القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

بتمثلي يا مريم؟.. قصة وجع ما بعد الولادة حين يتحول الألم الحقيقي إلى اتهام بالتمثيل

 بتمثلي يا مريم؟.. قصة وجع ما بعد الولادة حين يتحول الألم الحقيقي إلى اتهام بالتمثيل



بتمثلي يا مريم؟.. قصة وجع ما بعد الولادة حين يتحول الألم الحقيقي إلى اتهام بالتمثيل

 فبراير 17, 2026

بتمثلي يا مريم؟.. قصة وجع ما بعد الولادة حين يتحول الألم الحقيقي إلى اتهام بالتمثيلبتمثلي يا مريم؟.. قصة وجع ما بعد الولادة حين يتحول الألم الحقيقي إلى اتهام بالتمثيل




بتمثلي يا مريم!.. صرخة وجع قتلتها السخرية قبل المرض!


كانت مريم تتصور أن أصعب ما في الولادة هو تلك اللحظة التي ينكمش فيها العالم كله في وجع واحد، ثم ينفتح فجأة على صرخة طفل. كانت تظن أن الألم له موعد وله نهاية، وأنه مهما قسا فهو “مؤقت”… شيء يُحتمل ثم يمر. لم تكن تعرف أن هناك أوجاعًا لا تعترف بالمواعيد، ولا تُعلن عن نفسها بصوت مرتفع، بل تتسلل مثل لصّ هادئ إلى الظهر، إلى الأعصاب، إلى الروح، وتجلس هناك… وتبدأ في العمل.


بعد أسبوعين فقط من وضعها طفلتها الأولى “ليلى”، بدأت تشعر بأن ظهرها ليس ظهرها. إحساس غريب… نهشٌ بطيء في الفقرات كأن أحدهم يضغط عليها من الداخل بإبهام بارد. كانت تقوم من السرير كمن ينهض من تحت صخرة، ثم تمشي خطوة فتشعر أن الخطوة نفسها ليست لها، وأن الأرض تغيرت. في البداية قالت لنفسها: “تعب ولادة… طبيعي.” قالتها مثل أي أم تُربّي نفسها على الصمت، وعلى فكرة أن الشكوى رفاهية، وأن البيت لا ينتظر، وأن طفلها لا يفهم معنى “وجع”.


كانت تنظف المطبخ، تلمع الحوض، تضع الماء للرضاعة، تلبس ليلى ويبان على وجهها ابتسامة صغيرة تحاول أن تكون حقيقية. كانت تبتلع أنينها كما تبتلع النساء كل شيء: كلمة جارحة، غصة، قلق. وعندما يلمح زوجها إيهاب تقلصًا في ملامحها، كانت تسبق السؤال بإجابة جاهزة: “مفيش… بس شوية شد.” كأنها تعتذر عن الألمقبل أن تُتهم به.


لكن الأيام لم تكن رحيمة. الوجع لم يخف. بالعكس… كان يتعلم جسدها ويعرف طريقه أكثر. صار ينتقل من الظهر إلى الساقين، يدخل في عظمة الحوض، يلسع القدمين بتنميل حارق، ثم يهدأ قليلاً فقط ليعود أقسى. بدأت مشيتها تتغير دون أن تشعر. خطواتها صارت قصيرة، مرتعشة، وكأنها تمشي داخل ماء ثقيل. حاولت أن تقف لتفرد ظهرها في المرآة، فوجدت نفسها لا تستطيع. ظهرها يرفض الاستقامة، مثل باب قديم صديء يحتاج قوة أكبر من قوتها.


في المساء، حين ينام البيت، كانت تهمس لإيهاب بصوت مكسور حتى لا توقظ ليلى:


“يا إيهاب… ضهري هيتقطم نصين. ساعدني بالله عليك.”


لم يكن إيهاب شخصًا “شريرًا” بالشكل الذي تكتبه الروايات. كان رجلًا عاديًا، يعود من عمله متعبًا، يريد أن يأكل ويستريح، يرى الحياة من نافذة ضيقة اسمها “المنطق”: الولادة حدثت، إذن انتهت. الألم إذا لم يُرَ فهو غالبًا مبالغة. وكان لديه ذلك النوع من السخرية التي تتخفّى في شكل نصيحة:


“وبعدين معاكي؟ إحنا هندلع؟ ما كل الستات بتولد وبتقوم زي الفل… بلاش دراما. إنتي بس عايزة تعملي كيوت وتتدلعي عليا!”


