تنكّروا كمتسوّلين لاختبار كنّتهم… ففضحتهم إنسانيّتها أمام أنفسهم وخفضوا رؤوسهم لأول مرة!
تنكّروا كمتسوّلين لاختبار كنّتهم… ففضحتهم إنسانيّتها أمام أنفسهم وخفضوا رؤوسهم لأول مرة!
في حي سانتا ماريا بمدينة غوادالاخارا حيث كانت أشجار الجاكاراندا تصبغ الأرصفة بالأرجوان كل ربيع وحيث كان الجيران لا يزالون يتبادلون التحية بأسمائهم كانت تعيش عائلة ميندوزا المعروفة بمتجرها القديم للأدوات الحديدية في وسط المدينة وبسمعة أخذت مع مرور الأعوام تتصدع كما تتشقق جدران المتجر العتيق.
كان دون إرنستو ودونيا كارمن وقد تقدما في السن شخصين يعتزان بأنفسهما اعتزازا بالغا. عملا طوال حياتهما في بناء ذلك الإرث من الصفر كما كانا يرددان دائما. بالنسبة إليهما كان التضحية وساما ينبغي للآخرين الاعتراف به. غير أنها تحولت مع الزمن إلى ذريعة للحكم على الجميع ولا سيما على شخص واحد كنتهما لوسيا.
لم تنحدر لوسيا من عائلة ميسورة. كانت ابنة خياطة من تونالا وسائق حافلة توفي حين كانت في الخامسة عشرة من عمرها. تعلمت منذ صغرها ترقيع الثياب وإجراء الحسابات بدقة وألا تشتكي مهما طالت الأيام. وعندما تزوجت دانيال الابن الأصغر لعائلة ميندوزا اعتقدت أنها تدخل أسرة ستحتضنها. لكن الأمر لم يكن كذلك قط.
كانت دونيا كارمن تقول لابنها
تلك الفتاة لا تليق بك. ليست لها هيبة ولا خبرة بالحياة.
وكان دون إرنستو يضيف
لا تعرف حتى كيف تتصرف على مائدة رسمية. ماذا سيقول الزبائن
كانت لوسيا تسمع وتصمت وتواصل المساعدة بما
تستطيع. لم تجب يوما بفظاظة ولم ترفع صوتها. كانت تفعل ما تجيده أكثر من أي شيء العمل.
على مدى سنوات كانت هي من نظم حسابات المتجر حين بدأ العمل يتراجع. وهي من رقمنت المبيعات وأقنعت دانيال بفتح متجر صغير عبر الإنترنت وكانت تبقى حتى ساعات الفجر تعبئ الطلبات. ومع ذلك لم يعترف والدا زوجها بفضلها قط. بالنسبة إليهما ظلت الفتاة عديمة الذوق.
مر الزمن. حصل دانيال على وظيفة أفضل في مونتيري وانتقل مع زوجته إلى هناك بعيدا عن الانتقادات المستمرة. قلت الزيارات واختصرت المكالمات أما الكبرياء فلم يغادرهما أبدا.
إلى أن اقترح دون إرنستو ذات يوم أمرا غير متوقع.
قال وهو ينظر إلى زوجته وهما يحتسيان القهوة
لنجر اختبارا. أريد أن أعرف من يقف معنا بدافع المحبة ومن يفعل ذلك لمصلحة فحسب.
عقدت دونيا كارمن حاجبيها.
وكيف تنوي فعل ذلك
سنختفي بضعة أيام. لن يعلم أحد بمكاننا. سنرتدي ملابس المعدمين ونطرق أبواب أبنائنا ونرى من يعيننا.
بدت الفكرة عبثية في نظر دونيا كارمن لكنها كانت تشعر بوخز في داخلها كانت تعتقد أن الجميع ابتعدوا عنهم وأن أحدا لم يعد يقدرهم. فوافقت.
بعد أسبوع وقد ارتديا ملابس قديمة وأحذية بالية وأخفيا ملامحهما تحت قبعات وكمامات غادرا غوادالاخارا متوجهين إلى مونتيري.
لم يخبرا أحدا.
كانا يريدان رؤية الحقيقة
بلا أقنعة.
كانت وجهتهما الأولى منزل ابنتهما الكبرى فيرونيكا التي تعيش في بيت واسع داخل مجمع سكني خاص. ضغطا الجرس. فتحت الخادمة الباب.
