رواية فى ظلال الوادى الفصل التاسع 9بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
رواية فى ظلال الوادى الفصل التاسع 9بقلم زيزى محمد حصريه في مدونة موسوعة القصص والروايات
الفصل التاسع.
"اقتراح لم يكن موفق"
تراجعت خطوة إلى الخلف تحاول أن تتدارك حجم الخطأ الذي كادت أن تتفوه به، وعيناها معلقتان به في دهشة ممزوجة بالحذر من ظهوره المفاجئ، أخذت تتأمل ملامحه في ضوء خافت تسلل من زاوية الطريق، فبدت لها قسماته حادة كجناحي خفاش ليلي خرج لتوه من عتمته، شيئًا فشيئًا بدأت تقتنع أنه بالفعل ذلك الكائن الذي لا يحيا إلا في الظلال، لكن نظراته الوقحة المتفحصة بجرأة مستفزة، بددت اندفاعها أمام خوفها وارتجافها، لذا تماسكت ورفعت رأسها بكبرياء مصطنع، وفتحت فمها لتتحدث بصلابة تحاول استحضارها من أعماقها، ولكنه سبقها بنبرة يغلفها تهكم خفيف:
-إيه القطة كلت لسانك، يا قطة؟
تنفست غالية بعمق وأغمضت عينيها لوهلة خاطفة ثم فتحتهما، ترمش بأهدابها كأنها تعيد ترتيب ملامح الشخصية التي رسمتها له في خيالها، كانت قد نسجت عنه صورة لرجل مغرور ومستهتر، يعتد بنفسه حد السخف؛ وها هو يؤكد ظنونها، فخطت أولى خطواتها في خطتها للانتقام منه هو وأخيه وعائلته، وقالت بثبات نسبي تحاول أن تُخفي ارتجافة خفية في صوتها:
-انت مين؟ وبتسألني على اسمي ليه؟!
اتسعت ابتسامته الساخرة واقترب منها أكثر حتى شعرت بأنفاسه تلامس توترها، وقال بنبرة اعتراض متعمد:
-لا يا شيخة؟! انتي متعرفنيش؟ لا لا كده عيبة في حقي!
هزت رأسها نافية، متقنة براءة زائفة تلبستها في لحظة حرجة:
-لا عيبة ولا حاجة يا بيه؟ انت مين لا مؤاخذة؟ أنا معرفكش، أنا لسه جديدة هنا؟
تراجع خطوة وأخذ يتأملها بنظرة تقييم باردة، مرر بصره على هيئتها ببطء مقصود، كأنه يفكك تفاصيلها جزءًا جزءًا، ثم قال بنبرة يشوبها الشك:
-اممم صنف جديد يعني؟ وانتي اتحدفتي علينا من انهي داهية يا قطة؟!
كادت أن تنطق باسمها المزيف لتنجو مؤقتًا من استجوابه الثقيل، ولكن فجأة ظهرت امرأة خلفه تحمل سلاحًا ناريًا ضخمًا موجهًا نحوه، جعل الدم يتجمد في عروقها، فانتفضت فزعًا واتسعت عيناها حتى كادتا تفضحان ما بها من رعب، ورفعت يدها تشير إليه في محاولة يائسة لتنبيهه، وقد انعقد لسانها من هول المفاجأة، أما هو فضحك ببرود مستفز، وأمال رأسه في استمتاع غريب كأن الأمر لا يعنيه:
-إيه شوفتي عفريت؟ ولا عفريتة؟
لم تستطع غالية الرد، بل ظلت تشير خلفه بذعر صامت، فقال باستخفاف واضح وكأنه لا يكترث بما قد يحدث:
-إيه؟ نجري طيب؟ ولا إيه يا بومة، انطقي؟
كادت تصرخ بأعلى صوتها لتحذره، لكن صوت تهيئة أجزاء السلاح وانسلاله المعدني البارد إلى موضعه الصحيح جعلها تتراجع خطوة أخرى، وقد انقبض قلبها بين ضلوعها، في تلك اللحظة هتف موسى بضيق ساخر وهو يلتفت ببطء متعمد إلى الخلف:
-اه، ده صوت سلاح، يبقى أكيد ده حد واطي!
