القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

بعد جنازة ابي 




بعد جنازة ابي 


بعـد جنـازة والدي مباشـرة وقـف زوج أخـتي وهتـف بثقـه بـارده : كـل الأسـهم والميـراث، من حـق زوجتـي. هـي الابنـة الكبرى.. نظرتُ أنا والمحامي إلى بعضنا…وانفجرنا ضحكًا.


لم يكن ضحك سخرية،


بل ضحك اليقين.ذلك الضحك الذي يخرج عندما يحاول شخـص ما تحويل أسطورة عائلية إلى قانون…عدنا إلى بيت أمي القديم في الحـي الهادئ، ذلك البيت الذي تتشابه فيه صناديق البريد،.ويترك فيه الجيران الطعام على الأبواب دون أسئلة. برامج العزاء كانت موضوعة على طاولة المدخل،


وبجوارها طبق نعناع. بطاقات التعزية غطّت طاولة المطبخ،


محشورة بين أطباق ورقية وصواني حلويات،عليها أسماء بخط اليد وقلوب صغيرة. #AE


ماكينة القهوة كانت تعمل بلا توقف كأنها لا تعرف كيف تتوقف عن أداء واجبها.على رف المدفأة، كان علم والدي المطوي من مراسم التكريم العسكري، داخل علبته المثلثة،


زواياه حادة، ثابتة…في نفس المكان الذي كان يرمي فيه مفاتيحه كل مساء.#AE


أمي لم تحركه….كانت يدها تقترب منه أحيانًا، وكأن لمسه سيجعل اليوم حقيقيًا. جلست أختي الكبرى نسرين في مقعد أبي، شبكت ساقيها، ورفعت ذقنها قليلًا، كما لو أن الحزن قد تحوّل بالفعل إلى ملكية.


وقف زوجها فؤاد خلفها، ذراعاه معقودتان، يرتدي تلك الثقة المصقولة التي يتحلى بها الرجال


عندما يظنون أن العالم يعمل وفق المنطق البديهي


قال: خلونا نختصر….الابنة الكبرى تأخذ كل شيء. الأسهم، المال، كله…هكذا تسير الأمور.


المحامي، الأستاذ حسام،.لم يتأثر بالنبرة..وضع ملفًا بنيًا على طاولة الطعام، أخرج دفترًا قانونيًا أصفر، ووضع نسختين معتمدتين من شهادة الوفاة…بحركات هادئة ودقيقة.


قال بهدوء يشبه إيقاع الساعة: هذا ليس ما ينص عليه القانون.


ابتسم فؤاد:


يعني تقول إن الابنة الكبرى لا تأخذ شيئًا؟


تحدثتُ قبله: أقول إنك تفترض.اسماالسيد


نظر المحامي لي نظرة تأكيد قصيرة، ثم قلب صفحة أخرى من الملف ثـم قـال…. صلي علي محمد وآل محمد وتابع التعليقات 🫵🫰🫵نظر لي الأستاذ حسام نظرة تأكيد سريعة، وبعدها قلب صفحة تانية من الملف…


وبصّ لفؤاد وقال بهدوء ثابت:


“القانون المصري ما بيعترفش بحاجة اسمها الابنة الكبرى تاخد كل حاجة. التركة بتتقسم حسب الأنصبة الشرعية… ولو في وصية قانونية مسجلة.”


الصمت نزل على الأوضة تقيل.


حتى ماكينة القهوة… حسيت إنها هديت شوية.


فؤاد ضيّق عينيه، وقال بنبرة فيها تحدي:


“يعني حضرتك بتقول إن نسرين مش ليها حق في إدارة الأسهم؟”


رد المحامي:


“بقول إن حقها زي حق باقي الورثة بالظبط… لا أكتر ولا أقل.”


نسرين اتحركت في كرسي بابا، وكأن الكلام لمسها في نقطة حساسة.


قالت وهي بتحاول تحافظ على هدوئها:


“بس أنا اللي كنت مع بابا في الشركة. أنا اللي فاهمة الشغل.”


أنا ساعتها اتكلمت لأول مرة بصوت أوضح:


“وده ما يمنعش إن باقي الورثة ليهم حق قانوني.”


بصتلي نظرة طويلة…


نظرة فيها خليط من الغضب والخوف… وحاجة تانية ما فهمتهاش وقتها.


