اللانش بوكس بقلم منــال عـلـي
اللانش بوكس بقلم منــال عـلـي
أنا اسمي هناء، وطول عمري أنا "سند العيلة" والشخص اللي الكل بيرمي حمله عليه. أختي الكبيرة ميساء كانت بتثق فيا في كل تفصيلة في حياتها؛ مفاتيح شقتها الاحتياطية، بوستتها، والأهم من كل ده.. بنتها ليلى.بقلم منال علي
ليلى عندها 8 سنين؛ هادية، ذكية، وعقلها يوزن بلد. كانت غاوية كتب الفلك وتقعد ترسم كواكب ونجوم في كل ورقة تقابلها. لما ميساء كلمتني وقالت لي إنها طالعة مأمورية شغل في إسكندرية لمدة 4 أيام، وافقت أروح أقعد مع بنتها من غير تردد.
أول يومين عدوا عادي جداً. بنمشي للمدرسة سوا، ونتفرج على كرتون بالليل، وكانت بتقعد توريني ألبوم الملصقات (الاستيكرز) بتاعها اللي رصّاه بالنظام. بس في اليوم التالت، حصلت حاجة قلبت كياني.
كان وقت الغدا يوم السبت.
حضّرت لها أكلة خفيفة: تفاح متقطع، شوية بسكويت، وعلبة زبادي، وطلعت "اللانش بوكس" اللي ميساء كانت مجهزاه قبل ما تسافر — علبة صاج صغيرة متغلفة بفويل ومحطوطة في التلاجة. أول ما حطيت العلبة قدام ليلى، فتحتها.. وراحت قفلاها بسرعة متوفره على روايات واقتباسات زقت العلبة بعيد عنها.قلت لها بحنية: «يا حبيبتي لازم تاكلي».
هزت راسها وقالت: «لا.. مش هاكل ده».
سألتها باستغراب: «ليه يا ليلى؟»
وطت صوتها قوي وكأن الحيطان ليها ودان، وقالت لي بهمس يرعب: «لو دقتيه.. هتعرفي ليه».
نظرة عينيها مكنتش شقاوة ولا تمرد.. كانت نظرة خوف.بقلم منال علي
رعشة باردة مشيت في جسمي كله. قربت من العلبة وفتحت الفويل براحة.
كان جواه ساندوتش فينو صغير، مدهون حشوة وعليها قطع فراخ. في الأول شكله كان طبيعي، كأنه
سلطة فراخ عادية. بس في ريحة غريبة خلتني أقف مكاني.
ريحة مسكرة.. بس سكر "صناعي" يجزع النفس.
قربت أكتر، وشفت الكارثة.. حتت صغيرة من أقراص مطحونة وسط الحشوة — لونها بمبي باهت وبودرة، ودايبة نص ذوبان في الخلطة.
إيدي بدأت تترعش بجد.
سألت ليلى بحذر: «هي ماما بتعملك الساندوتش ده كل يوم؟»
هزت راسها "أيوه" بضعف.
وقالت لي: «بعد ما باكله، بحس إني عايزة أنام قوي. حتى في المدرسة، بنام في الفصل والدادة بتوديني أوضة الزائرة الصحية أرتاح. ماما بتقول لي إن ده بيخليني "هادية"».
معدتي قلبت من الصدمة.
مهدئات! في حد بيخدر بنته؟
في ثانية كنت ماسكة موبايلي ومفاتيح العربية. قلت لها وأنا بحاول أهدي صوتي: «البسي يا ليلى، هننزل نتمشى شوية بالعربية».
همست لي: «هو إحنا واقعين في مشكلة؟»
رديت عليها بصوت مخنوق: «لا يا حبيبتي، بس في حد تاني هو اللي واقع في مشكلة كبيرة».
وبدل ما أروح المستشفى، طلعت على طول على أقرب قسم شرطة.. ودخلت المكتب وأنا شايلة في إيدي "اللانش بوكس".
ظابط النبطشية في الأول افتكرني ببالغ.
قال لي بهدوء: «يا مدام، ممكن تكون مجرد فيتامينات الأم بتديها لها».
رديت عليه بزعيق مكنتش قصداه: «حللوها وشوفوا بنفسكم!».. إيدي كانت لسه بتترعش وأنا بحط العلبة المفتوحة على المكتب. «أرجوكم، اختبروا اللي فيها».
ندهوا رئيس المباحث، وفي دقايق خدونا على مكتب جوه. في ظابطة قعدت جنب ليلى تتكلم معاها بلطف، وظابط تاني خد الساندوتش وحطه في كيس "حرز".
الظابطة سألتها: «بتحسي بإيه يا حبيبتي لما بتاكلي الساندوتش ده؟»
ليلى ردت ببراءة: «دوخة.. وساعات مابفتكرش
المستر قال إيه في الحصة. المدرسة بفتكرني تعبانة».