رفعت غالية حاجبيها في دهشة واضحة من هذا العبث الذي بلغ حد السخرية السوداء، لكنها أدركت في قرارة نفسها أن خطتها للانتقام لم تعد مجرد لعبة ذكاء أو تمثيل أدوار تتقنها بخفة، بل دخلت طورًا أشد خطورة حيث تتشابك النيات السوداء مع فوهات البنادق.
ولكن موسى فاجأها مجددًا، إذ انفجر ضاحكًا حين وقعت عيناه على وجه السيدة، ثم فتح ذراعيه في حركة مسرحية تهكمية، وقال بصوت عال يقطر استهزاء:
-أو واحدة واطية! إيه يا عمتي جو الأشرار ده؟ جديد عليكي!!!
اشتدت قبضة فايزة على السلاح، حتى برزت عروق يدها من فرط الغيظ، وقالت بنبرة يختلط فيها الغضب بالمرارة:
-والله ما حد واطي إلا أنت يا ابن عثمان، مطمرش فيك المعروف ورايح تحبس بنتي، ده أنا لولايا كنتوا زمانكم عبيد في الوادي وخدامين عند عاصم، نجمتك وخليتك باشا، وأول ما تعض تعض الإيد اللي اتمددتلك!
قهقه موسى بخفة مستفزة، وكأن الاتهام لا يمسه في شيء، ثم رد بوقاحة صريحة:
-أنا مابعضش، اه متصبليش كده، متقوليش حاجة مش فيا؟!
أنا بفترس بس، بالذات لو حلوين وواطين زيك كده يا عمتي.
ارتسم الاشمئزاز على وجه غالية، وقد ضاقت ذرعًا بدناءة الحديث وتفاهة السخرية في حضرة الموت، فكان المشهد برمته عبثًا فوضويًا؛ امرأة غاضبة تصوب سلاحًا، ورجل يواجهها باستهزاء قاتل، وذكريات خيانة تتطاير في الهواء كشرر مشتعل.
وفي تلك اللحظة أدركت غالية أن البقاء يعني الانجراف إلى دوامة لا قرار لها، تحركت ببطء محسوب، تتراجع خطوة إثر خطوة مستفيدة من انشغالهما بالجدال المتصاعد، فكانت خطواتها خفيفة كظل ينسل من بين الجدران، وأنفاسها مكتومة خشية أن يفضحها صوتها.
ثم حين ارتفعت حدة النقاش أكثر، استدارت فجأة وانطلقت تركض في ظلمات الطرقات، تبحث بعينين متلهفتين عن الطريق الذي يعيدها إلى منزل السيدة فايقة، حيث ملاذها المؤقت وأمانها الهش، فكانت الأزقة ضيقة، والريح تعصف بثيابها، وقلبها يخفق بعنف يكاد يصم أذنيها.
أما خلفها فاستمر الجدال محتدمًا، حيث قال موسى بتهكم، وقد مال برأسه قليلًا:
-نزلي السلاح يا عمتي أحسن أموت واروح فطيس.
فصرخت فايزة بحرقة مكبوتة:
-يبقى ريحت رشيد كلها منك ومن ظلمك وجبروتك.
عقد حاجبيه باستغراب مصطنع وقال ساخرًا:
-إيه ده مين بيتكلم؟! الحاجة فايزة؟ من امتى الإيمان ده يا حاجة؟ ده انتي الشيشة مبتفارقش بوقك، ده أنا محترم عنك ومبشربش سيجارة..
اشتعلت عيناها غضبًا، وقالت وهي تشد السلاح بين يديها:
-ولما افرغه كله فيك مش هتزعل وتندم على اللي قولته يا واطي.
ابتسم ببرود مستفز وأجاب بلا مبالاة:
-اندم؟! هو أنا لو مت هكون ندمت أساسًا ليه؟ هكون في حياة تانية أحسن من اشكالكم.
زمجرت وهي تقول:
-والله عثمان أخويا ربى ديب مسعور.
