القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الخامس وخمسون 55بقلم سيلا وليد حصريه


رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الخامس وخمسون 55بقلم سيلا وليد  حصريه





رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الخامس وخمسون 55بقلم سيلا وليد  حصريه



الفصل الخامس والخمسون 


"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "


في هذا الفصل… لم أعد أبحث عن نهاية، لأنني أدركت أن الحكايات التي تُكتب بالروح لا تُغلق، بل تظل تنزف بين السطور.


كنتُ أظن أن العشق نجاة، لكنك كنت الغرق ذاته… كنتَ الشيء الذي كلما اقتربتُ منه فقدتُ نفسي أكثر.


أحببتك حتى صرتُ أنا الغياب، وحتى صار قلبي موطنًا لكل الخيبات التي تحمل اسمك.


أنا لا أريدك… لكنني لا أستطيع النجاة منك.

لا أشتاقك… لكنني أضيع كلما مرّ طيفك في خاطري.

أهرب منك إليك، وأتذكّرك وأنا أعلم أن الذكرى لا تُنقذني… بل تُغرقني أكثر.


فأنا لم أعد تلك التي تُحب،

أنا تلك التي احترقت، وبقي منها قلبٌ يُتقن الألم… كلما نطق باسمك.


هبَّت من نومها وجسدها ينتفض، كأنَّ كابوسها لم ينتهِ بعد…بل انتقل معها إلى الواقع، احتضنت نفسها بقوة وشفتيها ترتجفان:

_لا…لا…مستحيل يعمل كده…بلال بيحبِّني.

لكن صوتها لم يكن واثقًا، كان مكسورًا…كأنَّها تحاول إقناع قلبٍ بدأ يفقد إيمانه.

انفجرت باكية، تبحث بعشوائية عن هاتفها، وعيناها تغشاها الدموع، بأنفاسٍ متقطعة:

_هوَّ بيحبِّني…أكيد بيحبِّني

أنزلت ساقيها على الأرض، فتأوَّهت من الألم الذي تسلَّل إلى عظامها، كأنَّ جسدها يشارك قلبها الانهيار.

استندت على الفراش بصعوبة، تتحرك ببطء حتى وصلت للهاتف..سحبته بيدٍ مرتعشة، ثم تراجعت لتسقط على الفراش من جديد.

كان جسدها يرتجف بالكامل…ليس بردًا فقط، بل خوفًا.

نظرت إلى الشاشة بعينين غارقتين بالدموع، الاسم أمامها يتشوَّش… لكنَّها تعرفه جيدًا..ضغطت عليه.

عند بلال، قبل قليل..

بعد أن بصقت كلماتها…كلمات لم تكن مجرَّد غضب، بل طلقات أصابت قلبه في مقتل…قاد سيارته بصعوبة، رؤيته مشوَّشة، وأنفاسه ثقيلة.لم يفكر سوى بالهروب، هروب من صوتها المثقل بالألم…من عينيها التي كانت تطارده باتهامٍ لا يرحم…

آهٍ كم كان الوجع ينهش صدره، حتى انبثقت دموعه دون إذن، تسابقت على خديه مع ذكرياتهما التي انسابت كخيالٍ حي أمام عينيه…شقاوتها، ضحكتها، 

طفوليتها التي يعشقها، وصوتها…ذلك الصوت الذي ما زال يسكنه:

"بحبَّك بجنون…وخلِّي بالك غيرتي مجنونة،"

أغمض عينيه بقوة…كأنَّه يسمعها الآن، ل يتذكَّرها، يريد أن يهرب من الواقع إلى وهمٍ يداوي قلبه.

مال بجسده للخلف، وارتسمت ابتسامة مرتعشة على شفتيه…قبل قلبه.

فتح هاتفه، يقلِّب بين صورهم، يمرِّر أنامله على ملامحها وكأنه يلمسها حقًّا

_آه يا رولا…ليه وصلنا لكده؟

معقول العيون دي تعرف تكذب، وتستهين بقلبي؟!

توقَّفت أنامله عند شفتيها المبتسمة في صورة تجمعهما، وهمس بانكسار:

_مستحيل…مستحيل تكوني مؤذية

أنا عارفك ومتأكِّد، إنتِ طفلتي البريئة

آه لسانك طويل…بس مش خاينة.

تنهَّد بعمق،  يسحب الهواء بصعوبة، ثم اعتدل، شغَّل السيارة، وانطلق إلى المطار رغم اضطراب الطقس…وكأنَّ العاصفة في الخارج أهون من تلك التي بداخله.

مرَّت الدقائق ثقيلة…حتى وصل إلى المطار، أوقف السيارة فجأة، سكونٌ تام.

جسده مستندًا للخلف…رأسه على المقعد، عيناه تائهتان في الفراغ…لكن داخله مازال يصرخ من كلماتها، نظراتها، اتِّهامها، كلُّ شيء يعيد نفسه…بلا رحمة.

أغمض عينيه بقوة، يتمتم بصوتٍ مكسور:

_كسرتيني،  ومش عارف أداوي نفسي، ولا أوقف نبض قلبي..ارتعش داخله فجأة، وهو يتخيَّلها أن تكون ملكًا لغيره، كيف يتحمَّل ذلك الألم، توقَّف فجأة وصوتها يتردَّد بأذنه، صوتًا مكسورًا يأنُّين صامت حتى لا يشعر هو بكسرها، وضع رأسه على محرك السيارة وأغمض عينيه، وداخله نيران تشعَّبت لألمها منه، هل حقًّا تتألم ممَّا صار، أم أنَّ الأمر أصبح لا يهمَّها وكما قالت شعرت بالارتياح..آه وآه على نيران قلبه التي تحترق بداخله، كلَّما مرَّت ذكرياتهما وقربهما..كوَّر قبضته حتى ابيضت، وازداد تنفُّسه: 

_المشاعر دي مستحيل تكون كذب، مستحيل كانت بتضحك عليَّ، لا..

هنا اهتزَّ الهاتف بجانبه، فتح عينيه ببطء،  نظر للشاشة، لينير اسمها.

ابتلع ريقه، وقلبه يخفق بعنف..مرَّات عديدة وهو ينظر للهاتف غير مصدِّق أنَّها هي، ظلَّ كما هو علَّه يفوق من تخيُّله، ولكن استمرار الرنين أفاقه للواقع. 

ليرفع الهاتف…ورغم تلهُّفه إليها إلَّا أنَّ إصبعه توقَّف للحظة، حين تذكر ما قهرته به، لحظات أخرى على الإصرار

ليجيب..ألو.

على الطرف الآخر…

رجفة، شهقات مكتومة، صوتٌ يحاول الثبات ولكنه فشل:

_إنتَ فين؟

صمت..صمتٌ قاتل..وهمسها يخترق روحه، حتى أقسم بداخله أنَّها لو أمامه لعاقبها بأشدِّ عقاب العاشق المذبوح.. استمع إليها وهي تقول، بصوتٍ متهدِّج حاولت تهدئته:

_بلال…إنتَ فين؟

تنهَّد، وصوته خرج باردًا رغم اشتعاله:

_يهمِّك في إيه يا رولا مكاني؟

_إنتِ مالك أكون فين..ولَّا نسيتي، وجع و عايزة تدوسي على جرح تاني؟

شهقة خرجت منها دون إرادة:

_بلال…أوعى تكسرني أكتر من كده… أنا تعبانة منَّك كفاية..إنتَ فين دلوقتي؟ 

أغمض عينيه لحظة، ثم قال بوجعٍ حاول إخفائه:

_إنتِ عايزة مني إيه؟

طلاق…وطلَّقتك، سيبتك حرة وبعدت، عشان تلاقي اللي يليق بيكي، بعيد عن بلال اللي مثِّلتي عليه.

صرخت فجأة، وقد فاق ألمها كلَّ حدود الاحتمال:

_إنتَ عندها صح؟! روحت لها يا بلال؟!

كالعادة بتهرب منِّي عندها، هي الصدر الحنين، وأنا القاسية صح، إنتَ كذاب يا بلال، لأنَّك محبتنيش، إنتَ ضحكت عليَّ..

شدَّ على المقود بقوة، يحاول السيطرة على غضبه:

_إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟

_ترجع الكمبوند، حالًا وتبعد عن البنت دي، أنا بكرهها، بكرهها أوي. 

ضحك بسخرية موجوعة:

_مينفعش.

_ليه؟…خايف على إحساسها، خايف توجعها لكن توجعني أنا، تطلَّقني وترميني بعد وعودك الكذَّابة، مش قادر تبعد عنها، جريت على حضنها علشان تثبت لنفسك انك ممكن تنساني صح، رايح تدوَّر على رولا فيها صح.

أطبق على أسنانه، ثم قال بحدَّة:

_أنا رايح شرم الشيخ دلوقتي..بطَّلي هبل.

سكتت لثوانٍ…ثم جاء صوتها كطعنة:

_شرم الشيخ!! رايح معاها صح؟!

أغمض عينيه، يتمتم بضيق:

_أستغفر الله العظيم…

إنتِ عايزة منِّي إيه؟

_تيجي دلوقتي، عايزة أتكلِّم معاك، لازم ترجع حالًا.

