القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت امي كامل 



امي 


عـمري مـا قلـت لوالـدتي إن “مدخـرات التقـاعد المريحـة” اللـي كـانت بتـتباهى بيـها قـدام أصحـابها ما كـانتش غير مرتبي أنا…


بيتحـول بهـدوء لحسـابها كـل شـهر.


كانـت دايـمًا تضـحك عليـا وتقول إني مدمنة شغل، وتستنكر ساعات عملي الطويلة، وفي نفس الوقت تمدح أختي الصغيرة لأنها “فاهمة تعيش الحياة صح”. يوم ما عملت حادثة عربية واترميت في الطوارئ، ترجيتها تيجي تاخد بالها من ابني اللي كان عنده ست أسابيع بس. اتأففت وقالت لي ما أبوزش مزاجها، وقفلت المكالمة عشان تطلع على رحلة بحرية. بعد سبعة أيام رجعت هي وأختي ومكنش معاهم حاجة… غير صدمة إن البيت ما بقاش بيتهم.


أمي اسمها سميرة، وكانت بتحب جدًا تتكلم عن الأمان والاستقرار. قدام الجيران كانت تقول إنها خططت لمستقبلها كويس. اللي عمرها ما ذكرته إن يوم 28 من كل شهر، أول ما المرتب ينزل حسابي، كنت بحول الفلوس: قسط البيت، الفواتير، العلاج، الأكل، وكمان مبلغ زيادة يخليها تحس إنها “مستقرة”. اللي كان بيفضل لي أنا شيفتات 12 ساعة، وسهر طويل، وقهوة بسخنها عشر مرات قبل ما أشربها.


وبرغم كده، على سفرة العيلة كانت تبتسم لي بابتسامة متسامحة وتقول


يا سلمى يا حبيبتي إنتي متجوزة شغلك


وبعدين تبص لأختي مروة وتكمل


بصي مروة… فاهمة تعيش وتستمتع بالحياة


مروة ما اشتغلتش شغل ثابت بقالها سنة تقريبًا، بس أمي كانت بتحب تشوفها تصحى الضهر، تتمطى، وتتكلم عن “راحة البال”. أمي كانت بتسمي ده توازن. وأنا كنت بسميه حاجة تانية… بس عمري ما قلتها بصوت عالي.


لما ابني ياسين اتولد، وعدت نفسي إني هحط حدود. أبوه اختفى قبل ما يمضي أي ورق رسمي، وسبني لوحدي مع طفل رضيع ومسؤوليات ما بتقفش عشان إجازة أمومة. أمي قالت إنها “هتساعد لما تقدر”، بس كلمة “تقدر” ما كانتش بتيجي أبدًا في وقت مناسب. دايمًا في حاجة: رياضة، فطار مع صحابها، ويك إند سبا مفاجئ. وآخر حاجة كانت رحلة بحرية في البحر الأحمر مروة لاقتها أونلاين وقالوا إنها صفقة خيالية.


أنا كنت عارفة إنها مش صفقة خيالية. كانت مكلفة جدًا. بس بالنسبة لأمي كانت رمز مكافأة… دليل إنها “تستحق الراحة”.


الحادثة حصلت يوم جمعة بالليل. كنت اتأخرت في الشغل، وياسين نايم في الكرسي بتاعه جنب كتفي. دماغي مليانة مواعيد وتسليمات، ولما وصلت تقاطع، عربية عدت الإشارة الحمرا بسرعة. ما كانش في وقت أتصرف. الخبطة كانت انفجار حديد وزجاج… وبعدها صمت.


في الطوارئ، النور كان أبيض قوي ومزعج. رقبتي متثبتة، ورجلي بتوجعني بشكل موجات. ممرضة سألتني عن رقم طوارئ. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح اسم أمي.


قلت بصوت ضعيف


ماما أنا في المستشفى… محتاجة تيجي بس كام ساعة… خدي بالك من ياسين


سكتت لحظة. كنت سامعة موسيقى وضحك وإعلانات في الخلفية.


قالت بنبرة مضايقة


يا سلمى ما تفتحيش دراما دلوقتي… أختك عمرها ما بتعمل المشاكل دي. إحنا على وشك نطلع الرحلة. نتكلم لما نرجع.