ماذا تريدان
قليلا من الماء من فضلك طلبت دونيا كارمن بصوت مرتجف.
تفحصتهما المرأة من أعلى إلى أسفل.
نحن لا نقدم صدقات هنا.
وأغلقت الباب.
انتظر دون إرنستو عل ابنته تظهر. لكن أحدا لم يخرج.
ثم توجها إلى الابن الثاني ماوريسيو. كان دائم الحديث عن القيم العائلية وكثير النشر على وسائل التواصل عن الامتنان.
طرقا الباب.
فتح ماوريسيو وهو يمسك هاتفه.
نعم
عذرا هل يمكننا أن نستريح قليلا لقد أتينا من بعيد
تنفس الرجل بضيق.
لا أستطيع. الجيران ينزعجون من وجود هذه الفئة أمام المنازل. يوجد ملجأ على بعد نحو عشرة شوارع.
وأغلق الباب قبل أن يسمع الرد.
شعر دون إرنستو بوخزة في صدره. لم تكن جسدية بل أعمق من ذلك بكثير.
قالت دونيا كارمن وقد فقدت ثقتها الأولى
لم يبق سوى دانيال
ساد الصمت بينهما.
فهما يعلمان أن الباب الأخير هو الذي لم يرغبا يوما في طرقه.
كان منزل دانيال ولوسيا متواضعا. لا يقارن بالبيتين السابقين. بيت بسيط عند مدخله نباتات ودراجة تستند إلى الجدار.
تردد دون إرنستو قبل أن يطرق.
إن فتحت هي تمتم.
فسنرى أجابت زوجته.
طرقا الباب.
سمعت خطوات سريعة. انفتح الباب وكانت لوسيا
ترتدي مئزرا وعلى يديها آثار دقيق.
نظرت إليهما.
تأملتهما أكثر مما ينبغي.
تغير شيء في عينيها.
لكنها لم تقل إنها تعرفت إليهما.
تفضلا قالت ببساطة الجو بارد في الخارج.
شعر دون إرنستو بعقدة في حلقه.
لا نريد أن نثقل عليكم
لا أحد يثقل إذا كان جائعا.
أدخلتهما إلى البيت.
كانت رائحة الحساء الطازج تعبق في المكان.
أخرجت لوسيا طبقين ملأتهما دون أن تسأل شيئا ووضعتهما على الطاولة.
كلا أولا. ثم ننظر فيما تحتاجان إليه.
لم تطلب تفسيرات.
لم تطرح أسئلة محرجة.
لم تنظر إليهما باحتقار.
عاملتهما كإنسانين فحسب.
لاحظت دونيا كارمن أمرا الكراسي قديمة والتلفاز صغير لكن كل شيء نظيف معتنى به كريم.
وأين زوجك سألت من غير أن تستطيع منع نفسها.
ابتسمت لوسيا ابتسامة خفيفة.
في العمل. لديه اليوم مناوبة مزدوجة. نحن ندخر لننهي سداد ثمن المنزل.
أخفض دون إرنستو نظره إلى طبقه.
كانت تلك أول مرة منذ سنوات يقدم له أحد طعاما دون انتظار مقابل.
يمكنكما الاغتسال إن أردتما أضافت لوسيا سأترك لكما بعضا من ملابس دانيال. ليست جديدة لكنها نظيفة.
عند تلك اللحظة لم تعد دونيا كارمن قادرة على الاحتمال.
بدأت يداها ترتجفان.
إذ أدركت أمرا لم تشأ يوما الاعتراف به.
الشخص الوحيد الذي لم يحكم عليهما هو نفسه الذي حكما عليه طوال حياتهما.
عادت لوسيا ومعها مناشف مطوية.
ثم قالت بنعومة جردتهما من كل دفاع
أعلم أنكما أنتما.
ساد
صمت تام.
تعرفت إليكما منذ أن طرقتما الباب تابعت فالأم تعرف طريقة وقوف زوجها والزوجة تعرف نظرة والد زوجها.
رفع دون إرنستو رأسه بدهشة.
إذن لماذا لم تقولي شيئا
أجابت لوسيا
لأنني لم أرد أن تبقيا بدافع الحرج. أردت أن تبقيا لأنكما تشعران بأنكما مرحب بكما.
