رواية فى ظلال الوادى الفصل الثامن 8بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية فى ظلال الوادى الفصل الثامن 8بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
الفصل الثامن..
"شفرة عائشة"
نظرت في أثره بدهشة ممزوجة باستنكار، بينما كان الغيظ يشتعل في صدرها كجمر متقد، كيف له أن يرحل بهذه البساطة ويتركها، غير مباليًا لابنته التي يُفترض أنها مختفية في بلد لا تعلم عنها شيئًا؟ شعرت أن الدم يغلي في عروقها، فانطلقت خلفه بخطوات مسرعة، والغضب يكسو ملامح وجهها وخصلات شعرها تتطاير خلفها بفعل حركتها المتسارعة، حتى بدت هالتها ثائرة، وكأنها على وشك الانقضاض على أحدهم في أية لحظة.
لكنها توقفت فجأة بصدمة عنيفة عندما رأت عددًا هائلًا من الرجال...لا ليس مجرد عدد كبير، بل حشدًا ضخمًا يفوق توقعاتها، حتى دب القلق والتوجس في قلبها، وتساءلت في صمت عما يحدث، كانوا يلتفون حوله كما يلتف الجنود حول قائدهم في ساحة حرب، ينصتون إلى كلماته التي لم تصل إلى مسامعها، ثم انطلقوا في لمح البصر نحو السيارات المصطفة، بينما توجه هو بخطوات واثقة نحو إحدى السيارات الضخمة.
سارت خلفه وهي تناديه بصوت مرتجف، رغم نيران غضبها منه ورغم خوفها العميق على ابنتها:
-أستاذ عاصم لو سمحت.
التفت إليها وهو يرمقها بنظرة مستنكرة، ارتسم فيها سؤالٌ صامت، لكنها لم تمنحه فرصة للحديث، بل اندفعت تقول بحنق ثائر وقد اهتز صوتها بين الغضب والانكسار:
-انت ازاي تمشي كده، وبنتي... آآ...أقصد بنتك مختفية!
تنفس ببطء واضح، محاولًا السيطرة على أعصابه أمامها، ثم قال بصوت جامد، بينما كانت نظراته تناقض هدوءه الظاهري ووميض شرس يلمع في عينيه:
-متقلقيش، هي عند واحد حبيبي، هروح اجيبها واجيلك.
ثم استدار متجهًا نحو سيارته وجلس خلف المقود، لكنها فاجأته بفتح الباب الأمامي وجلست بجانبه دون استئذان، توقف لحظة لا يعرف كيف يتصرف أمام جرأتها المفاجئة، بينما تجاهلت هي نظرات الاستنكار في عينيه، وأشاحت بوجهها للأمام وكأن الأمر لا يستحق تعليقًا، فخرج صوته أجش وهو يقول بنبرة حاول أن يجعلها حازمة:
-دكتورة عائشة انزلي يلا اقعدي جوه، أو ارجعي بيتك، وأنا هجيبها وأوصلها لحد عندك.
هتفت بأمر قاطع وهي لا تزال تحدق أمامها:
-لا.
ثم التفتت نحوه وارتسمت على شفتيها ابتسامة بريئة، لا تدري كيف استطاعت رسمها وسط هذا الكم من القلق والخوف، وقالت محاولة إقناعه:
-ليلة زمانها خايفة دلوقتي، وهتخاف تركب معاكم، لازم تشوفني عشان متخافش، فـ يلا لو سمحت عشان قلبي مش مطمن.
كتم أنفاسه بقوة وهو يحاول السيطرة على انفعاله أمامها، ثم نظر إلى الخلف وأشار إلى فايد بالركوب، فبدا الأخير مذهولًا إلى حد التيه، وعندما جلس في المقعد الخلفي سأل بحماقة صريحة:
-هي الدكتورة هتيجي معانا رشيد، ازاي؟!
تعجبت من سؤاله فالتفتت إليه وردت بدلًا من عاصم، بنبرة امتزج فيها الفضول بالتهكم الخفيف:
-هو الراجل اللي هناك ده مش حبيبك يا أستاذ عاصم؟
انفلت اعتراض قوي من فايد وهو ينظر إليهما باستنكار ساخر، وقد ارتسمت على ملامحه دهشة ممزوجة بالسخرية:
-حبيبه؟ مين ده اللي حبيبه؟!
زفر عاصم بقوة وقبض على المقود بحدة حتى برزت عروق يده، ثم قال بغيظ مكتوم وهو يحاول كبح أعصابه:
-فايد تعرف تسكت؟
هز فايد رأسه باستسلام سريع، وأسند ظهره إلى المقعد الخلفي متراجعًا، بينما تجاهل عاصم نظرات عائشة القلقة والمستفهمة التي لم تتوقف عن ملاحقته، وأدار المحرك بقوة ثم انطلق في الطريق بسرعة أفزعتها، حتى شعرت بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها.
تشبثت بالمقعد بقوة وهي تتطلع إلى الطرق التي بدت لها غريبة، وإلى البنايات المتباعدة التي أخذت تتلاشى شيئًا فشيئًا، لتحل محلها طرق واسعة وفارغة على نحو يبعث في النفس الريبة، وكأنها منطقة مهجورة لا يسكنها أحد.
ازداد قلقها مع كل متر يقطعونه، حتى وصلت السيارة إلى سور ضخم وعريض، تتوسطه بوابة حديدية عملاقة، يقف أمامها عدد من الرجال في وضع يوحي بالحراسة المشددة،
تأهبت بخوف واضح، وراحت تنظر حولها برعب متزايد، ثم قالت بصوت مرتجف يحمل دهشة وخوفًا في آنٍ واحد:
-هي إزاي ليلة جت المسافة دي كلها لوحدها؟
التفتت نحو عاصم وعيناها تلمعان بالقلق والترقب، وسألته بنبرة خافتة يخترقها الخوف:
-أستاذ عاصم، هي ليلة اتخطفت صح؟ واللي خطفها ده واحد بيكرهك.
ازدادت قبضته على المقود وهو يرمقها بنظرة خاطفة، ثم أوقف السيارة أمام البوابة، فيما توقفت السيارات الأخرى خلفهم تباعًا، وقال بلهجة باردة وقاسية تخلو من أي لين:
-قولتلك متجيش، أصريتي! خليكي هنا وأنا هدخل اجيبها واطلع.
هزت رأسها نفيًا بعناد واضح، ثم اندفعت خارج السيارة قبل أن يمنعها، وقالت بحدة مرتجفة من فرط خوفها على ابنتها:
-لا...لا طبعًا، أنا اللي هدخل اجيب بنتي بنفسي.
ثم انطلقت بخطوات مسرعة نحو البوابة، وهي تشير للحراس بيدها بعصبية، وتصيح بنبرة منفعلة تحمل مزيجًا من القلق والغضب:
-افتحوا البوابة دي حالاً.
نظر الحارس إلى عاصم، الذي كان لا يزال جالسًا خلف المقود، يراقب ما تفعله بصبر لم يعرفه أحد عنه من قبل، صبر لم يتجاوز حدوده مع أحد سوى معها، أومأ برأسه للحارس في إشارة صامتة، فما كان من الأخير إلا أنه نفذ الأمر فورًا، ودفع البوابة الحديدية الضخمة بقوة حتى انفرجت عن مشهد صادم.