_أدار السيارة…لكن هذه المرَّة لم يعرف هل يهرب، أم يعود، ولكنَّه اتخذ قراره:

_لا…أنا خرجت من القاهرة، وبسوق، لازم أقفل..عايزة حاجة؟

بلال استنى…انهار صوتها، وشهقاتها تعلو:

بلال إنتَ لسة بتحبِّني صح، لو فعلًا بتحبِّني تعال دلوقتي، وطلَّقها وابعد عنها

_رولا مبقاش ينفع صدَّقيني.

أزالت دموعها بقوة تصرخ به:

_إنتَ محبتنيش اصلًا، لو كنت حبِّيتني…مكنتش رمتني كده، وقهرتني، أنا بكرهك يا بلال..سمعتني أنا بكرهك وبكره كل حاجة بتفكَّرني بيك.

توقَّف فجأة بالسيارة.

أنفاسه تعالت…وعيناه اتَّسعت وهو يسمع انهيارها..لحظة صمت.

ثم قال بصوتٍ خافت…مهزوم:

_رولا، كفاية بقى، قلبي مبقاش متحمِّل قسوتك... 

_لو مارجعتش دلوقتي وطلَّقت الحيوانة دي، صدَّقني هتكون خسرتني للأبد، سمعتني؟

_أنا بحبِّك أوي، بس اللي بتطلبيه دا صعب أوي دلوقتي..آسف 

قالها وأغلق الهاتف.

على الجانب الآخر…نظرت للهاتف المغلق بعيونٍ متَّسعة، لا تصدِّق أنَّه رفضها وذهب لغريمتها، هل حلمها سيتحقَّق، هل سيبات في أحضان الأخرى؟ ليثبت لها أنَّه يستطع أن يكمل بدونها..سقط الهاتف من يدها 

وانهارت.

بكاءٌ ممزَّق…شهقة تلو الأخرى…كأنَّ روحها تُنتزع منها..ومازال كابوسها يحرق روحها..تخيُّلات كادت أن تزهق روحها. 

حاولت الاتصال مجدَّدًا، مرَّة…اثنين…

لكن هاتفه أُغلق.

صرخت بألمٍ مزَّق الجدران:

_آآآه…!

دلفت رحيل مسرعة، على صوت بكائها:

_رولا! حبيبتي…في إيه؟!


ارتمت رولا في أحضانها، تنتفض كطفلةٍ مكسورة:

_ماما…خدها شرم، رايح يقضِّي شهر العسل…

رفعت عينيها المليئتين بالوجع، واختنق صوتها:

_ليه بيعمل فيَّا كده يا ماما، أنا بحبُّه… أنا بموت يا ماما…مش عايزاه يقرَّب من حد.

ضمَّتها رحيل بشهقة:

_رولا…جسمك سخن ليه، إيه ده؟ هدومك مبلولة كده ليه…؟

سقطت بين يدي والدتها، ترتعش، وهي تتمتم باسمه:

_بلال متسبنيش.

وصل يزن على أصواتهم:

الحقني يا يزن ! البنت جسمها مولَّع نار!

حملها يزن من بين يدي والدتها:

البنت هدومها مبلولة كده ليه؟ هاتي لها هدوم بسرعة!

انهارت رحيل بالبكاء وهي ترى الفراش مبلَّلًا، دقائق معدودة وهي تنزع كلَّ شيءٍ مبتل، وتبدِّل ثيابها.

خرج يزن واتصل بيوسف، الذي وصل بعد دقائق قليلة، وبدأ بالكشف عليها، وتعليق بعض المحاليل الخافضة للحرارة…

جلست رحيل بجوار ابنتها، تضع لها كمَّاداتٍ باردة، تنظر إليها بعينين دامعتين، ابنتها التي كانت كالفراشة، أصبحت الآن بلا ملامح.

رفعت رأسها نحو يوسف، الذي غفا على المقعد، ثم فتح عينيه على رنين هاتفه:

_أيوة يا ضي…لا، هفضل شوية، رولا حرارتها مرتفعة، نامي إنتِ.

أنهى المكالمة، واتجه نحو رولا يقيس حرارتها:

_إيه لسه سخنة؟

أومأت رحيل برأسها، فأجابها:

_إن شاء الله تنزل، متقلقيش، فيه فيروس منتشر الأيام دي، هيَّ محتاجة سوائل دافية كمان.

نظرت إليه بمرارة:

_عجبك اللي ابن عمَّك عمله يا يوسف؟

رفع عينيه إليها:

_طنط رحيل، أنا مينفعش أقول ده صح ولَّا غلط…دي حياتهم همَّا، واللي يدخل بينهم خسران.

بس أنا بسألك كابن خالها، مش كدكتور…

تنهَّد قليلًا:

_في نظري الاتنين غلطانين.

اشتعلت عيناها:

_بنتي مغلطتش يا دكتور!

ردَّ بهدوءٍ حازم:

_بنتك لو خرَّجتيها من ديسكو هتقولي مغلطتش، مين فينا بيقول على نفسه غلطان، رولا مش بريئة زي ما حضرتك شايفة، وبلال برضو مش بريء…بس فيه غلط بيتصلَّح، وفيه غلط عايز سنين علشان يتنسي.

هتفت بانفعال:

_ولمَّا يتجوز عليها…ده يتغفر؟

عقد ذراعيه وتنهَّد:

_بلاش كلمة يتجوز عليها دي يا طنط… تقيلة أوي، فين الجواز أصلًا، دي ورقة عليها اسمين…أي حد يعملها.

حاولت مقاطعته، فرفع يده:

_آسف…بس بلال اتحطِّ في موقف، صح أو غلط، كان لازم يخرج منه، وقتها جوازه من رولا ماكنش مستقر، وحضرتك عارفة إنَّها كانت رافضة من البداية…وهوَّ كان ماشي بمبدأ إنُّه حر.

نظرت له بعدم تصديق:

_إنتَ مصدَّق الكلام ده يا يوسف؟

أنا بحاول أوصل لنقطة، بنتك في حضنك، موجوعة آه، بس وسط أهلها…إنَّما هو، محدش حاسس بوجعه…وآخرهم أبويا اللي طرده من بيته.

قالت بحزن:

_أنا كلِّ اللي يهمِّني بنتي، اللي بتموت يوم ورا التاني.

مسح على وجهه بضيق، لكن قاطعهما أنين رولا الخافت:

بلال…

اقترب منها، نظر إلى المحلول، ثم أخرج حقنة وأعطاها لها:

_كده هتنام للصبح…حرارتها نزلت شوية، ولو عليت تاني كلِّميني.

_تمام يا حبيبي…تسلم إيدك، وآسفة صحيناك.

ابتسم بخفوت:

_رغم طولة لسانها، بس دي أختي… أوعي تفكَّري بفرَّق بينها وبين بلال… الاتنين إخواتي، ونفسي يرجعوا لبعض.

أشار إلى رولا:

_شايفة بتموت عليه، ومفيش غير اسمه على لسانها…عقَّليها يا طنط، صعب تلاقي حد زي بلال، وأنا لو مش بحبَّها، مكنتش هخاف عليها تخسره.

دخل يزن في تلك اللحظة:

_إيه لسه تعبانة؟

_لا يا حبيبي، حمَّى بسيطة، هتلتزم بالعلاج وتبقى كويسة.

ربت يزن على كتفه:

_شكرًا يا حبيبي.

ابتسم يوسف:

_ بتشكرني على إيه يا خالو؟ المفروض تحاسبني بقى بكام ألف…كفاية صحِّيتني من النوم.

ضحك يزن وهو يرافقه للخارج…

بينما ظلَّت رحيل بجوار رولا، لا تفارقها.

مضت عدَّة أيام والحال كما هو، إلى أن عاد  بلال من شرم الشيخ.. 

دلفت اليه رحيل 

_بلال رجع من شرم، وبنتك لسة حابسة نفسها

_رحيل سبيها، لازم تفوق 

اقتربت منه غاضبة

_لحد امتى هتفضل تضغط عليها يايزن، حتى لما فاقت من تعبها مهنش عليك تقولها ألف سلامة

_ممكن تسبيني أربي بنتي بطريقتي، دا الولد معملش اللي هي عملته

امسكت كفيه

_يزن أنا خايفة البنت تعمل حاجة في نفسها، رولا بتحبه اوي، كلمه يايزن خليه يرجعها 

تنهد متألمًا 

_مينفعش، مستحيل اقلل منها، لازم بنتك تفوق وهي اللي تدافع عنه دا لو هي عايزاه


بمنزل أرسلان…

كان يوسف شاردًا، غارقًا في كلمات الطبيب التي لا تفارق أذنه:

_إيه يا دكتور…مفيش تحسُّن عن الأوَّل؟

خلع الطبيب نظَّارته، ونظر إليه نظرة أبوية:

_بص يا يوسف…أنا بعتبرك ابني، وإنتَ دكتور وعارف، مش هلفِّ عليك بالكلام..فيه تحسُّن آه…بس بطيء جدًّا، الحالة محتاجة وقت طويل، وصبر أكتر..متربطش نفسك بوقت معين.

خرج من شروده على رنين هاتفه:

_ أيوة يا دكتور…

_مستنيك في مكتبي يا يوسف.

_حاضر, مسافة الطريق.

أغلق الهاتف، واتَّجه للداخل…لكنَّه توقَّف فجأة، صوت ضي كان كافيًا ليشلَّ حركته.

