بعد الطلاق اشترت قصرا مهجورا
بعد الطلاق اشترت قصرا مهجورا
بعد الطلاق اشترت قصرا مهجورا كان في يوم من الأيام ملكا لتاجر سلاح خطير لكن ما وجدته داخله لم يكن خرابا ولا جريمة بل سرا دفن لسنوات طويلة وغير حياتها بالكامل كانت هالة مرسي في التاسعة والثلاثين من عمرها حين انهار كل شيء حولها زوجها تركها من أجل فتاة أصغر منها بسنوات طويلة والبنك سحب المنزل الذي عاشا فيه معا لتجد نفسها فجأة وحيدة حاملا في شهرها الرابع تحمل حقيبة صغيرة وذكريات أثقل من قدرتها على الاحتمال كانت تشعر أن حياتها تحولت إلى صفحة بيضاء باردة لا شيء فيها سوى الخوف من المستقبل والقلق من المسؤولية القادمة ومع ذلك لم تكن هالة من النساء اللواتي يستسلمن بسهولة كانت تؤمن في أعماقها أن كل نهاية قاسية تحمل في طياتها بداية مختلفة وربما أكثر قوة وبينما كانت تبحث عن فرصة جديدة وجدت إعلان مزاد حكومي لبيع قصر قديم مهجور على أطراف مدينة صغيرة قريبة من الإسكندرية كان القصر يعرف باسم قصر آل الرفاعي وكان الناس يتجنبون حتى ذكر اسمه لأن قصصا كثيرة مرعبة نسجت حوله قيل إن صاحبه حسن الأحمر الرفاعي كان تاجرا للأسلحة وأن القصر شهد صفقات مظلمة واختفاءات غامضة وشائعات عن خزنة سرية وأموال لم يعثر عليها أحد قط كانت تلك الحكايات كفيلة بأن تبعد أي مشتر محتمل لكن هالة رأت في الإعلان شيئا مختلفا لم تر الخراب بل رأت فرصة بداية جديدة مكانا لا يعرفها فيه أحد ولا يعرف ماضيها ولا أحزانها دفعت كل ما تبقى من تسوية الطلاق واشترت القصر دون أن تزوره على الطبيعة وحين أخبرت الناس بقرارها اعتبروا أنها فقدت عقلها لكن هالة كانت ترى الأمر بطريقة أخرى حين يصبح الماضي رمادا خلفك يصبح اقتحام المجهول أهون من الوقوف مكانك وصلت هالة إلى بوابة القصر الحديدية الصدئة في مساء بارد وكانت السماء تميل إلى الرمادي الداكن شعرت بقشعريرة تسري في جسدها لكنها لم تكن خوفا بل شعورا غريبا بالانجذاب وكأن المكان كان ينتظرها دفعت البوابة بصعوبة فصرخت المفصلات بصوت حاد يشبه أنين الزمن المهمل عبرت الممر الطويل المحاط بأشجار جافة حتى وقفت أمام الباب الخشبي الضخم أخرجت المفتاح الثقيل من حقيبتها وهمست لجنينها أن لهذا المكان أسرارا وأنهما سيكتشفانها معا حين دخلت القصر اندفعت رائحة الرطوبة والخشب القديم والكحول العالق في الجدران كأن الزمن توقف هنا منذ عقود كانت الغرف واسعة والسقوف عالية والستائر ممزقة تتراقص بفعل الهواء البارد أشعلت مدفأة الصالة بجرائد قديمة وبعض الحطب وجلست على سجادة مليئة بالغبار تمسك بكوب شاي بيديها الاثنتين تحاول أن تستمد من الدفء القليل شجاعة تكفي لليلة الأولى كان الصمت كثيفا حتى سمعت فجأة صوت خبطة خفيفة قادمة من الطابق العلوي تجمدت في مكانها لم يكن صوت الريح ولا اهتزاز المنزل بل صوت شيء ثقيل يسقط ثم ينسحب ببطء فوق الأرض نهضت على مهل وصعدت السلم الكبير الذي كان يئن تحت خطواتها كانت إضاءة الهاتف بالكاد تشق الظلام لكنها واصلت السير حتى وصلت إلى جناح شرقي باب إحدى غرفه