رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثالث وخمسون 53بقلم سيلا وليد حصريه
رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثالث وخمسون 53بقلم سيلا وليد حصريه
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
يقولون "المتهمُ بريءٌ حتى تثبت إدانته"، لكنهم في حضرتي نصّبوا أنفسهم قضاةً وجلادين، دون بيّنة أو دليل.
ألقوا بظنونهم فوق كاهلي، وما علموا أن صمتي ليس اعترافاً، بل هو ترفعٌ عن ضجيجٍ لا يفهم لغة الحق.
فمن منحهم حق النطق بالحكم في محرابِ حياتي التي لم يسكنوها يوماً؟
أما عنكِ..
فقد كنتُ أظن أن المسافات تروض النبض، وأن البُعد ترياقٌ يُميت الهوى فينا تدريجياً. لكنني أدركتُ بكامل وجعي أن البُعد لا يقتل الحب، بل يتركه حياً ليتلذذ بتعذيبنا.
أقفُ مغلوباً بين نارين:
أن أتركها ترحل وهي تظنني ظالماً، أو أن أكسر قلبها وأخبرها بأنّ الحلم الذي تنتظره مني.. مات فيّ قبل أن يولد.
1
يا وجع قلبي، حين يصبح الفراق هو الحل الوحيد لسرٍّ لا أملك شجاعة النطق به."
2
قبل شهر...
عادت ضي إلى منزلها بعد حديثها مع والدها، دلفت إلى الداخل تتفحَّص أرجاء البيت وكأنَّها كانت غائبة عنه أعوامًا لا ليلة واحدة..شعور غريب بالوحشة تسلَّل إلى صدرها، كأنَّ الجدران نفسها تغيَّرت في غيابها.
استقبلتها الخادمة فور دخولها:
_ مدام ضي.
التفتت إليها، فاقتربت الخادمة قائلة بتردُّد:
_ كنت عايزة أنضَّف مكتب الدكتور... نسيت أستأذنه، وخايفة يكون فيه ورق أو حاجة مهمَّة.
تنفَّست ضي بهدوء وقالت:
_ هدخل أشوفه...لو فيه حاجة مهمَّة سيبيه لمَّا يرجع.
_ حاضر.
استدارت ضي ودلفت إلى الداخل، أوَّل مااستقبلها كان عبق رائحته...تلك الرائحة التي تحفظها جيِّدًا، فارتعش قلبها دون أن تشعر..وقعت عيناها على الأريكة، فتقدَّمت ببطء تتفحَّصها.
_ معقول يكون نام هنا؟
همست بها وهي ترفع الوسادة الساقطة على الأرض، طافت على أجهزته وأدواته الطبيَّة المرتَّبة بعناية، ثم اتَّجهت نحو مكتبه.
جلست على مقعده...تردَّدت لحظة، ثم فتحت جهازه، أضاءت الشاشة بصورةٍ لها، تبتسم بثقة وهي تمتطي جوادًا في إحدى عطلات نهاية الأسبوع داخل مزرعة الخيول الخاصَّة بوالدها.
ابتسمت رغماً عنها...قلَّبت بين الصور، فوجدت الكثير من الصور له كذلك. صور عفوية، ضحكات، ارتجف قلبها بسعادةٍ خفيَّة، إحساس دافئ تسلَّل إلى صدرها...
لكن ابتسامتها تلاشت حين وقعت عيناها على جملةٍ مدوَّنة أعلى الصور:
"ليتها تكون لي الحياة...هناك مايؤلم الصدر دون البوح."
قطّبت جبينها، وهمست بحيرة:
_ يعني إيه؟.
عادت تقلِّب في الجهاز..وجدت مقالات طبيَّة كثيرة، ملفات مرتَّبة بدقَّة، لا شيء يجيب على سؤالها. شعرت بثقلٍ على صدرها، تذكَّرت مذكَّراته، بحثت عنها لكي يطمئنَّ قلبها، لكنَّها لم تجد شيئًا.
أغلقت الجهاز ببطء، ونهضت من مكانها.
صعدت إلى الأعلى، دلفت للحمَّام دقائق وخرجت متَّجهة إلى الغرفة، لم تتوقَّع وجوده...فقد عاد وهي بالداخل.
كانت شاردة لم تنتبه لوجوده، ومع خروجها من الحمَّام اصطدمت به فجأةً فشهقت.
حاوطها بذراعه سريعًا قبل أن تفقد توازنها.
_ اهدي...أنا.
ارتفعت أنفاسها، اتَّسعت عيناها ثم مالبثت أن هدأت حين أدركت أنَّه هو. دفنت رأسها في صدره كأنَّها احتمت به من خوفٍ لم يدم إلَّا لحظة.
_ خوِّفتني، ماكنتش أعرف إنَّك جيت.
تصلَّب جسده للحظة..حاول أن يبتعد قليلًا، لكنها تمسَّكت به أكثر، أحاطت خصره بذراعيها، ورفعت وجهها تنظر إليه بعتابٍ دافئ:
_ منمتش في السرير ليه؟
أجاب بهدوءٍ متعمَّد:
_ كنت بشتغل...وغلبني النوم على الكنبة.
رفعت كفَّيها إلى وجهه تتحسَّسه:
_ زعلان علشان كلامي ونومي عند بابا؟.
صمت، عيناه كانتا تخونانه، وقلبه يصرخ أن يضمَّها بقوَّة، أن يدفن وجهه في شعرها وينسى كلَّ شيء...لكنَّه تذكَّر كلماتها، وتذكَّر سرِّه، فتراجع خطوة داخل نفسه.
وقفت على أطراف أصابعها، طبعت قبلةً خفيفةً قرب وجنته، وهمست بصوتٍ يختلط فيه الشوق بالعتاب:
_ وحشتني أوي...
تعلَّقت بعنقه وأكملت:
-_وأنا زعلانة منَّك كمان...لمَّا أنا مجتش، ليه مجتش أخدتني؟
أنزل ذراعيها برفق، واتَّجه نحو الخزانة.
فهمت أنَّه مازال يحمل شيئًا في صدره.
اقتربت منه واحتضنته من الخلف، أراحت خدَّها على ظهره وهمست:
- يوسف...متزعلش منِّي، أنا كنت مضَّايقة وقلت أي كلام.
إنتَ عارف إنِّي بحبَّك قدِّ إيه... وموضوع الأطفال ده من حبِّي فيك، مش عليك.
تجمَّد في مكانه.
تلك الكلمة التي تقهره "الأطفال"... سقطت على قلبه كحجرٍ في ماءٍ راكد.
أغمض عينيه لحظة، وكأنَّ صدره يضيق بالحقيقة التي يخفيها.
التفت إليها ببطء..وعيناه تحملان وجعًا لم تفسِّره بعد.
إنتِ قولتي مابقتيش تثقي فيَّا...
اهتزَّ صوته رغم هدوئه.
لمعت عيناها بالدموع، وكأنَّ الكلمة جرحتها قبله.
-_لأنَّك بتخوِّف...بس ده مايمنعش إنِّي بعشقك، ومقدرش أعيش من غيرك.
دايمًا عندي إحساس إنَّك هتسيبني... فجأة كده وتختفي.
رفع ذقنها بأنامله، نظر في عينيها طويلًا...نظرة رجلٍ يخشى أن يُفضح قلبه.
ابتسم ابتسامةً صغيرة متعبة:
_ أنا بحبِّك...ونفسي أسعدك.
وأتمنَّى يبقى عندنا أطفال، بس كلُّه بأمر الله.
خرجت كلماته ثقيلة...كأنَّ كلَّ حرفٍ كان يمرُّ على جرحٍ لا يندمل.
ظلَّت تنظر إليه بصمت، تبحث خلف عينيه عن شيء لم تفهمه.
انحنى، وطبع قبلةً هادئة فوق جبينها، كأنَّها اعتذار غير معلن.
_ عايز أنام...منمتش إمبارح.
لو حابَّة تنزلي تحت، أو تروحي عند بابا...