_تعبت يا ماما، مبقتش قادرة أتحمِّل، كلِّ ما أفتكر إنِّ رولا اللي لسه متجوزة من شهرين، كانت حامل، وأنا داخلة على سنتين ومفيش جديد…

ردَّت غرام بصوتٍ  حنون، رغم القلق:

_يا حبيبتي، مش شرط المدَّة، كلُّه بإيد ربِّنا.

استدارت ضي إليها، وعيناها تمتلئانِ بالدموع:

_بس أنا ما بقاش عندي صبر، نفسي في بيبي يا ماما، ومبقتش فاهمة سكوت يوسف، ليه بيعمل كده؟

تراجع يوسف خطوة للخلف…

وكأنَّ كلَّ كلمة طُعنت في صدره.

لم يحتمل أكثر استدار سريعًا، خرج، استقلَّ سيارته وانطلق بها بسرعةٍ جنونية، وكأنَّ الهروب هو نجاته الوحيدة.

ليشقَّ صوت السيارة السكون..خرجت ضي على أثره، تنظر خلفه بذهول…

ولحقت بها غرام:

_واقفة كده ليه يا ضي؟

استدارت إليها بتنهيدة موجوعة:

_يوسف مشي، حتى من غير ما يقولِّي.

حاولت غرام التخفيف عنها:

_يمكن اتأخَّر على شغله يا حبيبتي، وبعدين هوَّ عارف إنِّك هنا.

تنهَّدت ضي، وقالت بصوتٍ مكسور:

_والله يا ماما مش عارفة أخاف على مين..حياة بلال اللي اتدمَّرت في يوم وليلة…ولَّا خوفي من سفر يوسف.

تجمَّدت ملامح غرام:

_سفر يوسف؟!…هوَّ لسه بيفكَّر في السفر؟

اقتربت منها، أمسكت بيدها، وسحبتها نحو الأريكة:

_تعالي…عايزة أتكلِّم معاكي.

جلست ضي بجوارها، بينما كانت غرام تراقبها بقلق:

_يا حبيبتي عدم الحمل لحدِّ دلوقتي مش معناه إنِّ في مشكلة…سيبيها على الله، المهمِّ إن جوزك بيحبِّك.

مرَّرت ضي يدها على وجهها، وغصَّة ثقيلة تخنقها…لم تعرف بماذا ترد.

رفعت غرام ذقنها برفق:

_مالك يا حبيبتي؟

اهتزَّ صوتها، وامتلأت عيناها بالدموع:

_مش عارفة…حاسة إنِّي مخنوقة أوي، كأنِّ في حاجة تقيلة على صدري…

سحبتها غرام إلى أحضانها، تمسِّد على ظهرها بحنان:

_سلامتك من الحزن يا قلبي…مالكم يا ولاد أرسلان، إيه اللي حصل لكم كده؟

ابتعدت عنها ضي قليلًا، ومسحت دموعها، ثم بدأت تحكي…

قصَّت عليها كلَّ ما قالته الطبيبة.

صمتت غرام لحظة، ثم قالت بحذر:

_طب…يمكن يوسف عنده مشكلة؟

هزت ضي رأسها سريعًا، وكأنَّها ترفض الفكرة:

_لا يا ماما…ده هوَّ اللي طلب منِّي آخد مانع حمل ليلة الدخلة، وأنا رفضت.

اتَّسعت عينا غرام بصدمة حقيقية:

_يوسف طلب كده!! وليه؟

معرفش، بس في حاجات كتير بتلفِّ في دماغي، شهور عدِّت، عدِّينا سنة ونص، ومفيش أي جديد، وكلِّ ما أفتح الموضوع يقولِّي نصيب…

ابتلعت ريقها، وأكملت بصوتٍ متردِّد:

_وده غير إنِّ طنط ميرال طلبت مني أجِّل الحمل شوية.

قاطعتها غرام بسرعة:

_استني…إزاي؟! ميرال نفسها من فترة كانت بتسألني ليه ضي ما حملتش!

أسندت ضي رأسها للخلف، وكأنَّها استسلمت للتعب:

_معرفش…بس إحساسي بيكبر كلِّ يوم، يوسف مخبي عليَّ حاجة.

توقَّفت لحظة، ثم همست:

من فترة شفت محادثة بينه وبين دكتور في ألمانيا، كانوا بيتكلِّموا عن حاجة، شبه عرض شغل، ما كمِّلتش، لأنه دخل عليَّ…وبعدها مسح الرسالة.

اعتدلت فجأة، وأمسكت بيد والدتها بقوة:

_أنا خايفة يا ماما، خايفة أصحى في يوم ألاقيه سافر وسابني…أو…

انكسر صوتها..

أو ألاقي نفسي لوحدي، من غير طفل، ومن غيره، أنا بحبُّه أوي يا ماما أوي، حاسَّة لو بعد عنِّي هموت. 

شدَّتها غرام إلى صدرها بقوة، وكأنَّها تحاول حمايتها من كلِّ شيء:

_لا يا حبيبتي…طول ما أنا عايشة، عمرك ما هتكوني لوحدك، وهوَّ بيحبِّك، لا دا بيعشقك، بلاش كلام أهبل، سفر إيه، دي وساوس. 

تراجعت عن أحضان والدتها:

_أنا حاولت أوقَّعه في الكلام، بس هوَّ مقالش حاجة لأنُّه عارف إنِّي بكره السفر أوي، ومستحيل أسافر، إنتي ناسية رفضت أكمِّل تعليمي برَّة، يعني حافظني يا ماما.

احتضنت وجهها:

_قومي حبيبتي صلِّي ركعتين لله، ابعدي الشيطان عنِّك، جوزك بيحبِّك ومستحيل يبعد، وموضوع الخلفة دا إن شاءلله مجرَّد وقت..كانت تقول شيئًا، ولكن هناك قلقًا أكبر…وخوفًا لا يُقال.

_ردَّت ضي:

_ماما أنا خايفة وتعبانة. 


نظرت لها غرام بهدوء، تحاول أن تحتوي اندفاعها:

_يا حبيبتي…يمكن إنتِ مكبَّرة الموضوع…وبعدين إحنا قفلنا سيرة السفر دي، ليه رجعتي تفتحيها تاني؟

هزَّت ضي رأسها بعناد، وعيناها ممتلئتانِ بالقلق:

_الرسائل اللي بتجيله وبيمسحها… وآخر حاجة إنُّه فصل الإيميلات عن بعض…بحجِّة إنِّ في عطل في اللاب!

توقَّفت لحظة، ثم همست بصوتٍ مهتز:

أنا حاسة إنُّه بيبعد عنِّي واحدة واحدة…

_قومي يا ضي صلِّي واطردي الشيطان. 


في المستشفى…

دلف يوسف إلى أحد المكاتب، يلقي السلام بهدوء:

_السلام عليكم…

استدار إليه أستاذه بابتسامةٍ خفيفة:

_وعليكم السلام…يا مرحب بدكتورنا اللي تعبنا.

ابتسم يوسف ابتسامة باهتة:

_إزاي حضرتك يا دكتور؟

أشار له الطبيب بالجلوس:

_كلِّمتك مرِّتين وما رديتش يا دكتور يوسف.

خفض يوسف نظره قليلًا:

_آسف…كان عندي مناسبة عائلية، وآسف إنِّي شغلت حضرتك، ممكن أعرف حضرتك طلبتني ليه؟

فتح الطبيب جهازه، وأداره نحوه:

_بعت لك الرسالة دي…ما وصلتش؟ تحبِّ تفسرلي إيه السبب؟

تردَّد يوسف لثانية، ثم قال بهدوء:

_كان في عطل…آسف.

نظر له الطبيب نظرة طويلة، وكأنَّه يقرأ ما خلف كلماته…ثم قال:

_طيب، البروفيسور رد إيه على العرض اللي بعتُّه؟

أدار الشاشة أمامه أكثر.

انحنى يوسف قليلًا…

وبدأ يقرأ..ومع كلِّ سطر كانت ملامحه تتغيَّر، لم تكن مجرَّد رسالة…كانت بابًا لحياةٍ أخرى.

قرأ بصوتٍ خافت:

«زمالة بحثية وجراحية في جراحات القلب المعقَّدة لمدِّة ثلاث سنوات…»

توقَّف لحظة…ثم أكمل، ونبرة صوته تحمل دهشة واضحة:

«العمل ضمن فريق دولي متخصِّص… والمشاركة في أبحاث تُنشر في مجلات طبيَّة عالمية…»

تجمَّد عند السطر الأخير…

وعيناه لمعتا رغمًا عنه:

«المشاركة في مشروع بحثي عن علاج جديد لفشل عضلة القلب…على أن تُنشر النتائج في مجلة علمية عالمية…»

سكت..كأنَّ الكلمات علقت في صدره.

قال الطبيب بإعجابٍ صادق:

_ده مش عرض حلو بس…ده حلم أي دكتور قلب.

ثم أضاف وهو يشير إلى الشاشة:

_مش أي حد توصله الفرصة دي يا يوسف.

أغمض يوسف عينيه لثانية، ثم فتحهما ببطء:

_عارف…

كانت الكلمة أقرب لزفرة.

راقبه الطبيب باهتمام:

_طيب ناوي تعمل إيه؟ أوعى ترفض.

وأشار مرَّةً أخرى:

_شايف، الوقت قليل جدًّا، هم بيكوِّنوا الفريق دلوقتي.

