القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

عدتُ من الغيبوبة قبل لحظات من إطفاء الأجهزة… وما رأيته بين الحياة والموت لن يُصدّق!

 عدتُ من الغيبوبة قبل لحظات من إطفاء الأجهزة… وما رأيته بين الحياة والموت لن يُصدّق!



عدتُ من الغيبوبة قبل لحظات من إطفاء الأجهزة… وما رأيته بين الحياة والموت لن يُصدّق!

 

فقدت بصري قبل ثلاثة أشهر إثر حادث سيارة. غرق عالمي في ظلام دامس فانتقل بي والداي إلى فيلا معزولة ليعتنيا بي. لكن هذا الصباح حدثت معجزة. رمشت بعيني وتلاشت الضبابية. استطعت أن أرى من جديد.

كدت أندفع خارج الغرفة لأخبرهما بالخبر السعيد حين لمح بصري شيئا غريبا منديلا ورقيا مجعدا تحت سريري. تحركت في داخلي نزعة النظافة المعتادة فانحنيت لألتقطه. وهناك رأيت الكتابة.

فردته ببطء وأنا أقطب حاجبي. كان الخط فوضويا مرتجفا.

لا تخبرهم أنك تستطيع الرؤية.

توقف قلبي. لم يكن في المنزل أحد سواهم. كلمة هم تعني بوضوح والدي. لكن من الذي ترك هذه الرسالة الأشخاص الوحيدون الذين دخلوا غرفتي كانوا أمي وأبي وزوجي نوح.

في تلك اللحظة دوى طرق على الباب.

إيلا أعددت لك بعض الحساء.

كان صوت أمي اللطيف.

ألقيت المنديل في سلة المهملات متظاهرة بالهدوء لكن حين انفتح الباب تجمدت في مكاني.

كانت هناك امرأة تحمل وعاء وتبتسم لي. شفتاها حمراوان بلون فاقع وابتسامتها مريبة ممدودة أكثر مما ينبغي.

لم تكن أمي.

تراجعت مذعورة وقد ارتسمت الصدمة على وجهي. أمي امرأة ملامحها رقيقة وهادئة. أما هذه المرأة فكانت حادة النظرات ماكرة تكاد تبدو مفترسة. لكن أكثر ما أرعبني أن صوتها كان مطابقا لصوت أمي تماما.

إيلا ما بك ألست بخير اقتربت


الغريبة وقطر القلق من صوتها المألوف.

تذكرت الرسالة. لا تخبرهم أنك تستطيع الرؤية.

قلت متلعثمة وأنا أحدق في الفراغ متظاهرة بالعمى ضعي الحساء هنا يا أمي. سآكله لاحقا. ما زلت أشعر بالنعاس.

ترددت قليلا وعيناها تفتشان وجهي. حسنا. كليه وهو ساخن.

ما إن أغلق الباب حتى انهرت على السرير يغمرني عرق بارد. من تكون تلك المرأة وأين أمي الحقيقية

انتظرت حتى خفت وقع خطواتها ثم فتحت الباب بحذر. تسللت إلى درابزين الطابق الثاني ونظرت إلى الأسفل. كان رجل يجلس على الأريكة يقرأ صحيفة.

أبي همست أختبر الأمر.

استدار الرجل واجتاح الخوف جسدي كله.

لم يكن أبي. كان رجلا غريبا بملامح جامدة وعينين باردتين لم أرهما من قبل.

إيلا ما الأمر

كان الصوت صوت أبي تماما. النبرة ذاتها الطبقة ذاتها. لكن الوجه كابوس.

لا شيء يا أبي! ابتسمت قسرا ويدايا ترتجفان خلف ظهري.

خرجت المرأة ذات الشفتين الحمراوين من ظل الرواق واتسعت ابتسامتها.

ظننتك تغفين يا عزيزتي. دعيني أساعدك في الحساء.

كنت محاصرة. في بيت يضم غرباء يرتدون أصوات والدي وإذا اكتشفوا أنني أرى فمصيري الموت.

ارتطقت الملعقة بحافة الوعاء الخزفي فدوى الصوت في الصمت المشحون كطلق ناري. جلست متصلبة على الأريكة ويداي متشابكتان في حجري حتى ابيضت مفاصلي وأظافري تغوص في راحتي.

أجبرت عيني على البقاء شاردتين مثبتتين على نقطة خلف أذن المرأة اليسرى.