موارب والصوت يأتي من الداخل دفعت الباب ببطء وقلبها يخفق بقوة لكنها لم تجد شبحا ولا حيوانا بل وجدت الأرضية الخشبية مكسورة في زاوية الغرفة وكأن شيئا ثقيلا سحب عبرها منذ زمن بعيد انحنت تزيل الألواح المكسورة لتكتشف بابا حديديا صغيرا مخفيا تحت الأرض شعرت بأنفاسها تتسارع أدركت أن الشائعات ربما كانت تحمل شيئا من الحقيقة استغرقت ساعات في محاولة فتح الباب حتى نجحت أخيرا ونزلت سلما ضيقا يقود إلى ممر تحت الأرض كانت الجدران باردة رطبة والممر يضيق شيئا فشيئا حتى وصل إلى غرفة حجرية صغيرة في وسطها صندوق معدني ضخم شعرت بخليط من الخوف والفضول حين فتحته لم تجد أموالا ولا ذهبا بل وجدت ملفات قديمة وصورا ورسائل كانت الأوراق توثق صفقات سلاح غير قانونية وأسماء شخصيات نافذة وتواريخ عمليات اختفاء مفاجئة أدركت هالة أن ما بين يديها أخطر من أي كنز مادي كان سرا قادرا على تدمير عائلات نافذة وربما تغيير مصير المدينة بأكملها جلست على الأرض تقرأ حتى الفجر وكل صفحة تزيد دهشتها وخوفها معا في تلك اللحظة سمعت صوت سيارة تتوقف خارج القصر تبعه طرق عنيف على الباب أدركت أن القصر لم يكن مهجورا كما ظنت وأن هناك من يعرف ما يحتويه فتحت الباب لتجد رجلا مسنا يعرف نفسه بأنه محام كان يعمل مع صاحب القصر القديم أخبرها أن وجودها هنا ليس مصادفة وأنها لم تشتر مجرد منزل بل ورثت شبكة معقدة من الأسرار والعداوات حذرها من أن هناك من سيحاول استعادة الملفات بأي ثمن ومن تلك الليلة تغيرت حياة هالة بالكامل تحولت من امرأة تبحث عن بداية جديدة إلى امرأة تحمل مفتاح سر كبير كانت تعرف أن الطريق أمامها لن يكون سهلا لكنها شعرت لأول مرة منذ شهور بقوة داخلية جديدة لم تعد ترى نفسها ضحية بل شخصا يملك فرصة لتغيير مصيره ومصير طفلها القادم ومع شروق الشمس على نوافذ القصر المغبرة وقفت هالة في الشرفة تنظر إلى الأفق وتدرك أن هذا المكان الذي خافه الجميع أصبح نقطة تحول في حياتها وأن السر المدفون تحت جدرانه لم يكن نهاية قصة بل بداية حكاية أكبر بكثير مما تخيلت
قصه,2
لم تكن تتخيل أبدا أن رسالة واحدة قد تعيد كتابة حياتها بالكامل
بعد وفاة والدتها بشهر واحد فقط كانت سلمى تقف في شقتها الصغيرة تنظر إلى الجدران الفارغة وكأن كل شيء فقد معناه لم يتبق لها من العائلة سوى صندوق خشبي قديم أصرّت أمها قبل موتها أن تحتفظ به دون أن تفتحه وقالت لها يومها بصوت متعب إن الوقت سيأتي وستفهمين كل شيء
سلمى لم تؤمن بالأسرار كانت ترى أن الحياة واضحة وقاسية بما يكفي دون ألغاز لكن بعد الجنازة وبعد أن عاد الجميع إلى حياتهم وبقيت وحدها بدأت تشعر بثقل الصندوق وكأنه يناديها كل ليلة لم يكن ثقيلا بالحجم بل بما يحمله من أسئلة كانت تخاف أن تفتحه لأن جزءا منها كان يخشى أن تجد بداخله شيئا يوجعها أكثر مما هي موجوعة بالفعل
كانت في الثالثة والثلاثين تعمل معلمة موسيقى وتعيش حياة بسيطة هادئة لكنها منذ رحيل أمها صارت تشعر أن هناك قطعة ناقصة في حياتها شيء لم يخبرها به أحد شيء كانت أمها تخفيه بابتسامة صامتة في كل مرة تسأل عن الماضي
