القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

خمس سنوات من التضحية انتهت بجملة واحدة قلبت كل شيء

 


خمس سنوات من التضحية انتهت بجملة واحدة قلبت كل شيء






خمس سنوات من التضحية انتهت بجملة واحدة قلبت كل شيء


 

إذا قال أحدهم عبارة خمس سنوات بصوت عال فإنها تبدو شبه تافهة كفصل صغير يطوى بسهولة. لكن حين تقاس تلك السنوات الخمس لا بالتقاويم بل بممرات المستشفيات وجداول الأدوية والرائحة العتيقة للمطهر التي لا تفارق الملابس أبدا فإن الزمن لا يمضي على نحو طبيعي. بل يتخثر. يضغط على الصدر. يتحول إلى شيء تحمله لا إلى شيء تعيش بداخله.

اسمي ماريان كورتيز وأبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاما. حين أنظر إلى المرآة الآن لم أعد أتعرف إلى المرأة التي تحدق في. كتفاها منحنيان إلى الأمام كما لو أنها تستعد لتلقي ضربة. عيناها محاطتان بظلال لم يلامسها النوم منذ سنوات. ويداها ترويان القصة بوضوح يفوق وجهها خشنتان من الغسل المتواصل ومن رفع ثقل لم يكن ينبغي لها أن تحمله وحدها ومن التشبث بقضبان الكراسي المتحركة وحواف أسرة المستشفيات.

كان هناك وقت بدت فيه حياتي عادية بل ومفعمة بالأمل. تعرفت إلى زوجي لوكاس كورتيز في حملة تبرعات حيية في بولدر. كان جذابا على نحو يجعل الناس يشعرون بأنهم مختارون. حين يتحدث تميل القاعات نحوه. وحين يبتسم تظن أنه يفعل ذلك لك وحدك. تزوجنا سريعا مدفوعين بخطط بدت راسخة ومشتركة أطفال سفر منزل أكبر في مكان أكثر هدوءا ومستقبل بدا مستحقا.

ذلك المستقبل تحطم على امتداد طريق خارج غولدن عند منعطف طالما حذر منه السكان المحليون وكان الجميع يعتقد أنه قادر على تجاوزه. كان لوكاس عائدا من مؤتمر



إقليمي للمبيعات. سائق آخر عبر الحاجز الوسطي بعد أن شرب أكثر مما ينبغي. الاصطدام حطم المعدن وأبقى لوكاس على قيد الحياة لكنه سرق النصف السفلي من جسده.

تحدث طبيب الأعصاب في مركز فرونت رينج الطبي بهدوء لكن بلا أوهام. شرح الضرر بلغة سريرية وبصوت ثابت وهو يصف ما هو دائم. وعندما انتهى خيم صمت كان ثقيلا بما يكفي لابتلاع أي صوت.

لم أبك حينها. أمسكت بيد لوكاس ووعدته أنني لن أرحل. قلت له إننا سنتكيف. كنت أعتقد أن الحب يعني الصمود.

ما لم أفهمه هو مدى بطء التضحية في إفراغ الإنسان من داخله.

السنوات التي تلت كانت مؤلفة من التكرار. منبهات قبل الفجر. جداول أدوية ملصقة على الثلاجة. مكالمات تأمين لا تفضي إلى شيء. ليال على الأريكة لأتمكن من سماع لوكاس إن ناداني. تعلمت كيف أرفعه دون أن أؤذيه وكيف أبتسم وأنا منهكة وكيف أبتلع الاستياء لأن الناس كانوا يثنون علي لكوني قوية.

كان هناك يوم ثلاثاء بعينه يمكن أن يكون أي ثلاثاء من تلك السنوات الخمس. رن المنبه في الرابعة والنصف صباحا. كانت المدينة في الخارج مظلمة وباردة من ذلك الصمت الذي يجعل أفكارك تصدح بصوت عال أكثر مما ينبغي. تحركت بحذر مرتدية ملابس اختيرت للوظيفة لا للكرامة وراجعت في ذهني قائمة اليوم.