افتحي فمك يا إيلا قالت بنغمة مداعبة. كان صوتها متقنا إلى حد مرعب نفس اللحن الذي اعتادت أمي أن تخاطبني به منذ طفولتي نفس النبرة التي كانت تطمئنني بعد كابوس. أما الآن فكان يقشعر له جلدي.

فتحت فمي وتلقيت المرق الدافئ بطعم معدني خافت. ابتلعته بصعوبة وأنا أقاوم رغبة في التقيؤ. كل غريزة داخلي تصرخ بي أن أركض أن أصفع الوعاء وأفر نحو الباب. لكن لم أستطع. ليس بعد. الرجل الذي ينتحل صوت أبي كان جالسا في المقعد المقابل ولم يقلب صفحة صحيفته منذ عشر دقائق. كان يراقبني. أشعر بنظراته الثقيلة المفترسة تخترق جانب وجهي.

هل هو لذيذ يا صغيرتي سألت وهي تمسح قطرة حساء عن ذقني بمنديل خشن الملمس.

إنه... لذيذ يا أمي كذبت وصوتي يرتجف قليلا. أنا فقط متعبة جدا. رأسي يؤلمني.

قال الرجل بصوت عميق يقلد دفء أبي إنه التعافي. دماغك يتكيف. تحتاجين إلى الراحة لكن عليك التغذية أولا.

أدرت رأسي نحوه ببطء وعيناي فارغتان. شكرا يا أبي. معك حق.

بينما اقتربت المرأة بالملعقة التقطت رائحة تنبعث منها. لم تكن عطر اللافندر الذي اعتادت أمي وضعه. بل شيء آخر خافت لكنه واضح. رائحة أرض رطبة وهواء قبو مغلق منذ سنين ممزوجة بعبير أزهار متعفنة. رائحة ركود

قديم. حبست أنفاسي.

أنت تتعرقين يا إيلا قالت بنبرة تغيرت إلى فضول بارد. هل أنت خائفة

لا أجبت سريعا. فقط الجو دافئ. هل يمكنني العودة إلى غرفتي أظنني بحاجة للنوم.

توقفت. ساد صمت مشدود. كأن الغرفة كلها تحبس أنفاسها. لمحت بطرف عيني أنها تحدق في عيني تبحث عن انعكاس يدل على أنني أرى ابتسامتها المشوهة.

بالطبع قالت أخيرا. دعيني أساعدك.

أستطيع بنفسي قلت بسرعة ثم خففت نبرتي. لقد تنقلت في هذا المنزل ثلاثة أشهر. أعرف الطريق.

نهضت متحسسة الجدران كما كنت أفعل حين كنت عمياء. لامست أصابعي ذراعها كان باردا برودة لحم في ثلاجة. قاومت رجفة وسرت نحو الدرج.

قال الرجل سنكون في الأسفل إن احتجت شيئا. لا تقفلي الباب فقد نطمئن عليك.

حسنا يا أبي.

صعدت الدرج أعد الخطوات بصوت خافت. ما إن ابتعدت عن مجال رؤيتهما حتى ركضت إلى غرفتي وأغلقت الباب وأدرت المفتاح. بدا صوت الإغلاق مدويا.

ظللت أحدق في الخشب أنتظر أن يتحرك المقبض أو أن يتشقق الباب تحت ضربة مفاجئة.

لا شيء.

أطلقت زفيرا كان أقرب إلى شهقة مخنوقة ثم سقطت على السرير. كان عقلي يركض بلا توقف يحاول أن يلم شظايا الواقع الذي تهشم دفعة واحدة.

قبل ثلاثة أشهر أخذ مني الحادث كل شيء بصري استقلالي إحساسي بالأمان. كان والداي سندي. باعا منزلنا وانتقلنا إلى هذه الفيلا المستأجرة في الريف منعزلة هادئة تبدو

 

مثالية للتعافي فقط ليتفرغا لرعايتي. أما زوجي نوح الطيار في شركة طيران كبرى فقد كان مكسورا من أجلي. اضطر إلى الاستمرار في العمل ليؤمن حياتنا لكنه كان يزورني كلما استطاع.

نظرت حولي. الغرفة نفسها التي عشت فيها أشهرا لكن بعدما أبصرتها بدت غريبة. ورق الجدران يتقشر عند الزوايا والستائر ثقيلة رمادية تحجب ضوء النهار.