اقترب خطوة وصوته يهبط إلى طبقة أخطر:
-انتي جاية ورايا وعاملة الفيلم الهندي ده ليه؟ عشان ارحمك ومفكرش اعاقبك على روحتك لعاصم.
رفعت ذقنها بعناد جريح:
-وحياة أمك ولا يفرقلي.
وفي جزء من الثانية تبدل كل شيء، انقض عليها بخفة خاطفة، جذب السلاح من يدها بمهارة أربكتها، ثم وجهه إلى مقدمة جبهتها، وتحولت عيناه في لحظة من عبث ساخر إلى قسوة صلبة، وصار صوته حادًا كحد السكين:
-أمي خط أحمر، واه انتي جاية خايفة مني، ففكرتي تعملي الجو العبيط ده وفاكراني هعديهالك....
ساد صمت ثقيل، فكان يقرأ ارتجاف ملامحها، ويقتات على توترها، ثم وبسرعة أربكت الأعصاب عاد إلى سخريته، ورفع السلاح عاليًا وأطلق رصاصتين في الهواء، فدوى الصوت في الفضاء فتراجعت فايزة مذعورة، وارتج صدرها بأنفاس متلاحقة، بينما هو قال ببرود قاتل:
-كان لازم أضربهم تعويضًا عن عملتلك السوده في حقي، شوفتي حنية قلبي، مش هتلاقوا حد بار بأهله زيي يا عمتي، عمرك ما هتعوضيني.
رفعت رأسها بصعوبة تتنفس ببطء متقطع، وقالت بصوت متهدج يكاد ينكسر:
-طلع بنتي يا موسى، طلعها عيب في حقك لما تسجن بنت عمتك وتعاملها زي الغريب.
أجابها بلا تردد:
-طالما داست على طرفي، يبقى أعاملها زي الغريب ويمكن زي عدوي.
-وهي داستلك على طرفك فين يا موسى، دي لا بتكلمك ولا بتيجي جنبك ولا ليها دعوة بيك.
اشتد صوته وهو يرد:
-داست على طرف أخويا، وأنا اللي يدوس على طرف أخويا كإنه داس على طرفي.
نظرت إليه بحيرة وألم:
-يا موسى انت إيه اللي خلاك كده، ده انت المفروض تحتويها يا حبيبي.
ضحك بمرارة ساخرة:
-احتوي مين؟ لميا؟ دي وحشة! هي لو حلوة مكنتش سيبتها.
سألته بانكسار صريح:
-يعني أخرة اللي بتعمله إيه؟!
حرك بالسلاح في يده، وقال ببرود مخيف:
-مفيش حاجة دي كانت قرصة ودن ليها، عشان تبعد عن مصعب، المرة الجاية هطلعها رحلة للسماء بس رحلة مفيهاش رجوع.
ثم التفت إليها فجأة ونبرته تهبط إلى تهديد صريح لا لبس فيه:
-واه، لو فكرتي تروحي تطلبي النجدة من عاصم تاني، صدقيني هخليكي عبرة لنجمة رشيد كلها، وأنا مبرجعش في كلمة قولتها، روحي يبتك وبنتك هتجيلك.
أنهى حديثه واستدار مغادرًا، يحمل سلاحها الذي انتزعه منها عنوة، تاركًا خلفه صمتًا يقطعه صدى خطواته المتباعدة، أما هي فبقيت واقفة في مكانها، تحدق في أثره بغل مكتوم، وداخل صدرها تتصارع الأمومة مع العجز والكبرياء مع الخوف، فكانت تدرك أن المعركة لم تعد خلافًا عائليًا، وأن الذئب الذي رباه أخوها صار اليوم سيد الغابة… ولا أحد يعرف متى يقرر أن يفترس من جديد.
***
عاد موسى إلى قصره بخطوات واثقة، تخفي وراء صلابتها إرهاقًا ثقيلًا تراكم فوق صدره منذ بداية يوم لم يعرف فيه السكون، فكان يشعر بأن رأسه يعج بأصوات متداخلة؛ تهديدات واتهامات...ذكريات ووعود بالانتقام، فكان بحاجة إلى عزلة تفصل ذهنه عن هذا العبث المتكرر، ولكن قصره لم يمنحه تلك الرفاهية.