.
فـ على الجانب الآخر ظهر عدد كبير من الرجال المسلحين، يصوبون أسلحتهم باتجاه عائشة، التي اتسعت عيناها رعبًا وهي ترى صفوفًا من الرجال الملثمين يقفون بانتظام صارم، وكأنهم في ساحة حرب حقيقية، تجمد الدم في عروقها، ثم اندفعت هاربة نحو السيارة وهي تهمس برعب يخرج متقطعًا من صدرها:
-يالــــهـــوي... أستاذ عاصم الحــق.
اندفعت إلى داخل السيارة وهي تلهث من شدة الخوف، ثم التفتت نحوه بعينين مذعورتين وقالت بارتجاف مرتبك:
-هما... هما هيقتلونا؟
لم يلتفت إليها ولم يُجب، بل اكتفى بالضغط على دواسة الوقود، فانطلقت السيارة نحوهم بثبات يناقض تمامًا حالة الذعر التي تعيشها تحت نظراتها المصعوقة، أغمضت عينيها تلقائيًا، متخيلةً وابلًا من الرصاص ينهمر عليهم في أية لحظة، فرفعت يدها فوق رأسها برعب صارخ:
-يالــــهـــوي كده هيمــوتــنـــا.
مرت ثوان ثقيلة ولم يحدث شيء، ففتحت عينيها بحذر شديد، وراحت تتفحص المشهد من حولها، فوجدت عاصم يقود بنفس صمته المعتاد وكأن شيئًا لم يكن، التفتت حولها فلم تجد الرجال الذين أرعبوها قبل لحظات، بل رأت سيارات عديدة تنطلق من كل اتجاه، لتسير في نفس طريقهم بانسجام يوحي بالتنظيم والترتيب.
نظرت إلى الخلف حيث يجلس فايد، فوجدته هادئًا على غير المتوقع، وكأن الأمر برمته اعتيادي بالنسبة إليه، زاد تعجبها من برودهم وشعرت فجأة وكأنها داخل فيلم سينمائي، تنتظر في أية لحظة أن تظهر الكاميرا الخفية، لتكتشف أن كل ما يحدث مجرد خدعة سخيفة.
دققت في الطريق فوجدته نفس الطرق الواسعة والفارغة التي كانت تمر بها في الوادي منذ قليل، ثم بعد مسافة قصيرة بدأ المشهد يتغير، ودخلوا إلى طرق أكثر ازدحامًا، عامرة بالسكان والمباني والحركة.
شعرت بجفاف شديد في حلقها وهي تحاول استيعاب ما تمر به، وما يُجرها إليه هذا الرجل الغامض، الذي يحيط نفسه بعالم مليء بالأسرار والرجال المسلحين والسيارات المصطفة كالمواكب الرسمية.
مرت دقائق لم تعرف عددها، ولم تدرك كيف استطاعت الصمت طوال هذا الوقت وكيف حبست عشرات الأسئلة في صدرها دون أن تنفجر، وفجأة وجدت نفسها أمام قصر مهيب شاهق، يبعث في النفس رهبة ممزوجة بالإعجاب، توقفت سيارة عاصم أولًا، ثم اصطفت السيارات من حوله لتشكل دائرة واسعة كما لو كانت تحيط بمركز قيادة، خرج صوت فايد من الخلف باستفهام واضح يحمل طابع الاحتياط الأمني:
-هتنزل انت يا باشا الاول، ولا ننزل احنا نأمن المكان ونشوف الوضع، عشان لو في أي حركة غدر كده ولا كده؟؟
التفتت نحوه باستنكار شديد، وقد انعكس القلق والغضب في عينيها:
-غدر؟! لا كلو إلا بنتي، أستاذ عاصم لو سمحت خليك هنا، وأنا هنزل اجيب بنتي وآجي.
زفر فايد بقوة ثم خرج صوته خشنًا متبرمًا من تدخلها المستمر وجرأتها الغريبة في اقتحام كل ما لا يعنيها:
-بقولك إيه يا دكتورة؟ لغاية هنا وتسكتي لا مؤاخذة، عشان فيه مجازر ممكن تحصل دلوقتي.
ارتجفت نظراتها وكادت تبكي، لا خوفًا منه بل رعبًا على ابنتها، رفعت عينيها نحو عاصم بانفعال عصبي وقد أثقلها التوتر:
-أستاذ عاصم قوله يسكت لو سمحت، أنا أعصابي تعبت.
التفت عاصم إلى فايد وقال بنبرة آمرة لا تحتمل نقاشًا:
-فايد...مسمعش صوتك تاني.
تنفست عائشة ببطء وهي تمسح عبراتها المتساقطة، ثم اقتربت من عاصم وهمست بصوت منخفض يحمل خطة مفاجئة جعلت حاجبيه ينقبضان بدهشة:
-بص...احنا لازم نكون هاديين، اللي جوه دي بنتي اللي مستعدة أخسر روحي عشانها، وبنتك اللي انت لسه ملحقتش تشبع منها، أيًا يكن...اللي هقوله يتنفذ، أنا هنزل وهتعامل مع الراجل اللي خاطفها بكل احترافية متخافش.
اندفع وجه فايد بينهما ساخرًا، ينظر إليها بابتسامة مستهزئة، فأشارت إليه بإصبعها بحزم، وبنبرة تحاكي أسلوب عاصم نفسه:
-ارجع ورا لو سمحت..
ثم أعادت أنظارها إلى عاصم، الذي كان يراقب تفاصيلها باهتمام صامت، وكأنها تتحدث بثقة رئيسة عصابة لا طبيبة خائفة على ابنتها:
-أنا هدخل وهاخد بنتي، ومتخافش معايا الشفرة لو فكر يقل أدبه معايا، هعوره.
انفلتت ضحكة قوية من فايد، فزفرت هي بغيظ وقالت بتهديد لاذع لعاصم، وهي تُخرج الشفرة من جيب سروالها حيث لا تفارقها أبدًا:
-طيب والله اعوره بيها، عشان يضحك عليا تاني.
التفت عاصم إلى فايد بنظرة صارمة كانت كفيلة بأن تجعله يترجل من السيارة بالكامل دون كلمة إضافية، وفي تلك اللحظة نظمت عائشة أنفاسها بصعوبة، ثم قالت بهدوء يتخلله توتر مكتوم:
-راجل سئيل، انت مصاحب الناس دي ازاي؟
ثم زفرت بقوة وكأنها تجمع شجاعتها من أعماقها، وعادت إلى حماسها السابق تلقي بخطتها الجهنمية عليه وسط صمته واستنكاره الداخلي:
-أيًا يكن، بص بقى أنا زي ما قولتلك لازم ادخل جوه اخدها بنفسي، وانت متظهرش في الصورة خالص، ليه؟ عشان ليلة مينفعش تشوفك في التوتر ده، وكمان حتة إن باباها اسمه شوقي وانت اسمك عاصم أنا لسه همهد ليهم الحتة دي كويس، مش عايزة أصدم البنت يا أستاذ عاصم، ولا تخاف من اللي بيحصل!