كنت بحاجة إلى نوح.

اندفعت إلى المنضدة قرب السرير أبحث عن هاتفي. كانت يداي ترتجفان حتى كدت أسقطه. قربته من وجهي وخفضت سطوع الشاشة إلى أدنى حد مذعورة من أن يتسرب الضوء من تحت الباب فيفضحني.

اتصلت برقم نوح.

أجب أرجوك أجب.

رنت مرة. مرتين.

إيلا

كان صوته طوق نجاة. ضغطت الهاتف على أذني بقوة حتى آلمتني. نوح همست وانفجرت الدموع أخيرا. نوح هل أنت معي

أنا معك يا حبيبتي. لقد هبطت للتو. كنت على وشك أن أتصل بك. ما الذي حدث صوتك هل تبكين

اسمعني قلت بصوت هامس حاد بالكاد يخرج من بين شفتي. عليك أن تأتي إلى هنا. الآن. هناك شيء غير طبيعي. شيء فظيع.

اهدئي يا إيلا. ماذا حدث هل سقطت هل تأذيت

لا أنا أنا أرى يا نوح. عاد إلي بصري هذا الصباح.

ساد صمت قصير في الطرف الآخر. أنت ماذا إيلا هذا هذا مذهل! إنها معجزة! لماذا تهمسين هل أخبرت والديك

هنا المشكلة قلت

وصوتي يتشقق. نوح الأشخاص في الأسفل ليسوا والدي.

ماذا تقصدين انقلب صوته من الفرح إلى الحيرة. إيلا يا حبيبتي مررت بصدمة كبيرة. ربما رجوع البصر يربكك. الأطباء قالوا

لا! قاطعته بعنف. أنا أعرف شكل أمي! أعرف شكل أبي! الذين في الأسفل أصواتهم مثلهم يعرفون اسمي يعرفون البيت لكنهم غرباء. هم وحوش يا نوح. المرأة عيناها ضخمتان ومعظمها أبيض وتبتسم كأنها ترتدي قناعا. والرجل ليس حماك. إنه شخص لم أره قط.

حسنا حسنا قال بصوت صار ثابتا كصوته حين يواجه أزمة في قمرة القيادة. أنا أصدقك. دائما أصدقك. إذا قلت إن شيئا خطأ فأنا أصدق.

قالوا لي ألا أقفل الباب بكيت. وجدت رسالة تحت سريري يا نوح. كتب أحدهم لا تخبرهم أنك تستطيع الرؤية. شخص آخر يعرف. ربما أصحاب البيت الحقيقيون لا أدري. لكنني مرعوبة.

أنا قادم قال بحزم. أنا في المطار. سأستأجر سيارة. يمكنني الوصول خلال ساعة ربما أقل إذا أسرعت. إيلا اسمعيني عليك أن تبقي هادئة. لا تدعيهم يعرفون أنك عرفت. أيا كانوا لا تستفزيهم.

أخشى أن يدخلوا همست. يحاولون إطعامي دائما. الحساء مذاقه كان خاطئا.

لا تأكلي شيئا آخر. ولا تشربي شيئا أمرني. أقفلي الباب إن استطعت لكن إن حاولوا كسره فعليك أن تمثلي الدور. قولي إنك مريضة. قولي إنك نائمة.

فقط اكسبي الوقت. أنا في طريقي الآن. أنا أركض نحو مكتب التأجير.

أرجوك أسرع توسلت. نوح لا أعرف أين أمي وأبي الحقيقيان. لم أرهما. إذا كان هؤلاء هنا ماذا فعلوا بهما

سنجدهم وعدني. أقسم لك أننا سنصلح كل شيء. فقط ابقي على قيد الحياة حتى أصل. أبقي الهاتف معك لكن اخفيه. سأرسل لك حين أقترب.

أنا أحبك قلت.

وأنا أحبك. كوني قوية.

انتهت المكالمة وهبط الصمت على الغرفة ككتلة ثقيلة. حدقت في شاشة الهاتف لحظة. كانت الساعة الرقمية تشير إلى الثانية والربع بعد الظهر. خمس وأربعون دقيقة. بدت كالعمر كله.

جلست على حافة السرير وكل حواسي مشدودة إلى أقصى حد. البيت الذي كان يبدو ملاذا للشفاء صار قفصا. أي صرير في الممر جعلني أرتعد.