فما إن دخل البهو الواسع حتى لمح لمياء واقفة إلى جوار مصعب، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى شحب وجهها واختبأت خلف مصعب في حركة عفوية، كطفلة احتمت بجدار واهٍ من عاصفة تعرف أنها قادمة، في إحدى الزوايا وقف صالح يراقب المشهد بصمت متأهب، كأنه تمثال يعرف أكثر مما يُظهر.
قطع مصعب الصمت بصوت حاول أن يجعله آمرًا، رغم تلك الرجفة الدائمة التي باتت تلازمه منذ أن اتخذ من المخدرات مهربًا وملاذًا:
-صالح خد لمياء ووصلها لبيت أمها يلا.
خرجت لمياء من خلفه ببطء، تتفحص الموقف بنظرات سريعة قلقة، التقت عيناها بموسى للحظة خاطفة، فرأت فيهما غموضًا مخيفًا لا يمكن تفسيره، لم تنبس بكلمة لكنها تحركت فور أن أشار موسى لصالح بهزة رأس خفيفة، إشارة مقتضبة لا تحتمل النقاش، فغادرت بخطوات مترددة دون أن تلتفت إليه، رغم احتراق صدرها بكره صامت لما فعله بها.
بينما ظل موسى واقفًا لحظة ثم استدار ليكمل طريقه نحو الدرج ببرود متقن، وكأن شيئًا لم يكن ولكن صوت مصعب أوقفه:
-يا ريت متكررش اللي انت عملته ده في حق بنت عمتك، وتعرف تفرق بين الغريب والقريب، أنا خرجتها عشان شايفك مطول في اللي بتعمله.
توقف موسى ببطء ثم عاد أدراجه نحوه، اقترب حتى بات يقف أمامه مباشرةً، لا يفصل بين وجهيهما سوى أنفاس متوترة، فمد أصابعه ومررها ببطء فوق خد أخيه، في حركة بدت أقرب إلى سخرية مقنعة منها إلى مودة، وقال بنبرة ساخرة تخفي شراسة كامنة:
-إيه الحلاوة دي يا واد، عايز تعمل كبير والكلمة كلمتك؟!
ثم قبض على وجهه فجأة بقوة حتى انحرفت ملامح مصعب تحت ضغط أصابعه، وتابع بصوت أخفض لكنه أشد وقعًا:
-وماله معنديش مانع اعمل كبير، بس قبل ما تلعب الدور ده وتبقى كبير فعلاً اعرف يا حيلتها إن الكبير لازم عقله يبقى مصحصح وفايق، لكن انت عقلك خلاص لحس وطار منك، فعشان كده اتوقعلك الفشل قريب يا.....
خفف قبضته قليلًا وحدق في عينيه الباهتتين، فرأى فيهما ذلك الضعف الذي طالما احتقره، ثم ابتعد خطوة وفتح ذراعيه في تمثيل مسرحي رافعًا صوته بسخرية لاذعة:
-يا كبير رشيد، يا كبيرنا.
استدار بعدها وصعد الدرج بهدوء بارد، كأن المواجهة لم تكن سوى مشهد عابر في مسرح يملكه وحده، أما مصعب فظل واقفًا في مكانه، يشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه، فكان يدرك أن جنون أخيه لم يعد مجرد نزق أو استعراض قوة، بل تحول إلى شيء أعمق، أشد ظلمة وخطرًا، شيء ينمو بصمت ويكاد يبتلع كل مَن يقف في طريقه قريبًا كان أم بعيدًا.
****
في "الوادي".
وتحديدًا في منزل عائشة، خرجت من الغرفة الصغيرة التي خصصتها لطفليها عمر وليلة، بعدما ساعدت الصغيرة على الاستحمام وتبديل ثيابها، وجلست إليها تستمع إلى روايتها المرتجفة التي لم تمل من تكرارها منذ أن خرجت تبحث عن والدتها، كانت ليلة تسرد الحكاية بعينين غارقتين في الخوف، تتحدث عن رجل يرتدي جلبابًا أبيض وعمامة بيضاء، طويل اللحية تتخللها خصلات شابت قبل أوانها، قالت إنه أمسك بيدها برفق مصطنع، وأوصلها إلى منطقة لا تعرفها، ولم تكن سوى «رشيد»، ومن هناك تنقلت بين أيدٍ لا تعرف أصحابها، حتى انتهى بها المطاف عند صديقها الجديد "موسى" الذي أخذت تذكر كرمه معها بتفاصيل طفولية، قبل أن تغلبها سنة النوم، فتغفو رغمًا عنها والكلمات لا تزال تتهادى على شفتيها.
