رواية مراد الهلالي كاملة
مراد الهلالي
راعي غنـم أنقـذ تـلات ستـات مـن قبيـلة معاديـة.
النهـارده رجـعوا لـه وقـالوا كلمـة واحـدة: اتجوزنا.
شمس الصحرا كانت نـار فوق جبال الوادي ، والهوا نفسه بيتهز كأن الأرض بتتنفس لهـب…
مـراد الهـلالي، راعـي عنـده 33 سنة، كـان مـاشي عـلى حصـانه في طريق حافظه أكتر ما حافظ اسمه، وراه عدة شغل ومؤن.
قضـى الصـبح يصـلح السـور ويلـم في المواشي الشاردة، والدنيا ماشية على نفس الوتيرة… لحد ما الصوت قطع سكون اللحظه….صرخة….وبعدين صرخة تانية.
مش صرخة لعب ولا هزار…..دي صرخة خوف ناشفة، طالعة من قلب حد بيجري على عمره.
صدر مراد ضاق، ووقف الحصان مكانه. ودانه شدت ناحية التله الكبيره.
الصوت جاي من الناحية التانية، بيرتد في الجبل زي صدى ملعون.
من غير ما يفكر، غرز كعبه في جنب الحصان، وطلع يجري بيه لفوق.
ولما وصل القمة…اللي شافه جمّد الد.م في عروقه.
تلات ستات من قبيلة بدوية كانت بتجري في بطن الوادي، تقع وتقوم بين الحصى والشوك.
وراهم مجموعة رجالة مسلحين، صريخهم يهز الجبل، كأن الأرض نفسها بتعلن مصيبة جاية.
مراد عارف الحكاية دي من زمان.
سمعها وهو عيل صغير حوالين نـ ار السمر.
سمع عن غارات القبائل، عن الد.م اللي بيجر د.م، عن اللي يتأخر خطوة… يختفي للأبد.
بس المرادي، الحكاية ما كانتش حكاية حد تاني.
دي كانت قدام عينه….شد البندقية من على كتفه،
وقلبه بيدق مش خوف…لكن قرار.
لأنه أوقات، يا تدخل الـ نار برجلك،
يا تعيش طول عمرك تسمع صدى صرخة ما أنقذتهاش.
واللي حصل بعدها…
هو اللي خلى التلاتة يرجعوا له بعد عشر سنين،
مش شايلين سيوف…
لكن شايلين وعد.
صلي علي محمد وال محمد وهحط التكملة تحت 👇صلي على محمد وآل محمد 🤍
وكمل معايا الحكاية…
مراد ما حسبهاش كتير.
الجبل ما بيستناش حد يفكر.
رفع البندقية، صوب ناحية الأرض قدام الخيول اللي بتجري ورا الستات، وضر.ب طلقة تحذير دوّت في الوادي كله.
الصوت ارتد بين الصخور كأنه رعد.
الرجالة وقفوا لحظة… لحظة بس، لكنها كانت كفاية.
مراد نزل بحصانه من فوق التلة زي السهم، وصرخ صرخة طلعت من صدره هزّت المكان.
مش صرخة تهديد… صرخة قرار.
أطلق طلقة تانية، وقعت واحد من المهاجمين أرض.
الباقي بصوا لبعضهم.
اللي قدامهم مش راعي بسيط.
ده راجل مستعد يمو.ت واقف.
المطاردة اتك.سرت.
الرجالة انسحبوا، مش هزيمة كاملة… بس تأجيل.
الستات وقعوا على الأرض من التعب.
واحدة منهم كانت ماسكة دراع التانية، والتالتة عينيها ثابتة عليه من غير خوف.
مراد قرب بحذر.
قال بصوت هادي:
“خلاص… محدش هيقربلكم دلوقتي.”
أكبرهم سنًا ردت:
“إحنا فاكرينك.”
الكلمة وقفت الزمن لحظة.
فاكرينه؟
مراد قلبه خبط.
عشر سنين فاتوا بسرعة في دماغه.
ليلة قديمة… نفس الوادي… نفس الصرخات.
وقتها كان عنده ٢٣ سنة، وأصغر وأقل خبرة.
وبرضه ما جريش.
أنقذ تلات بنات صغار من هجوم، وهرّبهم على أطراف أرضهم، وسابهم عند حدود آمنة ورجع من غير ما يعرف حتى أساميهم.