وقفلت الخط.


بصيت لياسين وهو نايم في سرير صغير مستعار تحت نور المستشفى، وأسلاك صغيرة جنب البطانية. جهاز المونيتور بيعد نبضات قلبي وكأنه أهم حاجة في الدنيا.


في اللحظة دي، وضوح غريب ضر.بني أقوى من أي ألم. كل حاجة كنت شايلها في صمت… كل تضحية وكل تحويل فلوس وكل تنازل… كانت على حافة الانهيار. ولو انهارت، مش أنا بس اللي هتتدفن تحتها.


هم كمان.


عجبتك صلى على محمد وال محمد وتابع 👇👇


 


في اللحظة دي… وأنا باصة على ياسين وهو نايم في سريره الصغير، حسيت إن في حاجة جوّايا اتك.سرت. مش ك.سر مؤلم زي الحادثة… لا. ك.سر هادي. بارد. واضح.


أول مرة في حياتي أحس إن التعب اللي كنت شايلـاه مش تضحية… كان غلطة.


غلطتي أنا.


الممرضة سألتني بهدوء


“في حد يقدر يستلم الطفل مؤقتًا؟”


هزّيت راسي بالنفي.


مفيش.


صديقة واحدة من الشغل جات بعد ساعات لما عرفت، وقعدت معاه ليلة… بس جوايا كان في صوت بيقول: ده مش حل. ده تأجيل.


وأنا راقدة في السرير، مخدّرة بنص جرعات مسكنات ونص جرعات واقع… بدأت أفكر لأول مرة مش كابنة… ولا كموظفة… ولا كأم مرهقة.


فكرت كإنسانة.


ولأول مرة سألت نفسي سؤال بسيط جدًا: أنا هفضل أعيش كده لحد إمتى؟


الأسبوع اللي بعد الحادثة كان أبطأ أسبوع في حياتي.


الدكاترة قالوا إن عندي كسور خفيفة وتمزق أربطة… محتاجة راحة شهر على الأقل.


راحة.


الكلمة اللي عمري ما خدتها.


أول يوم قدرت أمسك موبايلي فيه، دخلت على تطبيق البنك. عادة يوم 28 كنت بفتح التطبيق بسرعة، أعمل التحويلات، وأقفل قبل ما أفكر.


المرة دي فتحت… وفضلت باصة.


حسابي.


حساب أمي.


التحويل التلقائي.


ضغطت عليه… ووقفت.


إلغاء التحويل الشهري؟


إيدي فضلت ثابتة فوق الشاشة ثواني طويلة.


حسيت إن قلبي بيخبط أسرع من يوم الحادثة.


مش خوف…


ذنب.


إحساس قديم جدًا متربّي جوايا من وأنا صغيرة: البنت الكويسة ما تزعلش أمها.


لكن في نفس اللحظة… بصيت لياسين اللي كان نايم جنبي على الكنبة الصغيرة في أوضة المستشفى.


وبدون تفكير أكتر… ضغطت.


إلغاء.


ظهرت رسالة صغيرة:


“تم إلغاء التحويل التلقائي بنجاح.”


بصيت للرسالة… وابتسمت لأول مرة من أسبوع.


كانت ابتسامة صغيرة… بس حسيت إنها أكبر خطوة أخدتها في حياتي.


الأيام عدّت هادية. محدش لاحظ حاجة. طبيعي… المرتب لسه منزلش.


وأنا خرجت من المستشفى وروحت البيت بشدّة بطيئة، وبقينا أنا وياسين لوحدنا. لأول مرة البيت كان هادي… بدون ضغط المكالمات اليومية من أمي تسألني:


“حولتي الفواتير؟”


“دفعت القسط؟”


“بعتّي فلوس الدوا؟”


الهدوء كان غريب… ومريح.


لكن كنت عارفة إن الهدوء ده مؤقت.


قنبلة بتعد تنازليًا ليوم 28.


يوم 28 جه.


كنت قاعدة على الكنبة شايلة ياسين وهو بيرضع، لما الموبايل رن.


