القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 تاخرت الحقيقه



تاخرت الحقيقه

 

أحضرتُ هاتف زوجي إلى محل التصليح بعد ثلاثة أشهر كاملة من ۏفاته… ثلاثة أشهر كنتُ أتعامل فيها مع الهاتف كأنه قطعة من روحه. لم أجرؤ على لمسه. كان في درج خزانتي، ملفوفًا في منديل أبيض، كأنني أخشى أن أؤذيه إن اقتربت، أو كأن الشاشة المکسورة تخبئ شيئًا لا أريد رؤيته.


يوم الحاډث، سقط الهاتف من جيبه وهو يُنقل إلى سيارة الإسعاف. الشاشة تحطمت، وبقي الجهاز صامتًا منذ ذلك الوقت. لم أشحنه، لم أفتحه، لم أسمح لنفسي حتى أن أتساءل عمّا بداخله. كنت أقول إن الذكريات تكفيني… ولا حاجة لي بما قد يوقظ وجعًا جديدًا.


لكن حماتي كانت تحتاج هاتفًا. هاتفها قديم بالكاد يعمل، وهي لا تستطيع شراء آخر. ظلّت الفكرة تراودني: لماذا لا أصلح هاتفه وأعطيه لها؟ يبقى شيء منه قريبًا منها… بدل أن يبقى حبيس درجٍ مظلم.


في ذلك الصباح، شعرتُ بشيء من القوة.


أخرجتُ الهاتف، مسحتُ عنه الغبار، ولمحتُ انعكاس وجهي على زجاجه المكسور. بدا وجهي أكبر سنًا من ثلاثة أشهر فقط. الحزن يسرق العمر بسرعة.

دخلتُ محل التصليح بقلب ثقيل. المكان صغير، في طابق شبه سفلي، رائحة الأسلاك الساخنة تملأ الهواء. جلس الفني خلف طاولة خشبية، رجل هادئ في منتصف الأربعينيات، نظارته السميكة تمنحه ملامح صارمة رغم صوته اللطيف.


أعطيته الهاتف دون شرح طويل. قلت فقط:

— الشاشة مکسورة… أريد إصلاحها.


تفحصه بدقة وقال:

— الأمر بسيط، نغيّر الشاشة وينتهي الموضوع. ساعة بالكثير.


جلستُ على كرسي بلاستيكي أراقب حركته وهو يفك الجهاز قطعةً قطعة. كم مرة رأيتُ زوجي يمسك هذا الهاتف ويبتسم؟ كم مرة قال لي إنه مشغول في العمل وهو ينظر إلى هذه الشاشة؟ هززتُ رأسي. لا… لا أريد أن أزرع الشك في قلبٍ لا يحتمل المزيد.


بعد أربعين


دقيقة تقريبًا، ركّب الشاشة الجديدة. وصل الهاتف بالشاحن، ثم ضغط زر التشغيل.

ظهر الشعار… ذلك الصوت الخاڤت الذي كنت أسمعه كل صباح حين يوقظه المنبّه. شعرتُ بشيء يخنق صدري.


ثم… اهتز الهاتف فجأة.


نظر الفني إلى الشاشة، وتغيّر وجهه. لم يعد محايدًا. شحب قليلًا، ثم رفع عينيه نحوي.


— هل هناك مشكلة؟ سألتُ، وصوتي بالكاد خرج.


تردد لحظة، ثم قال:

— ظهرت رسالة فور التشغيل… لم أقصد الاطلاع، لكنها انفتحت مباشرة.


مدّ لي الهاتف.


على الشاشة إشعار برسالة جديدة من رقم غير محفوظ. اسم جهة الاتصال… مجرد رمز قلب أحمر.


فتحتُ الرسالة.


“حبيبي… اشتقتُ إليك. لماذا لم تأتِ منذ فترة؟ أنت تعلم أنني لا أحتمل غيابك. أرجوك تعال. أنا أنتظرك.”


توقف الزمن.


شعرتُ وكأنني أُسحب إلى مكان بعيد جدًا. لم أعد أسمع صوت المكيف، ولا ضجيج الشارع فوقنا.


فقط دقات قلبي.

أنا الزوجة.


إذًا كان هناك أخرى؟


الرسالة بتاريخ قبل الحاډث بأيام قليلة. ليست قديمة، ليست من زمنٍ مضى وانتهى. كانت حديثة… حيّة… مستمرة.


هل كان في ذلك اليوم الذي قال إنه سيعود مبكرًا… ذاهبًا إليها؟

هل كان يبتسم وهو يقرأ كلماتها؟

هل كانت آخر رسالة قرأها في حياته منها… وليست مني؟


شعرتُ بدوار. أمسكتُ بالطاولة كي لا أسقط. ثلاثة أشهر وأنا أبكيه. ثلاثة أشهر أواسي أطفالي وأخبرهم أن أباهم كان يحبنا أكثر من أي شيء. ثلاثة أشهر أكرر أن الحاډث قضاء وقدر… وأنه كان في طريقه إلى المنزل.