أطرق يوسف رأسه وصمت، داخله كان صاخبًا بين حلمٍ انتظره سنوات، وحياةٍ يخشى أن تنهار لو تركها.

فقال أخيرًا، بصوتٍ هادئ يخفي عاصفة كاملة:

_عارف…للأسف.

مرَّت لحظة صمتٍ ثقيلة، ثم رفع رأسه، وكأنَّه يؤجِّل المواجهة لا أكثر:

_مش مشكلة…لمَّا أرجع من شرم هردّ عليك. 

_على العموم كل حاجة جاهزة، التأشيرة وكله

توقف يوسف

_انا من فترة اخدت الجنسية

_طيب كويس،  يبقى معاك الألمانية، وهو بيشتغل على الامريكية متخافش، موصي عليك 

_شكرا لحضرتك، وحضرتك هتسافر امتى

_النهاردة بالليل، ولادي خلاص جابو اخرهم من هنا

_فيه حد يزهق من مصر برضو 


بغرفة شمس…

كانت منهمكة في أوراقها البحثية، تقلِّب الصفحات بتركيز، تحاول أن تلهي عقلها بعد اتِّصالها ببلال الذي رفض العودة إلى منزل والده.


دلفت ميرال، تحمل فنجان قهوتها:

عملت لك قهوة وأنا جايَّة.

خلعت شمس نظَّارتها الطبية، ونهضت من مقعدها، تتناول الفنجان بابتسامةٍ خفيفة:

_تسلم إيدك يا حبيبتي، جت في وقتها فعلًا.

جلست ميرال بجوارها، تراقب ملامحها عن قرب، وابتسامة أمومية دافئة تزيِّن وجهها:

_بالهنا على قلبك يا روح ماما…قولي بقى، كنتي عايزة منِّي إيه؟

وضعت شمس الفنجان واستدارت، جلست مقابلةً لها، عاقدةً ساقيها، تنظر إليها لثوانٍ…قبل أن تقول بصوتٍ جاد:

_مامي إيه اللي بيحصل، ليه بلال مش موجود معانا؟ هوَّ اتخانق مع رولا ولَّا إيه؟

صمتت ميرال..

نظرت إليها بحزنٍ ثقيل، وكأنَّ الكلمات تأبى الخروج.

رسمت ابتسامة باهتة، ومرَّرت أناملها على خدِّ ابنتها:

_يا حبيبتي ركِّزي في مذاكرتك بس، وسيبي الكلام ده دلوقتي.

هزَّت شمس رأسها برفض، وقد بدأت عيناها تلمعان:

_مامي لو سمحتِ…أنا مبقتش صغيرة. يوم عيد الميلاد شفت في عيون بلال حاجة خوِّفتني، مش مجرَّد حزن..لأ، ده كان مكسور أوي.

ابتلعت ريقها، وأكملت بصوتٍ مختنق:

_لو مش حرام، كنت حضنته وطبطبت عليه، أنا بحبِّ بلال أوي يا مامي، ومش بحبِّ أشوفه كده.

توقَّفت لحظة، ثم أضافت بألم:

_وكمان أوَّل عيد ميلاد له، ورولا مش معاه، مراته، حبيبته.

أطرقت ميرال رأسها، ثم رفعت عينيها إليها ببطء، وقالت بهدوءٍ موجع:

_بلال ورولا اتطلَّقوا.

شهقت شمس، واتَّسعت عيناها بصدمة، وانسابت دموعها رغمًا عنها:

_ليه يا مامي، ليه؟! ده بيعشقها!

ابتعدت ميرال بنظرها، وكأنَّها تهرب من عيون ابنتها:

_نصيب يا بنتي…ربِّنا يهدي لهم الحال.

هزَّت شمس رأسها بعنف، ودموعها تتساقط:

_لا…أكيد في حاجة غلط! بلال مستحيل يتخلَّى عن رولا، أكيد هيَّ اللي زعَّلته، هوَّ أصلًا عمره ما يزعلها…

مسحت دموعها بسرعة، واقتربت منها، جاثيةً على ركبتيها أمامها:

_طب أقولِّك سر..هوَّ كان حكالي إنه بيحبَّها من زمان أوي، وكان مستعد يستنَّاها سنين.

رفعت عينيها إليها، وصوتها يرتجف:

_إزاي بعد كلِّ الحبِّ ده يزعَّلها؟ إزاي ممكن حد يتنازل عن اللي بيحبُّه بسهولة؟

احتضنت ميرال وجهها بين كفَّيها، ومسحت دموعها برفق، وعيناها تمتلئان بشيءٍ أعمق من الحزن:

_شمسي البريئة.

توقَّفت لحظة، كأنَّها تختار كلماتها بعناية:

_مش كلِّ اللي بيتساب…بيتساب بإرادته.

نظرت لها شمس بعدم فهم.

أمَّا ميرال…فتابعت بصوتٍ خافت، يحمل وجعًا دفينًا:

_في حاجات بتكسرنا، وتخلِّينا نسيب أغلى ناس عندنا، غصب عنِّنا.

صمتت..

لكن عينيها قالت ما لم تقله الكلمات، 

أنَّ الحكاية أكبر، وأوجع…ممَّا تتخيَّل شمس.

باليوم التالي…

توقَّف حمزة أمام سيارته، يستند إليها بذراعيه، وعيناه معلَّقتان بباب المنزل، 

وما إن فُتح الباب…حتى خرجت شمس مسرعةً نحوه، عيناها محمرَّتان، ودموعها تسبق خطواتها، لم تمهله لحظة…

ارتمت بين ذراعيه.

التقطها من خصرها بعفوية، كأنَّها الشيء الوحيد الذي يخشى سقوطه، ودفن وجهه بين خصلات شعرها، يستنشقها وكأنَّه يعود للحياة:

_وحشتيني أوي يا شمسي…

لكن شهقتها قطعت أنفاسه، شعر بجسدها يرتجف بين يديه.

ابتعد قليلًا، يرفع وجهها بكفَّيه، يبحث في عينيها بقلق:

_شمس…إنتِ بتعيَّطي؟

مسحت دموعها بظهر كفِّها بعفوية طفولية، وخرج صوتها  مكسورًا:

_كنت تعرف إنِّ بلال طلَّق رولا؟

تجمَّد للحظة…زفر بصمت، ولم يُجب.

اقتربت خطوة، وعيناها تتشبثان به، تنتظر منه النفي:

_كنت تعرف…وما قولتليش، ليه؟

إنتَ عارف بلال بالنسبالي إيه؟

قال بهدوء حاول أن يجعله ثابتًا:

_أه…عارف ابن عمِّك.

رفعت رأسها بصدمة، وكأنَّ كلماته جرحتها:

_لا مش ابن عمِّي بس…دا أخويا، دا حياتي كلَّها كانت معاه…

ابتسم ابتسامة باهتة، يحاول التماسك:

_شمس…بلال مش أخوكي، ابن عمِّك.

دفعته بقبضتها الصغيرة على صدره، تبكي بانهيار حقيقي هذه المرة:

_دا كلِّ اللي همَّك؟!

إنتَ متعرفش هوَّ كان بيحبَّها قدِّ إيه…

دا كانت عشقه المستحيل، إزاي طلَّقها بعد كل الحبِّ دا؟!

إزاي قدرت تعمل فيه كدا وتكسره؟!

أنا متأكدة إنَّها هيَّ السبب…

أمسك يدها سريعًا، يضمُّها بكفِّه، يمنعها من السقوط:

_شمس…اهدي..

دا نصيبهم، خلاص، اطلَّقوا وافترقوا.

نظرت له بعيونٍ ممتلئة بالخذلان، وكأنها لم تسمع منه ما كانت تحتاجه:

_بالبساطة دي؟

بعد الحبِّ دا كلُّه…تقول نصيب وافترقوا؟

يعني مفيش حب بيدوم؟

يعني…ممكن تعمل فيَّا كدا؟

اتَّسعت عيناه بصدمة، وهزَّ رأسه بسرعة، يرفض حتى الفكرة، وسحبها إلى صدره بعنفٍ حنون، يضمُّها كأنَّها ستُنتزع منه:

_مستحيل…أنا بعشقك

مقدرش يوم يعدِّي عليَّا من غير شمسي…

دفن وجهه في عنقها، وصوته خرج خافتًا، صادقًا، ومحمَّلًا بخوفٍ لم يعترف به من قبل:

_إنتِ مش بس حُب، إنتِ أماني كلُّه…

ورغم ذلك لم تتوقَّف عن البكاء، لكن هذه المرة، لم تكن تبكي على بلال فقط، بل على خوفٍ بدأ يكبر داخلها، أنَّ الحب…مهما كان عظيمًا، قد لا يكون كافيًا.

أبعدته عنها، تنظر إليه بعينين يغمرهما الخوف أكثر من الدموع:

_ماهو كان بيعشقها يا حمزة… وبسهولة طلَّقها،

بغض النظر مين غلطان، بس طلَّقها.

مدَّ يديه يحتضن وجهها برفق، كأنه يخشى أن تنكسر بين ذراعيه، وانحنى يطبع قبلةً سريعةً على شفتيها، يحمل بها كلَّ ما يعجز عن قوله:

_مستحيل…حمزة وشمس غير أي حد في الدنيا.

