشيل شيلتهم وهي ساكتة.


من 3 سنين، مدحت ساب شغله. قال إنه موضوع مؤقت وهيدور على حاجة "تليق بمقامه". بس "المؤقت" ده بقى دايم. كان بيدور ببرود، ويرفض أي شغل مرتبه قليل، ومستني "الضربة الكبيرة". وفي عز الانتظار ده، كل المصاريف بقت فوق دماغ هناء لوحدها — مصاريف بيتهم ومصاريف قرايبه كمان. والست زينات مابطلتش طلبات، بالعكس، دي زادت بحجة إن "مدحت نفسيته تعبانة".


«يا هناء، أنتِ عارفة إن مدحت بيمر بظروف صعبة ومحبش أتقل عليه بطلباتي.. ساعدينا أنتِ بقى، ربنا يجعله في ميزان حسناتك.»


وهناء كانت بتساعد، لأنها زهقت من المناهدة، وزهقت من شرح إن "المرتب مابقاش بيقضي"، وزهقت من جملة "الأهل أولى من أي حاجة". مدحت كان عامل نفسه "مواطن من دولة تانية"، قاعد قدام اللابتوب يلعب أو يتفرج على فيديوهات. ولما هناء


تشتكي إن الحمل تقيل، يرد ببرود:

«أنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ أمي طلباتها بسيطة، وأختي ظروفها على قدها.»

بسيطة؟! هناء حسبتها في مرة واكتشفت إن تلت مرتبها السنوي بيروح "هدايا ومعونات" لأهل جوزها. تلت كامل طار، ده غير القسط والإيجار والأكل واللبس.. ومكنش بيفضل لها هي مليم لنفسها. ويوم ما فكرت تشتري "طقم" جديد لنفسها، حماتها بصت لها بصه غريبة وقالت:

«ما شاء الله، باين عليه غالي أوي.. وأنا اللي مش عارفة أجيب شريط البرشام بتاعي.»


هناء جزت على سنانها وسكتت.


في الصيف، عبير طلبت فلوس عشان تودي العيال "المصيف" يغيروا جو. هناء حولت الفلوس، وطبعاً مشوفتش منها مليم تاني، بس شافت صورهم على الفيسبوك وهما مهيصين وبياكلوا آيس كريم وبيركبوا مركب. في الوقت اللي هناء قضت فيه إجازتها في بيت أهلها لأنها مكنتش تملك تمن تذكرة السفر.


بقلم منال علي 


مدحت قال ببساطة:

«وإيه المشكلة؟ ما إحنا زي الفل أهو ومقضيينها.»


بس هناء مكنتش زي الفل. التعب والضغط النفسي والإرهاق من الحسابات واللوم والتحميل الزايد.. كل ده انفجر جواها مرة واحدة. وقررت.


قدمت استقالتها. فتحت أبلكيشن البنك، وقفت كل التحويلات الدورية، ومسحت أرقام الحسابات المسجلة. مشرحتش حاجة لحد. ببساطة.. قفلت الحنفية.


فات أسبوع في هدوء تام. وفي اليوم الثامن، التليفون رن.. كانت الست زينات:

«يا هناء، أنتِ


نسيتي تدفعي فاتورة الكهرباء والنت يا حبيبتي، والخدمة قطعت.»

 

ردت هناء بكل برود وهدوء:

«لا يا طنط مـنسيتش.. أنا بس مش هـدفع تاني خلاص.»


ساد صمت طويل على الخط، وكأن صاعقة نزلت عليها:

«يعني إيه مش هتدفعي؟ ما أنتِ طول عمرك بتدفعي!»


هناء ردت بابتسامة لأول مرة من سنين:

«طول عمري دي كانت فترة وعدت.. من هنا ورايح كل واحد يشيل شيلته يا طنط. أنا استقلت، ومبقاش معايا مليم لـ "خدماتكم".»