نظر عاصم إليها لثوان طويلة؛ بدا حديثها مقنعًا، بل مقنعًا إلى حد جعله يلين رغم كل شيء، من أجل ابنته فقط، وللحظة شعر بالحنق على موسى لإقحامه طفلته في هذا الصراع، لكنه انتُزع من دوامة أفكاره على وقع تلويح الشفرة أمام عينيه وصوتها الحماسي الواثق:
-قولتلك متخافش، أنا هعرف اتعامل مع الاشكال دي كويس، لما ارجع متكنش انت في العربية دي وخلي حد تاني يسوقها، متخليش ليلة تشوفك عشان المفروض لما تشوفوا بعض لأول مرة يكون اللقاء الطف من كده ونخططله صح، اوك.
لم تنتظر ردًا منه بل خرجت سريعًا من السيارة تحت وقع صدمته، تاركة إياه مشدوهًا بطريقتها الفريدة وأسلوبها الآسر في التخطيط والتنفيذ، تابعها بعينيه وهي تتجاوز البوابة الرئيسية بخطوات ثابتة، بثقة تناقض تمامًا الرعب الذي كان يتلبسها قبل لحظات، وكأن امرأة أخرى قد وُلدت من رحم الخوف.
والحقيقة أن موقفًا كهذا لم يمر على عاصم من قبل، لم يجلس يومًا مكبل اليدين بهذه الصورة، ولم يشعر بالعجز يتسلل إلى صدره كما يشعر الآن، وهو ينتظر خروج ابنته سالمة من فوهة بركان يُدعى موسى، لأول مرة يذعن... ليس ضعفًا بل خوفًا عليها، ولأول مرة يقبل أن يتحلى بشخصية ليست شخصيته، إن كان ذلك ثمنًا لسلامة صغيرته.
فمَن ذاق الوحدة وتجرع مرارة الهجر، وعرف معنى خراب الأهل، لا بد أن يتوق إلى دفء الأبوة، حتى وإن لم يكن قد سعى إليها يومًا أو اعترف بحاجته إليها علنًا!
***
أما في داخل قصر رشيد وتحديدًا في الحديقة الواسعة أمام البوابة الرئيسية، كان موسى يجلس بلا مبالاة على أحد المقاعد، وقد رفع ساقيه للأمام في وضع يعكس استهتاره وتعاليه، بينما جلست أمامه ليلة تحيط بها العرائس والألعاب، وأكوام من الحلوى المبعثرة حولها، فكان يراقبها بشغف ساخر، وابتسامة متهكمة لا تفارق شفتيه، تحمل في طياتها شيئًا من العبث وشيئًا من الخطر.
ازدادت سخريته حين لمح من بعيد فتاة تقترب بخطوات سريعة وحدها، تفرس فيها بتمعن، ولم يحتج إلى كثير من التفكير؛ فمن خلال الصور التي اطلع عليها سابقًا، أدرك فورًا أنها الطبيبة "عائشة السوالمي".
اتسع فمه بدهشة واضحة حين لاحظ غياب عاصم، فالتفت إلى صالح الذي يقف خلفه يراقب المشهد بابتسامة ساخرة، وقال بنبرة مستهزئة:
-باين عليه خاف... وبعتها هي بدل ما يجي بنفسه، ولا إيه؟
اعتدل موسى في جلسته حين سمع صوتها تنادي ليلة، بينما انتبهت الطفلة إليها فورًا، انطلقت نحوها بسعادة غامرة، وابتسامة بريئة تشرق على وجهها:
-مامي...انتي فين كل ده؟
انحنت عائشة سريعًا إلى مستواها، واحتضنتها بقوة ولهفة، كأنها تعوض لحظات الغياب والخوف دفعة واحدة، استنشقت عبيرها بعمق وكأنها تتأكد من أنها بين يديها حقًا، وضمتها بشدة جعلت الصغيرة تتعجب، لكنها قابلت ذلك بحنو طفولي، تربت على ظهر والدتها بحب واطمئنان، ابتعدت عنها عائشة أخيرًا، وراحت تتفحص ملامحها بقلق ولهفة، ثم سألتها بصوت مرتجف:
-انتي مين جابك هنا يا روحي؟
ابتسمت ليلة بلطف وبراءة صادقة، وقالت بعفوية:
-نزلت وراكي عشان آجي معاكي، بس مشوفتكيش وواحد شافني وسألني أنا مين وقولتله عليكي وهو اللي جابني هنا.
توقفت لحظة ثم التفتت نحو موسى الذي كان قد اقترب بخطوات واثقة، واضعًا كلتا يديه في جيب سرواله، وكأنه يملك المكان ومَن فيه:
-جابني هنا عند عمو موسى.
رفعت عائشة عينيها نحوه، فسرت في جسدها قشعريرة غريبة تحت وطأة نظراته الثقيلة وابتسامته المستفزة، تماسكت سريعًا واعتدلت في وقفتها، محاولةً ألا تُظهر اضطرابها.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى حرك نظره إلى الطفلة متعمدًا إخراج كلماته ببطء مستفز، ونبرة تحمل استفزازًا مبطنًا:
-مين دي يا ليلة؟
ردّت الصغيرة ببراءة صافية:
-دي مامي عائشة يا عمو، ما أنا حكيتلك عنها.
هز موسى رأسه بتفهم زائف، ثم قال ببرود ساخر وهو يميل برأسه قليلًا، يقيس عائشة بنظرات وقحة متعمدة:
-تصدقي وصفتك، بس انتي أحلى من الوصف بكتير.
ثم اقترب منها مستغلًا فارق الطول بينهما، وانحنى قليلًا وهمس بالقرب من أذنها بصوت خافت يحمل استفزازًا فجًا:
-رغم إنك مش أمها، بس في نفس جمال ليلة بالظبط، محظوظ عاصم.
اشتعلت نيران الغضب في صدرها، وارتفع بصرها إليه بحقد وغل واضحين، كأنها تود لو ترد عليه بما يليق بوقاحته، لكنها كتمت انفعالها بصعوبة.
ألقت نظرة خاطفة خلفها، فرأت فايد يقف عند عتبة بوابة القصر، يراقب ما يحدث بحذر ثم أعادت نظرها إلى الصغيرة، وابتسمت لها ابتسامة مقتضبة تخفي خلفها قلقًا وحرصًا شديدين:
-ليلة روحي عند عمو اللي واقف هناك ده وأنا هاجي وراكي.
هزت الصغيرة رأسها بطاعة، ثم التفتت إلى موسى وقالت بامتنان طفولي بريء، غير مدركة لما يدور حولها:
-شكرًا يا عمو موسى، هبقى اجيلك كتير لو مامي وافقت وأجيب عمر أخويا.
ابتسم موسى باستمتاع واضح وتلذذ مريب، ثم قال بنبرة مشاكسة تحمل خلفها نية غير مطمئنة:
-هستناكي طبعًا....
ثم رفع بصره نحو عائشة وقال بتهكم خفيف:
-ده لو مامي وافقت.