قاطعتْه بسرعة:
_ لا...أنا كمان منمتش، معرفتش أنام وأنا بعيدة عن حضنك.
ابتسم رغم الألم:
_ كده حضني بقى غالي ولازم له مقابل؟
همست بصدقٍ أذاب ماتبقَّى فيه من مقاومة:
_ حياتي كلَّها ملكك...وإنتَ عارف.
لمعت عيناه...لكن ليس من السعادة فقط.
كان الألم يختلط بالحب، والخوف يلتفُّ حول قلبه كقبضةٍ لا ترحم.
رفع أنامله على وجنتها، يلمسها بحنانٍ عميق:
_ نفسي أسعدك أوي...
قالها بصوتٍ أقرب للدعاء.
_ سعادتي في حضنك...مش عايزة غيره.
اقترب منها، قبَّلها قبلةً لم تكن مجرَّد شوق.
كانت محاولةً يائسة ليُسكت خوفه،
ليُقنع نفسه أنَّ اللحظة تكفي، أنَّ الحبَّ وحده قد يكون كافيًا.
احتواها بين ذراعيه بشدَّةٍ لم تعهدها،
كأنَّها إن أفلتت منه لحظة ستضيع للأبد.
غلبها التعب، واستسلمت للنوم بين ذراعيه...أنفاسها هادئة، مطمئنة، تثق به حدَّ البراءة.
أمَّا هو...فبقي مستيقظًا، عيناه في السقف،
وقلبه يغرق في كلماتها.
"موضوع الأطفال..."
الكلمة دارت في رأسه كجرس إنذار.
تذكَّر حلمها...ضحكتها وهي تتحدَّث عن بيتٍ مليءٍ بالصغار، تذكَّر خوفها من أن يتركها...ابتلع ألمه بصمت.
كيف يخبرها أنَّ خوفها الحقيقي ليس أن يتركها...بل أن يبقى عاجزًا أمام أمنيتها؟
ضمَّها إليه أكثر، كأنَّ قربها يعوِّض عجزه.
همس في ظلام الغرفة:
"سامحيني..."لم تسمعه.
لكنَّ قلبه ظلَّ يعتذر حتى غلبه التفكير،
وغفا...وقلبه مثقلًا بحبٍّ أكبر من احتماله.
استيقظت بعد فترة، نظرت لنومه الهادئ، كان كالأطفال، مرَّرت يدها على وجهه، متنهِّدة بعشقه الذي أصبح كالدمِ في الوريد..اقتربت من أنفاسه، وأغمضت عيناها تهمس:
_أنا بحبَّك أوي يا يوسف، مجنونة بيك.
قبلة سريعة شعر بنعومتها، سحبها بقوَّة لأحضانه وهو يقول ومازال مغمض العينين:
_بتعاكسيني وأنا نايم، طيب عايز وأنا صاحي..
ضحكت بصوتٍ مرتفع وهو يداعبها:
_بس بقى أنا بغير، فتح عيناه على ابتسامتها:
_عايزك على طول بتضحكي يا ضي.
نظرت نظرة تعني الكثير:
_أنا بحبَّك أوي يا يوسف، بقيت مجنونة بيك على رأي بابا وسعادتي في حضنك.
سحب رأسها إلى أن تشابكت أنفاسهما:
_بحبِّك لدرجة خايف أغمَّض عيوني مش ألاقيكي جنبي.
دفنت نفسها بأحضانه وحاوطت جسده:
_أنا مستحيل أبعد عنِّك أوعدك، لأنِّي مقدرش أتنفِّس وإنتَ بعيد عنِّي.
داعب أنفها بأنفه وأخيرًا تجلَّت ابتسامة من القلب:
_ولا أنا يالي سحبتي أنفاسي وحياتي، كان مالي ومال الحب.
_يعني مكنتش عايز تحبِّني يا دكتور؟
_تؤ..قالها وهو يقترب يحتضن ثغرها يهمس من بين أنفاسه:
_إنتي عشقي ضي القمر.
1
بمنزل يزن..
ظلَّت غارقة في نومٍ ثقيل، تهرب من واقعها المؤلم أكثر من قدرتها على الاحتمال.
دلفت رحيل إليها عدَّة مرَّات، وقفت جوار الفراش، تأمَّلتها بحزنٍ عميق،
خرجت رحيل إلى غرفة المعيشة، وجدت كريم وآسر يجلسان مع يزن، يتبادلون الحديث حول مافعله بلال. كان التوتُّر يملأ المكان كدخانٍ خانق.
قال كريم بحدَّة:
_بس دا غلط يا يزن، إزاي يعمل كدا؟
ردَّ يزن بصوتٍ متعب:
_لأنُّه مكنش جواز من الأوَّل يا كريم... إنتوا عرفتوا السبب، الجواز كان سنة اتِّفاق علشان اللي عملته رؤى.
تمتمت رحيل بغيظٍ لم تستطع كتمانه: _ربِّنا مايرحمها، لا ريَّحتنا وهيَّ عايشة ولا وهيَّ ميتة.
رمقها يزن بنظرةٍ غاضبة جعلتها تهزُّ رأسها صامتة، لكنَّها عادت تقول:
_إيه، مش هيَّ سبب البلاوي دي..
مين السبب ورا دا كلُّه؟
تردَّد كريم قليلًا ثم قال:
_ممكن أقول حاجة؟...اللي فهمته إنِّ الجواز مش جواز...يعني الموضوع كان فرض إجباري.
ومن كلام آسر، بلال متورِّط، وقضايا للبنت اللي اتجوِّزها، وآخرهم اتِّهامها بسرقة مجوهراته.
أومأ آسر مؤكِّدًا:
_أنا فعلًا افتكرت بلال بيكدب على كلام رولا..روحت سألت على البنت دي... وفعلاً كانت بترتِّب ورق علشان تسافر، لكن طليقها مقدِّم فيها كام قضية مانعينها من السفر.
قطب كريم حاجبيه:
_طيب ليه بلال بالذات، وليه مش طلَّقها لحدِّ دلوقتي؟
أجاب آسر:
_اللي عرفته شغَّالة في المستشفى، وقريبة من بلال، معرفش طبيعة العلاقة بينهم، اللي فهمته ماطلقهاش علشان القضية لسه شغَّالة وماسقطتش، ولولا تدخُّل عمُّو أرسلان كانت البنت اتفضحت..طليقها رتَّب كلِّ حاجة صح...الشغَّالين وأهل العمارة كلُّهم شهدوا ضدَّها، والمنجى الوحيد إنَّها فعلًا متجوزة.
تنحنح كريم وقال محاولًا التهدئة:
_يزن، أنا شايف الموضوع كلُّه مايزعَّلش، الأوَّل الجواز كان اتِّفاق، وكدا كدا كان جواز لظروف، وإنتوا عارفين إنُّهم هيطلَّقوا.
رفع يزن رأسه، وعيناه تشتعلان ألمًا:
_بس بلال ماقالش يا كريم...جه وقالِّي عايز أكمِّل مع بنتك ومش هطلَّقها، وقال خلاص راضي بنصيبي...وهوَّ بيحبَّها من زمان.
ربت كريم على ساقه مواسيًا:
_طب كلامك دا معناه إنُّه خانها.
تنهَّد يزن بوجع:
_أنا مش زعلان من بلال، هوَّ كان حاكِيلي كلِّ حاجة..أنا زعلان من بنتي... اللي اتغيَّرت ومبقتش عارفها، إزاي وصل بيها الحال إنَّها تهينه بالطريقة دي؟
ردَّ كريم بهدوء:
_اعذرها يا يزن...
مرَّر يزن يده على وجهه بعنفٍ مكتوم: _مش قادر أواجه حد من العيلة... وخصوصًا إلياس وأرسلان، عارفين سبب الجواز.
التفت فجأةً إلى رحيل، وقال بصوتٍ منخفض:
_كنتي تعرفي إنِّ رولا سقَّطت البيبي؟
خرجت زفرة حارقة من صدر رحيل، واهتزَّ رأسها نفيًا، بينما لمع الدمع في عينيها:
_هعرف منين بس؟ أنا حسِّيتها متغيَّرة من يوم مارجعت، بس قولت يمكن متخانقة مع بلال...