وهنا بدأت المعركة الحقيقية.. الست زينات كانت على الباب الساعة 6 الصبح، بتخبط بجنون وهي بتنادي على "مدحت" عشان يلحق أمه من "جبروت" مراته. لكن هناء فتحت الباب، وهي لابسة لبس البيت وبكل هدوء قالت:

«صباح الخير يا طنط.. اتفضلي اشربي الشاي معانا، بس معلش، المرة دي السكر خلصان، ومدحت هو اللي هينزل يشتريه بفلوسه.»

دخلت الست زينات الصالة وهي بتنهج، ووشها أحمر من العصبية، رمت شنطتها على الكنبة وبصت لهناء بنظرة كلها لوم وعتاب "مصحوب بتهديد":


**الست زينات:** «إيه اللي أنا سمعته في التليفون ده يا هناء؟ يعني إيه مش هتدفعي؟ والنت اللي قطع ده، والكهرباء اللي قربت تخلص شحنها.. أعمل إيه أنا دلوقتي؟ أعيش في الظلمة؟»


مدحت خرج من الأوضة وهو بيفرك في عينه، مش فاهم في إيه:

**مدحت:** «في إيه يا جماعة؟ يا أمي وحدي الله، فيه إيه على الصبح؟»


**الست زينات:** «اسأل ست هانم، اللي باعتة تقولي "كل واحد يشيل شيلته". ده أنا قولت إنك الأصيلة اللي هتصوني ابني في شدته، تقومي تقطعي عني المصروف والفواتير؟»


هناء قعدت بكل برود، وحطت رجل


على رجل، وبصت لمدحت اللي كان مستني منها تبرير:

**هناء:** «بص يا مدحت، عشان منضيعش وقت طنط.. أنا قدمت استقالتي وقعدت في البيت. يعني مفيش مرتب، ومفيش تحويلات، ومفيش فيزا بتدفع "أوتوماتيك" من ورايا. أنا النهاردة زيك بالظبط.. "عاطلة".»


**مدحت (بصدمة):** «استقلتي؟! من غير ما تقوليلي؟ طب ومصاريفنا؟ طب وأمي؟ وأختي اللي كانت مستنية فلوس دروس العيال؟»


**هناء:** «عبير أختك عندها إيدين ورجلين، وتنزل تشتغل زي ما أنا كنت بشقى. والست زينات عندها بنتها "حبيبتها" تشيلها. أنا شيلت 7 سنين، لحد ما وسطى انقطم، وفي الآخر لما بشتري طقم لنفسي بيبقى عيني فيه خرم إبرة. أنا دلوقتي قررت أستريح، زيك كدة بالظبط يا مدحت.. مش أنت بقالك 3 سنين مستني "الفرصة الكبيرة"؟ أديني جيت قعدت جنبك نستناها سوا.»


**الست زينات (بصوت عالي):** «إنتِ أكيد اتجننتي! ده واجبك.. دي عيلة جوزك! عايزة تشمتي فينا الغريب والقريب؟»


**هناء:** «الواجب ده بيبقى بين ناس بتقدر، مش ناس بتعتبرني "ماكينة صرافة". الفلوس اللي كنت بدفعها لكم، أنا أولى بيها دلوقتي عشان أعرف أعيش. ومن النهاردة، الفطار والغدا اللي هيتحط، مدحت هو اللي هينزل يجيب لوازمه.. بفلوسه اللي محوشها، أو ينزل يشتغل أي حاجة، "تليق بمقامه" أو "متليقش".»


**مدحت:** «إنتِ بتلوي دراعي يا هناء؟»


**هناء:** «لأ يا حبيبي، أنا بس "عدلت المايل". الحنفية اتقفلت يا مدحت، واللي عايز يشرب.. يحفر بيره بنفسه.»


بصت هناء لحماتها


اللي كانت مبرقة ومش مصدقة إن "هناء الهادية" بقيت كدة:

**هناء:** «نورتي يا طنط.. بس معلش، مش هقدر أعزمك على الغدا النهاردة، عشان "مدحت" لسه منزلش السوق.»

الست زينات خدت شنطتها وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، وخرجت ورزعت الباب وراها، ومدحت وقف في نص الصالة، لأول مرة يحس إن السقف اللي كان شايلاه هناء فوق دماغه.. بدأ يقع عليه فعلاً متوفره على روايات واقتباسات مرت ساعتين ومدحت لسه واقف مكانه، عينه بتروح وتيجي في الصالة اللي كانت ديماً مترتبة "بفلوس هناء"، ودماغه بتودي وتجيب. فجأة، تليفونه رن.. كانت "عبير".