ارتعش صوتها، وخرج محمَّلًا بوجعٍ حقيقي:

_حمزة…أنا من امبارح وقلبي وجعني أوي، خايفة تعمل فيَّا زيه…

شدَّ على وجهها بين كفَّيه، يقرِّبها منه أكثر، وعيناه تغليان برفض فكرتها:

_حبيبتي…إيه اللي بتقوليه دا؟

أنا بعشقك…يعني بعد الحبِّ دا كله أبعد عنِّك؟!

أدارت وجهها قليلًا، تمسح دموعها بإصرار، تحاول أن تقسو على نفسها:

_أنا لازم أحصَّن نفسي من الحبِّ اللي يقهر دا…

رفع حاجبه، يحاول كسر حدِّة الموقف بطريقته، لكن صوته كان يحمل قلقًا حقيقيًّا:

_نعم يا أختي تحصِّني نفسك؟!

حصِّني بالأذكار، وإنتِ في حضني…

دفعته بقوة، والغضب يشتعل في عينيها:

_إنتوا كلكوا كذابين..

وممكن تتخلُّوا بسهولة!

لم يحتمل…سحبها فجأة من خصرها، بقوةٍ أربكتها، وضمَّها إليه بعنفٍ مشوب بالغيرة والخوف، وخرج صوته  حادًّا لأول مرَّة:

_كلمة كمان، هشيلك وأحطِّك في العربية، وأعرَّفك إزاي أكذب وإزاي أتخلَّى…

متبقيش هبلة كدا…بلال ورولا غيرنا!

انحنى نحوها، يهمس بجوار أذنها، وقال بنبرةٍ خطرة و أعمق:

_مفيش غير حمزة واحد وشمسه، مستحيل حد يوصل لحبِّي ليكي..

توقَّف لحظة، ثم أكمل بصوتٍ منخفض، يحمل تهديدًا خافتًا بقدر ما يحمل وجعًا:

_ولو غلطِّي تاني، أو شكِّيتي في حمزة، 

هزعَّلك يا شمس، ويكفيكي شرِّ زعلي…

ابتعد قليلًا، ينظر لعينيها مباشرة، وكأنَّه يضع قلبه بين يديها:

_إلَّا قلبي يا شمس، إنتِ في كفَّة، والعالم كلُّه في كفَّة.

تركها بعدها فجأة، كأنه يخشى أن يضعف إن بقي أكثر، ظلَّت تنظر إليه للحظات..

كلماته أربكتها، أخافتها، ولامستها في الوقت ذاته.

لكن خوفها كان أقوى من طمأنته، 

استدارت دون كلمة، تتَّجه نحو المنزل بخطواتٍ سريعة، وخصلات شعرها تتطاير خلفها بعصبيةٍ واضحة.

أمَّا هو فبقي مكانه، ينظر لظهرها الراحل، وقلبه لأوَّل مرة، يشعر بالعجز أمام خوفٍ لا يستطيع أن يحاربه بدلًا عنها.

رفع هاتفه: 

_بلال إنتَ فين؟ 

لسة واصل بيتي..في حاجة؟

_أه عايز أقابلك ضروري، خمس دقايق وأكون عندك. 

_تمام...هبعت لك اللوكيشن.

_عارف شقِّتك...قالها وأغلق الهاتف. 


في مكانٍ آخر.. 

دلف إلى مكتبه ووضع أمامه دفتر..

_كلِّ حاجة هنا يا باشا. 

نفخ سيجاره الكوبي بالهواء وهو ينظر للأعلى:

_قول...أنا مش لسة هقرأ. 

_تمام حضرتك. 

_فعلًا زي مارؤى قالت، البنت اتجوِّزت ابن عمَّها فترة، وعرفنا ابن عمَّها دا متجوز بنت يتيمة، ليها ابن عم بس طليقها واخد عليه شيكات يعني ضمنه، ومشاكل بينها وبين طليقها، دا اللي خلَّاها تتجوز ابن الشافعي، بس الغريب إنُّه ترك الكمبوند، وقاعد حاليًا مع البنت التانية. 

اعتدل ونظر إليه:

_ورولا فين، تعرف إنُّه متجوز؟ 

_طلَّقها من فترة، عرفنا من الداخل إنَّها عرفت وطلبت الطلاق. 

_حلووو أوي يا شاكر، كمِّل. 

_بس هيَّ ما بتخرجش برَّة الكمبوند نهائيًا.

_هتخرج، لازم هتخرج، المهم الدكتور عينك ما تفرقوش، عايزك زي ظلُّه، لأنُّه هوَّ اللي هيجبها. 

_مش فاهم حضرتك؟

_مش ضروري تفهم، خلِّينا ندخل على الخطوة التانية، علشان لو مجتش بالدكتور تيجي لأخوها، حدِّد موعد معاه، جه الوقت اللي نعملُّه زيارة. 

_أه بس متنساش، فيه حراسة عنده، ومش أي حراسة، دي شركة إلياس الشافعي.

تهكَّم وتوقف متَّجهًا إلى الشرفة:

_غبي يا شاكر، أنا هروح له عميل، عادي ودا مش هيخلِّيهم يشكُّوا.

اقترب الرجل منه: 

_أه لكن دول بيجيبوا حياة أي حد بيدخل المبنى. 

_ملكش فيه، المهم نفِّذ، اطلب مقابلة، وورق القضية يكون على مكتبه قبل ما ندخله.

_تحت أمرك يا باشا...محتاج منِّي أي أوامر تانية؟

أشار بكفَّيه بالخروج، خرج الرجل بينما تراجع الآخر، وجلس على مقعده،  فتح شاشته على صورة رولا يلتهمها بنظراته: 

_المرَّة اللي فاتت فلتِّي، لكن أوعدك أيام وهتكوني في حضني، متعرفيش عملتي فيَّا إيه يا بنت يزن ورحيل. 


بمنزل مالك.. 

دلفت إلى غرفة طفلتها وجدته يلعب مع أطفاله.. 

_مالك، عملت لك قهوة. 

رفع عيناه إليها، ثم نظر لأبنائه:

_كمِّلوا لعب حبايبي..فريدة العبي مع أخوكي بس متجريش حبيبتي.

_عارفة يا بابا، فريدة مينفعش تجري علشان متتعبش وتجيب دم كتير.

اغروقت عيناه بالدموع، انحنى وقبَّل ابنته: 

_ألف سلامة عليكي يا روح بابا..نظر إلى طفله: 

_حبيبي خلِّي بالك من أختك.

_متخافش يا بابا، أنا هاخد بالي منها، وهنلعب بدون إرهاق، مش كدا يا فري؟

أومأت الصغيرة برأسها، فنهض متَّجهًا إلى زوجته التي خرجت إلى الشرفة، تحاول أن تسيطر على دموعها.

حاوط جسدها يسحبها تحت ذراعيه، وضعت رأسها بصدره:

_أنا خايفة أوي يا مالك، خايفة البنت يحصل لها حاجة. 

مسَّد على خصلاتها بحنان: 

_متخفيش حبيبتي، دا امتحان من ربِّنا لازم نكون قدُّه، المهم عايزك تجهزي، علشان هنسافر بكرة بالليل، إسلام كلِّمني وقالي حجز للعملية.

اعتدلت تقف أمامه:

_مش هقدر يا مالك، حرام عليك، صعب عليَّ أشوفك إنتَ والبنت في غرفة العمليات.

احتضن وجهها ينظر لعينيها:

_غادة، لازم أنقذ البنت، مينفعش نسبها للكيماوي، مادام في علاج تاني، حبيبتي سبيها على الله، وكلِّ المكتوب لازم هنشوفه.

حاوطت خصره، ودفنت رأسها بصدره تبكي بصمت..لفَّ ذراعيه حول جسدها:

_ادعي لها يا غادة، بدل ما تعيَّطي ادعي لها.

بمنزل طارق.. 

خرجت من المطبخ تحمل الكيك، وضعتها على الطاولة تنادي على المربية:

_هاتي الولاد. 

ركض طفلها إليها: 

_مامي عملت تورتة حلوة لعلي.. ابتسمت وانحنت تقبِّله على وجنتيه:

_حبيب مامي، بس دي مش علشان علي، دي علشان أخو علي، مش علي بقى عنده أخ كبير اسمه حازم؟ 

توقَّف حازم لدى الباب عاقدًا ذراعيه ينظر إلى هند بكره..اعتدلت تنظر إليه:

_ياله حبيبي قرَّب، علشان تطفِّي الشمع.

اقترب ومازالت نظرات الكره موجَّهة إليها، ثم مدَّ يده وسحب التورتة لتسقط على الأرضية، ونظر إليها مشمئزًّا:

_أنا بكرهك، متحاوليش تعملي بريئة. 


بمنزل يوسف…

دلف إلى منزله بعد يومٍ طويل أثقل كاهليه، لكن التعب الحقيقي لم يكن في جسده، بل في قلبه..توقَّف عند باب الحديقة..

رآها جالسة وحدها، شاردة، كأنها لم تشعر بشيء.

ظلَّ يراقبها للحظات، وقلبه يعتصر ألمًا يعرف سببه…لكنه يعجز عن علاجه.

اقترب ببطء، ثم أحاط كتفيها بذراعيه، محاولًا أن يبدو طبيعيًا:

_مساء الخير يا حبيبي…

رفعت رأسها نحوه، ابتسامة باهتة بالكاد وُلدت على شفتيها:

_مساء النور.