لكن ماذا لو لم يكن في طريقه إلينا؟


أغلقتُ الهاتف ببطء. لم أبكِ. الألم كان أكبر من الدموع.


خرجتُ من المحل خطوة… ثم توقفت. شيء داخلي لم يهدأ. عدتُ.


— ممكن أشوف سجل المكالمات؟ سألتُ.


ناولني الهاتف دون تعليق.


فتحتُ السجل.


القلب الأحمر موجود. آخر مكالمة منه قبل الحاډث بساعتين فقط.

 ترددتُ… ثم ضغطتُ اتصال.


رنّ مرة… مرتين…


ثم جاء صوت امرأة:

— ألو؟


لم يكن صوتًا واثقًا أو لعوبًا كما تخيلتُ. كان صوتًا متعبًا… مكسورًا.


قلتُ دون مقدمات:

— لماذا كنتِ تنتظرينه؟


صمتٌ طويل. شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.


ثم قالت بهدوء مرتجف:

— أنا أخته.


تجمد الډم في عروقي.


— ماذا؟!


— أخته غير الشقيقة… من والده. لم يكن أحد يعلم. لم أعرفه إلا منذ عام تقريبًا. عرفتُ من أمي قبل ۏفاتها.


لم أستطع الرد.


— لماذا القلب؟ لماذا هذه الكلمات؟ سألتُ بحدة.


بكت.


— لأننا اتفقنا أن لا أحفظ اسمي الحقيقي.


كان ېخاف أن ترَي الرسائل وتسيئي الفهم. لم يكن مستعدًا لإخبارك حتى يتأكد من كل شيء.

صوتها كان ينهار.


— أين هو؟ لماذا لا يرد عليّ؟ كنتُ أراسله منذ أيام…


ابتلعتُ ريقي بصعوبة.

— هو… ټوفي في حاډث منذ ثلاثة أشهر.


سقط الهاتف من يدي. التقطه الفني بسرعة وأعاده إليّ.


لم تكن هناك خېانة.


لم تكن هناك امرأة أخرى.


كان هناك سر عائلي ثقيل… كان يحاول التعامل معه وحده حتى يجد اللحظة المناسبة.


جلستُ وبكيت. لكن هذه المرة لم يكن بكاء الغدر… كان بكاء الندم.


كم لحظة كرهته في قلبي منذ دقائق؟

كم ذكرى شوّهتها


بالشك؟

كم صورة حطمتها بلا دليل؟

اتصلتُ بها مرة أخرى.


— لماذا لم تخبريني من البداية؟ سألتُ.


قالت بصوت خاڤت:

— لأنني مريضة… سړطان في المرحلة الثالثة. هو الوحيد الذي كان يعرف. كان يساعدني في تكاليف العلاج سرًا. لم أرد أن أكون سبب مشكلة في بيته. كنتُ فقط… أريد أن أعرف أخي قبل أن أموت.


اختنق صوتها.


— كنتُ أكتب “اشتقتُ إليك” لأنني كنتُ أخاف أن يختفي فجأة من حياتي… كما اختفى سنوات طويلة.


شعرتُ بطعڼة جديدة… لكنها ليست ضده. بل ضدي أنا. الرجل الذي ظننتُه خائنًا كان يحاول جمع عائلة مکسورة. كان


يحمل عبئًا وحده… حتى لا يربكني.

أغلقتُ الهاتف ببطء، ونظرتُ إلى صورته على الشاشة الجديدة. ابتسامته الهادئة كما أعرفها.


همستُ:

— سامحني.


خرجتُ من المحل وأنا أحمل الهاتف… لكن لم أعد أحمل شكًا. كنتُ أحمل سرًا جديدًا… مسؤولية جديدة.


في المساء، جلستُ مع أطفالي.


قلتُ لهم:

— اليوم اكتشفتُ أن لديكم عمة.


نظروا إليّ بدهشة، وبدأتُ أحكي لهم بهدوء، دون تفاصيل تؤلم، فقط الحقيقة التي تستحق أن تُروى.


ولأول مرة منذ ثلاثة أشهر… شعرتُ أن مۏته لم يكن النهاية.


بعض الحقائق تأتي متأخرة… لكنها تعيد إلينا


الإيمان بمن أحببنا.

أحيانًا لا تبدأ الخېانة بعد الرحيل…


بل يبدأ الفهم.


 تمت 

تعليقات

التنقل السريع
    close