أغلقت عائشة باب الغرفة بهدوء، كأنها تخشى أن توقظ ما نام من طمأنينة مؤقتة في صدر طفليها، ثم مضت إلى الأريكة الصغيرة وجلست إلى جوار خالتها شريهان، أطلقت تنهيدة عميقة بدت وكأنها تستخرجها من أعماق صدرها المثقل، وأغرقت نفسها في بحر من التفكير المضني فيما جرى تلك الليلة، ولكن صوت خالتها قطع عليها شرودها، إذ قالت بتيهٍ واضح:
-قالتلك حاجة تاني غريبة مثلاً؟
هزت عائشة رأسها نفيًا، وقالت بنبرة يختلط فيها الإرهاق بالقلق:
-لا، هو هو كلامها متغيرش، بس مين الراجل ده اللي قاصد يوديها هناك؟! وواضح أوي يا خالتو إن اللي اسمه موسى وعاصم بينهم مشاكل فـ ليه الراجل ده يعمل كده؟!
مطت شريهان شفتيها بتفكير، وأخذت تحرك ساقيها في توتر ظاهر ثم قالت:
-معرفش الموضوع شكله كبير، ها هنكمل هنا ولا هنهرب تاني؟!
التفتت إليها عائشة وقد بدا الاضطراب جليًا على ملامحها، وقبل أن تجيب ارتفع صوت خالتها بالسؤال وكأنها تُفكر بصوت مسموع:
-عاصم ده شفتي مراته أو سمعتي عنها حاجة وانتي في بيته؟!
هزت عائشة رأسها بالنفي وقالت بتوتر واضح:
-لا مشوفتش بس أنا ملحقتش أصلاً اقعد، يعني فوقت وحصل اللي حصل، بس شكلها متوفية أصل يعني الزفت شوقي ده اتجرأ وخطفهم ازاي إلا إذا كانت ميتة، أمهم لو عايشة يا خالتو، مكنش قدر يعمل كده الكلب، وبعدين هي لو عايشة زمانها كانت جت مع أبوهم مش هتقدر تستحمل تقعد ومتشوفش ولادها.
أومأت شريهان برأسها مؤيدةً، وقد بدا الاقتناع راسخًا في عينيها وأضافت بنبرة أكثر ارتياحًا:
-أنا رأيي كده بردو وبعدين هو مجبش سيرتها خالص في كلامه معاكي، وعمال يوعدك مياخدش العيال منك، يبقى مش موجودة فعلاً وميتة يلا ربنا يرحمها، والله ربنا رزق ولادها بيكي يا حبيبتي ده انتي مفيش اطيب منك.
تنهدت عائشة بقوة ونظرت نحو باب غرفة طفليها المغلق، وقالت بصوت تكسوه عاطفة الأمومة:
-دول حبايب قلبي، أنا من غيرهم اتوه والدنيا متبقاش ليها طعم...
ثم عادت تنظر إلى خالتها وقالت بنبرة وعد لم يكن موجهًا إلى أحد سواها، بل إلى قلبها المرتجف خشية الفقد:
-أنا هفضل احافظ على وجودهم في حياتي لغاية اخر نفس فيا.
وقبل أن تكمل حديثها، دوى رنين هاتفها في السكون، فالتقطته مسرعة وجاءها صوت عاصم رخيمًا ومختصرًا:
-أنا تحت بيتك مستنيكي.
التفتت إلى خالتها وقد تسارعت دقات قلبها، وقالت بخفوت وهي تنهض:
-عاصم تحت وعايزني انزل، هنزله ربنا يستر، خلي بالك من الولاد ليصحوا يا خالتوا وينزلوا ورايا ويشوفوه.