هزت الصغيرة رأسها بإيماءة مطمئنة، ثم اندفعت بخطوات مسرعة نحو فايد، الذي أسرع بدوره لاحتضانها وإبعادها عن المشهد، وما إن اطمأنت عائشة إلى أن ابنتها أصبحت في أمان، حتى تغير الهواء من حولها فجأة.
فأخرجت شفرتها من جيب سروالها بحركة سرية ماهرة باتت بارعة في ذلك أكثر مما تعترف به، ثم رفعتها في لمح البصر موجهةً نصلها نحو عنق موسى، الذي تراجع خطوة إلى الخلف بدهشة حقيقية أمام هجومها المباغت، وجلس فوق مقعد خلفه يعود بظهره للخلف، بينما هي قالت بحدة مشتعلة:
-بص بقى يا اسمك إيه...
قاطعها بابتسامة مستفزة، رافعًا يديه في استسلام تمثيلي:
-اسمي موسى عزام.
ضغطت بالشفرة أكثر على عنقه، غير عابئة بنظرات صالح الذي أخرج سلاحه ووجهه نحوها مهدّدًا:
-ابعدي اللي في ايدك حالاً عشان متزعليش على ايدك.
لكن موسى أشار له بيده أن يتراجع، بينما تجاهلته هي تمامًا، وثبتت نظراتها الغاضبة في عيني موسى وهي تقول بصوت يرتجف من شدة الغضب ليس من الخوف:
-لو فكرت مجرد التفكير إنك تأذي عيالي أو تخطفهم تاني، صدقني مش هسكتلك، كله إلا ولادي.
رمش موسى بعينيه ببراءة زائفة، ثم قال بنبرة مستعطفة مليئة بالتهكم المقنع:
-هو أنا ليه دايمًا مظلوم؟ مع إن مفيش أسلك مني على الكوكب كله، أنا مبخطفش أطفال....
صمت لثوانٍ قصيرة، ثم مرر بصره فوق جسدها ببطء متعمد، كمن يتلذذ باستفزاز الطرف الآخر، قبل أن يعلق بنبرة وقحة خالية من أي احترام:
-بس بخطف مزز عادي ومعنديش أي مشكلة في كده.
اشتعل الغضب في صدر عائشة كالنار، وضغطت على أسنانها بقوة حتى كادت تسمع صريرها، ثم ردت بصوت غاضب حاد يحمل احتقارًا صريحًا:
-مزز في عينك، والله لو فكرت تعمل كده، ما هسكتلك فاهم ولا لا...واه شكلك عارف موضوع الولاد، فمتحاولش تهددني تاني بيهم، أو تهدد باباهم بيهم.
كان غضبها هذه المرة مختلفًا، ليس مجرد انفعال لحظي بل غضب أم تحولت إلى درعٍ واقٍ، وإلى أنثى مستعدة لأن تصبح مفترسة إذا اقترب أحد من صغارها.
ابتسم موسى ابتسامة مائلة مليئة بالتهكم، وقال بنبرة ساخرة تحاول التقليل من شأنها:
-وانتي عاصم باعتك تاخدي حقه؟! دي الدنيا اتغيرت خالص!
رفعت ذقنها بشموخ وردت بثبات قاطع يعكس يقينها بنفسها وبموقفها:
-محدش باعتني أنا بدافع عن ولادي، عشان محبش يدخلوا في عداوات هما مالهمش ذنب فيها، مع إن واضح اوي مين المحترم والمظلوم، ومين الظالم والوقح.
ضحك موسى بخفة مستفزة، ورد متصنعًا البراءة:
-ان شاء الله أكيد تقصدي إن أنا المحترم.
نظرت إليه باستنكار ممزوج بالسخرية، ثم ابتعدت عنه خطوة وهي تعيد الشفرة إلى جيب سروالها بحركة محسوبة فعلق هو بغيظ عابث:
-هو أنا مش باين عليا إني محترم؟
ثم التفت إلى صالح واضعًا يده على صدره بتصنع درامي، وقال بحزن مزيف وتهكم واضح:
-لا دي مفترية، ده أنا جايب للبت ألعاب وتفاح مخصوص، اعمل إيه تاني؟ ليه الناس بتفهمني غلط يا صالح؟
زفرت عائشة بسخرية لاذعة، وقالت بنبرة جافة حادة وقد امتلأت عيناها بازدراء واضح:
-يمكن عشان انت باين عليك مش سالك، اللي يدخل عيال صغيرة في عداوات يبقى إنسان مريض...سوري يعني!
كانت كلماتها كصفعة أخلاقية صريحة؛ لم تحمل خوفًا ولا ترددًا بل احتقارًا هادئًا وموقفًا صلبًا يشي بالقوة والوعي، أما موسى فظل يحدق بها بابتسامة مشوهة، وكأن المواجهة تحولت في ذهنه إلى لعبة نفسية مسلية أكثر من كونها صراعًا حقيقيًا.
فقال بنبرة ساخرة يتصنع فيها التأثر، وعيناه تلمعان بعبث مريب:
-وليه سوري؟! ما تفي في وشي أحسن، حقيقي كلامك جارحني يا دكتورة، ودغدغدلي قلبي المدغدغ.
ضحكت بسخرية مماثلة، ضحكة جافة خالية من أي مرح، بينما كانت تستعد للمغادرة قالت بنبرة مشبعة بالازدراء:
-ربنا يعينك بجد على نفسك، شكلك بتحقد جامد من أستاذ عاصم والموضوع فارق معاك، أو يمكن بتحاول تشتري خاطره وفاكر إن شوية الألعاب والتفاح هيخلوه يسامحك، بس بعينك بعد حركتك مع بنته، عمره ما هيسامحك أبدًا.
اتسعت ابتسامة موسى ليس غضبًا بل استمتاعًا، وكأن كلماتها أصابت وترًا خفيًا داخله، فالتفت إلى صالح متصنعًا الحيرة والدهشة:
-هي بتكلم مين؟ مين يسامح مين؟ وأستاذ عاصم مين؟ ده موظف في الشهر العقاري، صالح الحقني أنا دماغي لفت.
نظر إليه صالح بتردد وحذر، غير قادر على مجاراته في سخريته بينما هي لوحت يدها أمامه وقالت ببرود مقصود:
-عن إذنك، فرصة مش سعيدة خالص.
كانت عائشة قد ابتعدت بالفعل، تسير بخطوات ثابتة تحمل بداخلها خليطًا من الغضب والاشمئزاز، والقلق الأمومي الذي لا يهدأ، أما موسى فتابعها بنظرات طويلة ثم قال بسخرية مشوبة بنزعة مظلمة:
-صالح هي ليه ماشية ومش خايفة مني، هو أنا مكنتش شرير كفاية؟
رد صالح بحيرة صادقة:
-والله يا باشا أنا ما فاهم حاجة ومين بيودي على فين؟
قطب موسى حاجبيه ثم قال بابتسامة مريبة، وصوت خفيض يحمل اقتراحًا خطيرًا:
-اسكت، دي مسلية خالص، أنا ممكن اخطفها واجيبها هنا، اقعد معاها كل يوم شوية تسليني قبل ما أنام.
