قالوا إنه بلا قلب… حتى جاءت طفلة الخادمة وطلبت القهوة
قالوا إنه بلا قلب… حتى جاءت طفلة الخادمة وطلبت القهوة
«هل يمكنني أن أحتسي القهوة معك؟»
انساب الصوت الصغير عبر قاعة الطعام الشاسعة، وشقّ الصمت الكثيف كما تفعل نسمة دافئة في
صباح بارد.
رفع فيكتور ألميدا، الرجل الذي تصفه الصحف بأنه قطب أعمال لا يرحم، رأسه ببطء عن هاتفه، وقد بدت عليه علامات الانزعاج من المقاطعة.
ثم تجمّد تمامًا.
كانت هناك طفلة صغيرة، في نحو السادسة من عمرها، تقف قرب طاولة الطعام الضخمة، وتضمّ إلى صدرها حقيبة ظهر وردية عليها وحيد قرن.
كان شعرها الأشقر مبعثرًا قليلًا، وعيناها الزرقاوان اللامعتان تشعّان بفضول جريء لا يعرف الخوف.
قال فيكتور بصوت بارد آلي اعتاده من سنوات القيادة والأوامر:
«كيف دخلتِ إلى هنا؟»
أجابت ببساطة:
«من باب المطبخ. أمي تعمل هنا.»
تقدّمت خطوة صغيرة أخرى، غير مكترثة بنبرته الجليدية.
وأضافت ببراءة:
«ذهبت لتحضر لك الدواء، لكنني شعرت بالجوع.»
رمش فيكتور بدهشة.
طوال ثلاث سنوات، لم تذكر مدبّرة المنزل يومًا أن لديها طفلة.
سألها وهو يعقد يديه:
«وهل تعلم أمك أنكِ هنا؟»
عضّت شفتها بخفة وقالت:
«قالت لي أن أنتظر في المخزن، لكنني رأيت الكعكة.»
قال وهو ينظر إلى القاعة الواسعة:
«وأنتِ هنا وحدك؟»
عبست الطفلة، وكأن السؤال أساء إليها.
قالت بجدية:
«لا ينبغي لأحد أن يشرب القهوة وحده.»
فتح فيكتور فمه ليوبّخها، ليطلب منها الانصراف كما يفعل مع الجميع، لكن شيئًا غريبًا تحرّك في صدره.
سمع نفسه يقول بدهشة:
«حقًا؟»
وقبل أن يغيّر رأيه، سقطت الحقيبة على الأرض، وتسلقّت الكرسي المجاور له، وقد تدلّت قدماها في الهواء.
همست وهي تحدّق في الطعام كأنه وليمة ملكية:
«واو.»
للمرة الأولى منذ سنوات، أدرك فيكتور أن هناك من لا يخشاه.
لم تكن خائفة منه.
بل شعرت فقط بالأسى لأنه بدا وحيدًا.
أمسكت الطفلة بقطعة من كعكة الجزر بكلتا يديها.
قالت وهي تمضغ بسعادة:
«إنها لذيذة جدًا. هل صنعتها زوجتك؟»
أجاب فيكتور بجمود:
«ليس لدي زوجة.»
قالت:
«إذًا أمك؟»
«لا.»
ابتسمت وقالت:
«أمي تصنع الكعك أيضًا، لكن ليس بهذا الهشاش. ليس لدينا خلاط.»
لم يعرف فيكتور لماذا أصابته كلماتها في العمق إلى هذا الحد.
تنحنح، وهو يشعر بانقباض في صدره.
وسأل دون أن يدري لماذا:
«وأبوك؟»
خفتت ابتسامتها قليلًا.
قالت بصوت خافت وهي تنظر إلى الأسفل:
«كل شخص لديه أب، لكن أبي لم يبقَ.»
ثم أضافت:
«أمي تقول إنه لم يكن مستعدًا ليكون واحدًا.»
شعر فيكتور وكأن لكمة لطيفة أصابت صدره.
وفي داخله، طفا اسم دفنه منذ زمن بعيد، كطيف عاد للحياة.
إيزابيلا.
سألته الطفلة بلطف:
«أنتَ أيضًا وحيد، أليس كذلك؟»
وقبل أن يجيب، انفتحت أبواب قاعة الطعام بعنف.