لم يتكلم أحد لعدة ثوان.
في الخارج كان صوت بائع تاماليس يتردد في الشارع.
في الداخل كان أمر أعظم بكثير يحدث.
أمر لا علاقة له بالمال.
ولا بالكبرياء.
بل بالإنسانية.
وعندها فقط أدرك دون إرنستو أن ذلك الاختبار لم يكن موجها إلى الأبناء.
بل إليه هو.
حل المساء ببطء على مونتيري مصبوغا بلون برتقالي على جدران البيت المتواضع. لم يكن أحد على عجلة من أمره ليتكلم. أحيانا يكون الصمت أيضا طريقة لطلب الصفح.
كان دون إرنستو يتأمل يديه هاتين اليدين اللتين شيدتا متجرا ووقعتا عقودا وأشارتا إلى الأخطاء لكنهما الآن لا تعرفان كيف تقتربان من المرأة الجالسة أمامه.
كانت لوسيا في المطبخ كما لو أن كل شيء طبيعي. تحرك القدر بهدوء تذوق الملح وترتب أرغفة التورتيا في قطعة قماش نظيفة. لم يكن في حركاتها عتاب. وذلك كان أشد إيلاما من أي صراخ.
لماذا بدأ دون إرنستو لكن صوته انكسر لماذا تفعلين هذا من أجلنا
لم تجب فورا.
أطفأت الموقد مسحت يديها ثم جلست قبالتهما.
لأنكما عائلة دانيال قالت ولأنني لا أعرف أن أعيش بطريقة أخرى.
شعرت دونيا كارمن بشيء يتحطم في داخلها.
قضت حياتها تخلط بين الكرامة والصرامة. كانت تظن أن التربية تعني التقويم الدائم وأن الاحترام ينتزع وأن المحبة تنال بإظهار التفوق.
وها هي تلك المرأة التي وصفتها مرارا بأنها غير كافية تعلمها عكس ذلك من غير أن تنطق بكلمة لوم.
أسأنا معاملتك همست دونيا كارمن كثيرا.
خفضت لوسيا نظرها لا خضوعا بل احتراما لألم ذلك الاعتراف.
نعم أجابت برفق لكنني أفهم أيضا أن الإنسان أحيانا يعطي ما تعلم أن يتلقاه.
لم تكن كلماتها اتهاما بل مرآة.
تذكر دون إرنستو والده رجلا قاسيا عاجزا عن العناق مقتنعا بأن المحبة تضعف الأبناء. كان قد وعد نفسه أن يكون مختلفا لكنه من دون أن يدري كرر القصة.
أخطأنا قال أخيرا ولا عذر يكفي.
نظرت إليه لوسيا بسكينة لم تكن لامبالاة بل أمرا أصعب بكثير شفقة.
إذن لا تبحثوا عن أعذار. ابدؤوا من جديد.
في تلك اللحظة سمع صوت الباب.
دخل دانيال متعبا وقميصه ملوث بغبار العمل. كان يفكر في العشاء وفي الاستحمام وفي الراحة. لكنه توقف فجأة حين رأى والديه جالسين إلى المائدة.
أبي أمي
نهضت لوسيا.
لدينا ضيوف قالت بابتسامة
خفيفة.
نظر إليهما دانيال بحيرة. ثم لاحظ الملابس البالية والأحذية القديمة وأدرك أن هناك أمرا غير عادي.
ماذا حدث
لم يعرف أحد كيف يشرح.
إلى أن وقف دون إرنستو.
لم يقف بالطريقة التي اعتادها طوال حياته لم يكن في وقفته صلابة صاحب القرار ولا نبرة الرجل الذي اعتاد أن يسمع ولا يراجع. كانت قامته منحنية قليلا وصوته أثقل مما ينبغي.
جئنا نطلب العون قال وانتهى بنا الأمر إلى أن وجدنا شيئا أعظم.
لم تكن الجملة طويلة لكنها حملت اعترافا لم ينطقه من قبل. اعترافا بأنه لم يكن يفهم ما يبحث عنه فعلا.
نظر دانيال إلى لوسيا. لم يتكلم. لم يحتج إلى سؤال. كانت عيناها هادئتين ثابتتين خاليتين من شماتة أو انتصار. أومأت برفق إيماءة صغيرة لكنها كانت كافية.