اشتدَّ غضبه حتى بدا كأنَّه سيقتلع جلده من وجهه، في تلك اللحظة وصلت الخادمة:
_إلياس باشا جه يا باشمهندس.
دخل إلياس ملقيًا تحيَّة المساء..
نظر يزن إلى رحيل:
_رحيل، اعملي قهوة لإلياس.
نهضت رحيل إلى المطبخ، وخلفها إيمان.
بادر إلياس بالسؤال:
_إيه اللي حصل إمبارح يا يزن؟
ردَّ يزن باقتضاب:
_نصيب يا إلياس.
تدخَّل آسر:
_عمُّو إلياس، تعرف إيه عن طليق الستِّ اللي متجوِّزها بلال؟
نظر إلياس إليهم جميعًا قبل أن يقول: _يزن، بلال مش متجوِّز البنت دي علشان تبقى عارف، الموضوع مش زي ماإنتوا متخيِّلين.
ردَّ يزن بهدوءٍ مثقل:
_عارف...هوَّ قالِّي.
_طيب لمَّا إنتَ عارف، ليه اللي حصل دا؟ تساءل بها إلياس.
_أنا متفاجئ زيَّك، معرفتش غير من يوسف.
ردَّ إلياس بصرامة:
_عايز أتكلِّم مع رولا لو سمحت.
وصلت رحيل تشير للخادمة بوضع القهوة، ثم قالت بهدوءٍ :
_رولا نايمة يا إلياس، ومن الأفضل محدش يتكلِّم معاها دلوقتي، لأنَّها مش هتسمع.
التفت إليها بإصرار:
_لازم تفهم سوء الفهم اللي حصل. هيَّ فاكرة إنُّه اتجوز عليها جواز حقيقي.
أغمضت رحيل عينيها لحظة، ثم قالت بألمٍ صادق:
_صدَّقني مش هتفرق معاها...هوَّ اتجوز، الكلمة نفسها بتوجع أوي..
كان المفروض يعرَّفها، وهيَّ تختار.
أجابها ببعض الحدَّة:
_مدام رحيل، وإيه يعني لو اتجوِّز مثلًا، هل دا يديها الحق تقتل جنينها..إيه يا مدام رحيل، كلِّ واحدة تتخانق مع جوزها تقتل ابنه؟
ارتجفت رحيل من قسوة كلماته وقالت محاولةً التماسك:
_دي مش خناقة، وبعدين مش قصدي كدا يا إلياس، أنا قصدي إنَّها دلوقتي مجروحة.
_وأنا عايز أفهم، المجروحة دي إزاي جالها قلب تقتل ابنها، ومين الدكتورة اللي عملت كدا؟
وقبل أن يجيبه أحد، دوى صوت رولا من خلفهم، مرتعشًا لكنَّه مشتعِل:
_ابني وأنا حرَّة فيه، محدش له دعوة.
التفت الجميع إليها..
رمقها يزن بتحذير، ولكنَّها اقتربت من إلياس بوجهٍ شاحب، عيناها حمراوتان من بكائها الكثير، لكنَّ نظرتها كانت متحدِّية...موجوعة...ومنكسرة في آنٍ واحد.
اقتربت بخطواتٍ بطيئة، وقالت وهي تنظر مباشرةً إلى إلياس:
_لو بنتك حصل معاها كدا، كان دا هيكون كلامك؟
نهض إلياس محاولًا احتواء الموقف: _تعالي يا رولا أقعدي...عايز أتكلِّم معاكي.
تراجعت خطوة، وابتسمت بسخرية باهتة:
_لمَّا تجيبلي حقِّي من ابن أخوك.
قطب جبينه:
_حقِّك!! اللي هوَّ إيه يا رولا؟ عايز أعرفه قدَّام أبوكي وأخوكي.
انفجرت الكلمات من صدرها:
_إنُّه ضحك عليَّا يا عمُّو...كذب عليَّا وخانِّي...وراح اتجوز عليَّا في أوَّل أسبوع جواز.
ساد صمتٌ ثقيل.
فردَّ الياس بصوتٍ منخفض لكنَّه صارم:
_حتى لو اللي بتقوليه صح...ينفع تقتلي ابنه؟
صرخت، والدموع تنهمر:
_لا...مش ابنه!
شهقت رحيل، واقتربت منها تحاول احتضانها:
_حبيبتي ممكن تهدي، ولاحظي إنِّ اللي بتكلِّميه دا عمِّك...مش صحابك.
أزاحت يدها بعنف، ومسحت دموعها بقسوة:
_عمامي وأبويا اللي اتَّفقوا عليَّا؟!وعملوا من جوزي بطل على حسابي!
قاطعها آسر بصوتٍ مكسور:
_يا بنتي افهمي بقى، بلال متجوِّزش.
وضعت يديها على أذنيها:
_مش عايزة أسمع اسمه هنا، اتجوِّز ولا مااتجوِّز أنا مش فارق معايا.
أنا كلِّ اللي يهمِّني دلوقتي...حقِّي منُّه.
انخفض صوتها في الجملة الأخيرة، من كرامةٍ جُرحت، وقلبٍ لم يعد يثق بأحد.
اقترب إلياس منها ببطءٍ محسوب، حتى صار على بُعد أنفاسٍ منها.
غرز عينيه في عينيها وقال بصوتٍ منخفض لكنُّه مخيف:
_طب اسمعيني يا بنت يزن، أنا من إمبارح ساكت وقلت حقِّك.
ازداد اقترابه، حتى شعرت بثقل حضوره يخنقها.
_صراخك ودموعك دول مايشفعوش لك عندي..عارفة ليه؟ لأسباب كتيرة..
أوَّلها لمَّا روحتي للحيوانة ورميتي ودنك معاها مرَّة واتنين من ورانا.
وثانيًا، لمَّا نزِّلتي الجنين ومش من حقِّك تعملي كدا..وممكن أخلِّيه يحبسك فيها.
تقدَّم خطوةً أخرى، وصوته يزداد صرامة:
_وأعرَّفك اللي مش راجل هيعمل إيه.
رفعت ذقنها بعنادٍ مهتز:
_ماشي...خلِّيه، وأنا منتظرة أهو.
وقف آسر بينهما:
_عمُّو إلياس لو سمحت...
لوَّح إلياس بيده دون أن ينظر إليه:
_اسكت يلا، ثم قال:
_أنا مش هتكلِّم علشان مش من حقِّي، بنتك غلطت يا يزن..متهوِّرة لدرجة تقتل ابنها..ثم عاد يواجهها:
_تعرفي؟ أنا مشفق عليكي، شايف نسخة من واحدة عمري ماكرهت حد قدَّها...كأنِّك في توب عمِّتك يا بنت يزن، ولو بنتي عملت كدا كنت اتبرِّيت منها.
في نظري تبقى جاحدة...نسيت نعم ربِّنا عليها، ووصل بيها الحال تقتل ابنها.
اقترب حتى صار أمامها مباشرة:
_أنا لمَّا عرفت اللي عمله، أخدت حقِّك منُّه، حتى وجوازكم مكنش له أصل.. تعرفي رد عليَّ وقال إيه؟
قال: "اللي اتهمتيه إنُّه مش راجل... ومش طموحاتك."
قال : "أصعب حاجة لمَّا تكون مرفوض من اللي بتحبُّه...مستعد أدوس على كرامتي بس هيَّ ماتتوجعش."
صمت لحظة، ثم أردف بقسوة:
_ردِّي عليَّ يا بنت يزن...دا كلام واحد عايز يخون؟
فين عقلك، في واحدة عاقلة تقول لجوزها لو راجل طلَّقني؟
انسابت دموعها بغزارة، وهمست بصوتٍ مكسور:
_مكنش قصدي...
في تلك اللحظة، دخل يوسف ملقيًا السلام.