أسرعت إلى الدرج بخطوات متلاحقة، يتنازعها القلق والتوجس وما إن بلغت البوابة المعدنية حتى فتحتها، وأشارت إليه بالدخول إلى الشقة الكائنة في الطابق الأرضي، لم تنتبه في بادئ الأمر إلى الجرح النازف في جانب جبهته، إذ كان يضغط عليه بقطعة قماش ملوثة بالدم.
أضاءت الأنوار وسحبت مقعدين ليجلسا، ثم التفتت تدعوه إلى الجلوس، وما إن استدارت نحوه حتى وقعت عيناها على أثر الدم المتسرب من بين أصابعه، فشهقت شهقة حادة، واقتربت منه بقلق وريبة، قائلة:
-إيه ده مين عمل فيك كده؟ أكيد المجرم اللي اسمه موسى ده، أنا قولتلك يا أستاذ عاصم متدخلش هو شكله بلطجي اصلاً.
حاول أن يتحدث ليطمئنها، ولكنها لم تُمهله فرصة فمدت يدها إليه فجأة وجذبته تحت وطأة دهشته، وأجلسته على المقعد، ثم أسرعت تصعد الدرج بخطوات متلاحقة، ولم تمضِ دقائق حتى عادت تحمل صندوق إسعافات أولية كانت تحتفظ به من أجل صغيريها خشية أن يصيبهما مكروه، وضعته على ساقه ورفعت القماشة عن جرحه، فوجدته سطحيا غير عميق، فتنفست الصعداء وهي تتفحصه قائلة:
-الحمد لله بسيط متقلقش.
تيبس عاصم في مكانه من جرأتها العفوية وهي تضمد جرحه وتقترب منه بتلك المسافة التي لم يعتدها، طالما كان عدوًا للمس والاقتراب منذ وفاة والدته؛ لم يجرؤ أحدٌ على اختراق مساحته الخاصة دون إذنه، حتى جيني نفسها لم تكن تقترب منه إلا بإشارة منه، أو حين يسمح لها بذلك بكبرياء ظاهر، ولمدةٍ محدودة لا تتجاوز الدقائق،
لكن لمستها هذه لم تكن اقتحامًا بقدر ما كانت اندفاعًا صادقًا، خاليًا من التكلف، فأحس بأنفاسه تهدأ شيئًا فشيئًا، وكأن في دفء أصابعها طمأنينة لم يعرفها منذ زمن، ولم يكن يُصغي حقًا إلى ثرثرتها المتواصلة عن ضرورة تجنب ذلك الرجل الوقح، وعدم النزول إلى مستواه، بقدر ما كان مأخوذًا بحركتها وهي تتحدث؛ كانت تشير بيديها كثيرًا، فتتمايل خصلات شعرها مع كل إيماءة، في مشهد أيقظ شيئًا في داخله ظنه مات منذ سنوات.
وحين انتهت أغلقت الصندوق وجلست على المقعد المقابل له، وقالت بنبرة امتزج فيها الارتياح بالحزم:
-متحاولش تختلط بالراجل ده تاني وتنزل بمستواك له، اوقات يا أستاذ عاصم في ناس وقحة بتحاول تجرنا لمستواها الواطي، ولو نزلتله عمرك ما هتعرف تطلع من المستنقع اللي عايش فيه.
ابتسم ساخرًا في داخله من نصائحها التي بدت له على بساطتها أثمن من أن تُقال بهذه العفوية، فكان يستمتع بطريقة حديثها، وبذلك القلق الصادق الذي يلون كلماتها، حتى إنها حين أشارت إليه بيدها مرة أخرى، قالت برقة يشوبها شيء من الحرج:
-أنا أسفة طبعًا لو كنت بتدخل في تفاصيل ماليش فيها، بس يعني حضرتك صعبت عليا، ولاد الناس بيبانوا وانت شكل ابن ناس ومحترم.
عندها اقترب بجذعه قليلًا وانخفض صوته، ولكن نبرته بقيت جامدة حادة، تحمل ظل تحذير خفي:
-وعشان أنا ابن ناس ومحترم، متحاوليش تختبري صبري يا دكتورة تاني!