كانت كلماته تدخل في صدرها مثل مسمار. ليست لأنها قاسية فقط، بل لأنها تُجبرها على الشك في نفسها. كانت ترجع للفراش وتفكر: “يمكن أنا فعلًا مكبّرة الموضوع؟ يمكن ده طبيعي؟” ثم يأتي الليل ويأتي الألم ويؤكد لها أن جسدها لا يكذب… لكن صوت إيهاب كان أعلى من صوت جسدها في بعض اللحظات.


وحين بدأ التنميل يزحف في رجليها كالنار، لم تجرؤ على قول الحقيقة كاملة. قالت له مرة: “حاسة رجلي بتتنمل.” رد وهو يضحك ضحكة قصيرة:


“أكيد من قلة الحركة… قومي اتحركي شوية. بلاش تأفور!”


صمتت. لأن الصمت صار أقل إيلامًا من محاولة الإقناع. كانت تداري دمعتها كي لا “يتنكد”، كما لو أن نكدَه أهم من وجعها. وفي كل مرة كانت تحمل ليلى، كانت تشعر أن ظهرها سيغدر بها ويتركها تسقط. فتجلس بسرعة. ثم تبتسم. ثم تكمل.


الانهيار لم يأتِ دفعة واحدة. جاء مثل تسريب ماء خلف الحائط، لا تراه لكنك تلاحظ أن الرائحة تغيّرت، وأن الجدار لم يعد كما كان. في صباح ما، حاولت مريم أن تقف من على السرير فلم تستطع. ظلّت لحظات تضع يدها على حافة المرتبة وتشدّ جسدها، كأنها تحاول أن تسحب نفسها من حفرة. قامت في النهاية… لكن ظهرها انحنى رغماً عنها، وساقاها ارتجفتا. مشيت نحو الحمام خطوة، ثم ثانية، ثم شعرت أن الأرض تبتلع قدميها.


ذلك اليوم، لم تطبخ كما يجب. لم تنظف كما يجب. حتى الرضاعة لم تكن سهلة؛ كانت تبحث عن وضع لا يضغط على ظهرها، ثم تكتشف أنه لا يوجد وضع “لا يضغط”. كانت كل الأوضاع تضغط، وكل الأنفاس تتعب.


وفي ليلةٍ سوداء، بعد أن انتهت من إرضاع ليلى، حاولت أن تنهض… فسقطت. سقطت ليس كمن يتعثر، بل كمن ينطفئ. لامست ركبتاها الأرض أولاً، ثم تمدد جسدها على السيراميك البارد. شعرت للحظة أن الهواء نفسه ثقيل. دموعها خرجت دون صوت. كانت تبكي بكتمان كأنها تسرق حقها في البكاء.


“يا إيهاب… الوجع بجد مش قادرة أتحمله.”


جاء إليها ببطء، وقف فوق رأسها كمن ينظر لشيء مزعج يريد أن ينتهي سريعًا، وقال ببرود قاتل:


“إنتي بس شكلك وحشك الدلع وعايزة اللي يشيلك ويريحك… بطلي تمثيل بقى يا مريم!”


كلمة “تمثيل” كانت سكينًا. ليست لأنها اتهام، بل لأنها تلغي وجودها. تلغي حقيقة الألم. تلغي صراخ الأعصاب داخلها. تركها وذهب إلى غرفته، وأغلق الباب، وترك الصالة خلفه كأنها مسرح انتهت فقرته.


في غرفته، فتح اللابتوب. كان فيه شيء من الضيق ممزوج بالفضول. وكأنه يريد أن يثبت لنفسه أنه على حق. كان قد ركّب كاميرا مراقبة في الصالة منذ شهور بحجة “الأمان”، لكن في داخله كان يحب فكرة السيطرة، فكرة أن كل شيء تحت عينه حتى وهو بعيد. ضغط على ملف التسجيلات، وبدأ يسرّع الفيديو ليصل للحظة سقوطها… ليرى “كيف تمثل”.