استدارت إليه بسرعة، وقلبها يهفو إليه كالغريق الذي يبحث عن طوق نجاة.
تمنَّت...فقط كلمة..نظرة..أي شيء يطمئنها عنه.
لكنَّه رمقها بنظرةٍ جانبيَّة باردة، ثم اتَّجه إلى يزن:
_خالو، بلال بيعتذر لحضرتك إنُّه مكنش قدِّ ثقتك، وبعت معايا دي.
التفتت الأنظار إلى الورقة في يده..
مدَّ يزن يده المرتجفة وأخذها.
قرأ السطور، وتثاقل الهواء في صدره.
أغمض عينيه، وتردَّد في أذنيه صوت بلال ليلة الأمس:
_آسف يا عمُّو...أنا ورولا مبقاش ينفع نكمِّل، كدا كدا طلَّقتها..بكرة هبعت لها ورقة الطلاق، مش عايز أوجعها أكتر من كدا.
خلِّيها تسامحني...مكنتش الراجل اللي اتمنِّته.
_أنا معرفش إيه اللي حصل بينكم... ارجع البيت يا حبيبي وخلِّينا نتكلِّم.
_آسف...مش هينفع، بكرة الورقة هتكون في إيدها، مش قادر أتألِّم أكتر من كدا..لو قالت لي إنَّها مغصوبة عليَّ...مكنتش تمِّمت جوازي منها.. آسف.
قالها وأغلق الهاتف.
فتح يزن عينيه على صوت إلياس:
_هوَّ فين؟
ردَّ يوسف بهدوء:
_في المستشفى..
التفت إلياس إلى رولا، التي شحب وجهها وبدأ جسدها يرتجف:
_مبروك الطلاق، أهو اللي مش من مستوى جنابك طلَّقك..
ياربِّ أشوف اللي يستحقِّ الأميرة.. قالها وغادر.
جلس يزن منهارًا، محتضنًا رأسه.
ربت كريم على كتفه:
_يزن...ممكن تهدى، ساعة غضب.
بينما رولا لم تكن تسمع..شعرت وكأنَّ الأرض تُسحب من تحت قدميها.
ورقة طلاق...ليلة واحدة وورقة طلاق
اختنق نفسها وشعرت بانسحاب الهواء من صدرها دفعةً واحدة.
بدأت مشاهدهما تتلاحق أمام عينيها كشريطٍ قاسٍ:
همسه في أذنها...اعترافه بعشقه الأبدي...
ضحكتهما معًا...وعده ألَّا يتركها، حرارة كفِّه في كفِّها...
ارتفعت أنفاسها بجنون، وهي تتخيَّل أن كلَّ هذا سيفعله مع غيرها، وضعت كفَّيها على أذنيها تصرخ:
_آآآه!
صرخة شقَّت الجدران.
ثم هوى جسدها فجأةً إلى الأرض.
ركض آسر وانحنى يرفعها، وصاحت رحيل باكية.
ساعده كريم في حملها، بينما ظلَّ يزن واقفًا...ضائع النظرات، يرى انهيار ابنته التي يعرف جيَّدًا أنَّها تعشقه.
كان يعلم أنَّ تهوُّرها واندفاعها لم يكونا خيانة، بل خوفًا أعمى...أضاع حبًّا ظنَّته خداعًا.
بالمشفى، كان جالسًا خلف مكتبه، عيناه معلَّقتان بشاشة الحاسوب، لكن نظرته لم تكن ترى شيئًا..كان شاردًا، غارقًا في دوَّامةٍ لا يقطعها سوى صوت أنفاسه الثقيلة.
دلف أرسلان بخطواتٍ ثابتة، هيبته تسبق حضوره، توقَّف قليلًا يتأمَّله..ابنه الذي اعتاد أن يراه صلبًا كجدارٍ لا يتصدَّع، يجلس الآن كمن أثقله حملٌ لا يُرى، اقترب محمحمًا ليبدِّد ذلك الشرود الثقيل:
_السلام عليكم.
انتفض بلال قليلًا، كأنَّ الصوت أعاده من بئرٍ سحيق، ثم التفت سريعًا:
_أهلاً بحضرتك يا بابا.
اقترب أرسلان، خلع سترته بهدوء وجلس أمامه، وعيناه لا تفارقان وجهه:
_عامل إيه يا حبيبي؟
أومأ بلال برأسه، يحاول أن يرسم ملامح الثبات فوق وجهٍ أنهكه السهر:
_الحمد لله...شغَّال، عندي شغل النهارده كتير.
وقعت نظرات أرسلان إلى شاشة الحاسوب، ثم عادت إليه بتمعُّنٍ حاد:
_من إمتى الدكاترة بيشتغلوا على اللاب بالشكل ده، مفيش عيَّانين برَّه يعني؟
مسح بلال وجهه بكفِّه، وكأنَّه يحاول أن يمحو آثار فضحه رغماً عنه، لم يشعر سوى بشيءٍ ما كان يطبق على صدره، يضغطه بقسوة.
طالعه أرسلان بعتاب:
_وبعدها لك يا ابن أرسلان...إنتَ لسه في بداية حياتك، ليه مفضِّي عيادتك وباعت مرضاك لغيرك؟
ارتجف نفس بلال للحظة قبل أن يجيب، وصوته خرج منخفضًا، مثقلاً:
_يا بابا...أنا عقلي منشغل، قولت النهارده ضايع..ومش هينفع أركِّز، ودول مرضى مينفعش أغلط في حقُّهم.
ساد الصمت للحظات بغير رضى أرسلان، فنظر إليه طويلًا..حزن على نظرة الألم التي تنطقها أعين ابنه:
_يبقى كان الأولى إنَّك متجيش خالص، قالها بصرامةٍ حاول أن يخفي خلفها خوفه عليه.
على الأقل محدش يعرف إنَّك ضعيف.. إنَّما تكون موجود وشغلك ياخده غيرك، تبقى متستهلش الكرسي ده.
اشتعلت عينا بلال للحظة، ليس غضبًا...بل ألمًا، رفع رأسه ببطء وقال بصوتٍ خرج صادقًا حدَّ الوجع:
_وأنا من إمتى كنت ضعيف قدَّامك يا بابا؟ أنا بس...تعبت.
كلمة واحدة، لكنَّها خرجت كاعترافٍ ثقيل.
تصلَّبت ملامح أرسلان، ثم لان شيئًا خفيًّا في عينيه، كان يريد منه أن يكون صخرًا، ولا يتأثَّر بشيءٍ لكنَّه نسي أنه بشر.
نهض ببطء، اقترب من مكتبه، وضع يده على كتف ابنه، ضغطة خفيفة:
_ليه عملت كدا في نفسك، ليه تخرَّب حياتك؟
_حضرتك اللي جاي تقولِّي كده؟
قالها بلال بمرارةٍ مكبوتة، وعيناه تلمعان بوجعٍ حاول أن يخفيه خلف سخريةٍ باهتة.
تنهَّد أرسلان، وقال:
_بلاش أعرف ليه خربت بيتك بإيدك.
ضحك بلال ضحكةً قصيرة، خالية من الفرح، ثم أغلق الحاسوب بعنفٍ كأنَّما يفرغ فيه غضبه، ونهض واقفًا:
_بيتي؟ قالها متهكِّمًا، فين بيتي ده يا بابا اللي كنت بوهم نفسي بيه؟ ده من أوَّل خناقة انهار.
تصلَّبت ملامح أرسلان، لكن في عينيه شيء يشبه الخيبة:
_اللي عملته يا بلال غير مقبول من حد...وده آخره إنَّك كبَّرت نفسك.
استند بلال بكفَّيه على المكتب، انحنى قليلًا، نظر إلى والده بعينين مشتعلتين:
_كبَّرت نفسي في إيه؟ موقف وانتهى.
_ليه قلتلي إنَّك طلَّقت البنت وهيَّ لسه على ذمِّتك؟
تردَّد النفس في صدره قبل أن يخرج:
_عشان اتلعب بيَّا.