كان لوكاس قد أمضى أياما يطلب فطائر من مخبز قريب من المستشفى. كان يقول إن طعام المستشفى يجعله يشعر وكأنه عبء. قلت لنفسي إن إحضار شيء دافئ ومألوف


قد يخفف ذلك الثقل.

كان المخبز مضاء حين وصلت. لفتني رائحة الزبدة والسكر ولحظة واحدة تظاهرت فيها بأنني مجرد امرأة أخرى تشتري الفطور لمن تحب.

ابتسمت أمينة الصندوق وسألت

ماذا ستأخذين هذا الصباح

قلت

لفتين من القرفة وعلبة فطائر سادة. وقهوة سوداء.

دفعت نقدا وأنا أعد النقود بعناية ثم قدت نحو المستشفى والكيس على مقعد الراكب أتخيل تعبير وجه لوكاس حين أصل.

داخل المبنى استقبلني ذلك البرد المألوف للمطهر. أخبرني متطوع أن لوكاس في الفناء مع مريض آخر. سرت نحو الأبواب الزجاجية أعدل شعري محاولة أن أبدو أقل تعبا مما أشعر.

ثم سمعت صوته.

كان لوكاس يقول

تعتاد الأمر. الناس يظنون أنه مأساوي لكن بصراحة له مزاياه.

ضحك رجل آخر ورد

زوجتك تفعل كل شيء. ألا يزعجك ذلك

جاء رد لوكاس سهلا

ولماذا يزعجني ماريان يمكن الاعتماد عليها. لن تذهب إلى أي مكان. لا مكان لديها لتذهب إليه.

انقطع نفسي وتجمدت في مكاني خارج مجال رؤيته مباشرة.

ضحك الرجل الآخر ضحكة خافتة

يبدو أنك خرجت رابحا.

وهذا ما حدث بالفعل قال لوكاس. لدي رعاية مجانية. لا مراكز. لا فواتير. مجرد صبر وأمل يبقيانها في مكانها.

وماذا عن الميراث سأل الرجل.

خفض لوكاس صوته قليلا لكن ليس بما يكفي كي لا أسمعه

أصولي مضمونة لابني وأختي. العائلة تبقى عائلة. ماريان تعتقد أن الولاء يمنحها الدوام.

ضحكا معا.

وقفت هناك أمسك كيس الفطائر الذي بدا فجأة فاحشا. الحب


الذي ظننت أنني أقدمه تحول إلى منفعة. الإخلاص الذي منحته صار أداة لاستخدامي.

لم أواجهه. لم أبك أمامهما. استدرت بهدوء ورميت الكيس في سلة مهملات قرب المخرج.

وأنا أسير نحو سيارتي استقر شيء ما بداخلي. كانت الغضب يتقد لكن تحته وضوح. لو تصرفت بعاطفة لخسرت كل شيء. ولو انتظرت لاستعدت نفسي.

بعد دقائق كتب لي لوكاس يسأل أين أنا ثم أتبع سؤاله برسالة ثانية يتذمر فيها من الجوع وثالثة يشكو فيها من برودة الجو في الفناء. قرأت الرسائل كلها دون أن يتغير وجهي. لم أشعر بالذنب ولم أشعر بالشفقة. كان في داخلي فراغ غريب أشبه بسكون يأتي بعد ضجيج طويل. كتبت له بهدوء متعمد أن السيارة تعطلت في الطريق وأنني سأحاول الوصول متى استطعت ثم أغلقت الهاتف كمن يغلق بابا على غرفة لم يعد يرغب في دخولها.

بدل أن أعود إلى المنزل قدت بلا استعجال نحو مكتبة المقاطعة. كان المبنى هادئا محايدا لا يطالبني بشيء. جلست بين رفوف الكتب محاطة بآلاف القصص التي لا تعرفني ولا تنتظر مني تضحية. أخرجت حاسوبي المحمول وعندما وضعت يدي على لوحة المفاتيح لاحظت شيئا لم أشعر به منذ سنوات الثبات. لم ترتجف أصابعي. لم يتسارع نفسي. كأن جسدي أخيرا أدرك أنني لم أعد في وضع الدفاع المستمر.