لم تكن كلماته مجرد مزحة؛ بل كانت تحمل في طياتها ظلال تهديد حقيقي، ونزعة رجل اعتاد العبث بمشاعر الآخرين، ليس بدافع الانتقام فقط بل بدافع الملل أيضًا!!!
***
خرجت عائشة من قصر رشيد تتنفس بهدوء متزن، بعدما نجحت في الحفاظ على كرامتها وأمان صغيرتها دون أن تنجر إلى مشكلات كانت تدرك أنها لن تُجدي نفعًا، فكانت خطواتها ثابتة وملامحها تحمل مزيجًا من الإرهاق والانتصار، وكأنها خرجت من معركة صامتة انتصرت فيها بالحكمة لا بالصدام، وما إن وقع بصرها على عاصم، الذي كان يقف على أحد الجوانب متكئًا على هدوئه المعتاد، حتى توجهت نحوه بابتسامة واسعة، ونبرة واثقة تنم عن فخرها بما حققته:
-أستاذ عاصم، متقلقش أنا خلاص نهيت الحوار وهددته إن لو قرب من ولادي تاني، هيشوف مني وش ميعجبوش.
كتم اعتراضه الساخر خلف برود ملامحه، محاولًا ألا يُظهر ما يدور في ذهنه من تحفظ على أسلوبها الأحمق، ومع ذلك
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة وهو يطالعها بنظرة تحمل خليطًا من الإعجاب والقلق:
-مكنتش حابب تدخلي في الحوارات دي، كنتي سيبيني اتصرف بطريقتي.
هزت رأسها نفيًا وزفرت تنهيدة مثقلة، كأنها تُفرغ ما تراكم في صدرها من توتر مكتوم وخوف لم تُرد الاعتراف به صراحة:
-ولا كنت احب اتدخل مع واحد زيه، بس كله عشان خاطر ليلة، هي فين صحيح؟
أدار عاصم وجهه نحو الجهة الأخرى، بعين يقظة وكأنه يتأكد من خلو المكان من أي أعين مترصدة، ثم قال بنبرة واثقة تحمل طمأنينة مدروسة:
-متقلقيش هي في عربية بعيد مستنياكي، يلا روحيلها.
نظرت إليه بتحذير صريح، وقد بدأت ملامح القلق تتسلل إلى وجهها:
-وانت؟ اوعى تدخله خلاص أنا ظبطت الدنيا.
ارتسم على وجهه تعبير صارم، وكأن كلماتها لم تُغير من عزمه شيئًا:
-لا أنا ليا كلام معاه تاني، عشان يفكر ويتجرأ يخطف بنتي!
تقدمت خطوة نحوه محاولة ثنيه عن قراره بنبرة صادقة:
-بلاش صدقني خلاص الموضوع خلص، وبعدين ده واحد شكله مجنون ومش كويس، وانت انسان محترم وغيره خالص، متحاولش تنزل بمستواك له.
رمقها بنظرةٍ تجمع بين الحزم والهدوء:
-انتي فاكراني هعمل إيه؟ لا أنا هتكلم معاه بس.
تنهدت بعمق ثم قالت بصراحة خالصة:
-بص الصراحة انت شكلك كنت متساهل معاه ومحترم وهو تمادى في اللي عمله، رغم إني لما دخلت لقيته جايب العاب وأكل لليلة، بس حقيقي هو وقح، وانت محتاج توريه العين الحمرا.
تغير تعبير وجهه فجأة وسأل بحدة خفيفة:
-هو اتطاول عليكي في الكلام؟
هزت كتفيها بتردد وكأنها لا تريد تضخيم الأمر:
-مش اوي يعني، أساسًا أنا مكنتش هسكتله، بس هو واحد نظراته....بص معرفش أنا عايزة امشي من المكان ده، الانسان اللي جوه ده مريض نفسي، متحاولش تتعرضله انت شخص محترم، تصور معاه راجل جوه معاه مسدس، وكان فاكرني هخاف منه، ميعرفش إن البلد فيها قانون، أنا فهمت على طول إنهم بلطجية.
اشتدت ملامحه وصار صوته أكثر صلابة:
-عشان كده بقولك لازم اتكلم معاه، يلا روحي هناك اركبي مع ليلة وفايد هو هيرجعكم.
أومأت برأسها بإيجاب، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة تحمل امتنانًا خافتًا وقلقًا مكتومًا، ثم استدارت لتغادر المكان بأكمله، متجهة بخطوات متسارعة نحو إحدى السيارات البعيدة التي كانت تنتظرها، لم تمضِ سوى ثوانٍ قليلة حتى اطمأن عاصم بعينيه إلى ابتعاد عائشة وابنته عن محيط قصر رشيد متأكدًا من خروجهما بسلام، قبل أن تتبدل ملامحه كليًا ويتحول هدوؤه الحذر إلى صرامة مشتعلة بالغضب.
أخرج سلاحه بقبضة ثابتة، وانطلق بخطوات قوية يرافقه عدد من رجاله الذين التفوا حوله فور عبوره بوابة القصر، كأنهم يستعدون لمواجهة لا مجال فيها للتراجع، وما إن وطئت قدماه أرض حديقة القصر حتى رفع السلاح وأطلق عدة أعيرة نارية في الهواء، فدوى صوت الرصاص كالرعد، ممزقًا سكون المكان، ومثيرًا فزع العاملين والمتواجدين الذين تفرقوا في ذعر، بينما عمت الفوضى أرجاء القصر،
على النقيض تمامًا ظل موسى جالسًا في مكانه بكل برود، يقضم قطعة تفاح بتلذذ متعمد، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة تنضح بالاستهزاء، وكأن ما يحدث حوله مجرد عرض ترفيهي لا أكثر، وحين فرغ عاصم من تفريغ جزء من غضبه، ارتفعت ضحكات موسى بخفة مستفزة، قبل أن يقول بتهكم مقصود:
-الأداء مش عاجبني، عيد يا فنان.
اشتعل الغضب في عيني عاصم، وانطلق نحوه بقوة كالنمر الجائع الذي وجد فريسته، فانقض عليه في لحظة خاطفة، وأطبق بيده على عنقه بقبضة قاسية تنبض بالشراسة، بينما كانت أنفاسه تتسارع من فرط الغيظ:
-مش أنا اللي تعمل معايا كده، أنا آخر حد ممكن تفكر تمس حد منه.
رمش بعينيه في براءة مصطنعة، ثم أشار نحو نفسه مستنكرًا بسخرية واضحة، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة تهكم لا تخلو من الاستفزاز:
-أنا مسيت حد منك، مين مش واخد بالي؟
صمت لحظات قصيرة وكأنه يمنح كلماته وقتًا لتترسخ في الأجواء المشحونة، ثم أضاف بنبرة ساخرة تحمل قدرًا من اللدغ المعنوي:
-آه، قصدك بنتك اللي انت لسه مكتشف من يومين إنها بنتك؟! شعورك أيه يا عاصم وأنت عامل فيها كبير ومفيش منك اتنين في البلد ومراتك مدياك على قفاك.
