الغـربة وقـلة الأصـل كـاملة
الغـربة وقـلة الأصـل كـاملة
رجعت من الغربة وأنا عاملة نفسي "على الحديدة"، واللي عملته أمي وأختي كان فوق الخيال.. وقفت قدام باب البيت اللي بنيته طوبة طوبة من شقا عمري على مدار 23 سنة. شنطتي مقطوعة تحت رجلي، وهدومي قديمة مبهدلة وعرقانة من مرمطة الميكروباصات والسفر من المطار للمحافظة…بقــلم منـي الـسـيد
كلام أمي "الحاجة روحية" كان أوجع من أي إهانة سمعتها وأنا بمسح سلالم البيوت عند الأجانب عشان أبعتلهم "المعلوم". وراها كنت شايفه الصالون المذهب اللي شريته، والرخام اللي دفعته تمنه دم قلب، والنجف اللي نور عيني انطفى عشان أعلقهولهم.. وهي بتبص لي وكأني حتة زبالة اتطوحت قدام بابها بطلب صدقة.
فجأة ظهرت أختي "سماح" من وراها وهي بتنشف إيديها في فوطة مطرزة، عرفتها فوراً.. دي من الطقم اللي بعتهولها من سنتين. أول ما شافتني، وشها قلب حجر، وقالت بصوت كله سم متغطي بكلمتين ملامة:
— "إيه اللي جابك يا أمل؟ خير؟"
قلتلهم والدموع في عيني إنهم رفدوني، وإني تعبانة ومريضة وماليش مكان يلمني، ومحتاجة بس كام يوم لحد ما أشوف لي أي شغلانة هنا، ووعدتهم مش هكون حمل على حد. صوتي كان طالع مكسور، جزء منه كان تمثيل، بس الجزء الأكبر كان حقيقي.. وجع إن دمك يشوفك "مشكلة" مش "بني آدم"
.
سماح بصت لأمي نظرة "السر والمؤامرة"، وقالت ببرود يجمّد الدم:
— "البيت ملوش مكان يا أمل.. البيت مليان، ولادي وعيالهم، وكلنا فوق بعض."
كدب.. أنا عارفة البيت فيه كام أوضة لأن أنا اللي دافعة للمقاول بالمليم.. خمس أوض وصالة تساع من الحبايب ألف. بس كتمت في قلبي، كنت عاوزة أشوف الغل وقلة الأصل هيوصلوا بيهم لفين قبل ما أكشف وشي الحقيقي. بقـلم منـي الـسـيد
أمي سابتني واقفة وراحت صبت لنفسها كباية شاي في طقم الكريستال الغالي اللي بعتهولها، ولابسة في إيديها غوايش دهب أنا اللي شرياها، وقالت وهي بتمصمص شفايفها:
— "طول عمرنا عارفين إنك هتتجرجري وترجعي كده. الواحدة اللي تسيب عيالها وتجري ورا الفلوس لازم نهايتها تبقى كده. ربنا بيخلص القديم والجديد يا بنتي، وده ذنب بُعدك عنا."
كل كلمة كانت خنجر مسموم في قلبي. نسيوا إن كل "غيبة" كانت تمن لعيشتهم الهنية، نسيوا إن غربتي هي اللي عملت منهم "أسياد". سماح طلعت موبايلها الأحدث موديل اللي أنا دافعة تمنه طبعاً- وقالت وهي مش باصة لي أصلاً:
— "شوفي خالتك سعاد، هي أصلاً بتحب تلم القطط الضالة، يمكن تلاقي لك ركن عندها."
كلمة "قطط ضالة" رنت في ودني زي القلم على الوش، وأمي هزت راسها بالموافقة! مسكت
شنطتي وإيدي بتترعش من كتر الغيظ المكتوم، وجيت أمشي، بس أمي رمت الكلمة اللي قطمت وسطي:
— "وعلى فكرة يا أمل.. متبعتيش فلوس تاني، إحنا اتعلمنا نعيش من غير "نُفحتك" دي."
كانت بتسمي الـ 100 ألف جنيه اللي كنت ببعتهم "كل شهر" بالمليم طوال 23 سنة "نُفحة"! بتسمي الـ 30 مليون جنيه اللي حولتهم من شقايا وتدمير صحتي في الغربة عشان يركبوا أفخم عربيات "نُفحة"! بقــلم منـي السـيد
مشيت في شوارع بلدنا وأنا بجر شنطتي، والناس بتبص لي بصة "الغلابة"، لحد ما وصلت لبيت "الست لبيبة".. جارتنا القديمة وأحن قلب في الدنيا. أول ما شافتني، فتحت لي حضنها وبكت، من غير ما تسأل معاكي كام ولا جايبة إيه. قعدتني وفطرتني لقمة حلال، وهناك بدأت خطتي.
سماح كانت بتجهز لفرح بنتها "نهى".. فرح أسطوري في أكبر قاعة في مصر، وكله بفلوسي ومن ورا ضهري. سماح جات لبيت الست لبيبة، وبكل جحود قالت لي: "القاعة محتاجة "عاملات" زيادة يقدموا الأكل، لو حابة تيجي تكسبي لك قرشين بدل قعدتك دي، وأهو بالمرة تشوفي بنتنا وهي بتزف."
وافقت.. روحت الفرح بزي العاملات، وشفت ولادي "أحمد وسمير" وهما لابسين بـ ألوفات، وما بصوش حتى في وش الشغالة اللي بتقدم لهم العصير. شفت أمي وهي بتتباها
بالدهب والماس قدام الناس وبتقول: "لولا سماح وبسالتها كان زمان العيال دي ضاعت، بعد ما أمهم رمتهم وسافرت تدور على نفسها."
في لحظة الذروة، النور قطع في القاعة، واشتغلت شاشة العرض الكبيرة. الكل افتكر إنه فيلم عن العروسة، بس الصور كانت لـ "أمل" وهي بتمسح حمامات في أمريكا.. وبعدها كشوف حسابات البنوك بالـ 30 مليون جنيه اللي اتحولوا لـ سماح وروحية.. وبعدها صور الفيلل والعربيات اللي اتسجلت باسم سماح بفلوس أختها.
دخلت القاعة وأنا لابسة أغلى فستان شريته في حياتي، والكل مذهول. مسكت الميكروفون وقلت: "النهاردة أنا رجعت.. بس مش "قطة ضالة" زي ما قلتم. أنا رجعت صاحبة البيت، وصاحبة القاعة، وصاحبة المال اللي أكلتم فيه وما شبعتوش."
بصيت لـ أحمد وسمير وقلت لهم: "أنا مسبتكمش يا ولادي.. أنا انحتّ في الصخر عشان ما تمدوش إيديكم لحد، بس للأسف، طلعتوا وارثين قسوة القلب من جدتكم."
طردت سماح من كل أملاكي، ورفعت عليها قضية "خيانة أمانة" بكل مليم سرقته. أما أمي، فسبتها في البيت، بس بـ "معاش" بسيط يكفي أكلها وشربها، عشان تعرف إن "النُفحة" اللي كانت بتعايرني بيها، هي اللي كانت مخلية راسها مرفوعة وسط الناس.
أنا "أمل".. الغربة علمتني أبني بيوت، بس الاختبار علمني
مين اللي يستاهل يدخلها…
النهـاية


تعليقات
إرسال تعليق