تراجعت إلى الخلف بارتباك وقد ارتسم القلق على ملامحها من تحوله المفاجئ، وقالت بصوت متقطع:
-مـ...مش فاهمة، آآ...قصدك إيه؟؟
عاد إلى موضعه كما كان واستند بظهره إلى المقعد، ثم قال بهدوء ونبرة أقل حدة رغم جمود ملامحه:
-يعني متحاوليش تهربي بعيالي تاني، أنا سكت وعديت اللي عملتيه، وعشان انتي ظلمتيني ربنا جابك لغاية عندي، بس لو كنتي فاكرة إني مكنتش هعرف اجيبك تبقي غلطانة يا دكتورة لو روحتي فين هجيبك.
ارتفعت ذقنها قليلًا وقد امتزج الخوف بشيء من التحدي، وقالت:
-اعتبر ده تهديد يا أستاذ عاصم؟
هز رأسه نافيًا وقال بصوت ثابت:
-لا طبعًا، بس أنا بعرفك أنا وضعي إيه؟ أنا مش حد قليل ولا مقدرش آخد عيالي منك، بس أنا بحب العقل وفي نفس الوقت هرجع اقولك في رقبتي جميل ليكي على اللي عملتيه مع ولادي.
تساءلت وقد ضاق صدرها من وطأة الموقف:
-والجميل ده هترده ازاي؟
أجاب ببساطة أدهشتها:
-بسيطة مش هخدهم منك وهسيبهم معاكي، اظن مفيش حاجة أحسن من كده؟ إلا لو كنتي محتاجة فلوس..
انتفضت ملامحها رفضًا وقالت بصدق جلي:
-لا فلوس إيه؟ أنا مش محتاجة حاجة غير وجودهم جنبي، وافضل امهم على طول.
نظر إليها طويلًا ثم قال بنبرة أكثر لينًا:
-بسيطة يا دكتورة، بس في نفس الوقت أنا من حقي ولادي يتعرفوا عليا ويعرفوا إن أنا أبوهم.
امتدت يدها نحوه بعفوية بريئة وفي عينيها رجاء خالص:
-توعدني متاخدهمش مني خالص تحت أي ظرف؟
مد يده دون تردد فصافحها، وضغط على كفها برفق يحمل قوةً مكتومة وهمس بوعدٍ بدا صادقًا:
-هيفضلوا معاكي العمر كله يا دكتورة عشان انتي متساهليش مني غير كده.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة سعادة امتزجت بالامتنان، ثم سحبت يدها بخجل وخفضت بصرها، بينما تنفس هو بعمق قبل أن يسأل بحذر:
-هتقوليلهم امتى؟
تنهدت طويلًا وأعادت خصلات شعرها إلى الخلف وهي تفكر مليًا، فكانت الفكرة ثقيلة والاعتراف أصعب مما تخيلت، ثم قالت بعد تردد:
-ممكن بكرة اقولهم إننا جينا هنا عشان انت جيت من السفر وجينا نقابلك وتشوفهم، وحكاية اسمك دي معرفش الصراحة...هقولهم إيه! بس ممكن اقولهم مثلاً...مش عارفة!
أجاب بهدوء محسوب:
-عادي قوليلهم إن أنا غيرت اسمي من زمان وانتي مكنتيش تعرفي، وهما كده كده لسه اطفال يعني مش هيركزوا في تفاصيل وأنا بكرة هجبلهم هدايا والعاب كتير.
أومأت موافقة رغم القلق الذي كان يعتصر قلبها، الاعتراف بالحقيقة لم يكن يسيرًا، لكن من حقهما أن يعرفا والدهما الحقيقي، لا ذلك الرجل الطماع الذي كاد يسرق منهما اسم الأب ودفء الانتماء، أقسمت في سرها ألا تكون أنانية، وأن تمنحهما فرصة ليختارا بقلبيهما.