جلس على ذراع المقعد، يراقب ملامحها التي لم تعد كما كانت:

_قاعدة كدا ليه؟

تنهَّدت بعمق، وكأنَّها تُخرج ما بداخلها من ثِقل:

_هعمل إيه؟ خلصت شغلي، مفيش حاجة أعملها.

قولت أقعد بدل ما أتجنِّن من الوحدة، 

كلمة "الوحدة"…سقطت عليه كطعنةٍ حادَّة.

ابتلع ريقه بصعوبة، يحاول الهروب من الإحساس الذي خنقه:

_وحدة إيه بس..

ما رحتيش عند مامتك أو ماما ليه؟

انتفضت من مكانها فجأة، وكأنَّ شيئًا انفجر بداخلها:

_اعتبرني رحت وجيت.

أشارت إلى المنزل، وصوتها بدأ يرتجف، يحمل قهر سنين:

_ليه البيت الطويل العريض دا، مادام هنفضل إحنا من غير أطفال؟!

هذه المرَّة…لم يتحمَّل.

نهض بسرعة، كأنَّ الأرض لم تعد تتَّسع له، واتَّجه للداخل، بدون كلمة، بدون حتى أن ينظر لها.. تركها، كما يترك الهارب جريمة لم يستطع مواجهتها.

ظلَّت واقفة مكانها، تنظر لظهره الذي ابتعد…هنا انكسرت، وانسابت دموعها ببطء، ثم انهارت على المقعد، تبكي بصمتٍ موجع، دقائق مرَّت كأنها دهر

حتى نهضت، صعدت إلى الأعلى، 

دلفت إلى الغرفة تبحث عنه، لم تجده.

ولكن صوت المياه في الحمَّام يدلُّ أنَّه بالداخل.

التفتت…رأت هاتفه على الفراش.

تردَّدت، لكن قلبها كان أسرع من عقلها.

اقتربت ويدها ترتجف، فتحت الهاتف..

بدأت تبحث ثوانٍ، تحولت إلى دقَّات قلبٍ عنيفة…حتى توقَّفت عينيها، تثبَّتت على رسالة وقرأت:

_لقد قبلت الشروط، وسأسعى إلى الجنسية، لكن أريد بعضًا من الوقت، شهرًا أو أكثر، هذا الموعد لا يناسبني، ستكون إقامة دائمة.

أكيد تعلم أنَّني أنتظر هذا منذ زمن طويل.

وآخر محادثة تحدَّثنا كثيرًا أنَّني أسعى منذ عدَّة سنوات…فالآن أريد منك المساعدة، أن تُمهلني وقتًا كافيًا، حتى أُدبِّر أموري في مصر.

سقط الهاتف من يدها، لم تعد تسمع، لم تعد ترى…كأن الأرض مالت بها، وكأن الحقيقة جاءت أقسى مما تخيّلت.

همست بصوتٍ مرتعش مكسور:

_كنت حاسَّة، تراجعت خطوة ثم أخرى:

_ليه يا يوسف؟

دموعها انهمرت دون توقُّف، وصدرها يعلو ويهبط بعنف:

_يعني كنت بتضحك عليَّا؟

وضعت يدها على قلبها، تحاول أن تُبقيه مكانه:

_كمِّلت الجواز…علشان توصل للي عايزه؟

بدأت أنفاسها تختنق، والأفكار تنهش عقلها بلا رحمة:

"عشان كدا…كان بيرفض الخلفة…"

"عشان كدا دايمًا مأجِّل"

رفعت رأسها، وملامحها تحوَّلت من انكسار…إلى وجعٍ حارق:

_كنت مستنِّي تمشي…

من غير ما يربطك أي حاجة بيَّا صح؟!

ضحكت…ضحكة مهزوزة، مؤلمة، أقرب للبكاء:

_حتى حلمي حرمتني منُّه.

وضعت يدها على بطنها، بعفوية موجعة…

وكأنَّها تلمس حلمًا لم يُولد:

_حرمتني أبقى أم، علشان ما يربطناش حاجة.

لم تكن تبكي فقط على خيانة…

بل على عمرٍ كانت تعيشه، وتكتشف الآن أنه كان…مؤقَّتًا.

خرجت من الغرفة بخطواتٍ مترنِّحة…

وقلبها، لم ينكسر فقط، بل سقط، دون أن تجد من يلتقطه.. 


مساء اليوم التالي…


أنهت زينتها وقرَّرت أن تأخذ حقَّ قلبها منه، عاد من عمله على حفلةٍ رومانسية قد أعدَّتها بإتقان، ولا يعلم أنَّه سيصبح على ألمٍ يزهق روحه... استيقظ من نومه، وجدها جالسة تنظر إليه بصمتٍ مريب:

_صباح الخير حبيبي. 

نهضت من مكانها وقالت:

_ صباح الخير..محبتش أمشي وإنتَ نايم.

اعتدل ينظر بساعته:

_ تمشي تروحي فين؟ لا مفيش شغل النهاردة، ناوي أخطفك يومين.

زمَّت شفتيها بسخرية، ثم اتَّجهت لحقيبتها ورفعت هاتفها:

_ اطلعي نزِّلي الشنط.

قطب جبينه ينظر إلى الحقائب بجوارها:

_ إيه الشنط دي ورايحة فين؟

استدارت تنظر إليه:

_ همشي يا يوسف، علشان مبقاش عقبة في حياتك، جوازنا من الأوَّل كان غلط، اقتربت منه وجلست على طرف الفراش مع طرقات الخادمة ثم دخولها.

أشارت ضي إلى الحقائب:

_ ودِّيهم بيت بابا.

تحت أمرك يا هانم.

التفتت تنظر إلى ذهوله ثم قالت:

_ قدَّامك حلِّين مالهمش تالت يا بن عمِّي..

أوَّل حل لازم توافق إنَّنا نجيب أطفال، يا إمّا تطلَّقني يا يوسف، أنا مبقتش أحسّ بالأمان معاك..أه وبلاش ترسم عليَّ إنَّك رفضت السفر علشاني، لأنِّي شوفت الفاكس اللي جالك...نهضت من مكانها:

_ الحلّ عندك يا دكتور، يا ورقة طلاقي، 

يا استقرار لحياتنا..قالتهاوكأنها لم تُلقِ كلمات، بل حكمًا نهائيًا…لا رجعة فيه.

انسحبت من أمامه بهدوءٍ قاتل، هدوء من انتهى داخله كلَّ شيء.

أمَّا هو فبقي مكانه، يشعر وكأنَّ الهواء انسحب فجأةً من صدره.

اعتدل ببطء، جسدٌ فارغ، بلا روح، بلا ردِّ فعل…لكن كلماتها، كانت تلتفُّ حول عنقه، كقيدٍ من نار.

همس لنفسه، بصوتٍ تائه:

_هوَّ أنا بحلم…ولَّا إيه؟

نزل من فوق السرير، خطواته غير متَّزنة، 

كأنَّ الأرض لم تعد ثابتة تحته..اتجه إلى الشرفة، ورآها تخرج من المنزل، والخدم يحملون حقائبها، حقائبها التي لم يكن يتخيَّل يومًا أنها سترحل بها بدونه.

اتَّسعت عيناه بصدمةٍ صامتة، ثم عاد للخلف، كمن تلقّى ضربةً لم يستوعبها بعد.

اتجه إلى خزانة الملابس…فتحها، 

نصفها فارغ، رائحتها ما زالت هنا، نعم  ملابسها، بعض آثارها لكنها لم تعد.

في تلك اللحظة، انهارت ساقاه، وسقط على المقعد خلفه، بجسدٍ لم يعد يحتمل الوقوف، ولا الاحتمال.

مرَّر يده على وجهه، وكأنه يحاول إيقاظ نفسه من كابوسٍ أسود:

_كنت مستني إيه؟

ضحكة قصيرة خرجت منه مكسورة ساخرة من نفسه:

_كانت هتستحمل سنة سنتين..

وبعد كدا؟.

هَزّ رأسه ببطء، والوجع ينهش صوته:

_كان لازم اليوم دا ييجي.

سقطت دمعة واحدة ثقيلة، مسحها بسرعة، بعنادٍ غريب، يرفض أن ينهار بالكامل.

لكن عينيه خانته.

بدأت الدموع تنزل، رغمًا عنه، كأنها تعانده..

كأنها تنتقم منه..

ضغط على شفتيه بقوة، حتى كاد يجرحهما:

_يعني إيه؟

إشمعنى ضي اللي تضحِّي علشانك؟

ارتفع صوته قليلًا مثقلًا، لكن ليس على أحد…بل على نفسه:

_إنت َأهبل؟!

كنت متخيِّل إيه؟!

حبِّ إيه، وأوهام إيه؟!

قبض على يده، وغرس أسنانه فيها بقسوة..

كأنَّه يعاقب نفسه، وخرجت منه أنَّة موجوعة، صادقة، تحمل كل ندم العالم:

_آااه…

أغمض عينيه بقوة، لكنَّه يعرف، أنه يكذب.

يعرف أنها ليست وهمًا، ليست مجرَّد حب…هي نبض قلبه، النبض الذي بدأ يتوقَّف بخروجها.

رنَّ الهاتف ليقطع انكساره، 

أو ربما فضحه أكثر..تقدَّم نحوه بخطواتٍ مهزوزة…ليس يوسف القوي، بل رجلٌ انكسر للتو.

