القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت ليلى كامل وحصري 





ليلى 

كانت ليلى تقف خلف باب المطبخ، تمسك بصينية القهوة التي أعدتها بحب كما تفعل كل مساء. لكن خطواتها تسمرت حين سمعت صوت "فايزة" شقيقة زوجها، يرتفع بضحكة فاترة وهي تقول:

— "يا محمود يا حبيبي، ليلى ست طيبة وكل حاجة، بس خلاص.. موديل قديم. أنت محتاج واحدة تشرفك في الحفلات، واحدة زي ريهام زميلتك، شياكة ولباقة ولغات. ليلى آخرها الطبيخ وتربية العيال."

حبست ليلى أنفاسها، وانتظرت أن ينطق محمود، أن يدافع عن العشرة، عن السنين التي قضتها في خدمة والدته المريضة، عن وقوفها بجانبه حين كان لا يملك ثمن إيجار هذه الشقة. لكن صوته جاء بارداً كالجليد:

— "عارف يا فايزة.. ليلى بقت زي قطعة أثاث قديمة في البيت، وجودها مريح بس ملوش بريق. أنا رتبت كل حاجة، ريهام وافقت، بس محتاج طريقة أخرج بيها ليلى من البيت من غير شوشرة.. مش عايز وجع دماغ وعياط."

ردت فايزة بخبث:

— "بسيطة.. قولها إن الشقة محتاجة توضيبات ضرورية عشان الرطوبة، وانقلها شقة ماما القديمة في الحي الشعبي 'مؤقتاً'.. وهناك بقى، ابقى عرفها الخبر بالراحة، أو خليها هي تطلب الطلاق لما تزهق من البعد."

سقطت ملعقة صغيرة من الصينية على الأرض، صوت معدني رنّ في أرجاء الصالة الساكنة. ارتبكت ليلى، لكنها لم تنهار.


تراجعت للخلف بخطوات ثابتة، دخلت غرفتها الصغيرة التي تسميها "مخزن الكراكيب" وهي في الحقيقة مرسمها السري.

نظرت إلى لوحة كانت قد بدأت في رسمها لمحمود بمناسبة عيد ميلاده.. أمسكت بفرشاة مغموسة باللون الأسود، وبضربة واحدة عنيفة، طمست ملامح وجهه في اللوحة.

لم تدمع عيناها.. بل لمعت بنار غريبة. رفعت هاتفها واتصلت برقم لم تطلبه منذ سنوات، رقم المحامي "استاذ جلال" صديق والدها الراحل:

— "أهلاً يا عمي جلال.. أنا ليلى. كنت عايزة أسألك عن إجراءات 'الخلع' وإزاي أقدر أسجل حقوق ملكية فنية لرسوماتي باسمي الحقيقي.. أيوه، من بكرة الصبح."

مر أسبوع وليلى تمثل دور الزوجة المطيعة ببراعة تفوق الوصف. كانت تسمع همسات "محمود" وفايزة عن ترتيبات شقة الزوجية الجديدة بقلب بارد، بينما كانت هي تنقل لوحاتها الثمينة ومعداتها قطعة قطعة إلى "أتيليه" صغير استأجرته في حي راقٍ بعيداً عن أعينهم، بفضل مساعدة عم جلال المحامي الذي اكتشف أن لوحاتها القديمة التي بيعت بأسماء مستعارة لها رصيد محترم في البنك لم يلمسه محمود أبداً.

في المساء، دخل محمود الغرفة وعلى وجهه علامات "التمثيل":

— "ليلى يا حبيبتي، الشقة هنا فيها رطوبة جامدة بدأت تأثر على العفش، فكرت ننقلك إنتِ والولاد لشقة

ماما شهرين بس، نجدد الدهانات ونعمل ديكور مودرن يليق بينا.. إيه رأيك؟"

ابتسمت ليلى ببرود لم يعهده فيه:

— "فكرة ممتازة يا محمود، فعلاً البيت محتاج 'تجديد شامل'.. أنا هبدأ ألم حاجتي من بكرة."

انخدع محمود بهدوئها، وظن أن الخطة نجحت كما رسمتها فايزة. لم يدرك أن "ليلى" لم تكن تلم ملابسها، بل كانت تصفّي وجودها من حياته تماماً.

جاء يوم "الفرح المنتظر". محمود في القاعة المتلألئة يرتدي بدلة العريس، وبجانبه "ريهام" التي تنظر لساعتها بملل وتسأل عن "الشبكة الألماظ" التي وعدها بها. وفايزة تتنقل بين المدعوين كأنها ملكة متوجة، تهمس للجميع: "أخيراً محمود لقى اللي تليق بمقامه".

فجأة، رن هاتف محمود.. كان "عامل الديكور" في شقته القديمة:

— "يا بشمهندس محمود، أنا جيت أبدأ شغل لقيت الشقة فاضية تماماً! حتى النجف والمفاتيح والأسلاك متشالة! وفي لوحة كبيرة محطوطة في نص الصالة وعليها ظرف باسمك."

ترك محمود المعازيم وذهب مسرعاً للشقة، وخلفه فايزة التي كانت تخشى أن تضيع "السبوبة". دخلا الشقة ليجداها "على المحارة".. لا أثر لعشرة عشر سنين.

في وسط الصالة، كانت هناك لوحة ضخمة مغطاة بقماش أسود. نزع محمود الغطاء ليجد "بورتريه" لنفسه، لكن نصف وجهه كان وسيماً والنصف

الآخر كان وجه "شيطان" يخرج من فمه ثعابين تشبه ملامح فايزة!قصص وروايات أمانى سيد 

أسفل اللوحة، كان هناك ظرف يحتوي على:

ورقة "خلع" رسمية تم رفعها وإعلانها على عنوان الشقة قبل أيام.

شيك بمبلغ تافه مكتوب عليه: "ثمن العشرة اللي بعتها.. خليه ينفعك في الشبكة الألماظ".

كارت دعوة لمعرض فن تشكيلي عالمي في "دبي" يحمل اسم: "ليلى الشناوي.. التحرر من القيد".

انهارت فايزة وهي تصرخ: "دي سرقت العفش!" لكن محمود كان ينظر للوحة بذهول، أدرك لأول مرة أن "الرسم" الذي كان يسخر منه جعل ليلى أغنى وأقوى منه بمراحل

بعد مرور سنة..

محمود يجلس في شقته "المودرن" الباردة، ريهام تركته بعد أن تعثر مادياً بسبب قضايا النفقة التي ربحتها ليلى بذكاء، وفايزة لم تعد تجد من يصرف على طلباتها.

فتح التلفاز ليجد لقاءً مع "الفنانة العالمية ليلى الشناوي" وهي تتحدث عن سر نجاحها. سألتها المذيعة: "إيه الرسالة اللي تحبي توجيهيها لكل ست حاسة إنها مهمشة؟"

نظرت ليلى للكاميرا وكأنها تنظر في عين محمود مباشرة وقالت بابتقة واثقة:

"ماتكونيش قطعة أثاث في بيت حد.. كوني إنتي البيت، وإنتي صاحبة المفتاح."

أغلق محمود التلفاز، والدمعة تحجرت في عينه، وهو يدرك أن "الموديل القديم" كان هو

الكنز الذي ضيعه بغبائه.

تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close