الأستاذ حسام سحب ورقة تانية من الملف.


وقال:


“في حاجة لازم تعرفوها…”


وساعتها…


قلبي دق أسرع.


طلع ورقة مختومة بختم الشهر العقاري.


وقال:


“والدكم ساب وصية مسجلة.”


نسرين شهقت.


وفؤاد وقف مستقيم أكتر.


أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.


فتح المحامي الظرف ببطء…


وقال:


“الوصية مكتوبة قبل الوفاة بثلاث سنين.”


وبدأ يقرأ:


“أنا الموقع أدناه… أقر بكامل قواي العقلية… أن تُدار أسهمي في الشركة من خلال مجلس إدارة عائلي مكوّن من أبنائي جميعًا… ولا يحق لأي طرف منفرد التصرف في الأسهم دون موافقة الباقين…”


فؤاد قاطع:


“يعني إيه؟!”


المحامي رد بهدوء:


“يعني مفيش حد هيسيطر لوحده.”


نسرين قامت من على الكرسي فجأة.


وقالت بعصبية:


“ده مش منطقي! بابا كان معتمد عليا!”


أنا حسيت بشيء بيتكسر جوايا…


مش بسبب الفلوس…


لكن بسبب كلمة “لوحدي”.


لأن الحقيقة…


بابا عمره ما فرّق بينا.


كمل المحامي قراءة:


“…كما أوصي بمنزل العائلة أن يظل ملكًا مشتركًا، ولا يتم بيعه إلا بموافقة جماعية…”


بصّيت حواليا للبيت.


ريحة النعناع.


صوت فناجين القهوة.


صور بابا على الحيطة.


فؤاد ضحك ضحكة قصيرة:


“الكلام ده نظري… بس الإدارة لازم تبقى لحد واحد.”


المحامي قال:


“والدكم كان متوقع النقطة دي.”


وطلع ورقة تالتة.


“في حال حدوث نزاع… تنتقل الإدارة التنفيذية المؤقتة إلى…”


وسكت لحظة.


أنا حسيت إن قلبي هيقف.


“…الابنة الوسطى.”


كل العيون اتوجهت عليا.


نسرين بصتلي كأني غريبة.


فؤاد قال:


“مين؟!”


المحامي بص ناحيتي وقال:


“حضرتك.”


أنا ضحكت…


ضحكة صغيرة…


مش مصدقة.


قلت:


“أكيد في غلط.”


قال:


“مفيش غلط.”


نسرين قالت بصوت مكسور:


“ليه…؟”


المحامي رد:


“لأنه حسب مذكرات والدكم… حضرتها كانت الوحيدة اللي رفضت تبيع نصيبها وقت الأزمة… وكانت بتشتغل من غير ما تطلب مقابل.”


الذكريات ضربتني مرة واحدة.


ليالي طويلة في الشركة.


مكالمات مع الموردين.


خناقات علشان نحافظ على العمال.


أنا ما كنتش بعمل كده علشان الورث.


كنت بعمل كده علشان بابا.


فؤاد قال بعصبية:


“الكلام ده مش نهائي.”


المحامي قال:


“قانونيًا… نهائي.”


الساعة على الحيطة دقت.


وأمي خرجت من أوضتها لأول مرة من الصبح.


بصت علينا كلنا…


وقالت بهدوء:


“أبوكم كان شايف كل حاجة.”


الصمت رجع تاني.


نسرين قعدت…


وحطت وشها في إيديها.


أنا حسيت إني مش فرحانة.


بس حاسة بمسؤولية تقيلة.


بعد ساعة…


الناس بدأت تمشي.


البيت هدي.


فضلت أنا وأمي لوحدنا في المطبخ.


قالتلي وهي بتصب شاي:


“هو كان واثق فيكِ.”


سألتها:


“ليه ما قالش ليا؟”


ابتسمت بحزن:


“علشان ما يضغطش عليكِ.”


في اللحظة دي…


فهمت إن الورث مش فلوس.


الورث… أمانة.


تاني يوم…


دخلت مكتب بابا في الشركة.


الكرسي كان فاضي.


لكن ريحته لسه موجودة.


قعدت…


وحطيت إيدي على المكتب.


وقلت بصوت واطي:


“هحافظ على اللي بنيته.”


لكن…


أنا ما كنتش أعرف إن ده كان مجرد بداية.