اندفعت كلارا، والدة الطفلة، إلى الداخل وهي تلهث وقد ارتسم الرعب على وجهها.
تنقّلت عيناها بين ابنتها وفيكتور، الرجل الذي كانت تخشاه أكثر من أي شخص في هذا القصر.
همست بيأس:
«إيما… يا حبيبتي، لا يمكنكِ—»
تجمّدت كلارا، وهي تتوقّع الصراخ، وتتوقّع الطرد الفوري.
ابنتها كانت جالسة إلى جوار أكثر رجل يُخشى في هذا المكان.
لكن بدلًا من ذلك، دفع فيكتور طبقًا نحو إيما بهدوء.
وقال بصوت لطيف:
«هل تريدين المزيد من الكعك؟»
كادت كلارا أن تُغمى عليها.
تلعثمت وهي تنحني:
«أنا آسفة جدًا، سيدي… لم تكن تقصد—»
قاطعها بلطف:
«لا بأس.»
حدّقت كلارا فيه غير مصدّقة.
وأضاف فيكتور بصوت منخفض:
«قالت إنه لا ينبغي لأحد أن يشرب القهوة وحده.»
ابتسمت إيما بفخر.
اقتربت كلارا ببطء، غير واثقة مما تراه.
قال فيكتور، مدهوشًا من نفسه:
«تفضّلي بالجلوس.»
تردّدت كلارا، ثم جلست قبالته بتوتر.
طوال سنوات، لم ترَ منه سوى بروده وسلطته الصامتة.
أما الآن، فبدا إنسانًا.
قال فيكتور بلطف:
«إيما، ماذا تريدين أن تصبحي عندما تكبرين؟»
أجابت فورًا:
«خبّازة.»
سأل:
«لماذا؟»
قالت ببساطة:
«لكي ترتاح أمي. إنها تعمل كثيرًا.»
اغرورقت عينا كلارا بالدموع.
وشعر فيكتور بأن شيئًا انكسر في داخله.
قال:
«أمك تعمل بجد. إنها قوية.»
هزّت إيما رأسها بفخر.
ساد الصمت المكان، لكنه كان دافئًا هذه المرة، لا باردًا.
ارتشف فيكتور قهوته ببطء.
ثم سأل:
«كم عمرك؟»
قالت بفخر:
«ست سنوات ونصف.»
«هل تحبين المدرسة؟»
«نعم، لكنني أحب الرسم أكثر.»
«وماذا ترسمين؟»
قالت:
«العائلات.»
تجمّد فيكتور.
ثم أضافت:
«الكبيرة… مع ابتسامات.»
التوى شيء في قلبه.
تحرّكت كلارا بقلق.
همست:
«إيما، لا تزعجي السيد ألميدا.»
قال فيكتور بسرعة:
«لا بأس.»
ثم التفت إلى إيما:
«هل تعرفين ماذا أعمل؟»
قالت:
«تعمل كثيرًا. أمي تقول إنك مشغول.»
تنهد:
«هذا صحيح.»
ثم سألته فجأة:
«هل أنت سعيد؟»
أربكه السؤال.
أجاب بصدق:
«لا أدري.»
قالت ببساطة:
«يجب أن تكون. القهوة تكون أفضل عندما تكون سعيدًا.»
ضحك فيكتور بخفة، لأول مرة منذ سنوات.
لم تصدّق كلارا ما تراه.
قالت بصوت منخفض:
«سيدي… أعتذر حقًا.»
أجاب:
«لا. أنا أشكرك.»
سألت بدهشة:
«على ماذا؟»
قال:
«لأنكِ سمحتِ لابنتك أن تكلّمني.»
انسابت الدموع على خدّي كلارا.
وقف فيكتور ببطء.
وقال وهو ينحني إلى مستوى إيما:
«إيما، هل تحبين أن تأتي إلى هنا مرة أخرى؟»
اتّسعت عيناها:
«حقًا؟»
ابتسم:
«نعم. من أجل القهوة.»
صفّقت إيما بسعادة.
شهقت كلارا:
«سيدي، هذا كثير—»
قال بحزم:
«ليس كذلك.»
ثم أضاف:
«لقد كنت وحيدًا لوقت طويل.»
عانقته إيما فجأة.