قطَّب أرسلان جبينه، وقد بدأ القلق يتسرَّب إليه:
_يعني إيه؟
شدَّ بلال على حافَّة المكتب حتى ابيضَّت مفاصله:
_يعني اللي حصل كلُّه كان تمثيل.
_قصدك البتّ طلعت بتشتغلَّك؟
هزَّ رأسه بالنفي سريعًا.
لا...هيَّ متعرفش حاجة.
ازدادت حيرة أرسلان:
_أمال إيه؟ مش فاهم!
أطبق بلال فكِّه، وهتف بصوتٍ خرج مشوبًا باحتقانٍ دفين:
_المحامي بتاعها طلع حيوان، وشغَّال لحساب طليقها.
صمت أرسلان لحظة، ثم قال بهدوءٍ مفاجئ:
_طيب ماأنا عارف.
تجمَّد بلال في مكانه، ثم التفت إليه بصدمةٍ واضحة:
ليه ماحكتليش طيب؟
ردَّ أرسلان بصرامةٍ لا تخلو من عتب:
_وإنتَ عرَّفتني بحاجة؟ أنا سألتك وقلت طلَّقتها.
زفر بلال بعنف، وكأنَّ الهواء صار نارًا في صدره، ثم هوى على المقعد المقابل لوالده:
_بس لو حضرتك عرَّفتني...كنت عرفت أتصرف.
اقترب أرسلان قليلًا:
_تتصرَّف في إيه؟ الموضوع ده كان يتحل بطلاق البنت بهدوء، إنَّما إنتَ دماغك قفل.
رفع بلال رأسه فجأة، والغضب يلمع في عينيه:
_دماغي قفل؟ لمَّا أعرف إنُّهم مبيِّتين النية، أوَّل ماأطلَّقها يسجنوها عشان يضغطوا عليها وترجع له؟
ارتسم الذهول على وجه أرسلان للحظة، لكنَّه أخفاه سريعًا خلف صلابته المعتادة:
_وإنتَ مالك إنت، ليه تحشر نفسك في حاجات مالكش دعوة بيها؟
تجمَّد بلال وكأنَّ الكلمات أصابته في صدره مباشرة..ابتسم بسخريةٍ موجوعة، وهمس:
_لأنِّي مقدرتش أسيبهم يضعَّفوها.
خرجت الكلمات من بلال مشدودة، كأنَّها تُنتزع من صدره انتزاعًا.
عقد أرسلان حاجبيه، وصوته يحمل عتبًا مغلَّفًا بالقسوة:
_وإحنا روحنا فين؟
رفع بلال عينيه إليه، وفيهما حيرة وغضب ووجع متداخل:
_بصفتك إيه يا بابا؟ دي هتكون فريسة لطليقها الحيوان.
سأله أرسلان مباشرة، بنبرةٍ خفتت فيها حدَّته:
_بلال...إنت بتحبِّ البنت دي؟
ضحك بلال ضحكةً عالية، لكنَّها مكسورة.
اهتزَّ كتفاه، ولمعت عيناه بالدموع، ضحكة لا تنتمي للفرح، بل للمرارة التي فاضت حتى لم تجد إلَّا السخرية ملاذًا.
دار حول نفسه ببطء، وابتسامته مازالت مرسومة على وجهه، لكنَّها ابتسامةٌ موجوعة، متشقِّقة، كقلبه تمامًا.
_بحبَّها؟...كرَّرها بصوتٍ أجش،
طيب ياريت..انحنى يستند بكفَّيه على المكتب، ورفع رأسه نحو والده، وعيناه حمراوان من حبس الدموع:
_ياريتني حبِّيتها...مكنتش وصلت لكده، على الأقل كنت أحس إنِّي راجل.
انتفض أرسلان:
_إيه اللي بتقوله ده يا ولد..إنتَ اتجنِّنت؟!
أغمض بلال عينيه، وخرجت منه تنهيدة حارقة، كأنَّها تجرح صدره وهي تعبره.
كان الاشمئزاز من نفسه يطارده كلَّما داهمه الحنين إليها...إلى تلك التي كسرت شيئًا داخله لا يُجبر بسهولة.
ليته يستطيع أن يقتلع قلبه من بين ضلوعه...أن يلقيه أرضًا ويدوسه بقدمه.
قلبه الذي مازال يبرِّر لها.
قلبه الذي يشتاق رغم الإهانة.
قلبه الذي يهفو إلى حضنٍ واحدٍ منها...إلى قبلةٍ تعيد إليه روحه التي ضاعت يوم لفظته من حياتها.
_بلال...
نطق أرسلان اسمه هذه المرَّة بخوفٍ صريح، لم يرَ أمامه طبيبًا ناجحًا، ولا ابنًا صلبًا...بل بقايا رجلٍ يتماسك بخيطٍ واهٍ.
اقترب خطوة، وصوته صار أهدأ، أعمق:
_إنتَ حبيِّت رولا يا بلال؟
ارتجف قلبه لمجرَّد سماع اسمها.
هوى على المقعد كأنَّ ساقيه خانتاه، ودفن وجهه بين كفَّيه..لم يعد يقوى على التماسك.
كيف يقول لوالده إنَّه يشعر أنَّه مات يوم خرجت من حياته؟
كيف يعترف أنَّه صار جسدًا يتحرَّك بلا روح؟
ساعات لم تمر سوى ساعاتٍ عن بعدها ولكن حياته، بلا معنى، بلا طعم؟
اهتزَّ صوته من خلف يديه:
أنا...مش عارف أنا إيه من غيرها.
تقدَّم أرسلان ببطء، ووضع يده على كتف ابنه، كأبٍ يرى وجع فلذة كبده:
_اللي بيحب...بيتوجع، بس اللي يكسر نفسه عشان حد، يبقى ظلم نفسه قبل مايظلمه غيره.
رفع بلال عينيه أخيرًا، والدموع عالقة على حافتيها، لا تنزل...ولا تختفي.
كان بينهما الكثير ليُقال.
لكن الحقيقة الأوضح كانت واحدة:
_أنَّه لم يخسر بيتًا فقط...
بل كان يخوض معركةً بين قلبه وكرامته، ولا أحدًا منهما مستعدٌّ أن يتنازل.
اقترب أرسلان منه بخطواتٍ مثقلة، لا يريد أن يسمع مايخشاه:
_نتكلِّم راجل لراجل...
نظر بلال إلى والده بعينينِ ضائعتين، كأنَّ داخله طفلٌ تائه لا رجلٌ حاسم:
_ هتزعل لو قلت لحضرتك ماليش حيل؟
قبض أرسلان على ذراعه، في محاولةٍ أخير:
_ طب تعال نشرب قهوة في أي مكان ونتكلِّم.
_ بابا لو سمحت...
_ بلال، بقولَّك لازم نتكلِّم.
عاد بلال إلى مقعده، جلس في صمتٍ بارد، بينما جلس أرسلان قبالته، يتنهَّد وكأنَّه يبتلع مرارة العمر كلِّه:
_ إنتَ في الأوَّل والآخر اللي وصَّلت الأمور لكده...عارف ولَّا لأ؟
_ عارف.
_كويس أوي، يبقى ليه تضعف قدَّام الغضب وتطلَّقها يا ابني؟ وقت الغضب بيعمى البصر والبصيرة... البنت واضحة بتحبَّك، انهيارها بعد الطلاق أكبر دليل..كنتوا تبعدوا يومين، تاخدوا نفس، لكن مش تطلَّقها في لحظة تهوُّر!
رفع عينيه إلى والده، نظرة جامدة تخفي إعصارًا:
_ بابا...أنا بعتِّ لعمُّو يزن ورقة طلاق بنته.
جحظت عينا أرسلان، وكأنَّ الكلمات صفعة.
_ لا...ده إنتَ ماصدَّقت!
ابتسم بسخرية موجوعة:
_ بالظبط...ماصدَّقت، وأتمنَّى تحترم رأيي، دي حياتي وأنا حرِّ فيها..وعلى فكرة، قرَّرت أكتب رسمي على كارما.