«وده بيحصل كل يوم؟»
هزت راسها بـ "أيوه".
كنت عايزة أعيط من القهر.
بعد ساعتين، دخل المحقق وشكله اتغير تماماً.. ملامحه مكنتش مجرد فضول، كان باين عليه الاستعجال والجدية.
قال: «الأقراص دي مهدئات قوية جداً ومطحونة. هنبعتها المعمل الجنائي للتأكيد، بس الأكيد إنها مش فيتامينات».
مبقتش عارفة أخد نفسي.
همست: «ليه؟ ليه ميساء تعمل كده؟».. ميساء أختي طول عمرها منظمة وبتحافظ على بنتها بزيادة!
المحقق سأل سؤال غريب: «هي ليلى بتروح لدكاترة كتير؟ بتشتكي من سلوكها؟ في مشاكل في المدرسة؟»
قلت له: «المدرسة قالت إنها بقيت منطوية السنة دي..»
هز راسه ببطء وقال: «لازم نعاين البيت».
الشرطة جت معانا وفتشوا المطبخ. في ضلفة فوق الثلاجة، لقوا علب أدوية كتير — كلها باسم ميساء، بس هي في الأصل لليلى! والتشخيص المكتوب على العلب ملوش أي علاقة بحالة ليلى الحقيقية.
المحقق قرأ المكتوب: «اضطراب سلوكي حاد».
قلت له بصدمة: «ده مستحيل، البنت عمرها ما راحت لدكتور نفساني!»
وبعدين لقوا الملف.
ملف فيه جوابات من المدرسة ميساء طابعاها، ومعلمة على جمل زي: "ليلى هادية جداً"، "دايماً نايمة"، "مش مركزة" — ميساء كانت بتجمع "أدلة" هي اللي صانعاها بنفسها!
المحقق وشه خشب وقال: «دي كانت بتثبت أعراض هي اللي بتسببها للبنت».
سألته بذهول: «طب ليه؟»
رد وهو بيوريني ورقة تأمين: «ميساء كانت مقدمة على طلب "معاش عجز" ومساعدات مالية كبيرة لرعاية طفل من ذوي الهمم.. مساعدات بتتصرف لأهالي الأطفال اللي حالتهم صعبة ومحتاجين مراقبة 24 ساعة».
الأدوية.. كانت هي الوسيلة عشان تخلي البنت تبان مريضة وتستحق الفلوس.
ميساء رجعت بالليل وهي فاكرة إن الدنيا تمام، بس لقيت الحكومة في الصالة.
فضلت أنا وليلى في البلكونة وهما بيستجوبوها. كنت سامعة صوتها من ورا الباب — إنكار، بعدين ارتباك، وفي الآخر.. عياط وانهيار
بقلم منال علي
لما خرجت، مابصتليش.. بصت لليلى.
قالت بصوت مكسور: «كنت عايزة أريحنا.. هي هادية أصلاً.. قلت لو الدكاترة صدقوا إنها محتاجة مساعدة، هيجيلنا دعم، فلوس، وقت.. أنا كنت تعبانة ومسؤولة عن كل حاجة لوحدي».
ليلى مسكت إيدي جامد.. وهمست بكلمة وجعتني في عضمي: «إنتي كنتي بتخليني عيانة يا ماما».
التحقيقات أكدت إن ليلى كانت بتاخد جرعات يومية بقالها شهور — جرعات تخليها "مسطولة" بس متموتهاش، رغم إن تأثيرها على المدى البعيد كان ممكن يدمر مخها.
النيابة سلمتني ليلى مؤقتاً.
في أول أسبوع بعد ما بطلت الدواء، ليلى فضلت صاحية ومركزة يوم دراسي كامل لأول مرة من سنة. المدرسة بعتت لي إيميل بتقول فيه: «ليلى النهاردة رفعت إيدها وشاركت 5 مرات!»
ليلتها، ليلى قعدت تحكي لي بفخر عن تجربة علوم شرحتها في الفصل وافتكرتها بالحرف.
ساعتها عرفت حاجة مهمة قوي: ساعات الخطر مبيجيش بشكل عنيف وبشع، ساعات بيجي بشكل منظم، ومتداري ورا قناع "الحب" والاهتمام.
لو ليلى مكنتش وثقت في إحساسها الصغير.. ورفضت تاكل الساندوتش ده.. كان ممكن الموضوع يفضل مستخبى سنين.
خدوا بالكم من التصرفات الصغيرة.. الأطفال دايماً بيقولوا الحقيقة بهدوء، مش لازم بصرريخ.
لو كنتم مكاني وشفتوا اللي شفته في اللانش بوكس..
كنتم هتصدقوا إحساسكم فوراً، ولا كنتوا هتقولوا لنفسكم "أكيد أنا اللي بيتهيأ لي"؟
تمت


تعليقات
إرسال تعليق