_أيوة يا بلال؟

جاءه صوت بلال من الطرف الآخر:

_يوسف، هكتب على كارما النهاردة بالليل، مش هتيجي؟

أغمض عينيه لثانية، يحاول تثبيت صوته:

_لأ..آسف يا ابن عمِّي..

عندي عملية مهمة، ومش عارف هخلَّصها إمتى.

سكت بلال لحظة، ثم قال بإصرار:

_يوسف لازم تكون موجود، أنا محتاجك.

ضغط على شفتيه، حتى لا يرتعش صوته…حتى لا ينكشف وجعه:

_ربِّنا يسهِّل يا بلال…

صمتٌ ثقيل، كأنَّ بلال ينتظر منه شيئًا، 

اعتراض، تراجع…أي شيء، لكن يوسف

أغلق الهاتف ببطء وألقاه على الفراش، ثم نظر حوله، إلى الغرفة التي بالأمس، كانت شاهدة على عشقٍ حي، واليوم أصبحت شاهدة على نهايته.. أغمض عينيه يحاول يمحوها…يمحو ضحكتها، صوتها وجودها..

لكن…كيف؟

كيف يمحوها وهي لم تكن مجرَّد ذكرى؟..

كانت حياة..وآثار الحياة لا تُمحى، بل تظلُّ تنبض حتى وهي تقتل صاحبها.. 


ظل عدَّة ساعات الى أن قام بتبديل ثيابه واتَّجه الى منزل والده. 

بمنزل إلياس قبل قليل.. 

دلف يزن إليه بعيونٍ كادت أن تشعل كل ما يقابلها: 

_ابن أرسلان عايز يوصل لإيه يا إلياس، كتب كتاب إيه اللي هوَّ عايزه؟ 

سحب إلياس سيجاره، وبدأ ينفثه حينما فقد أعصابه:

_هوَّ حر، هوَّ مش بنتك طلبت الطلاق وقالت قدَّامك إنُّه مش فتى أحلامها؟ 

ضرب يزن على المكتب:

_الكلام دا يتقال لرولا يا إلياس، مش ليَّا، أنا قولت يومين البنت تهدى ويرجعوا، إنَّما ابن أرسلان يرمي بنتي بالطريقة دي ويجري ورا مطلَّقة، يبقى الموضوع زي مارولا قالت.

_يزن إنتَ بلاش تغلط، طيب بنتك هبلة هتسمع كلامها!

رفع يزن حاجبه باستخفاف:

_بنتي هبلة، يعني لو حصل لشمس كدا هترد بالطريقة دي، ولَّا علشان بلال ابن أخوك؟

_يزن بلاش تتكلِّم وإنتَ متعصَّب علشان بتغلط. 

_أغلط..قالها متهكِّمًا، هوَّ أنا علشان ساكت يبقى خلاص راضي باللي حصل، ابن أرسلان تخطَّى الحدود، وإنتَ واقف بتتفرَّج، دا بلال اللي سلِّمته بنتي واعتمدت عليه بإنُّه الراجل اللي هيحمي بنتي، يكون واطي كدا ويرمي بنت عمُّه، ويجري ورا بنت لا نعرف أصلها من فصلها؟!

_أوَّل مرة تثبت لي إنَّك غبي. 

ثار يزن وأشار إليه:

_عند ولادي وبقلب أي حاجة، أنا كنت معاه للآخر وطلَّعت بنتي الغلط، إنَّما يكسر كبرياءها بالطريقة دي، صدَّقني مش هبقى على أي صلة رحم.

_والله يا يزن...

_أه ومتفكَّرش إنتَ وأخوك هتكسروا بنتي، دا أنا أهدِّ العيلة دي كلَّها.

_طيب وطِّي صوتك واسمعني، راجع حسابتك يا باشمهندس، مش يمكن اللي حصل لبنتك تخليص حساب من الماضي، ولَّا مفكَّر عمايلك هتعدِّي من غير حساب؟

_بتعايرني يا إلياس؟. 

_أنا بفوَّقك، زعلان ليه، بنتك اللي عملت كدا، وبعدين جاي تحاسبني ليه، عندك أبوه، مادام أنا هقف معاه؟..

ياخسارة يا يزن، دلوقتي بقيت أفرَّق بين الولاد؟ 

رمقه يزن بصمتٍ ساخر ثم تحرك للخارج دون أي رد...بينما هوى إلياس على مقعده يحتضن رأسه، استمع إلى طرقٍ على الباب، ثم دخول يوسف ملقيًا السلام:

_بابا فاضي؟.عايز أتكلِّم معاك. 

طالعه للحظات، وزفرة مختنقة كادت تمنع تنفُّسه، ظنًّا أنَّه سيتحدَّث عن بلال، فأشار بيده:

_بعدين يا يوسف، مشغول دلوقتي. 

_تمام..الموضوع أصلًا مش مستاهل، قالها وخرج، بينما ظلَّ إلياس كما هو، لحظات ثم رفع هاتفه:

_عاملة إيه حبيبتي؟ 

_أنا كويسة الحمدلله، وصلنا عند إسلام، وبعد يومين فريدة هتعمل العملية.

_إن شاءلله ربِّنا يشفيها لك، بوسهالي.

_يوصل حبيبي. 

_بابا يا غادة، قولي لإسلام مينساش متابعة الدكتور بتاعه، وعارف إنِّك مشغولة بمرض فريدة، بس بابا وماما أمانتك إنتي وإسلام، يومين أظبَّط الدنيا هنا وأجي لكم.

_حاضر يا إلياس، متشغلش بالك، أسلام أخده النهاردة فعلًا للدكتور. 

_لا إله إلَّا الله.

_محمد رسول الله. 


مضت الساعات سريعًا، إلى أن جاء المساء بآلامه..

بمنزل أرسلان كانت حبيسة غرفتها تنتظره كالغارق الذي يتشبَّث بالنجاة.. نهضت تدور بالغرفة تقنع نفسها: 

_معقول يا يوسف، هنت عليك!! كان عندي أمل تيجي ورايا.

دخلت والدتها تنظر إليها بعدم رضا:

_عملتي اللي في دماغك، يعني ألاقيها منِّك ولَّا من أخوكي، وأبوكي اللي اتخانق مع يزن وإلياس، لمَّا يجي أقولُّه. 

فركت جبينها تستغفر ربَّها:

_ياربِّي أعمل إيه في ولادي، لا البنت مريحة ولا الولد مريَّحني..قالتها وخرجت من الغرفة، بينما جلست ضي شاردة..مضت ساعة وهي على وضعها إلى أن استمعت إلى طرقاتٍ على باب غرفتها، لم ترد ظلَّت كما هي، دلف للداخل وتوقَّف عند الباب..نهضت من مكانها بهدوء تنظر إليه بصمتٍ وعيناه تحمل الكثير من العتاب، لحظات يرسمها بعينيه كأنه يحفظ كلَّ إنشٍ بها داخله، ثم سحب أقدامه بصعوبة واقترب منها، توقَّف أمامها ومازال يلتهم تفاصيلها، تقابلت أعينهما في عتاب لم تنطقه الشفاة، رفع يده يمسِّد على خصلاتها، يداعبها كطفلته، ابتسم ولمعت عيناه بالدموع، اقتربت من أحضانه، ولفَّت ذراعيها حول خصره:

_يوسف أنا بحبَّك أوي، بحبَّك بجنون، لكن إنتَ واجع لي قلبي. 

أمال بجسده يحاوط وجهها بكفَّيه، ينظر لعينيها التي يعشقها حدَّ الجنون، لم ينطق بشيء، سوى أنَّه بدأ يقبِّلها بجنونِ عاشقٍ حتى الموت، دقائق مرَّت كلحظات وهو يشبع روحه منها، قبلات احتضنتها دمعة غائرة تدحرجت على وجنتيه رغمًا عنه، ليبتعد عن شفتيها، ويحتضن وجهها بين راحتيه: 

_تأكدي إنِّك أغلى وأجمل حاجة عيشتها..قالها مع لمسةٍ سريعة لثغرها ثم بصق كلمات كانت كالسيوف تقط ع العنق دون رحمة: 

_إنتي طالق. 

قالها واستدار سريعًا يرفع جاكيته وركض للخارج، كالذي يحاول أن ينجو من شيطانه، لحظات مميتة شعرت بانسحاب أنفاسها، وبرودة جسدها ممَّا استمعت إليه، هزَّت رأسها بجنون، وكأنها بكابوسٍ وستفيق منه، لتصرخ صرخةً باسمه، شقَّت سكون الليل ممَّا جعلت الجميع يفزعون.

اتَّجه إلى سيارته قادها وخرج من الكمبوند كالهارب الذي لا يريد أن يترك أثر.

وصل بعد دقائق معدودة إلى شركة والده. 

دلف للداخل واقترب من السكرتيرة: 

_بابا في مكتبه؟

_لا يا دكتور في اجتماع، أوشك على الانتهاء..خطا إلى مكتب والده، يشع?

تكملة الفصل 55


رمقه يزن بصمتٍ ساخر ثم تحرك للخارج دون أي رد...بينما هوى إلياس على مقعده يحتضن رأسه، استمع إلى طرقٍ على الباب، ثم دخول يوسف ملقيًا السلام:

_بابا فاضي؟.عايز أتكلِّم معاك. 