عندها فهم الابن كل شيء دون حاجة إلى تفاصيل. فهم أن والديه لم يأتيا ضيفين عاديين. ولم يأتيا محتاجين للطعام فقط. بل محتاجين إلى شيء أعمق بكثير.
اقترب من والديه. لا بغضب ولا بلوم بل بمزيج من الدهشة والحزن كمن يلمس هشاشة لم يكن يتخيل وجودها.
لماذا لم تتصلا
كان السؤال بسيطا لكن خلفه سنوات من الصمت من المكالمات المقتضبة من الأحاديث التي تنتهي قبل أن تبدأ.
بدأت دونيا كارمن تبكي. لم يكن بكاء عاليا. كان بكاء متقطعا كأن
كل دمعة تخرج بصعوبة بعد سنوات من الكتمان.
لأننا أردنا أن نعرف إن كان لنا مكان بعد في حياتكما.
لم يكن الخوف من الفقر. ولا من المرض. كان الخوف من أن يكونا قد صارا زائدين عن الحاجة.
تنفس دانيال بعمق. نظر إلى البيت الصغير الذي بذل فيه كل ما يملك إلى المائدة البسيطة التي جمعتهم تلك الليلة إلى المرأة التي شاركته كل تضحية وكل خطوة صعود.
كان المكان موجودا دائما قال لكن كان يجب أن تأتيا بلا كبرياء لترياه.
لم تكن الجملة قاسية. لكنها كانت صادقة.
جلسوا جميعا.
تعشوا معا تلك الليلة.
من دون رسميات.
من دون خطب.
من دون المسافة التي بدت يوما حتمية.
لم تكن هناك مائدة طويلة ولا أطباق فاخرة. كان هناك حساء دافئ وخبز بسيط وأيد تمتد بلا حرج. تحدثوا عن أمور صغيرة لكنها بدت كبيرة في تلك اللحظة عن ضغط العمل عن الأسعار التي ارتفعت عن جارة تبيع أفضل خبز محلى في الحي وعن صوت بائع التاماليس الذي يمر كل مساء في التوقيت ذاته.
وفي تلك العادية حدث أمر استثنائي.
للمرة الأولى كانوا عائلة فحسب.
لا تراتبيات.
لا أحكام.
لا اختبارات.
كانت دونيا كارمن تنظر إلى لوسيا خلسة تراقب كيف تتحرك في بيتها كيف تضحك بهدوء كيف تصلح طرف المفرش بيد واحدة وتربت على كتف زوجها بالأخرى. بدأت ترى ما لم تشأ رؤيته لسنوات امرأة قوية لا بالصوت بل بالفعل.
لا بالكلام بل بالصبر.
في وقت لاحق حين خرج دانيال ليرمي القمامة تبعه دون إرنستو. كان الليل قد أرخى ستاره والهواء أبرد قليلا.
يا بني
التفت دانيال.
تردد الأب قبل أن يتابع. كان يبحث عن كلمات لا تخفيه خلف هيبته المعتادة.
كل ما حققتماه لم يكن محض صدفة أليس كذلك
ابتسم دانيال ابتسامة خفيفة ليست ابتسامة فخر بل اعتراف بالرحلة.
لا. كان عملا. منا نحن الاثنين.
أومأ دون إرنستو ببطء. شعر بثقل ينزاح عن صدره وثقل آخر يستقر فيه ثقل الإدراك.
نظر نحو المطبخ حيث كانت لوسيا ودونيا كارمن تغسلان الصحون معا. لم يكن المشهد مثاليا. كان بينهما تردد واضح حركات غير منسجمة بعد صمت ثقيل. لكن خلف ذلك كله كانت هناك محاولة.
أحسنت الاعتناء بها قال الأب.
هز دانيال رأسه.
لا يا أبي. نحن نعتني ببعضنا.
كانت الجملة بسيطة لكنها كسرت صورة قديمة في ذهن الرجل صورة الرجل الذي يعيل والمرأة التي تتبع. هنا كان الأمر مختلفا. كان شراكة.
شعر دون إرنستو بفخر مختلف عن سابقه.
لم يكن فخر الاسم ولا المتجر ولا المال.
بل فخر أن يكون قد ربى من أحب أفضل منه.
عادا إلى الداخل.