تجمّد فيكتور، ثم ردّ العناق ببطء.
غطّت كلارا فمها وهي تبكي بصمت.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء.
كانت إيما تزوره كل صباح قبل المدرسة.
يتشاركون الكعك والقصص والضحك.
تعلّم فيكتور عن الرسوم المتحركة، والملاعب، وأحلام الطفولة.
وتعلّمت إيما عن الأرقام، والمباني، والصبر.
راقبت كلارا بدهشةٍ صامتة كيف تحوّل ربّ عملها، الذي طالما عرفته بصرامته وبروده، إلى إنسانٍ آخر… إنسان يبتسم، يصغي، ويجلس طويلًا دون أن ينظر إلى ساعته.
لم يكن التغيّر صاخبًا أو مفاجئًا، بل بطيئًا، هادئًا، كضوءٍ يتسلّل إلى غرفةٍ مظلمة منذ سنوات.
بدأ فيكتور يبتسم من جديد، ابتسامة حقيقية لا تشبه تلك التي يوزّعها في الاجتماعات أو أمام الكاميرات.
صار يضحك أحيانًا، ويتوقّف ليستمع، بل ويطرح أسئلة لم يكن يسألها من قبل.
ومع مرور الأيام، قلّص ساعات عمله بنفسه، وكأن شيئًا داخله أقنعه أخيرًا أن الحياة ليست سباقًا لا ينتهي.
لم يعد القصر فارغًا كما كان.
لم تعد جدرانه صامتة ولا ممرّاته باردة.
صار للصباح صوت، وللمساء دفء، وللطاولة معنى.
وفي إحدى الأمسيات، دعا فيكتور كلارا وإيما إلى العشاء.
لم يكن عشاءً رسميًا، ولا مناسبة عمل، بل دعوة بسيطة خرجت من قلبٍ قرّر أن يفتح بابه.
قال بهدوءٍ صادق:
«أريد أن أساعد.»
ثم توقّف لحظة، وكأنه يزن كلماته، وأضاف:
«في تعليمها… وفي مستقبلها.»
لم تستطع كلارا أن تحبس دموعها.
بكت بصمت، لا ضعفًا، بل امتنانًا.
همست بصوتٍ مرتجف:
«لا يجب عليك… هذا كثير.»
أجابها دون تردّد:
«أريده أنا، قبل أن تحتاجيه أنتِ.»
قفزت إيما فرحًا، وصفّقت كأنها فهمت أن شيئًا جميلًا يحدث، حتى وإن لم تُدرك كل أبعاده.
مرّت الشهور، وتحوّل البيت إلى مساحة حيّة.
امتلأ بالضحك، بالأسئلة الصغيرة، وبالأحاديث التي تُقال قبل النوم.
حضر فيكتور عروض إيما المدرسية، وجلس بين الأهالي دون حراسة أو تكلّف، وصفّق لها كأنها أعظم نجمة على المسرح.
وساعد كلارا على تحقيق حلمٍ قديم، حلمٍ دفنته سنوات التعب:
افتتاح مخبز صغير.
كان بسيطًا في بدايته، لكنه امتلأ برائحة الطفولة والجهد الصادق.
وسرعان ما أصبحت كعكاتهم مشهورة في الحي، لا لطعمها فقط، بل لما تحمله من قصة.
وفي أحد الأيام، وبينما كانوا يجلسون معًا في المساء، سألت إيما فجأة، وببراءةٍ لا تعرف الحساب:
«هل أنت عائلتي الآن؟»
لم يتردّد فيكتور.
ابتسم بدفءٍ لم تعرفه ملامحه من قبل، وقال:
«نعم… إن قبلتِ بي.»
عانقته إيما بقوة، كأنها كانت تنتظر هذا الجواب منذ زمن.
ومسحت كلارا دموعها، وهي تدرك أن حياتها لم تعد كما كانت.
سؤال صغير، خرج من قلب طفلة،
غيّر حياة ثلاثة أشخاص إلى الأبد.
لأن أحيانًا، أشجع الكلمات لا تأتي من الحكماء،
بل من أصغر القلوب.
وأحيانًا،
فنجان قهوة واحد…
يكون كافيًا لشفاء عمرٍ كامل من الوحدة.


تعليقات
إرسال تعليق