كان وقع الكلمات أشبه بصفعة لفظية أشد من أي ضربة جسدية، فاشتعل الغضب في صدر عاصم، وتصلبت ملامحه كمَن يوشك على الانفجار، لم يستطع كبح جماح انفعاله أكثر، فاندفع بضربة قوية إلى وجه موسى، جعلته يترنح إلى الخلف بعنف، حتى اختل توازنه وسقط أرضًا هو والمقعد الذي كان يجلس عليه، في مشهد صادم للحاضرين، وفي تلك اللحظة انحنى عاصم فوقه بشراسة، وقد انفجر غضبه دفعة واحدة، وصوته يرتجف من فرط القهر والاحتقان:
-بلاش شغل النسوان الـ ****** ده معايا يا موسى، متفكرش حتى تفتح بوقك في موضوع يخصني، عيالي خط أحمر، عشان ورحمة أمي في تربتها لو فكرت تعملها تاني معايا، لأخطف أبوك وأخوك واخطفك انت شخصيًا.
ساد المكان توتر خانق وكأن الهواء نفسه قد ثقل من وطأة التهديد، وفجأة جاء صوت عثمان من الخلف قويًا وحادًا، يحمل مزيجًا من الغضب والسلطة:
-ومين قالك إننا هنسمحلك تمشي من هنا يا ابن سعد، انت خونت العهد وجيت بنفسك رشيد، يبقى مترجعش إلا وانت جثة.
استدار عاصم نحوه في لمح البصر ورفع سلاحه موجهًا إياه نحوه، ونبرته غليظة مكبوتة مشبعة بالحقد:
-وانت مين قالك إن هقف عادي واسكت وأنا بسمع صوتك، يا *** عباد الله.
وفي اللحظة نفسها سمع عاصم صوت شد أجزاء سلاح من خلفه، فأدرك دون أن يلتفت أن موسى قد استعاد توازنه، وبالفعل جاء صوت موسى بنفس نبرته الساخرة، وكأن كل ما حدث لم يمس أعصابه بشيء:
-وانت مين قالك إن هسيبك تقف تهدد أبويا وهسكتلك ما أنا ممكن أفرغ مسدسي في راسك من ورا عادي.
ثم صمت لحظة قبل أن يتقدم بخطوات واثقة وثابتة، مليئة بالثقة والتحدي، حتى وقف أمام عاصم مباشرة وعيناه لا تحملان سوى صرامة قاسية:
-بس أنا مش خاين زيك انت وأبوك، ولا عمري هابدأ بالغدر، ولا هموتك على أرضي، هموتك على أرضك وفي نص الوادي قدام قصر عزام نفسه.
مال عاصم برأسه قليلًا وهو يوجه فوهة مسدسه نحو موسى وقال بسخرية باردة تخفي خلفها بركانًا من العداوة:
-لو راجل اعملها وأنا صدقني هكون موجود ومستنيك ونشوف مين فينا اللي هيخلص على التاني.
تدخل عثمان بلهجة محتجة، صوته يحمل غضبًا ممزوجًا بالغيرة على الأرض والهيبة:
-انت هتسيبه كده يا موسى من غير ما تربيه، ازاي يدخل أرضنا من غير حساب.
رد عاصم ببرود قاتل وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة استخفاف:
-دخلتها زي ما أنا سمحت لابنك يدخل ياخد ابنك الشمام التاني من عندي، وخليته يمشي من غير حد يمس منه شعره.
انفعل عثمان وصوته يرتفع وهو ينظر إلى موسى باستنكار:
-انت سمحتله يا موسى؟ سمحت لابن الخاين ده يدخل رشيد ويمشي فيها ويرفع سلاحه عادي من غير ما يتحاسب؟
ابتسم عاصم بسخرية جارحة، ثم قال بنبرة واثقة مليئة بالاحتقار:
-مش عاصم عزام اللي يتحاسب، عاصم عزام بيحاسب بس، بيحاسب الاوساخ، بيحاسب ولاد الـ*** اللي مابيطمرش فيهم أي معروف.
التفت موسى نحو والده وقال بلهجة تحمل عتابًا ساخرًا ممزوجًا بالاستهزاء:
-ما تسكت يا عثمان باشا، خليت اللي مالوش قيمة يقف ويتكلم، هو بنته جت هنا بالصدفة مع واحد ابن حلال من الوادي، وأنا سلمتهاله زي ما هي لا ناقصة إيد ولا ناقصة رجل.
أنزل عاصم سلاحه ببطء محسوب، وكأن قراره لم يكن تراجعًا بقدر ما كان تحديًا جديدًا، ثم اتجه نحو موسى بخطوات ثابتة حتى وقف أمام وجهه مباشرة، وعلى ملامحه اشتعال استنكار ناري لا يخلو من الغضب المكبوت، وقال بصوت ملتهب:
-متحاولش تظهرلي براءتك يا موسى، ده انت مية من تحت تبن، ولو زي ما بتقول وبنتي جت هنا صدفة، مكنتش تسمحلها تدخل رشيد أصلاً، لكن ازاي لازم تركب الموجة وتحب تظهر.
توقف لحظة قصيرة كأنه يستجمع مزيدًا من الكلمات التي تحمل ثقل الماضي، ثم تقدم خطوة أخرى.ودفع موسى في صدره بإصبعه بازدراء واضح، غير عابئ بالسلاح الذي ما زال موجهًا نحوه، وقال بلهجة ساخرة تتقطر احتقارًا:
-رغم إن أنا لو عايز اظهر واركب الموجة مفيش أسهل من كده، زي مثلاً لما عمتك اللي اختارتكم زمان ووقفت مع أبوك ضد أبويا، جيالي وعايزة تدخل الوادي واقف ضدك وانقذ بنتها من جبروتك، بس أنا مبقفش مع ناس واطية، مع إنت عارف وأنا عارف وابوك المصدوم ده عارف بردو إني لو اخدتها على حجري، وقتها انتوا روحتوا في داهية ورشيد هترجع ملك الوادي من تاني وانت وابوك مالكمش عندي غير الجزمة تمسحوها.
كانت الكلمات كالسكاكين، تشق الهواء وتستقر في صدورهم، حتى موسى نفسه لم يستطع كبح جماح غضبه أكثر، وفي لحظة خائنة رفع مسدسه وضرب عاصم بظهره على رأسه ضربة مباغتة.
فاندفع عاصم إلى الخلف متأثرًا بالضربة، وأصابه دوار خفيف نتيجة جرح بسيط في مقدمة رأسه، ولكنه تماسك سريعًا واستقام واقفًا بشموخ عنيد، وكأن الألم لم يكن سوى تفصيل ثانوي أمام كبريائه المتجذر، تساقطت بضع قطرات من الدم على وجهه، لكن نظرته بقيت صلبة ومتحدية لا تعرف الانكسار، فابتسم بسخرية موجعة وقال بهدوء جارح:
-معلش هي الحقيقة بتوجع، وفي النهاية دي حقيقتكم.