**مدحت (بزهق):** «أيوة يا عبير.. مش وقتك خالص.»


**عبير (بصوت عالي وسوقي):** «يعني إيه مش وقتي يا مدحت؟ أمك جاتلي البيت بتصوت، وبتقول إن الهانم مراتك طردتها ووقفت الفواتير! والعيال ليهم مصاريف درس الرياضة النهاردة، والبت "جنى" عايزة تشتري الجاكيت اللي قولت لهناء عليه.. هي الفلوس اتأخرت ليه؟»


**مدحت (بصوت واطي وهو بيبص لهناء):** «هناء استقالت يا عبير.. مفيش فلوس خلاص.»


**عبير (بشهقة):** «نعم يا اخويا؟ استقالت إزاي؟ وهي دي تفرط في وظيفة زي دي في الغلا اللي إحنا فيه؟ طب ومصاريفنا إحنا؟ دي كانت قايلة لي هتحجز للعيال في الكورس الصيفي!»


هناء كانت قاعدة في الركن، ماسكة كوباية القهوة بتاعتها وبتبتسم ببرود، شاورت لمدحت يفتح "الاسبيكر" عشان تسمع الرد.. مدحت فتح الصوت وهو إيده بتترعش.


**هناء (بصوت عالي عشان عبير تسمع):** «قولي لها


يا مدحت إن "الكورس الصيفي" بقى في "المطبخ" عندنا.. تنزل تشتغل وتدفع لعيالها. وأنا قولت لطنط زينات إن البيت بيتك ونورتينا، بس مفيش "بوفيه مفتوح" خلاص.»

**عبير (بزعيق):** «إنتِ بتكلميني أنا كدة يا هناء؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟ ده إنتِ لولا أخويا مكنش بقى ليكي لازمة!»


**هناء:** «والله أخوكي اللي لولايا كان زمانه مش لاقي تمن السجاير اللي في جيبه. بصي يا عبير، وفري مجهودك وزعيقك ده وشوفي لك شغلانة، عشان أنا النهاردة بعتت "CV" لمدحت في سوبر ماركت جنبنا طالبين كاشير.. يمكن يحن عليكي بقرشين لما يشتغل.»


مدحت بص لهناء بذهول: «أنا أشتغل كاشير يا هناء؟ بعد العمر ده كله؟»


**هناء (بكل حزم):** «والله يا مدحت الكاشير أحسن من العاطل اللي عايش على عرق مراته. قدامك حل من اتنين: يا تنزل دلوقتي تدور على شغل "بجد"، يا تروح تعيش مع مامتك وعبير وتشوفوا هتصرفوا على بعض منين، لأن البيت ده من النهاردة مش هيدخل فيه لقمة إلا بشقاك إنت.»


مدحت سكت خالص، وبص للأرض.. عبير قفلت السكة وهي بتشتم وتتوعد، بس هناء متهزتش.


قامت هناء دخلت أوضتها، وقفلت الباب، وسابت مدحت في الصالة "لوحده" لأول مرة من سنين.. يواجه الحقيقة المرة: إن الحلم الجميل خلص، والواقع المصري الصعب بدأ، ومفيش حد هيشيل الشيلة غيره.

هناء نامت يومها أعمق نومة في حياتها، ومدحت لأول مرة نزل الساعة 5 العصر يشتري جُرنال ويفتح مواقع التوظيف بجدية، والست زينات عرفت إن "دلع الحما" له وقت، ولما


"الحنفية بتقفل".. الكل لازم يتعلم يعطش أو يدور على مية.

تمت 


 

تعليقات

التنقل السريع
    close