دق. دق. دق.

خطوات. ثقيلة مقصودة تصعد الدرج.

دفنت الهاتف تحت الوسادة بسرعة وانزلقت تحت الغطاء أرفعه حتى ذقني. أغمضت عيني بقوة وقلبي يدق في صدري حتى خشيت أن يسمعوه من خلف الباب.

توقفت الخطوات أمام غرفتي.

اهتز المقبض. ببطء أولا ثم بعنف.

إيلا

كان صوت الرجل. الأب المزيف.

إيلا يا عزيزتي لماذا الباب مقفل

ظللت مغمضة العينين متظاهرة بالنوم لكنني أدركت أنه يجب أن أجيب. إن صمت قد يحطم الباب.

أبي ناديت بصوت متثاقل. أنا لم أقصد. أردت أن أنام فقط. ربما

أدرت القفل دون أن أشعر.

افتحي الباب يا إيلا قال. لم يكن غضبا بعد لكنه كان يحمل حدة معدنية أمرا باردا ملفوفا بنبرة أب حنون. حان وقت دوائك. نسيت أن تأخذي الحبوب بعد الحساء.

الدواء. إن خدروني انتهى أمري. لن أستيقظ إلا حين يريدون أو قد لا أستيقظ أبدا.

لا أحتاجه الآن قلت محاولة أن يبدو صوتي متبرما كابنة متعبة. معدتي منزعجة قليلا. أريد فقط أن أنام.

افتحي الباب يا إيلا. اهتز المقبض بعنف أشد. لن تتعافى عيناك إن لم تأخذي الدواء. هل تريدين أن تبقي عمياء إلى الأبد

كادت المفارقة أن تفجر الغثيان في حلقي. سآخذه لاحقا! أرجوك دعني أنام ساعة!

ساد صمت. حبست أنفاسي.

ثم سمعت ضحكة منخفضة خشنة لا تشبه ضحكة أبي الدافئة. حسنا يا كسولة. نامي. نحن هنا.

ابتعدت خطواته نزولا.

زفرت بارتجاف. لكن الراحة لم تدم. شعور خفي تزحزح على عنقي إحساس بأن أحدا يراقبني.

جلست ببطء. الغرفة فارغة. الباب مقفل. لكن الإحساس لم يختف. كان بدائيا غريزيا.

تقدمت نحو الباب وحملت أذني على الخشب. لا صوت. لا تلفاز في الأسفل لا حديث فقط صمت ثقيل خانق.

انحنيت على ركبتي وخفضت رأسي حتى لامست الأرض. نظرت من الشق الضيق بين أسفل الباب وألواح الأرضية عادة قديمة منذ طفولتي حين كنت أتحقق إن كان والداي ما زالا مستيقظين.

وضعت خدي على الخشب البارد


 

ونظرت إلى الممر.

انقطع نفسي.

على بعد ثلاث بوصات من الباب في الجهة الأخرى كان هناك وجه.

كان مقلوبا. الرجل الأب المزيف مستلق على الأرض رأسه ملتصق بالألواح كما أفعل أنا يقلد وضعي تماما.

لكن عينيه

كانتا مفتوحتين على اتساعهما بلا رمشة تحدقان مباشرة في عيني. حدقتاه نقطتان صغيرتان وسط بياض مصفر واسع. لم يكن يبحث عني كان ينظر إلي. كان يعرف. يعرف أنني هنا. يعرف أنني أستطيع رؤيته.

لثانية كاملة ظللنا نتبادل النظر عبر الشق. رعب مطلق. لم يتحرك. لم يرمش. فقط ابتسم وأسنانه بدت أطول مما ينبغي أحد مما ينبغي.

تراجعت متعثرة وأطبقت كفي على فمي كي لا أصرخ. زحفت إلى الخلف حتى اصطدم ظهري بحافة السرير.

لقد رآني. يعرف.

لكن إن كان يعرف لماذا لم يكسر الباب هل يلعب معي هل هي لعبة مريضة

مددت يدي نحو الهاتف

التقطت الهاتف من تحت الوسادة. كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف. مرت خمس عشرة دقيقة فقط لكنها بدت دهرا كاملا.

ظهرت رسالة من نوح استلمت السيارة. أقود بأقصى سرعة. أرسلي موقعك للتأكد.