في ليلة شتوية باردة قررت أخيرا أن تفتح الصندوق وضعته أمامها على الأرض وجلست تتأمله طويلا قبل أن ترفع الغطاء ببطء لم تجد مجوهرات ولا أموال بل وجدت صورا قديمة ورسائل صفراء مربوطة بشريط أزرق وفي الأسفل كان هناك ظرف كبير كتب عليه بخط يد أمها افتحيه عندما تصبحين جاهزة
ارتجفت يدها وهي تمسك الظرف شعرت كأن قلبها يعرف أن ما بالداخل سيغير كل شيء فتحت الرسالة وقرأتها ببطء
كانت كلمات أمها واضحة ومباشرة لكن كل حرف فيها كان يضرب قلبها بقوة كتبت أمها أنها لم تكن ابنتها البيولوجية وأنها تبنتها وهي رضيعة بعد حادث مروع فقدت فيه عائلتها الحقيقية بالكامل
توقفت سلمى عن القراءة للحظة شعرت أن الأرض تسحبها للأسفل وأن كل ذكرياتها اهتزت في لحظة واحدة كانت تحب أمها أكثر من أي شيء لكن فكرة أن حياتها كلها قامت على سر لم يخبرها به أحد جعلت صدرها يضيق بالأسئلة
أكملت القراءة بصعوبة لتجد عنوانا واسم مدينة بعيدة ورسالة أخيرة تقول إن عائلتك الحقيقية لم تختف بالكامل هناك شخص واحد بقي على قيد الحياة وكان يبحث عنك طوال هذه السنوات
لم تستطع النوم تلك الليلة ظلت تحدق في العنوان وكأن الورقة تحترق بين يديها كانت خائفة من الحقيقة لكنها أكثر خوفا من أن تظل جاهلة بها قررت في صباح اليوم التالي أن تسافر دون أن تخبر أحدا شعرت أنها لا تسافر إلى مدينة جديدة بل إلى نسخة أخرى من نفسها لم تعرفها من قبل
المدينة كانت صغيرة هادئة تشبه القرى القديمة وصلت إلى العنوان لتجد بيتا أبيض بسيطا محاطا بأشجار الليمون توقفت أمام الباب دقائق طويلة قبل أن تطرق طرقات خفيفة فتح الباب رجل مسن بعينين دافئتين نظر إليها للحظة طويلة وكأنه يحاول أن يتأكد من حلم قديم ثم همس باسم لم تسمعه من قبل لكنه كان يحمل حبا عميقا لم تعرفه قط
قال لها إنه جدها وإنه ظن أنها ماتت منذ ثلاثين عاما أخبرها عن الحادث الذي فقد فيه ابنته وزوجها وعن الطفلة التي اختفت وسط الفوضى وكيف ظل يبحث عنها سنوات دون أن يجد أثرا لها حتى فقد الأمل
كانت الكلمات تتساقط عليها كالمطر لكنها شعرت بشيء دافئ يتشكل في قلبها شعور لم تعرفه من قبل شعور الانتماء جلست معه لساعات يستعيدان سنوات ضائعة في لحظات قصيرة أخبرها عن والدها الذي كان يعزف البيانو وعن والدتها التي كانت ترسم وعن البيت الذي كان يمتلئ بالموسيقى والضحك
عندما غادرت البيت في المساء لم تكن نفس الشخص الذي وصل في الصباح أدركت أن حياتها لم تكن كذبة كما ظنت بل كانت هدية مزدوجة أم منحتها الحب والحياة وجد منحها الجذور والهوية
في طريق العودة كانت تمسك الرسائل بقوة وتشعر أن قلبها أخف لأول مرة منذ شهور فهمت أخيرا لماذا طلبت منها أمها أن تنتظر قبل فتح الصندوق لأن بعض الحقائق تحتاج إلى قلب أقوى حتى تتحملها
وقفت أمام نافذة القطار تنظر إلى انعكاس صورتها في الزجاج وتبتسم بهدوء كانت تعرف أن حياتها لم تتغير فقط بل بدأت من جديد وأن الرسالة التي أخافتها كانت في الحقيقة الطريق الذي أعادها إلى نفسها من جديد


تعليقات
إرسال تعليق