في ذلك المكان بدأت أستعيد نفسي قطعة قطعة.

في الأسابيع التالية تحولت حياتي إلى ازدواج دقيق. في الظاهر لم يتغير شيء. كنت أستيقظ في الوقت نفسه أعد الأدوية


أساعد لوكاس في الانتقال من السرير


 

إلى الكرسي أبتسم حين يشتكي وأهز رأسي حين يروي قصصه المكررة. كنت الزوجة التي يعرفها التي يعتمد عليها التي يظنها ثابتة في مكانها كقطعة أثاث لا تسأل ولا تحاسب.

لكن في الداخل كنت شخصا آخر تماما.

صرت دقيقة إلى حد الهوس. كل ورقة تمر بين يدي كنت أحتفظ بنسخة منها. كل إشعار بنكي كنت أراجعه حرفا حرفا. اكتشفت حسابات لم أكن أعرف بوجودها وتحويلات لم تشرح لي يوما. قرأت وثائق التأمين ببطء شديد ووجدت اسمي غائبا كأنني لم أكن موجودة قط. سجلت المحادثات التي يسمح بتسجيلها قانونيا لا بدافع الانتقام بل بدافع التوثيق. كنت أبني ملفا لا يعتمد على العاطفة بل على الوقائع.

الأكثر إيلاما لم يكن ما اكتشفته من أرقام بل ما اكتشفته من أنماط. الطريقة التي كان لوكاس يتحدث بها عني حين يظن أنني لا أسمع. الافتراض الدائم بأنني باقية بأنني خيار مضمون بأن صبري مورد لا ينفد. أدركت حينها أن ما كان يربطنا لم يعد حبا منذ زمن بل اعتيادا مريحا له واستنزافا صامتا لي.

حين تواصلت مع ناتالي غرايسون زميلتي السابقة لم أحتج إلى شرح طويل. جلست أمامي في مقهى صغير واستمتعت إلى قصتي دون أن تقاطعني أو تقترح حلولا سريعة. وعندما انتهيت قالت بهدوء إن ما أعيشه ليس نادرا لكنه خطير إن طال أكثر. ثم كتبت اسما على ورقة صغيرة إيفلين بورتر.

لقائي بإيفلين لم


يكن دافئا ولم يكن قاسيا. كان محايدا إلى حد أربكني في البداية. جلست أمامها وأنا أحمل سنوات من الإرهاق في صدري لكنها لم تنظر إلى تعبي بل إلى حقيبتي. لم تسألني كيف أنام ولا كم مرة بكيت بل سألتني عما أملك عما يمكن إثباته عما يمكن الوقوف به أمام قاض لا يعرفني ولا يعنيه مقدار ما ضحيت. لم تواسني بل طلبت التواريخ والأدلة أسماء البنوك نسخ العقود وتفاصيل كنت أظنها صغيرة لا تستحق الذكر. قالت لي بهدوء قاطع إن العدالة لا تبنى على النوايا ولا على القصص المؤثرة بل على المستندات الصامتة التي لا تنكر نفسها. وأضافت أن أفضل ما فعلته دون أن أدرك حينها هو أنني صمت عندما كان الصمت ضرورة لا ضعفا.

خرجت من مكتبها وأنا أشعر لأول مرة منذ زمن طويل أنني لست مجنونة ولا أنانية ولا قاسية. كنت فقط متأخرة في حماية نفسي.

حين بدأ لوكاس يلاحظ التغير كان قد فات الأوان فعلا. لم يكن التغير في نبرة صوتي ولا في عدد الساعات التي أقضيها إلى جانبه بل في تلك التفاصيل التي لا ينتبه لها إلا من اعتاد السيطرة المطلقة. حساب لم يعد يعمل كما كان. بطاقة رفضت فجأة أمام موظف مرتبك. رسالة رسمية بلغة قانونية باردة لا تحمل اسمي كزوجة بل كطرف. رأيت الخوف يتسلل إلى عينيه لأول مرة لا خوف المرض بل خوف فقدان الامتياز.