النهارده…
هم قدامه.
مش بنات صغيرين.
ستات.
قويات.
واقفِين قدامه بثبات الجبل.
الأكبر فيهم قربت خطوة وقالت:
“يومها أنقذتنا. وما سألتش إحنا مين. ولا طلبت مقابل.”
التانية كملت:
“كبرنا… واتعلمنا… وكل سنة بنعدي من هنا، نسأل عن الراعي اللي ما خافش.”
التالتة، اللي كانت ساكتة طول الوقت، قالت الكلمة اللي خلّت قلبه يوقف:
“اتجوزنا.”
مراد افتكر نفسه بيسمع غلط.
قال:
“إيه؟”
الأولى ابتسمت ابتسامة هادية:
“إحنا تلاتة. وعندنا تقاليد. واللي ينقذ الروح… يبقى ليه حق الاختيار.”
الهوا سكت.
الشمس فضلت ضاربة، بس الدنيا جوا صدره بردت فجأة.
مراد عمره ما اتجوز.
مش عشان مفيش فرص…
لكن عشان قلبه دايمًا كان مستني حاجة مش فاهمها.
دلوقتي الحاجة واقفة قدامه.
بس الموضوع ما كانش بس جواز.
كان عهد.
قال بهدوء:
“إنتوا عارفين يعني إيه الكلام ده؟ ده معناه حرب. القبيلة اللي طاردتكم النهارده مش هتسكت.”
ردت التالتة بثبات:
“وإنت من إمتى بتهرب من حرب؟”
سؤال بسيط…
بس ضر.ب في قلبه.
مراد طول عمره عايش لوحده.
بيت صغير، أرض، مواشي، وجبل شاهد عليه.
كان فاكر ده كفاية.
لكن الوحدة ساعات تبقى صوتها أوحش من أي صرخة.
اللي حصل بعدها ما كانش قرار لحظة.
مراد طلب منهم يقعدوا عنده الليلة.
مش كزوجات…
كضيوف.
الليل نزل، ونار السمر ولعت تاني بعد عشر سنين من نفس الليلة القديمة.
حكوا له عن حياتهم، عن تدريبهم، عن انتظارهم.
قالوا إنهم ما نسوش الراعي اللي اختار النار بدل الهروب.
مراد كان ساكت.
بيبص للنار.
بيفكر.
هل هو مستعد يقسم حياته؟
هل الجبل يسمح بكده؟
هل قلبه يسمح؟
قبل الفجر، قام وقف قدامهم.
قال:
“أنا أنقذتكم يومها عشان ده الصح. مش عشان مقابل.
والنهارده… مش هاخد قرار عشان عرف أو ضغط.”
وقف لحظة.
وبعدين قال:
“بس لو هنبقى مع بعض… يبقى باختيارنا كلنا. مش عشان دين قديم.
واللي يدخل بيتي… يدخل على اسمي وشرفي.
ومش هسيب حد يقربلكم طول ما أنا عايش.”
الأولى ابتسمت.
التانية أومأت.
التالتة قالت بهدوء:
“إحنا جينا نعرض… مش نفرض.”
في اللحظة دي، مراد فهم.
الرجوع ما كانش بس عشان جواز.
كان عشان يردوا الجميل بطريقة القبائل:
تحالف د.م.
الجبل ما بيعيش فيه حد لوحده.
يا عندك ناس…
يا تبقى فريسة.
مراد مد إيده للنار، خد حفنة تراب، وحطها على كفه.
قال:
“الجبل شاهد.
لو اخترنا نمشي سوا… نمشي بكرامة.”
ومع أول خيط نور،
اتسمع صوت بعيد.
مش صرخة.
مش مطاردة.
طبول.
القبيلة المعادية عرفت.
والمرادي، الحرب ما كانتش على تلات ستات بس.
كانت على راعي غنم قرر يبقى شيخ جبل.
القصة ما خلصتش هنا…
دي كانت البداية.
صلي على محمد وآل محمد 🤍
ونكمل للآخر…
صوت الطبول كان بيقرب.
مش استعجال… مش فوضى.
خطوات حرب منظمة.
مراد وقف قدام البيت الصغير بتاعه، والجبال حواليه شاهدة.
بص للتلاتة وقال بهدوء:
“اللي جاي مش سهل. لو رجعتوا دلوقتي تقدروا تلحقوا حدود قبيلتكم.”