في تلك الليلة لم يطلب أحد فراشا فاخرا. نام الضيفان في غرفة صغيرة أعدت على عجل. لكن النوم لم يأت سريعا.
كانت دونيا كارمن مستلقية تنظر إلى السقف تتذكر كلمات قالتها في الماضي نظرات احتقار تعليقات جارحة ظنتها تربية. تساءلت كيف لم تر الألم في عيني تلك الفتاة الشابة حين كانت تسكتها أمام الآخرين.
وفي الجهة الأخرى من البيت كانت لوسيا جالسة قرب النافذة لا تبكي ولا تبتسم. كانت فقط تتنفس ببطء. لم يكن في قلبها انتقام. كان هناك تعب قديم وراحة جديدة.
في الصباح أعدت القهوة كما تفعل كل يوم. وضعت الأكواب الأربعة على الطاولة لا ثلاثة ولا اثنين.
حين خرج دون إرنستو بدا أصغر سنا أو ربما أقل صلابة.
وقبل المغادرة أمسكت دونيا كارمن بيدي لوسيا. لم تكن تمسكهما كمن يقدم نصيحة بل كمن يطلب شيئا.
لا أعلم إن كان بإمكاننا يوما محو ما فعلناه
ضغطت لوسيا أصابعها برفق.
لا يمحى. لكن يمكن كتابة شيء جديد فوقه.
كانت جملة ناضجة لا تنكر الألم ولا تبالغ في المثالية.
أخرج دون إرنستو من جيبه مفتاحا قديما. كان المفتاح ثقيلا وقديم الطراز تلمع أطرافه من كثرة الاستخدام.
المتجر لم يعد كما كان. المنافسة اشتدت والديون كثيرة. لكن إن أردتما يمكننا أن ننهض به معا. بلا فرض بلا التزامات. فقط كأسرة.
لم يكن العرض تجاريا فقط. كان دعوة لإعادة بناء ما تصدع.
نظر دانيال إلى لوسيا. لم يرد أن يتخذ القرار وحده. لم يعد ذلك الرجل الذي يرضي والديه على حساب بيته.
فكرت لوسيا في ليالي السهر في سنوات الصمت في كل تعليق أطلق عليها في كل مرة شعرت فيها أنها دخيلة. فكرت أيضا في وجه دونيا كارمن وهي تبكي وفي صوت دون إرنستو وهو يقول أخطأنا.
يمكننا أن نحاول قالت.
لم يكن نعم كاملة.
بل كان شيئا أكثر صدقا.
كان بداية.
بدأوا يتحدثون عن خطط بسيطة تحديث واجهة المتجر إدخال نظام إلكتروني جديد عرض المنتجات عبر الإنترنت كما فعلت سابقا لكن هذه
المرة باعتراف واضح بدورها.
لم يكن كل شيء سهلا. لم تختف الجراح فجأة. كانت هناك لحظات تذكير لحظات صمت ثقيل لحظات يعود فيها الماضي ليطرق الباب. لكن هذه المرة لم يكن يغلق في وجهه.
وبينما كان المسنان يبتعدان في الشارع من دون تنكر متشابكي الأذرع كما لم يفعلا منذ عقود تمتمت دونيا كارمن
أضعنا سنوات كثيرة.
أجاب دون إرنستو بنبرة لا تخلو من حزن وامتنان
ربما. لكننا اليوم ربحنا ابنة.
في الداخل أغلقت لوسيا الباب بهدوء ثم فتحت النوافذ ليدخل ضوء الصباح. دخل الضوء على الجدران المتواضعة على الطاولة الصغيرة على الأرضية التي لم تكن فاخرة لكنها نظيفة.
لم تفتح النوافذ لأن كل شيء قد حل.
بل لأن الهواء تغير.
جلست للحظة تنظر إلى بيتها. لم يعد ساحة اختبار. لم يعد مكانا تحتاج فيه إلى إثبات قيمتها. لم تعد الفتاة عديمة الذوق ولا الدخيلة.
كانت زوجة.
كانت شريكة.
كانت ابنة اختارت أن تبقى رغم كل شيء.
وللمرة الأولى منذ زواجها شعرت أن انتماءها لا يحتاج إلى دفاع.
لقد أصبحت ببساطة في مكانها الصحيح.


تعليقات
إرسال تعليق