اسم “ماما” ظهر على الشاشة.


اتنفست ببطء… ورديت.


“ألو؟”


صوتها كان طبيعي جدًا في الأول:


“صباح الخير يا سلمى.”


“صباح النور.”


سكتت لحظة… وبعدين قالت بنبرة متوترة:


“هو المرتب اتأخر؟”


سكت ثانيتين.


قلت بهدوء: “لا. نزل.”


الصمت اللي بعد الجملة كان أطول من أي صمت بينا قبل كده.


وبعدين صوتها اتغير فجأة:


“طيب… التحويل؟”


أخدت نفس طويل وقلت أبسط جملة في حياتي:


“ملغيتوش.”


سكون.


سكون تقيل قوي.


وبعدين الانفجار.


“إيه يعني ملغيتوش؟!”


كان صوتها عالي لدرجة إن ياسين اتنفض في حض.ني.


كملت بهدوء: “قصدي… ملغيتوش. مش هحوّل تاني.”


صوتها طلع فيه ضحكة عصبية:


“بتهزري؟”


“لا.”


الصمت رجع… بس المرة دي مش صمت صدمة. صمت غضب.


وبعدين قالت جملة عمري ما هنساها:


“يعني إيه مش هتحولي؟ إحنا عايشين على الفلوس دي!”


غمضت عيني.


أول مرة تقولها بصراحة.


“عارفة.”


“طب إزاي تعملي كده فينا؟!”


في اللحظة دي حسيت إن قلبي بقى هادي جدًا. كأن حاجة كانت بتصرخ جوايا سنين وخلصت أخيرًا.


قلت بهدوء: “زي ما إنتي عملتي كده فيا لما كنت في الطوارئ.”


سكتت.


وبعدين قالت بسرعة دفاعية:


“ما تكبريش الموضوع! كنا مسافرين!”


“وأنا كنت في المستشفى.”


سكون تاني.


بس المرة دي… ما كانش في رد.


قفلت المكالمة بعدها بدقيقة بدون ما أرفع صوتي ولا مرة.


ولأول مرة في حياتي… ما حسّتش بالذنب.


الأسبوع اللي بعده كان هدوء غريب.


لا مكالمات.


لا رسائل.


ولا حتى لايكات على صور ياسين.


كنت عارفة إن العاصفة لسه جاية.


وجت.


بعد سبعة أيام بالظبط… الساعة كانت 11 الصبح، والجرس رن.


فتحت الباب… ولقيتهم واقفين.


أمي.


وأختي مروة.


شنط سفر وسمرة البحر الأحمر على وشهم.


بس مش ده اللي شدّ انتباهي.


اللي شدّني إنهم كانوا مبتسمين.


واضح إنهم لسه مش فاهمين حاجة.


أمي دخلت من غير ما تستأذن وهي بتقول:


“وحشتينا!”


مروة دخلت وراها:


“إزيك يا مامي؟ عاملين حفلة ترحيب؟”


وقفت على باب الصالة… وبصيت عليهم بهدوء.


قلت جملة واحدة بس:


“البيت ده مش بيتكم.”


الابتسامة اختفت من على وشهم في نفس اللحظة.


أمي ضحكت ضحكة قصيرة:


“إيه الهزار البايخ ده؟”


قلت بهدوء: “مش هزار.”


وبعدها طلعت ورقة من على الترابيزة ومدتها لها.


كانت نسخة من عقد الملكية.


اسمي أنا.


بس.


قريت أول سطر… ووشها بدأ يتغير تدريجيًا.


“ده… إيه؟”


قلت بهدوء: “البيت باسمي من أول يوم.”


مروة قالت بسرعة:


“طب ما إحنا عارفين! إنتي اللي بتدفعي القسط!”


بصتلها وقلت:


“كنت.”


الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.


أمي همست: “يعني… إيه؟”


ابتسمت بهدوء لأول مرة من سنين وقلت:


“يعني من النهارده… كل واحد مسؤول عن حياته.”


ولأول مرة في حياتي…


أنا اللي كنت واقفة جوه بيتي


وهم اللي واقفين برّه.



تعليقات

التنقل السريع
    close