حاول أن يفسر الأمر بطرق شتى. اتهمني


بالإرهاق ثم بالانهيار العصبي ثم بالقسوة المتعمدة. وحين لم تنجح هذه الاتهامات انتقل إلى البكاء إلى استدعاء الذكريات إلى تذكيري بكل ما تحملته من أجله وكأن التضحية سند ملكية. وحين لم يجد في استجابة صرخ وهدد وتوعدني بأنني سأندم. لكن كل ذلك كان بلا وزن بلا تأثير أمام الأوراق الموقعة والتواريخ المثبتة والتسلسل الواضح الذي لا يترك مجالا للتأويل.

عائلته لم تتأخر في الاصطفاف ضدي. جاء الهجوم متوقعا لكنه لم يكن أقل قسوة. اتهمت بالخيانة بنكران الجميل بالتخلي في أحلك الظروف. قيل عني إنني استغللت ضعفه وإنني اخترت الهروب حين تعقدت الأمور. استمعت لكل ذلك بصمت لم يعد مؤلما. كان في داخلي يقين واحد لا يتزعزع لم يستطع أحد أن ينفي الوقائع. لم يستطع أحد أن يثبت أنني كنت يوما شريكة حقيقية في القرارات أو مستفيدة من هذا النظام غير المتكافئ. كنت وسيلة مريحة لا أكثر في منظومة صممت لتأخذ ولا تعيد.

في اليوم الذي انتقلت فيه من ذلك المنزل لم أشعر بالحاجة إلى خطابات وداع ولا إلى لحظات مسرحية. لم ألتفت إلى الجدران ولم ألمس الأثاث. وضعت أغراضي القليلة في السيارة أغلقت الباب خلفي وانتهى الأمر. لم أشعر بأنني أترك حياة كاملة بل بأنني أستعيد نفسي من حياة لم تعد تشبهني. كان الهواء أخف فعليا أخف وكأن صدري توسع فجأة. خطواتي كانت


أهدأ متوازنة وكأن جسدي يتعلم المشي من جديد دون حمل مزمن فوق ظهره.

بعد أشهر حين اتصل بي المستشفى ليخبرني أن لوكاس أدخل مرة أخرى بسبب مضاعفات صحية لم أشعر بتلك الرجفة القديمة. شكرت المتصل وأغلقت الهاتف وجلست في مكاني. لم أشعر بالشماتة ولم أشعر بالذنب. كان هناك فقط إدراك هادئ بأن المسؤولية لم تعد لي وأن الرعاية التي كنت أمثلها لم تكن يوما واجبا أبديا. لقد اختار بنفسه من يعتمد عليهم وحدد بنفسه من يستحق موقعه في حياته وها هو الآن ينال اختياراته كاملة.

اليوم أجلس في مقهى مضيء افتتحته ناتالي وأنا معا مكان صغير لكنه صادق لا يخفي عيوبه ولا يجمل واقعه. أكتب خلال الساعات الهادئة أراقب الناس يدخلون ويخرجون كل منهم يحمل عالما كاملا في صمته. صرت أرى التعب دون أن أبتلعه وأرى الألم دون أن أحمله على كتفي. لم أعد أقارن نفسي بأحد ولم أعد أخاف من الوحدة. تعلمت أن الوحدة قد تكون مساحة للشفاء وأن الخسارة الحقيقية ليست في المغادرة بل في البقاء حين يتحول البقاء إلى محو بطيء للذات.

لم أعد ظلا يحمل غيره كي يبقى واقفا.

أنا كاملة من جديد لا لأنني انتصرت على أحد بل لأنني توقفت عن الهزيمة اليومية.

والكرامة حين تستعاد لا تحتاج إلى إذن كي توجد ولا إلى شاهد ولا إلى تبرير. هي ببساطة تعود إلى مكانها الطبيعي في الروح وتغلق الباب


خلفها بهدوء.

تمت 

 

تعليقات

التنقل السريع
    close