وفي أقل من دقيقة… تغيّر وجهه.


رأى مريم في المقطع وحدها في الصالة. لم تكن تعرف أن الكاميرا تراقبها بتلك الدقة. كانت تحاول الوصول إلى كوب ماء على الطاولة الصغيرة. لكنها لم تمش. لم تقدر. كانت تزحف على بطنها، تجر الجزء السفلي من جسدها كأنه قطعة خشب لا حياة فيها. كانت قدماها لا تستجيبان. كانت تسحب نفسها بذراعيها، وتكتم صوتها كما تكتم الأم كل شيء.


ثم رأى ما لم يتخيله: مريم تعض على يدها حتى نزفت لكي لا يخرج صوت صراخها. رأى الدم على أصابعها. رأى عرقًا على جبينها. رأى وجهها يتلوى، لا من الدلع، بل من شيء أقرب للموت. ورأى رعدة غريبة في العمود الفقري… حركة خفيفة تحت الجلد كأن الألم نفسه يتحرك ويحفر.


لم يكن “تمثيل”. كان وجعًا حقيقيًا يتعرّى أمام الشاشة. وكان هو… المتهم الأول.


تسمر إيهاب أمام اللابتوب. حاول أن يضغط “إيقاف” لكنه لم يقدر. كان ينظر كأن الفيديو يصفعه. في ثانية واحدة تذكر كل مرة قال فيها “بلاش دراما”، كل مرة ضحك فيها، كل مرة قلب فيها الموضوع على أنه “كيوت”. كان يشاهد زوجته وهي تنهار حرفيًا بينما هو ينام، يأكل، يتفرج.


قفز من مكانه. خرج من الغرفة كالمجنون. دخل الصالة فوجدها ما تزال على الأرض، تحاول أن تتنفس. ركع بجانبها، رفعها بين ذراعيه، فصرخت دون قصد. الصرخة خرجت رغمًا عنها، كأن جسدها انتهى من الكتمان.


“مريم… مريم… أنا… أنا آسف…”


لم ترد. لم يكن لديها هواء لترد. عيناها كانت نصف مفتوحة، ووجهها شاحب كأنه ورقة. حملها وصرخ طالبًا النجدة. في دقائق كانت سيارة الإسعاف تأخذهم. ليلى بكت. إيهاب كان يبكي أكثر منها، لكن بكاءه كان نوعًا آخر: بكاء شخص اكتشف أنه كان أعمى باختياره.


في المستشفى، كل شيء حدث بسرعة. أطباء، تمريض، أسئلة، قياس ضغط، محاليل. مريم كانت بين الوعي واللاوعي. إيهاب كان يتلعثم وهو يشرح: “بعد الولادة… ظهرها… من أسبوعين…” كان كلامه يخرج كأنه اعتراف.


بعد ساعات من الأشعة والرنين، خرج الطبيب بوجه شاحب لا يشبه وجوه الأطباء التي تعوّدت الهدوء. نظر إلى إيهاب نظرة حادة وسأل:


“إزاي سبتوها كل ده؟”


حاول إيهاب أن يفتح فمه، لكن الكلمات علقت. الطبيب أكمل، كأنه يقرأ تقريرًا وفي نفس الوقت يقرأ جريمة:


“مش مجرد تعب ولادة. فيه ضغط خطير على الحبل الشوكي. غالبًا حصلت مضاعفات بعد حقنة الظهر.”


“حقنة الظهر؟” قالها إيهاب كمن يتعلّق بقشة. “يعني إيه؟”


الطبيب شرح بسرعة لأن الوقت لم يكن لصالح مريم: تجمع دموي ضاغط حول الحبل الشوكي، ومعه اشتباه التهاب… شيء نادر لكنه قاتل إذا تأخر. كان الأمر أشبه بحصار داخلي للأعصاب. كل دقيقة تأخير قد تعني شللًا لا يعود.