الأولى هزت راسها:
“إحنا ما رجعناش عشان نهرب.”
التانية قالت:
“إحنا اتربينا على السيف.”
التالتة قربت خطوة:
“بس اخترنا نيجي بالقلب.”
مراد لأول مرة حس إنه مش لوحده قدام العاصفة.
في أقل من ساعة، ظهر رجال القبيلة المعادية على أطراف الوادي.
واقفِين صف طويل، سيوفهم بتلمع تحت الشمس.
الزعيم كان قدامهم، راجل كبير، عينه ثابتة.
صاح بصوت جهوري:
“سلّم النسوة… ونسيبك تعيش.”
مراد نزل من على عتبة بيته، حط البندقية على كتفه، وقال:
“اللي يدخل بيتي يبقى في حمايتي.”
الزعيم ضحك ضحكة قصيرة:
“راعي واحد قدام قبيلة؟”
مراد رد بثبات:
“راعي واقف أحسن من قطيع راكع.”
الجملة وقعت في الوادي زي حجر في بير.
اللحظة كانت قابلة تنفجر…
لكن قبل ما السيوف تتحرك، حصل اللي محدش كان متوقعه.
الأولى من الستات تقدمت قدام مراد.
رفعت يدها في الهوا، ونادت بصوت عالي بلغة القبائل.
الكلام كان واضح:
“الد.م اللي ينسف التحالف… يرجع على صاحبه.”
الزعيم وقف.
الناس وراه همسوا.
مراد ما كانش فاهم كل الكلمات،
بس فهم إن في حاجة اتغيرت.
التانية طلعت قلادة قديمة من رقبتها، فيها علامة تحالف قديم بين القبيلتين.
قالت بصوت ثابت:
“يوم ما أنقذنا… كان يقدر يبيعنا.
ما عملش.
ده شرف ما يتك.سّرش.”
التالتة كملت:
“واللي يحارب راجل شريف… يخسر هيبته.”
الصمت نزل فجأة.
الزعيم بص لمراد…
مش كعدو.
كراجل.
قال بعد لحظة طويلة:
“لو اخترتنوه… يبقى اختياركن.
لكن من النهارده… هو مسؤول عنكن قدام الجبل كله.”
مراد رد من غير تردد:
“وأنا قدها.”
القبيلة انسحبت.
مش هزيمة…
لكن اعتراف.
الطبل سكت.
الهوا رجع يتحرك طبيعي.
مراد لف وبص للتلاتة.
اللحظة دي كانت فاصلة.
قال بهدوء:
“الجواز مش دين يتسدد.
ولا حماية مقابل حماية.
لو هنبقى عيلة… يبقى باختيار، ومودة، وعدل.”
الأولى ابتسمت:
“نحن جئنا نختار.”
التانية قالت:
“مش نُختار.”
التالتة مدت إيدها:
“والاختيار تم.”
بعد شهور، بيت مراد ما بقاش صغير.
بقى بيت مفتوح، نار ما بتطفيش، وضحكة بتتعالى بين الجبال.
ما كانش الموضوع قصة راجل اتجوز تلاتة.
كان قصة راجل بطل يعيش لنفسه بس.
الستات ما كانواش ظل في حياته.
كانوا شركاء.
واحدة تدير الأرض.
واحدة تعرف طب الأعشاب.
واحدة عندها حكمة تفاوض بيها القبائل.
الوادي اللي كان زمان مسرح مطاردة…
بقى ساحة سوق مشترك.
القبيلتين عملوا هدنة.
وبدأوا يتاجروا بدل ما يتحاربوا.
مراد فهم حاجة متأخر شوية:
أوقات الشجاعة مش إنك تضر.ب النا.ر.
الشجاعة إنك تك.سر دايرة الد.م.
بعد سنة، وهو واقف على نفس الهضبة اللي سمع فيها أول صرخة،
بص للوادي.
ما فيش صراخ.
في صوت أطفال بيلعبوا.
ابتسم.
القرار اللي خده يومها ما كانش بس إنقاذ.
كان بداية عهد.
مراد الهلالي ما بقاش مجرد راعي.
بقى رمز.
راجل اختار يدخل النار…
فحوّلها لنور.
والحكاية دي اتقالت بعد سنين حوالين نار السمر،
مش عن حرب…
لكن عن وعد اتنفذ.
صلي على محمد وآل محمد
تمت


تعليقات
إرسال تعليق