ارتجفت أصابعي وأنا أفعل تحديد الموقع وأرسله. كتبت أسرع. إنهم يراقبونني. كان ينظر إلي من تحت الباب.

ظهرت النقاط الثلاث تدل على أنه يكتب.

أغلقي كل شيء بإحكام. أقود بسرعة تسعين ميلا في الساعة. سأصل قريبا.

جلست على السرير وضممت ركبتي إلى صدري. كان علي أن أجد شيئا أدافع به عن نفسي. وقعت عيناي على مصباح نحاسي ثقيل فوق الطاولة. نزعت القابس ولففت السلك حول قاعدته ممسكة بعنقه كما لو كان هراوة.

مر الوقت ببطء قاتل. كل صرير في المنزل كان إنذارا.

اهتز الهاتف من جديد. اتصال من نوح.

هل وصلت همست فورا.

جاء صوته مترددا مشوشا إيلا أنا أنظر إلى

الموقع الذي أرسلته. هل أنت متأكدة أنه صحيح

نعم! إنها الفيلا! التي عشنا فيها ثلاثة أشهر!

إيلا المكان الذي حددته مدرج على الخرائط كمنزل مهجور. مهجور منذ عام 2018.

تجمد الدم في عروقي. هذا مستحيل. أنا في بيت مفروش فيه كهرباء وطعام. والداي استأجراه!

أنا على الطريق الآن. أرى البوابة. أرى المنزل تردد لحظة ثم قال بصوت مشدود النوافذ في الطابق الأرضي مسدودة بألواح خشبية. العشب طويل جدا. لا توجد سيارة في الممر.

تقدمت ببطء نحو نافذة غرفتي. لم أكن قد نظرت إلى الخارج بعد. أزحت الستارة الثقيلة.

شهقت.

كان نوح محقا ومخطئا في آن واحد.

من الداخل بدا كل شيء طبيعيا حديقة مشذبة ضوء شمس صاف ممر نظيف. لكن لم تكن هناك سيارة.

أنا أنظر الآن يا نوح. يبدو المكان طبيعيا مثاليا تقريبا.

أنا عند البوابة. مغلقة بسلسلة. سأصدمها بالسيارة.

لا! صرخت هامسة. إذا أحدثت ضجة سيقتلوني! عليك أن تدخل بهدوء.

إيلا لا أحد هنا! المنزل خراب!

إنهم هنا! فقدت السيطرة. هم خارج باب غرفتي!

حسنا سأقفز فوق السور. سأدخل من الأمام. في أي غرفة أنت

الطابق الثاني. الغرفة الأمامية اليمنى.

أرى النافذة. الزجاج متسخ يبدو كأنه لم ينظف منذ سنوات.

كان رأسي يكاد ينفجر. كيف أرى بيتا مشرقا بينما يراه هو خرابا

في تلك اللحظة اهتز مقبض الباب بعنف.

إيلا! لم يعد صوت المرأة حلوا. صار صريرا معدنيا. مع من تتحدثين افتحي الباب!

اتركيني! تراجعت نحو النافذة.

نعرف أنك تستطيعين الرؤية! دوى صوت الرجل. رأيناك!

ضرب الباب بقوة. تشقق الخشب.

نوح! إنهم يحطمون الباب! صرخت في الهاتف.

أنا عند المدخل! سأكسره!

أسقطت الهاتف والتقطت المصباح. ضربت به مزلاج النافذة حتى تحطم. اندفعت

سحابة غبار حقيقي وفي لحظة قصيرة رأيت المشهد يتشقق تداخلت صورة غرفة متعفنة فوق الصورة النظيفة.

نظرت إلى الأسفل. ارتفاع يقارب خمسة عشر قدما. على الجدار تعريشة مغطاة بأغصان الورد الشوكي.

تحطم الباب خلفي. يد رمادية طويلة بأظافر سوداء امتدت عبر الشق.

لم أفكر. تسلقت النافذة.

لن تهربي! جاء صوت الرجل لم يعد يشبه أبي إطلاقا.

نظرت خلفي. كانا في المدخل والجلد على وجهيهما ينزلق كما لو كان قناعا يذوب. تحت الملامح لم يكن سوى ظلام وعينين بيضاوين شاسعتين.

قفزت على التعريشة. مزقت الأشواك ملابسي ويدي لكنني لم أشعر بالألم. انزلقت حتى وصلت الأرض.