“لو تأخرتوا ساعتين كمان… كانت ممكن متقومش على رجليها تاني.” ثم أضاف بلهجة قاسية كأنها صفعة أخيرة: “هي كانت بتموت بصمت… وإنت بتقول عليها بتتدلع.”


سقط إيهاب على ركبتيه في ممر المستشفى. الممر طويل، بارد، والناس تمر حوله كأن العالم ما زال طبيعيًا. لكنه بالنسبة له لم يعد طبيعيًا. أخذ يضرب رأسه بيده وكأنه يريد أن يخرج تلك الكلمات من ذاكرته. “بتمثلي”… “كيوت”… “بلاش دراما”. كلمات بسيطة… لكنها كانت سكينًا في ظهر مريم قبل أن تكون في ظهرها فعلاً.


دخلت مريم غرفة العمليات. جراحة دقيقة، سباق مع الزمن. إيهاب جلس خارج الباب، يحدق في الضوء الأحمر فوقه. للمرة الأولى شعر أن الوقت ليس وقتًا يمر… بل وقتًا يُحاسبه. كان يسمع في رأسه صوتها وهي تهمس: “ساعدني بالله عليك.” وكان يرد عليها بصوته القديم… ثم يرجع ويبكي، لأن الصوت القديم لم يعد يُحتمل.


بعد ساعات، خرج الطبيب. قال إنهم أزالوا الضغط، وإنهم سيبدأون علاجًا مكثفًا. وأن هناك طريقًا طويلًا لإعادة التأهيل، وربما الألم سيبقى فترة، لكن الأهم أنهم “لحقوها”.


إيهاب لم يشعر بالراحة. شعر فقط أنه حصل على فرصة… فرصة لا يستحقها.


حين فتحت مريم عينيها في العناية، كان أول شيء رأته هو وجهه. لم يكن وجه الرجل الذي يسخر، بل وجه رجل مهزوم. عينيه محمرتين، وشفتاه ترتجفان كطفل.


“سامحيني… أنا كنت غبي… أنا…”


مريم لم تتحرك كثيرًا. كانت متعبة، لكن التعب لم يكن هو السبب الوحيد لصمتها. نظرت إليه نظرة باهتة، خالية من العتاب ومن الحب معًا. وهذا أخافه أكثر من أي صراخ.


قالت بهدوء كأنه جملة كتبتها من قبل في قلبها واحتفظت بها:


“الوجع اللي في ضهري الدكاترة شالوه يا إيهاب… بس الوجع اللي في قلبي… لأنه مكنش عندك تصديق… ده ملوش جراحة في الدنيا تداويه.”


مرت أيام، ثم أسابيع. مريم بدأت العلاج الطبيعي. أول مرة وقفت، كانت خطوة صغيرة جدًا. لكنها كانت خطوة عظيمة. خطوة امرأة تعود من حافة الشلل. كانت تتعرق، تتألم، ثم تعود وتبتسم لليلى كي لا تخاف. والألم لم يكن فقط في عضلاتها… الألم كان في ذاكرتها.


إيهاب حاول أن يتغير. صار يطبخ، ينظف، يحمل ليلى لساعات. صار يحضر جلسات العلاج معها، يحمل حقيبتها، يسأل الطبيب، ويتعلم كيف يساعدها على الوقوف. كان يفعل كل شيء، لكنه كان يشعر أن كل شيء قليل. لأن هناك شيئًا لم يستطع أن يُصلحه: اللحظة التي تُتّهم فيها امرأة بالأكذوبة وهي تتفتت.


وفي ليلة هادئة بعد شهرين، جلس بجوارها وهي تمشط شعرها أمام المرآة. قال بصوت متردد:


“مريم… أنا بعت اللابتوب… ومسحت كاميرات المراقبة. مش عايز أشوف اللحظات دي تاني. وعايز نبدأ صفحة جديدة.”


وضعت المشط ببطء. التفتت إليه بابتسامة خفيفة لا تشبه ابتساماتها القديمة:


“عارف يا إيهاب… الكاميرا مورتكش كل حاجة.”