اقترب موسى خطوة واحدة وعيناه تضيقان بغضب مكتوم، وصوته يخرج من بين أسنانه بوعيد ثقيل وخطير:
-وحياتك انت وما في حد غالي عندي زيك احلف بيه، هساوي وشك بالأرض انت وكل اللي وقف في وشي ووش أبويا معاك، أنا هسيبك ترجع لعيالك وتفرح بيهم شوية، عشان لما أخدك منهم أو اخدهم منك ابقى حاسس بإنجاز.
رد عاصم بابتسامة ساخرة وصوته مشبع بالاستخفاف:
-وانت في الإنجازات مالكش أي دور غير إنك بوق، من غير سلام.
ثم استدار وسار بخطوات واثقة، مرفوع الرأس كأنه ملك لا يُهزم، رغم الجرح البسيط الذي ما زالت بعض قطراته تنساب على وجهه، فكانت نظراته قوية ومتحدية، وكأنه يحمل في داخله حربًا لم تبدأ بعد.
خرج من قصر رشيد بخطى ثابتة، ركب سيارته دون أن يلتفت خلفه، ثم انطلق هو ورجاله بسرعة نحو وادي العرين، حيث بدا أن الصراع لم يعد مجرد تهديد بالكلمات، بل حربًا تقترب من الاشتعال.
في الداخل كان التوتر لا يزال معلقًا في الهواء كثقل خانق،
فاندفع عثمان غاضبًا نحو ابنه، وصوته يرتفع بانفعال حاد، وقد ارتسمت على ملامحه علامات استياء صريح:
-انت اتجننت يا موسى؟ ازاي تسيبه يمشي عادي كده!! فرصتك جت لغاية عندك وانت تضيعها.
نظر إليه موسى باستنكار واضح، وقد بدت على وجهه ملامح ضيق من عصبية والده، وقال بنبرة باردة تخفي تحتها ثقة لم تكن من فراغ:
-اهدى يا عثمان باشا، وجوده هنا دي فرصة سهلة وأنا مابحبش الفرص السهلة.
ازداد غضب عثمان ولوح بيده بانفعال وهو يرد بحدة:
-فرصة سهلة ولا صعبة، هي تفرق! المهم إنه نقض العهد وجه لغاية عندنا هنا، يبقى يموت ومع السلامة كلب وراح.
ابتسم موسى بسخرية خفيفة ثم رد.بهدوء حذر:
-ولما أهالي الوادي يقولوا إن عثمان وابنه غدروا بيه ويتعاطفوا معاه عشان كان يا حرام جاي ياخد بنته.
هز عثمان رأسه بعدم اكتراث وقال بثقة خشنة:
-ما يقولوا يا موسى هو الكلام بيلزق، وبعدين وقتها انت هتحكم الوادي من شرقه لغربه بإيد من حديد.
اقترب موسى خطوة من والده وصوته يهبط إلى نبرة منخفضة، لكنها محملة بوعيد مظلم خرج من أعماق نفسه:
-هحكمه...متقلقش، كل حاجة هترجع لأصلها بس اديني فرصة وثق فيا.
ثم توقف لحظة قبل أن يضيف بنبرة باردة تحمل تهديدًا صريحًا:
-واه بمناسبة عمتي لو مجتش بكرة اعتذرتلي وباست على راسي...بلاش ايدي هي عمتي بردو، صدقني هسجنها جنب بنتها.
كانت كلماته الأخيرة أشبه بقرار نهائي لا يقبل المساومة، ومؤشرًا واضحًا على أن القادم لن يكون سوى مزيد من القسوة والدم.
وقف عثمان في مكانه مصدومًا من جرأة موسى ووقاحته في تهديده الصريح، وكأن الكلمات التي خرجت من فم ابنه لم تكن مجرد وعيد عابر، بل إعلانًا صريحًا بانقلاب الموازين، وتمردًا على سلطته كأب وهيبته.
تعلق بصره بأثر ابنه وهو يبتعد، وعيناه تمتلئان بمزيج مرير من الغضب والحنق والخذلان، فكان يشعر أن النيران لم تعد موجهة نحو خصومه وحدهم، بل باتت تحرقه من الداخل، وتلتهم كل قراراته السابقة التي سمحت لموسى أن يتمادى في جبروته، ويتغول في طغيانه دون رادع أو حساب.
مر شريط سريع من الذكريات في رأسه، في كل مرة تغاضى فيها عن تجاوز، وكل مرة برر فيها قسوة ابنه على أنها قوة، وكل مرة أقنع نفسه أن البطش هو الطريق الوحيد لحفظ الهيبة، والآن ها هو يرى نتيجة ذلك جاثمة أمامه، وحشٌ
صنعه بيديه، ولم يعد قادرًا على السيطرة عليه.
وفي خضم تلك العاصفة الداخلية اخترق صوت مصعب الأجواء من الجانب الآخر للساحة، كان واقفًا بجوار شجرة كبيرة، يستند إلى جذعها براحة مستهترة، يراقب المشهد وكأنه يتابع عرضًا مسليًا لا شأن له بعواقبه.
فقال بنبرة ساخرة تتقطر تهكمًا:
-متزعلش، ما انت اللي ربيت وحش وفي الآخر أول ما يعض هيعضك انت.
كانت كلماته قصيرة لكنها أصابت عثمان في الصميم، كطعنة مباشرة في كبريائه وندمه، لم ينتظر ردًا بل استدار وغادر بخطوات محسوبة نحو القصر، واثقًا من تأثير كلماته تاركًا خلفه عثمان وحيدًا في ساحة مليئة بالصمت والخذلان.
فظل يتجرع ويلات الندم واحدة تلو الأخرى، بعدما أدرك متأخرًا أنه سمح لموسى أن يتحول من ابنٍ طموح إلى طاغية لا يعترف بسلطة ولا يخضع لحدود.
***
أغلقت الحاجة فايقة باب شرفتها بإحكام، ثم أطلقت زفرة طويلة حملت مزيجًا من الارتياح والخوف الذي لم يفارق ملامحها بعد، مسحت كفيها في ثوبها بعصبية خفيفة، ثم اتجهت بخطوات مترددة نحو الصالة الرئيسية، حيث كانت غالية وفريدة تجلسان في صمت تتقاذفهما الحيرة والفضول، جلست في مواجهتهما ولم تمكث طويلًا قبل أن تقول بصوت هادئ يناقض تمامًا ارتعاشة عينيها وارتباك ملامحها:
-الحمد لله، عاصم غار من غير أي مشاكل وعدت على خير.
كانت فريدة أول مَن كسر جدار الصمت، وقد التهمها الفضول منذ اللحظة التي رأت فيها السيارات السوداء تقتحم أجواء رشيد كما لو كانت نذير شؤم:
-مين عاصم؟ وليه كنتي خايفة اوي كده؟
تنهدت الحاجة فايقة بعمق وهزت رأسها وهي تقول بنبرة تحمل مزيجًا من السخرية والخوف:
-الاتنين دول لما بيجتمعوا بيبقي في دم وشباب زي الفل بيروح فيها يا حبيبتي.
ظلت غالية صامتة تحاول ربط خيوط الأحداث في عقلها، بينما عادت فريدة للكلام تحت وطأة الصمت المتزايد:
-مين الاتنين دول؟
كشرت ملامحها وهي تجيب بنزق:
-عاصم عزام ابن عم موسى، والغريب بقى إنه جه وخرج عادي كده من غير أي خساير!