الحديقة صارت تتبدل أمام عيني لحظة مشذبة ولحظة مليئة بالأعشاب اليابسة والخردة الصدئة.

إيلا! جاء صوت أعرفه.

رأيته. نوح. يركض نحوي حاملا أداة حديدية.

نوح! اندفعت نحوه.

كان حقيقيا. دافئا. رائحته مألوفة.

أنت بخير. معي الآن.

نظر نحو النافذة. رأيت ظلالا شيئا يتحرك.

أمسك بيدي وسحبني نحو السور. قفزنا إلى الخارج واستقللنا السيارة المتوقفة على جانب الطريق.

انطلق بها بسرعة. نظرت في المرآة الجانبية. تحطمت الصورة تماما الفيلا بدت خرابة متداعية.

أنت آمنة الآن قال وهو يضغط على يدي.

انحنيت في المقعد أتنفس بصعوبة. أين أمي وأبي

سنذهب إلى الشرطة. لكن أولا نبتعد.

ساد الصمت. بعد دقائق بدأت أشعر بثقل غريب في جسدي. الصوت حولي صار خافتا.

نوح إلى أين نذهب

إلى مكان آمن. صوته بدا مسطحا.

أي مركز شرطة

ليس مركز شرطة.

نظرت إليه. لم يكن يرمش.

انظر إلي يا نوح.

لم يفعل. لا أستطيع. علي أن أقود.

الخوف عاد كالسيل. أوقف السيارة.

نحن قريبون. لا تقاومي.

لا أقاوم ماذا حاولت فتح الباب لكنه كان مقفلا.


أنت متعبة يا إيلا. تحتاجين إلى النوم.

صار صوته يتداخل مع صوت الرجل في الفيلا.

أنت لست نوحا همست.

التفت نحوي.

كان وجه نوح لكن العينين كانتا بيضاوين تماما.

أنا نوح ولست نوحا قال الصوت داخل رأسي.

تلاشت السيارة.

وجدت نفسي في حقل مغطى بضباب رمادي. السماء بنفسجية كدمة.

إيلا.

التفت. أمي. أبي. نوح. يقفون ممسكين بأيدي بعضهم.

بدا عليهم الشحوب كصور باهتة.

تعالي معنا قالت

أمي ببرود.

حان وقت الراحة قال أبي.

هل أنا ميتة سألت.

ليس بعد قال نوح لكن ملامحه تشوهت لحظة إلى جثة متحللة ثم عادت. لكن قريبا جدا.

تذكرت الرسالة. لا تخبريهم أنك تستطيعين الرؤية.

كانت تحذيرا من هذا المكان.

أنتم لستم عائلتي قلت وأنا أتراجع.

نحن كل ما لديك قال الصوت وقد بدأ الغضب يتشكل على وجوههم.

اندفعوا نحوي.

ركضت.

كان الضباب يزداد كثافة. ثم رأيت نورا ذهبيا بعيدا. صغيرا لكنه ثابت.

ركضت نحوه.

صار النور أقوى نابضا كقلب حي.

إيلا! صوت حقيقي مكسور بالعاطفة. عودي! قاتلي!

قفزت نحو النور.

تحطم الضباب. سقطت.

انفجر الألم في صدري. شهقت هواء مليئا برائحة المطهرات.

إنها تتنفس!

فتحت عيني.

إضاءة مستشفى بيضاء قاسية.

وجوه حقيقية فوقي.

امرأة بشعر أشيب ووجه متعب تمسك بيدي.

أمي

انهارت باكية. الحمد لله عدت.

وراءها أبي الحقيقي. وبجانبه نوح نوحي الحقيقي بعينين دافئتين دامعتين.

أنا هنا قال وهو يقبل يدي.

نظرت حولي. أجهزة. أنابيب. غرفة مستشفى.

ماذا حدث

كنت في غيبوبة منذ الحادث قال أبي. ثلاثة أشهر.

كنا سنفصل الأجهزة اليوم أضافت أمي وهي تبكي.

همست الفيلا الرسالة

كان حلما يا صغيرتي قالت أمي برفق.

نظر إلي نوح. كنت أتحدث إليك كل يوم. قلت لك أن تتبعي صوتي.

تذكرت الضوء.

سمعتك همست.

أغمضت عيني لحظة.

العالم كان مؤلما ضبابيا غير كامل.

لكنه كان حقيقيا.

وكان أجمل شيء رأيته في حياتي.

 

تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close