تجمد. “يعني إيه؟”


قالت وهي تختار كلماتها كما تختار المرأة دواءها:


“الكاميرا ورتك جسمي وهو بيتوجع… بس مورتكش قلبي وهو بيموت كل مرة كنت بتقولي فيها ‘بتمثلي’. الكاميرا ورتك زحفي على الأرض… بس مورتكش شكلي وأنا بصغر في عيني… لأن اللي المفروض يكون سندي… كان شايفني عبء.”


سكت. لم يجد ردًا. لأن أي رد سيكون دفاعًا… وهي لم تعد تريد دفاعًا. كانت تريد حقيقة واحدة: ألا تضطر أن تثبت وجعها لأقرب الناس.


في الأسابيع التالية، لم تطلب مريم الطلاق. ولم تهرب. لكنها فعلت شيئًا أصعب من الرحيل: صارت تعيش لنفسها. لم تعد تنتظر منه كلمة أو لمسة كي تشعر أنها “موجودة”. صارت تضع حدودًا، وحدودها كانت هادئة لكنها صلبة.


في يوم، كان إيهاب عائدًا من عمله فوجدها ترتدي ملابسها وتحمل حقيبتها. قال بفزع:


“رايحة فين؟ تعبتي تاني؟”


ردت ببرود لا يحمل قسوة، بل يحمل قرارًا:


“رايحة العلاج الطبيعي… وبعده هعدي على أهلي. ليلى معاك. غيّر لها وأكلها. وأنا هتأخر.”


خرجت وأغلقت الباب خلفها. إيهاب وقف في الصالة الواسعة يحدق في الباب المغلق كما كان يحدق في شاشة الكاميرا يومًا. الفارق أن الشاشة كانت تعرض ألمًا يمكنه أن يراه… أما الباب المغلق فكان يعرض حقيقة أخرى: امرأة لم تعد تنتظر إنقاذه.


في تلك الليلة، جلس وحده. تذكر أنه كان يحتاج إلى كاميرا ليرى. وتذكر أن مريم كانت تحتاج إلى قلب فقط. قلب يرى قبل العين، ويصدق قبل الدليل. فهم متأخرًا أن العمى العاطفي ليس عدم حب… بل حب مشروط بالراحة، بالإقناع، بالدليل. وأن النساء لا ينهارن فقط من المرض… بل ينهارن من السخرية التي تقتل الألم مرتين: مرة في الجسد، ومرة في الروح.


بعد شهور، عادت مريم تمشي تقريبًا كما كانت. ليس تمامًا. كانت تمشي بحذر، لكن هذا الحذر لم يكن خوفًا من الألم فقط… كان خوفًا من التكرار. كانت تعرف الآن أن الظهر الذي لا يسنده صاحبه لا يجب أن ينحني لأجل أحد. وأن الأمومة لا تعني أن تُلغى، وأن الصبر ليس أن تتحول المرأة إلى حائط يمتص كل الضربات دون أن يقول: “كفاية.”


وفي صباح جديد، كانت مريم تحمل ليلى أمام المرآة. ليلى تضحك وتشد خصلة من شعرها. مريم ابتسمت… ابتسامة هذه المرة أصدق. قالت لابنتها كأنها تكتب لها وصية:


“إوعي في يوم تكسري نفسك عشان حد يصدقك… اللي يحبك لازم يصدق وجعك قبل ما يشوفه.”


خلفهما، كان إيهاب يقف عند باب الغرفة. لم يتدخل. لم يقطع اللحظة. اكتفى بأن يسمع. لأن بعض الدروس لا تُقال… بل تُعاش، ثم تُدفع ثمنًا.


لم تنتهِ قصة مريم عند علاج طبيعي أو عملية ناجحة. انتهت عند شيء أعمق: امرأة عادت تمشي… لكنها عادت أيضًا تعرف قيمتها. ورجل أدرك متأخرًا أن السخرية لا تقتل الضحك فقط… بل تقتل الإنسان الذي أمامك، قطعة قطعة، حتى لو ظل حيًا.


وهكذا… بقيت جملة واحدة معلقة في الهواء بينهما، لا كاتهام ولا كندم، بل كحقيقة تُلخّص كل شيء:


“الوجع مش محتاج دليل… الوجع محتاج تصديق.”


تعليقات

التنقل السريع
    close