هبَّ أرسلان واقفًا، وعيناه تنطق بالغضب والحيرة:
_ إنتَ بتخطَّط لإيه ممكن أفهم؟ إنتَ مش مكبَّر حد! وياترى يا دكتور بتبلَّغني ولَّا بتجبرني؟
وقف بلال هو الآخر، وأردف بهدوءٍ يسبق الانهيار:
_ ولا ده ولا ده...حبِّيت تعرف وبس، أنا هتجوِّز..عايز أعمل حياة جديدة، عايز أنسى الماضي بكلِّ أوجاعه.
صمتٌ ثقيل سقط بينهما.
نظر أرسلان إلى ابنه طويلًا، ثم قال بصوتٍ مكسور:
_ اللي بيهرب من وجعه يا بلال، عمره مابينساه....
ارتجف جفنه للحظة، لكن كبريائه كان أقوى من اعترافه.
أدار وجهه بعيدًا، وكأنَّ المواجهة مع نفسه أصعب من مواجهة والده.. ولكن أردف أرسلان:
_بلال كلِّ واحد بيعدِّي بمرحلة صعبة، يا ابني المشاكل بتواجهنا علشان تقوِّينا، مش علشان تهدِّنا.
تنفَّس ببطء، كأنَّه يجمع بقايا صبره:
_مع احترامي لكلام حضرتك...ده لمَّا يبقى فينا حيل نواجه ونقدر نقف تاني على رجلينا.
_ بلال...
قاطعه بنبرةٍ منهكة:
_ لو سمحت، خلاص، الموضوع انتهى.
_ حتى لو قلت لك أنا مش موافق؟
نفخ بضجر، وأسند جسده إلى الخلف، عيناه ممتلئتان بألمٍ لا يُخفى:
_ اعتبر إنَّك بتساعد ابنك يِشفى من وجعه.
اقترب أرسلان خطوة، صوته خافت:
_ ليه يا بني كده؟
أغمض بلال عينيه لحظة، ثم فتحهما وكأنَّه يعترف لنفسه قبل أبيه:
_ لو سمحت يا بابا...لو بتحبِّني بجد بلاش تضغط عليَّ، يمكن لمَّا أمشي بعقلي المرَّة دي أرجَّع كرامتي اللي خسرتها.
_ كرامتك محفوظة يا حبيبي.
هزَّ رأسه ببطء، واغرورقت عيناه رغمًا عنه:
_مشيت ورا قلبي وضغطت عليها، خلِّيتها تقرَّب منِّي في وقت ضعفها.. كنت فاكر نفسي حبَّها وأمانها...طلعت مجرَّد مُسكِّن لجروحها، هيَّ قالتها لي مرِّتين، لكن أنا اللي كنت أعمى.
ابتلع غصَّته بصعوبة:
_ أنا زعلان من نفسي، لأنِّي وصَّلتها لمرحلة إنَّها تغصب نفسها، إحساس صعب أوي إنَّك تبقى قليل في عيون اللي اتمنيِّتها من الدنيا كلَّها.
سقطت دمعة شاردة، مسحها سريعًا كأنَّها فضيحة:
_ ربِّنا يرزقها بالراجل اللي تستاهله.
همس أرسلان بحسرة:
_ ياااه يا ابن أرسلان...للدرجة دي كنت بتحبَّها؟
نظر إليه بلال طويلًا ولم يُجب.
صمته كان أبلغ من أيِّ اعتراف.
أومأ أرسلان برأسه، ثم التقط جاكيت بدلته:
_ أمَّك مولَّعة في البيت عشان خبِّينا عليها جوازك التاني...كلِّمها وهدِّيها.. مهما قالت، دي أم.
_ حاضر.
اتَّجه أرسلان نحو الباب، لكنَّه توقَّف قبل أن يخرج، وقال دون أن يلتفت:
_ بلاش تسجِّل جوازك من البنت دي... كده بتخسر يا بني. اسمع نصيحة من أبوك.
ارتسمت على شفتي بلال ابتسامة ساخرة، ابتسامةُ رجلٍ يقنع نفسه أنَّه قوي، بينما قلبه مازال واقفًا عند بابٍ أُغلق منذ لحظات، ولم يملك الشجاعة أن يطرقه من جديد.
_معنديش حاجة لسه أخاف عليها... البنت كويسة وضعيفة.
رفع أرسلان حاجبه بحدَّة:
_ ضعيفة؟...يعني علشان كده عايز تتجوِّزها، مش عيب؟
اشتدَّت نظرات بلال:
_ ده اللي حضرتك فهمته من كلامي؟
هزَّ أرسلان رأسه بعدم رضا وغادر.
جلس، أنفاسه تتصاعد باختناق، كأنَّ كلمات والده طوَّقت عنقه، طرقٌ خافت على الباب، ثم دخلت كارما.
_ عايزة أتكلِّم معاك لو فاضي.
_ مرحتيش الكليَّة ليه؟
جلست أمامه بثباتٍ غريب:
_ سيبك من الكليَّة دلوقتي...أنا عايزة أتكلِّم في موضوع مهم.
مرَّر يده على جبينه:
_ كارما أنا مصدَّع ومش قادر أسمع.
_ لازم تسمعني يا دكتور...أنا مش موافقة على اللي قولته، ودلوقتي عايزة من حضرتك تطلَّقني، أنا كفيلة أدافع عن نفسي.
نظر إليها طويلًا، ثم قال ببرودٍ متعمَّد:
_ قومي روحي كلِّيتك يا كارما... وبعدين نتكلِّم.
نهضت واقتربت منه، صوتها يحمل رجاءً ممزوجًا بكرامة:
_ لو سمحت خلِّي فكرتي عنَّك تبقى كويسة دايمًا، بلاش تدخَّلني في صراع مع مراتك.
اشتعلت عيناه:
_ ممكن ماتتكلِّميش في الموضوع ده؟ إحنا انفصلنا...ولو بتتكلِّمي عن مراتي، فحضرتك حاليًا مراتي.
قاطع رنين الهاتف التوتُّر، نظر إلى الشاشة سريعًا وأشار لها بالصمت:
_ أيوة؟
_ فيه حد بيراقبها يا دكتور...عملت زي ماحضرتك أمرت.
_ تمام، جهِّز العربية..هنزل أنا ومدام كارما للجامعة.
أنهى المكالمة، بينما نظرت له كارما بذهول:
_ تروح معايا الجامعة ليه؟ كده بتعقَّدها وبتخلِّي الشكوك تتأكِّد.
لم يرد..نهض مع دخول الممرضة:
_ خلِّيكي مع دكتور أحمد النهاردة...أنا مسافر عشر أيام، اقفلي المكتب.
ثم التقط جاكيته وأشار لكارما:
_ يلَّا...هوصَّلك.
- بس أنا مش رايحة الجامعة.
رمقها بنظرةٍ أسكتتها، وبعد دقائق توقَّفت السيارة أمام الجامعة..ترجَّلت، وقبل أن تدخل ناداها:
_ لمَّا تخلصي كلِّميني...هاجي أخدك ونتغدَّى برَّه.
تجمَّدت مكانها من الصدمة، اكتفى بإشارة صامتة، ثم غادر.
في المساء، كان مالك يُنهي مكالمته معه.
_ خلاص يا بلال، هتصرَّف متقلقش.
_ عمُّو مالك مش عايزها تتئذي...أنا مسافر بكرة، ملف طليقها عندك كامل.
_ إلياس عنده علم؟
_ لا...ماقلتلوش.
_ خلاص هتصرَّف.
بعد دقائق، كان إلياس يجلس مع أرسلان حين أخبره مالك بما حدث.
_ دماغ ابنك زيَّك...منكرش عجبتني، بس مش كلِّ وقت نرمي نفسنا في التهلكة علشان نبقى رجَّالة.
تنهَّد أرسلان بألم:
_ الواد مكسور أوي يا إلياس، بنت يزن كسرت قلبه.