طالعه للحظات، وزفرة مختنقة كادت تمنع تنفُّسه، ظنًّا أنَّه سيتحدَّث عن بلال، فأشار بيده:

_بعدين يا يوسف، مشغول دلوقتي. 

_تمام..الموضوع أصلًا مش مستاهل، قالها وخرج، بينما ظلَّ إلياس كما هو، لحظات ثم رفع هاتفه:

_عاملة إيه حبيبتي؟ 

_أنا كويسة الحمدلله، وصلنا عند إسلام، وبعد يومين فريدة هتعمل العملية.

_إن شاءلله ربِّنا يشفيها لك، بوسهالي.

_يوصل حبيبي. 

_بابا يا غادة، قولي لإسلام مينساش متابعة الدكتور بتاعه، وعارف إنِّك مشغولة بمرض فريدة، بس بابا وماما أمانتك إنتي وإسلام، يومين أظبَّط الدنيا هنا وأجي لكم.

_حاضر يا إلياس، متشغلش بالك، أسلام أخده النهاردة فعلًا للدكتور. 

_لا إله إلَّا الله.

_محمد رسول الله. 


مضت الساعات سريعًا، إلى أن جاء المساء بآلامه..

بمنزل أرسلان كانت حبيسة غرفتها تنتظره كالغارق الذي يتشبَّث بالنجاة.. نهضت تدور بالغرفة تقنع نفسها: 

_معقول يا يوسف، هنت عليك!! كان عندي أمل تيجي ورايا.

دخلت والدتها تنظر إليها بعدم رضا:

_عملتي اللي في دماغك، يعني ألاقيها منِّك ولَّا من أخوكي، وأبوكي اللي اتخانق مع يزن وإلياس، لمَّا يجي أقولُّه. 

فركت جبينها تستغفر ربَّها:

_ياربِّي أعمل إيه في ولادي، لا البنت مريحة ولا الولد مريَّحني..قالتها وخرجت من الغرفة، بينما جلست ضي شاردة..مضت ساعة وهي على وضعها إلى أن استمعت إلى طرقاتٍ على باب غرفتها، لم ترد ظلَّت كما هي، دلف للداخل وتوقَّف عند الباب..نهضت من مكانها بهدوء تنظر إليه بصمتٍ وعيناه تحمل الكثير من العتاب، لحظات يرسمها بعينيه كأنه يحفظ كلَّ إنشٍ بها داخله، ثم سحب أقدامه بصعوبة واقترب منها، توقَّف أمامها ومازال يلتهم تفاصيلها، تقابلت أعينهما في عتاب لم تنطقه الشفاة، رفع يده يمسِّد على خصلاتها، يداعبها كطفلته، ابتسم ولمعت عيناه بالدموع، اقتربت من أحضانه، ولفَّت ذراعيها حول خصره:

_يوسف أنا بحبَّك أوي، بحبَّك بجنون، لكن إنتَ واجع لي قلبي. 

أمال بجسده يحاوط وجهها بكفَّيه، ينظر لعينيها التي يعشقها حدَّ الجنون، لم ينطق بشيء، سوى أنَّه بدأ يقبِّلها بجنونِ عاشقٍ حتى الموت، دقائق مرَّت كلحظات وهو يشبع روحه منها، قبلات احتضنتها دمعة غائرة تدحرجت على وجنتيه رغمًا عنه، ليبتعد عن شفتيها، ويحتضن وجهها بين راحتيه: 

_تأكدي إنِّك أغلى وأجمل حاجة عيشتها..قالها مع لمسةٍ سريعة لثغرها ثم بصق كلمات كانت كالسيوف تقط ع العنق دون رحمة: 

_إنتي طالق. 

قالها واستدار سريعًا يرفع جاكيته وركض للخارج، كالذي يحاول أن ينجو من شيطانه، لحظات مميتة شعرت بانسحاب أنفاسها، وبرودة جسدها ممَّا استمعت إليه، هزَّت رأسها بجنون، وكأنها بكابوسٍ وستفيق منه، لتصرخ صرخةً باسمه، شقَّت سكون الليل ممَّا جعلت الجميع يفزعون.

اتَّجه إلى سيارته قادها وخرج من الكمبوند كالهارب الذي لا يريد أن يترك أثر.

وصل بعد دقائق معدودة إلى شركة والده. 

دلف للداخل واقترب من السكرتيرة: 

_بابا في مكتبه؟

_لا يا دكتور في اجتماع، أوشك على الانتهاء..خطا إلى مكتب والده، يشعر بخفقان قلبه بشدَّة، لم يقوَ على الانتظار، سحب ورقة من فوق مكتبه، ودوَّن بها بعض الكلمات: 

سامحني إن بدا ابتعادي قسوة،

فما كان إلَّا محاولةً للبقاء حيًّا.

احتجت مسافةً أداوي فيها نفسي، حتى أعود كما ربَّيتني

ولا أريد الوقوف متكسِّرًا بين يديك.. 

أبي لا تحزن.. 

فأقسى ما يؤلمني الآن..

ليس رحيلي عنك، بل عناقًا تمنَّيته منك

ولم أستطع..كنت أتمنَّى أن أعانقكَ قبل الرحيل، أن أدفن وجهي في صدرك لحظةً واحدة، لحظة تكفي لأقول كلَّ ما عجز عنه لساني.. 

لكن الكبرياء…أو الخوف…أو الوجع،

شيءٌ ما شدَّني للخلف

وتركني عاجزًا عن الوداع، حتى لا ارى انكساري ولهفة دموعك علي.. 

اتركني وشأني كما عوَّدتني، ولا تقف أمام حلمي الذي تمنَّيته طيلة حياتي..

سامحني إن ظننتي ابنًا عاقًا، فوالله وتالله لم اجرؤ على فعل ذلك..

أودِّعك يا أبي وقلبـي يرتجف، كأنِّي أترك خلفي أماني كلَّه وأمضي بنصف روح.

ثنى الورقة ووضعها على المكتب، ونهض سريعًا للخارج، أوقفته السكرتيرة:

_دكتور، الباشا خلَّص الاجتماع، ولكنه لم يلتفت، لم يقوَ على النظر إليه، كيف استطاع أن يصل إلى هنا، كان خارجًا يتحدَّث مع أحد الأشخاص، ولكنه توقَّف حينما لمح طيفه: 

_يوسف كان هنا؟.قالها مقتربًا من السكرتيرة

_أيوة يا فندم، انتظرك جوَّا شوية، وبعدين خرج معرفش حتى ما سمعنيش وأنا بوقَّفه علشان أقولُّه انك خلصت الاجتماع. 

ضيَّق عيناه وتذكَّر حديثه صباح اليوم، دلف للداخل ليجلب جاكيته وهاتفه، ولكن توقَّف على الورقة الموضوعة فوق المكتب. 

سحب الورقة ليقرأ ما بها.

بمنزل بلال.. 

جلس الجميع على كلمات المأذون، ولكنه كان كالحاضر الغائب، قطع لحظة الصمت، دخولها، رفع وجهه إليها، اقتربت وتوقفت أمامه:

_لحظة يا عمُّو الشيخ، هوَّ ينفع ماحضرش فرح ابن عمِّي وجوزي؟!

رغم ارتجافة قلبه من وجودها، إلَّا أنه رسم البرود على ملامحه، ونظر إليها، بهدوء، دفعت المقعد واقتربت منه، انحنت لجلوسه: 

_قبل كتب الكتاب فيه حساب لازم نصفِّيه يا بن عمِّي. 

_رولا، الناس قاعدة، عايزة إيه؟ 

اعتدلت واتجهت للتحرُّك، ولكن هبَّت كارما من مكانها: 

_العروسة وصلت يا عمُّو الشيخ.. دلوقتي ممكن تبدأ.

ضيَّقت رولا ما بين حاجبيها، تنظر إليها بذهول.


كتير يا ميرال… كتير.

ولادي الاتنين اتكسروا بنفس الطريقة… مرة بنت يزن، ومرة ابنك.

تجمّد إلياس مكانه، بعدما ترجل من سيارته يستمع وكأنه حاضر غائب… رجل كان يومًا صلبًا، والآن يقف فوق أرضٍ هشة، تتفكك تحت قدميه. لم يعد ذلك القوي… صار مجرد قلبٍ مثقلٍ بالخذلان، تخترقه كلمات غرام كصدى عويلٍ لا يهدأ.

ابنك طلّق بنتي وسافر… باعها يا ميرال.

البنت اللي رفضتوه عشانها، واتحديتوا الدنيا علشان جوازهم… في الآخر هو اللي كسرها.

أنا مش مسامحاه… ولا هسامحه على كسرة بنتي.

ربنا يكسر قلبك يا يوسف… زي ما كسرت قلبها.

كانت كلماتها تتساقط كالسياط، لا تترك خلفها إلا وجعًا خامًا.

ظلت ترددها وهي تبتعد، خطواتها مثقلة بالغضب والانكسار، حتى وصلت إلى منزلها.

في تلك اللحظة، ترجل أرسلان من سيارته، يتابع المشهد بقلقٍ صامت…

بينما وقفت ميرال مكانها، وجهها شاحب، وعيناها زائغتان، كأنها فقدت القدرة حتى على البكاء.

الصدمة لم تكن في الكلمات فقط…

بل في حقيقتها.

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا





تعليقات

التنقل السريع