رفعت فريدة حاجبيها بدهشة متزايدة:
-ليه هو المفروض يحصل إيه؟
ابتسمت فايقة ابتسامة باهتة لا تخلو من المرارة:
-يا يموت يا يموت، العهد بيقول إن مفيش حد من رشيد يخطي السور الكبير ويروح الوادي، ولا حد من الوادي يخطي ويجي رشيد، واللي يكسر العهد ويخونه التاني له الحكم على المنطقة كلها.
اتسعت عينا فريدة بدهشة أكبر بينما سألت بإلحاح:
-والعهد ده اتعمل ليه؟ وإيه اللي حصل عشان يكرهوا بعض؟
لوحت الحاجة فايقة بيدها وكأنها تحاول إبعاد ذكريات قديمة مؤلمة:
-يووووه دي حكاية غويطة اوي، بس اللي اقدر اقوله إن الوادي مليان بأرواح ناس بريئة راحت غدر، راحت عشان السلطة والطمع، زمان عيلة عزام كانت بتحكم قرية صغيرة فيها كام بيت، وفضلت تكبر وتكبر لغاية ما بقت تحكم الوادي كله، عزام الكبير الله يجحمه مطرح ما مات، ربى ولاده على الطمع والغل والسلطة، وكل واحد كان شايف نفسه أحق بحكم الوادي.
سكتت قليلًا ثم تنهدت بحزن وهي تهز رأسها بأسى:
-لغاية ما سعد وعثمان ولاده اتخانقوا خناقة كبيرة، والغدر حصل من ناحية سعد أبو عاصم، وعثمان رد الغدر بغدر أكبر وأوجع، وفضلوا ولاد الـ *** في مشاكل وضرب نار وناس بتموت، وليالي ما يعلم بيها إلا ربنا، لغاية ما اتعمل العهد والاتنين مضوا عليه.
في تلك اللحظة تنهدت غالية بهدوء، ووجهت نظرها إلى فريدة قائلة بنبرة متزنة:
-حكايات من زمان ملناش دخل فيها يا فريدة، خلينا في اللي جايين عشانه.
هزت الحاجة فايقة رأسها بحماس، وكأنها وجدت في كلام غالية مخرجًا من ثقل الذكريات:
-اه يا حبيبتي الله ينور عليكي، بكرة بقى تنزلي السوق وتعملي اللي اتفقنا عليه عشان أنا ماليش خلق وأم ناصر اه مسلفالي فلوس، بس لو موسى شم خبر ميعجبوش ده بقى غشيم وهيوديني في داهية.
نهضت غالية من مكانها بجمود قاتل وقالت بنبرة حاسمة:
-متقلقيش كل حاجة هتخلص بدري، بس عايزاكي تقولي للراجل بتاعك ياخدني في مكان عايزة أروحه.
زمت فايقة شفتيها بغيظ ثم ردت على مضض:
-والله شكلك ما هتجبيها لبر، حاضر، بس متطوليش عشان موسى ده خفاش بيموت في الليل وتلاقيه بيتنطط في رشيد كده كل شوية.
ثم التفتت غالية نحو فريدة وقالت بنبرة أهدأ:
-فريدة خشي نامي يلا، أنا مش هتأخر.
وغادرت برفقة الحاجة فايقة إلى أسفل البناية، حيث كان الرجل ينتظر ليتولى إيصالها إلى منزل السيدة فايزة، ما إن وطأت قدماها الرصيف حتى شعرت بثقل خفي يجثم على صدرها، وكأن المدينة بأكملها تراقب خطواتها وتحصي أنفاسها.
سارت بجانبه بخطوات ثابتة، تحاول أن تبدو هادئة رغم العاصفة التي تعصف بداخلها، كانت تتلفت حولها يمينًا ويسارًا، تحفظ ملامح الشوارع والبنايات، تفاصيل النوافذ وألوان الجدران، وأصوات المارة، وكأنها تخزن المشهد في ذاكرتها خوفًا من أن تحتاجه لاحقًا، أو ربما لأن هذا المكان يحمل في طياته سرًا لن يُمحى.
قطع الرجل الصمت بصوت منخفض يحمل حذرًا واضحًا:
-هو انتي عايزة تشوفي بيت الحاجة فايزة ليه؟
هزت رأسها بخفة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة بسيطة تخفي خلفها الكثير من الألم والذكريات:
-عادي، عايزة اعرفه.
توقف عند مسافة معينة وأشار بيده نحو بناية قريبة، ثم قال بنبرة حازمة تخالطها رهبة:
-طيب أنا اخري هنا عشان رجالة موسى باشا في كل مكان، لو شافوكي ماشية معايا، هيشكوا ويبلغوه، لكن انتي لو مشيتي قولي إنك تايهة، لو موسى نفسه شافك، قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم، سلام.
وقبل أن تمنحه فرصة للسؤال أو الاعتراض، اختفى من أمامها كما لو أنه لم يكن موجودًا منذ البداية، تاركًا خلفه فراغًا ثقيلًا وإحساسًا بالوحدة يزحف إلى قلبها.
وقفت للحظة تتردد ثم تجاهلت خوفها ومضت نحو البناية المشار إليها، وكلما اقتربت خطوة ازداد الثقل في صدرها، وكأن الهواء يثقل فجأة والمكان يبتلع شجاعتها رويدًا رويدًا، فتسللت إلى عقلها تخيلات موجعة، وذكريات لم تلتئم جراحها بعد، شعرت بآلام قديمة تطرق أبواب قلبها بعنف، تذكرها بما تحاول نسيانه.
رفعت رأسها تطالع الشرفة العليا بتفكير مضطرب، وعيناها تمتلئان بالدموع دون إرادة منها، وفي ومضة خاطفة تخيلت أخاها يسقط غدرًا من إحدى الشرفات، جسده يهوي وصوت ارتطامه بالأرض يدوي في أذنها كأنه يحدث الآن،
تكرر المشهد أمام عينيها ككابوس حي، صرخته المكتومة ودمه وملامحه في اللحظة الأخيرة.
أغمضت عينيها بفزع ووضعت يدها فوق أذنها محاولة إسكات ذلك الصوت الذي لا يكف عن مطاردتها، لكن الذكريات كانت أقوى من محاولاتها، وفجأة شعرت بأنفاس قريبة خلفها، أنفاس غريبة وباردة تحمل تهديدًا خفيًا،
فظهر ظل طويل على الأرض أمامها، ظل مخيف امتد كأنه كيان مستقل، فالتفتت ببطء وقد شل الرعب أطرافها،
وحين رفعت عينيها وجدته أمامها، إنه موسى عزام.
كان يقف قبالتها بثبات ينظر في عينيها الزائغتين بنظرة مليئة بالقوة والمكر، نظرة جعلت الدم يتجمد في عروقها، وأشعلت في قلبها خوفًا دفعها للتراجع للخلف.
-انتي مين يا حلوة؟
-آآ...أنا...غـ.....آ
__________________
تكملة الرواية من هناااااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا

تعليقات
إرسال تعليق