لأن بعد أسبوع…


وصل جواب رسمي للشركة.


ومن اللحظة اللي فتحته فيها…


عرفت إن في أسرار بابا لسه ما ظهرتش…


وأسرار ممكن تغيّر كل حاجة… 👇


[ التكملة في التعليقات ]


الجواب كان مختوم بختم جهة حكومية.


إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.


قريت أول سطر… وحسيت الأرض بتميد بيا.


“إخطار بوجود أصول مالية خارجية مسجلة باسم المرحوم…”


جلست على الكرسي ببطء.


أصول خارجية؟


بابا عمره ما قال حاجة زي دي.


اتصلت فورًا بالأستاذ حسام.


وصل الشركة في أقل من ساعة.


قرأ الجواب أكتر من مرة…


وبصلي وقال:


“واضح إن والدك كان عنده استثمارات برة مصر… ومحدش كان يعرف.”


سألته:


“وده معناه إيه؟”


قال:


“معناه إن التركة أكبر بكتير مما كنا متخيلين… ومعناه كمان إن في تفاصيل لازم نراجعها.”


بعد يومين…


كنا قاعدين في مكتب محامي دولي على فيديو كول.


اتأكدنا إن بابا كان شريك في شركة تكنولوجيا ناشئة من 15 سنة…


والشركة دي دلوقتي بقت من أكبر الشركات في مجالها.


قيمة نصيبه… كانت خرافية.


الخبر ده كان كفيل يغير شكل حياتنا كلنا.


لكن الغريب…


إن بابا ما حاولش يلمّح بأي حاجة.


رجعت البيت يومها متأخر.


لقيت نسرين قاعدة في الصالون لوحدها.


أول مرة أشوفها ساكتة بالشكل ده.


قالت من غير ما تبصلي:


“أنا كنت فاكرة إني لازم أبقى المسيطرة… علشان أحمي كل حاجة.”


قعدت جنبها.


وقلت:


“يمكن إحنا الاتنين كنا بنحاول نحمي نفس الحاجة… بس بطريقتين مختلفتين.”


سكتت شوية…


وبعدين قالت:


“أنا كنت غيرانة منك.”


بصتلها بدهشة.


قالت وهي بتضحك بحزن:


“بابا كان بيسمع لكِ أكتر.”


مسكت إيدها.


وقلت:


“كان بيسمع لينا كلنا… بس إحنا اللي ما كناش شايفين ده.”


من اليوم ده…


حاجة بدأت تتغير بينا.


فؤاد حاول أكتر من مرة يدخل في قرارات الشركة…


لكن نسرين نفسها كانت أول واحدة توقفه.


بعد شهور…


الشركة بدأت تكبر أكتر.


وإحنا الخمسة بقينا مجلس إدارة فعلاً.


كان في خناقات؟ أكيد.


اختلافات؟ كتير.


بس لأول مرة…


كنا بنشتغل كفريق.


أمي بقت تيجي الشركة كل أسبوع.


تقعد في مكتب بابا القديم…


وتشرب شاي بالنعناع.


وفي يوم…


دخلت عليا المكتب.


وقالت:


“أبوك كان بيقول دايمًا… الثروة الحقيقية مش الفلوس.”


سألتها:


“أمال إيه؟”


قالت:


“إنكم تفضلوا مع بعض.”


بعد سنة…


قررنا نعمل حاجة باسمه.


مؤسسة لدعم تعليم أولاد العمال في الشركة.


يوم الافتتاح…


كنت واقفة أبص على صورته الكبيرة في القاعة.


وقلت في سري:


“إحنا فهمنا الرسالة متأخر… بس فهمناها.”


نسرين وقفت جنبي.


وقالت:


“كان هيبقى فخور بينا.”


ابتسمت…


وحسيت لأول مرة إن الحزن بقى أهدى.


عدّى وقت طويل…


والحياة بدأت تستقر.


لكن الحقيقة…


أكتر حاجة اتعلمتها من كل اللي حصل…


إن الطمع بيهدم أسر…


لكن الأمانة… بتبني أجيال.


وأبويا…


ما سبش لنا فلوس وبس.


ساب لنا درس عمره ما هينتهي…


إن العيلة…


لو فضلت ماسكة في بعض…


تقدر تعدي أي حاجة. ❤️


تمت.



 

تعليقات

التنقل السريع
    close