أشعل إلياس سيجارته، ونفث دخانًا ثقيلًا:
_ الغلط عند بلال من الأوَّل، كان لازم يقولَّها إنُّه اتجوز وعرَّفها طريقة الجوازة، لو كان واضح مكنَّاش وصلنا لكده.
_ طيب والعمل؟ بيقولِّي عايز يوثِّق جوازه.
ابتسم إلياس بسخرية:
_ جدع الواد ده.
_ يعني شايفه صح؟
_ كنت من أوَّل المشجِّعين لجوازه من رولا...بس دلوقتي أحسن حل الانفصال، يمكن البعد يداوي وجعهم.
_ بقولَّك عايز يكتب على التانية عند مأذون.
صمت إلياس لحظة، ثم قال ببطء:
_ ماهو متجوِّزها.
اشتدّّ صوت أرسلان:
- أنا مش موافق يكتب عليها رسمي.
رفع إلياس كتفيه:
_ جوازه شرعي وقانوني ومستوفي كلِّ الشروط...بس المشكلة الوقت غلط على اللي بيعمله، أنا مش عايز أدخَّل، هوَّ غبي وهيَّ شعنونة وهبلة، والله نفسي أنزل فيهم ضرب همَّا الاتنين.
_بلال تعبان يا إلياس بجد، أوَّل مرَّة أشوفه مكسور كدا.
نفخ إلياس بضجر:
_سيبه يومين، أفكَّر في حاجة تلمُّهم.
_لا، خد الجديد، غرام حلفت ماتدخل تاني.
_ماتحلف، يبقى خلِّيها تصوم يا أخويا ولَّا تطلَّع كفَّارة، مكنش نقصني غير غرام كمان..
دا إيه اللي أنا فيه ياربِّي دا.
مرَّ أسبوع والحال كما هو.
في مساء ذات يوم عند بلال
كان يجلس أمام البحر، يحدّق في الأمواج المتلاطمة كأنها تعكس اضطرابه الداخلي.
، وصورتها لا تفارقه.. ابتسم فجأة...
تخيّلها تركض فوق الرمل، شعرها يتطاير مع النسيم، تضحك له وحده.
لمعت عيناه بالشوق، وتمنّى لو يمد يده الآن... يلمسها، يضمّها إلى صدره، يستنشق عبيرها الذي يحفظه عن ظهر قلب.
أغمض عينيه، وترك خياله يسبح بها وبينها، حتى همس اسمها بصوتٍ خافت...
كأنها حقًا بين ذراعيه.
لكن رنين الهاتف قطع لحظته، فأفاق على واقعه فجأة،. واقعٍ يخلو منها.
في غرفة شمس
أنهت دراستها، ثم هبطت إلى المطبخ.
انشغلت مع الخادمة وقتًا طويلًا، حتى بدأت تزيّن الكعكة بعناية واضحة.
ارتفع رنين هاتفها باسمٍ محفوظ في قلبها قبل هاتفها: حبيب الروح.
وضعت الهاتف بين كتفها وأذنها، وهي تواصل تزيين الحلوى.
_أيوة يا حبيبي.. صمت يتذوق حروف حبيبي من شفتيها، تمنى لو انها أمامه
رد بصوتًا دافئًا:
_شمسي بتعمل إيه؟ هعطلها؟
ابتسمت دون أن يراها.
_لا... بعمل تورتة علشان عيد ميلاد بلال.
سكت لحظة، ثم قال بنبرة نصف مازحة، غيورة:
_والله؟ ويا ترى إمتى بقى التورتة دي توصل للدكتور؟
توقفت عما تفعله وقالت
_إنت اتضايقت؟
تنهد بخفة:
_لا... مش اتضايقت. بس أنا مش عايز شمسي تهتم بغيري.
رقّ قلبها لنبرته، وقالت بهدوء:
_عملتها خلاص. هخلي حد من الشغالين يوديها ليوسف وهو يوصلها له.. كدا حلو
لازم كل سنة أعملها له... دي عادة.
صمت لحظة، ثم ابتسم، وقال ب حنانًا خالصًا:
_بحبك يا شمسي.
همست بخفوت:
_وأنا كمان...
ورغم انها نطقتها بهمس لكن همسها ذاب في أذنه كنسمة، وجعل قلبه يخفق بخفة... كفراشةٍ وجدت أخيرًا زهرتها..
وصل احد الجنود اليه
_كابتن حمزة القائد عايزك
بمكتب اسحاق، كان يضع الهاتف على اذنه يستمع للطرف الاخر حتى انتهى فقال
_ابني لو شعرة بس اتأذت هعلقك في ميدان عام، وجرب وانت تشوف
_اسحاق باشا ابنك اللي بدأ بالضرر
_ضرر ايه لما ابنك الفاشل يحاول يتحرش على مراته منتظر منه يدخله في احضانه
_نفسك انت وابن في ايدي
عند كارما
_كانت تجلس في غرفتها، شاردةً في حديثه عن توثيق زواجهما. نظرت إلى هاتفها طويلًا، ثم حسمت أمرها واتصلت بـ ضي.
عند ضي
كانت منهمكة في بعض التصاميم، قاطعها دخول يوسف، يحمل فنجاني قهوة.
_عملت قهوة معايا يا حبيبتي.
ابتسمت ونهضت، تتناول الفنجان من يده.
_يااه... الدكتور بنفسه يعمل لي قهوة؟
اتجه إلى مكتبه يتمتم:
_مش حاجة يعني... وبعدين أنا مشّيت الخدم كلهم.
اقتربت منه، وضعت فنجانه أمامه، ثم التفَّت خلفه، تعانق عنقه برفق.
_ممكن أعرف مشّيتهم ليه؟
سحب كفيها وأدارها حتى جلست على قدميه.
_من زمان مقعدناش لوحدنا... محتاجين وقت لينا.
داعبت خصلاته، وعيناها تتأمله.
_ولا حتى اتكلمنا... انشغلنا بموضوع بلال ورولا. آه صحيح، كلمته النهارده؟
_آه، وهييجي بكرة.
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
_رولا صعبانة عليّ أوي يا يوسف... وبلال كمان واجع قلبي.
تنهد يوسف:
_ضي... اللي متعرفهوش إن أخوكي بيعشق البنت دي. المشكلة إنها غبية ومقدّرتش حبه...
_طيب ماتيجي نعمل محاولة نقربهم
_ريحي نفسك بلال زعلان جدًا منها
_يوسف بس هو غلطان
_للاسف الاتنين غلطانين حبيبتي، هو مفكرش في ردة فعلها، وهي انها نزلت البيبي معرفش ازاي قدرت تعمل كدا
صمت فجأة ينظر اليها
_مايمكن مانزلتوش وبتقول كدا تضايقه، ماتتأكدي ياضي
وقبل أن ترد، دوّى صوت الجرس.
_هشوف مين... قالها وهبط للاسفل
فتح الباب، فوجد ميرال تحمل صندوقًا صغيرًا.
_ماما!
دخلت ووضعت ما بيدها على طاولة المطبخ.
_شمس عاملة ده لبلال، وطلبت أجيبه لك. زعلانة منه من يوم كتب الكتاب.
فتح الصندوق، وانفجر ضاحكًا وهو يتأمل الكعكة.
كانت تراقبه بعين أمٍّ مثقلة، اقتربت منه برفق:
_شايفة علاقتك مع ضي بقت أحسن... اتكلمت معاها؟
توقفت ضحكته فجأة، وهز رأسه بالنفي.
_لا... المهم، بلال في شرم ولسه راجع بكرة.
نظرت إليه باستغراب:
_إزاي؟ مش بكرة عيد ميلاده؟
زم شفتيه، ثم نظر إلى ساعته.
_بعد بكرة
عند ضي
سحبت روبها تستعد للنزول بعدما تأخر يوسف، لكن هاتفها أوقفها.
_ألو؟
_أستاذة ضي، أنا كارما.
عقدت حاجبيها.
_كارما مين؟
_أنا اللي شغالة مع الدكتور...
تذكرتها فورًا.
_آه... افتكرت. إزيك؟
_الحمد لله... كنت عايزة آخد رأي حضرتك في موضوع يخص الدكتور ومراته.
ابتسمت ضي لبراءتها.
_حضرتي والدكتور؟ طيب قولي.
_أنا بحترم الدكتور جدًا... ومستحيل أكون سبب في خراب بيته وأسكت.
ضيّقت عينيها، مع دخول يوسف الغرفة.
_عايزة تعملي إيه؟
_أروح لمدام رولا وأقول لها الحقيقة.
صمتت ضي لحظة، ثم قالت بهدوء محسوب:
_تمام... وأنا معاكي.
أنهت المكالمة، ثم التفتت إلى يوسف.
_دي كارما... اللي متجوزها بلال. البنت شكلها طيبة أوي، بتقول عليه الدكتور
ابتسم بخفة.
_هي فعلًا كده... اللي يشوفها يقول طفلة. بريئة... وحلوة كمان.
رفعت حاجبها بغيظ مكتوم.
_وإيه كمان يا دكتور؟
لم ينتبه لنبرتها، تابع حديثه:
_طليقها هيتجنن عليها... البنت دي طبيعي أي حد يدافع عنها.
قطعت حديثه بنبرة أغضب:
_لا والله؟ وإيه كمان؟
رفع عينيه إليها، مستغربًا.
_مالك؟
_مفيش... بس جوزي بيتغزل في واحدة قدامي عادي.
ضحك، وجذبها إلى صدره.
_غزل إيه يا بنتي؟ هو قلبي يشوف غيرك؟
_آه... اضحك عليّا.
_والله أبدًا. ياريت أكون بعرف أضحك... كنت عرفت أبعد.
تصلبت قليلًا، وتذكرت حديثه مع ميرال.
_يوسف... إيه رأيك نسافر كام سنة؟
توقف ينظر إليها بدهشة.
_نسافر؟ وإنتِ عندك مشروع جديد، وشغلك ماشي كويس.
كانت تراقب كل تفصيلة في وجهه.
_أصل إنت دايمًا كنت بتحلم تسافر وتستقر برّه.
اقترب منها، وصوته أصبح أهدأ:
_كان يا ضي... زمان. الأحلام بتتغير.
نظرت إليه طويلًا.
_ولو أنا اللي عايزة أبدأ من جديد؟
ساد صمت ثقيل بينهما.
_ليه فجأة؟
أشاحت بوجهها.
_حاسّة إن كل حاجة حوالينا متلخبطة... بلال، رولا، كارما... حتى إحنا.
اقتربت خطوة.
_إحنا محتاجين نتكلم... مش نهرب.
رفعت عينيها إليه، وحاولت ان تسحب كلماته، عله يريح قلبها
_يوسف هو انت ممكن تعمل زي بلال، يعني ممكن تتجوز علي لو اضطريت
قطب جبينه بدهشة
_ايه اللي بتقوليه دا، انتي بتسألي بجد
لم ترد عليه، لكن نظراتها كانت تحكي مالم يستطع اللسان البوح به، احتضن وجهها وطاف بعينيه على وجهها بالكامل ثم نظر لعيناها
_انا مش عايز من الدنيا غير ابتسامتك بس، تفتكري ممكن اقهرك
_اوعدني يايوسف، مستحيل تبعد عني
رعشة اصابت قلبه ليسحبها لأحضانه يهمس لنفسه
_لو اقدر ابعد كنت بعدت من زمان، لكن انتي سيطرتي على كياني وعجزتيني يابنت عمي
مساء اليوم التالي عبيطة وهبلة وبتعيطي، دا واحد مايتساهلش دمعة، فوقي كدا، وارجعي رولا النعنوشة، يابنتي بقيت بتكلم مصري احسن منك بسبب بلاوي العيلة دي
مطت شفتيها، تنظر للبعيد بتفكير
_سمعت النهاردة ضي بتقول لدكتور كسرة القلب دا، عايزة تعمله حفلة علشان عيد ميلاده، انا جاتلي فرصة تاخدي حقك منه
_اسيا اطفي النور.. عايزة انام
سحبت من فوقها الغطاء
_قومي يازفتة علشان نروح الكوافير، ونشتري هدية لابو اعصاب مصدية
اعتدلت تشهق على كلماتها
_انتي جبتي الكلام دا منين
_من اخوكي ابو جلابية ياختي، رجالة العيلة دي مجنونة، جابلي شيخ يعلمني لغة عربية.. مفصحة، قال ايه، الناس مابيفهموش كلامي، جابلي واحد لابسى جلابية مكنتش عارفة اسمها عادي، بقوله الفستان الرجالي دا مستورد، قالي شوية حكم، كان ناقص يقولي قولي خطبة الجمعة
ارتفعت ضحكات رولا حتى دمعت عيناها، غمزت اليها
_وحياة اخوكي الثقيل دا لاجلط لك دكتور الاعصاب المهوية، ولا التاني، معرفش دا دكتور قلب ازاي، دا المفروض يكون مسالك بولية.. القلب حاجة رقيقة كدا، ودا سوري في اللفظ شبه اللي بشيل الميتين
قهقهت رولا، تدفن وجهها بالوسادة، ثم رفعت رأسها
_والله لو سمعك ليمدك على رجلك
_افهم بس يعني ايه علشان ارد عليكي
قاطعهم دخول اسر
_افريقيا عندنا اجتماع بعد ساعتين، علشان تجهزي بشنطة مكياجك
رفعت حاجبها باعتراض
_فيه اي اوامر تانية ياسنتيمتر
التفت اليها يرمقها بغضب، فضحكت رولا..مما جعله يتوقف يتجه بأنظاره الى ضحكة اخته.. صمتت بعدما وجدت نظراته عليها
لكزته اسيا
_هوينا مش قولت خريطة اليوم..
_اهويكي... انتي عارفة معناها ايه
_اه بطردك عادي، هي رجالة العيلة دي كلها بتنطرد
وصل اليها بخطوة واحدة، فهبت رولا من مكانها
_خلاص يااسر هي متقصدش، التفتت الى اسيا
_مش كنتِ بتقولي نروح الكوافير؟
قالتها وهي ترمقها بنظرة متفحصة.
نظرت إليه اسيا بتحدٍ واضح:
_آه... عايزة أغيّر لون شعري ومكياجي، واللي مش عاجبه يشرب عصير.
اقترب منها خطوة، مقلدًا نبرتها:
_لا... هشربك من كيعانك إن شاء الله.
_يعني ايه
التفتت إلى اسيا تهز رأسها ببراءة مصطنعة:
_قصده عصير بالزبادي طبعًا.
ضحكت رولا بخفوت، بينما عقد أسر حاجبيه:
_يا سلام! بقيتي تفسّري كلامي كمان؟
اقتربت منه أكثر، تشير بإصبعها إلى صدره:
_وإنت مالك يا سِنتيمتر؟ هتحضر حفلة دكاترة عالم سبونج بوب؟
رمش أسر باستغراب:
_مين دول أصلًا؟
وقبل أن يشتعل الجدال، دخلت الخادمة :
_باشمهندسة... فيه واحدة برّه عايزة تقابل حضرتك.
التفتت رولا باستغراب:
_واحدة مين دي؟
ردت الخادمة بتردد:
_مش عارفة....
خرج أسر ليستطلع الأمر.
نهضت رولا ببطء، ارتدت ملابس مناسبة على عجل، وتحركت إلى الخارج.
لكنها ما إن تخطّت العتبة حتى تجمّدت في مكانها.
_كارما... كانت تجلس أمام رحيل ، منكّسة الرأس، تفرك كفّيها بتوتر شديد... كطفلة تنتظر العقاب.
رفعت كارما عينيها فجأة، والتقت نظراتها برولا.
وفي تلك اللحظة... شعرت رولا أن شيئًا ثقيلًا يهبط في صدرها، وصورة بلال امامها تتخيله بجوارها، يهمس اليها ويضحك بصوت مرتفع مع ضمته اليه، ارتفعت انفاسها وشعرت بأنها لا تريد سوى قتلها
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا

تعليقات
إرسال تعليق