نهض عاصم واستعاد جديته، ثم اتجه نحو باب الشقة، ولكنه توقف لحظة قبل أن يخطو للخارج، وقال بنبرة خافتة ولكنها مشحونة:
-ليلة قالتلك إيه اللي حصل؟
هزت رأسها إيجابًا وهي تسير إلى جواره نحو الخارج، ثم أخذت تسرد عليه ما علمته من ليلة، وقد بدا في صوتها شيء من الحذر:
-بتقول إنها لما خرجت برة البيت، في راجل لابس جلبية بيضة وعنده دقن طويلة فيها شعر ابيض وعمة بيضة، هو اللي اخدها هناك وبس، تعرفه ده يا أستاذ عاصم؟
توقف عند عتبة البوابة الخارجية، وتصلّبت ملامحه لحظة قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة غامضة لا تُفصح عما يدور في داخله ثم قال:
-اممم لسه هشوف، المهم متشغليش بالك ومتخافيش ده مش هيتكرر تاني، ادخلي انتي ولما تقولي للولاد بكرة، اتصلي عرفيني عشان آجي اقعد معاهم.
قبضت يدها بتوتر ظاهر، وبقيت واقفة قبل أن تغلق البوابة، ثم سألته بنبرة مترددة:
-هتيجي لوحدك؟
نظر إليها باستغراب خفيف:
-يعني إيه؟ اه هاجي لوحدي!
تلعثمت قليلًا وهي تخفي توترها وفضولها حول معرفة حقيقة وفاة زوجته أو وجودها على قيد الحياة:
-آآ اقصد يعني لو عايز تجيب حد من اهلك، أو..
قاطعها بهدوء خالٍ من الانفعال:
-لا مفيش حد، ومعنديش حد يجي معايا، هاجي لوحدي.
كادت ابتسامة ارتياح أن تنفلت من بين شفتيها، لكنها كتمتها بصعوبة، فكان في جوابه ما يعزز استنتاجها السابق، ويُرجح صحة ما ظنته عن حياته الخاصة، لذا أومأت برأسها وقالت بابتسامةٍ صغيرة حاولت أن تبدو عادية:
-هستناك بكرة!
تأملها لحظة ثم قال بنبرة أكثر عمقًا، وكأنه يُزيح عن صدره ثقلًا ظل يحمله طويلًا:
-دكتورة أنا نيتي صافية من ناحيتك، ومعنديش أي نية غدر خالص، فياريت تقفي معايا وتحطي ايدك في ايدي وكويس اوي انك جيتي هنا، عشان تكونوا تحت عيني واعرف احميكم كويس وآخد بالي منكم.
لمست كلماته شيئًا هشًا في داخلها، ذلك الشعور الخفي بالأمان الذي لم تعترف يومًا بحاجتها إليه، لكنها تماسكت وقالت بصوت هادئ:
-لا خلاص، طالما وعدتني خلاص مش ههرب تاني، وبردو هما من حقهم يتعرفوا عليك، تصبح على خير والف سلامة.
أجاب بنبرة رخيمة وهو يحرك رأسه إيماءة خفيفة:
-شكرًا، الله يسلمك.
أغلقت البوابة ببطء وظلت واقفة خلفها لحظة تستمع إلى وقع خطواته وهو يبتعد، فكان الليل قد أرخى سدوله، والهواء يحمل برودة خفيفة، ولكن صدرها كان يموج بأفكار متشابكة.
أما هو فسار بخطوات متأنية، وعيناه غارقتان في عتمة الطريق، لم تكن ابتسامته الغامضة عند سماعه وصف الرجل مجرد صدفة؛ لقد ارتسمت في ذهنه صورة واضحة، وبدأت خيوط قديمة تتصل ببعضها في صمت ثقيل، فكان يدرك أن الأمر لم يكن عابرًا، وأن وراء تلك العمامة البيضاء ما يستدعي الحذر.
توقف لحظة عند سيارته، وأسند يده إلى سقفها وأطلق زفرة طويلة، لم يكن قلقه على نفسه بل على طفليه، فكرة أن يُمس أحد طفليه بسوء كانت كفيلة بإيقاظ أكثر جوانبه صرامة وحدة.
أما في الداخل بعدما أغلقت هي الباب واستندت إليه، ثم أغمضت عينيها برهة، غدًا سيكون يومًا مفصليًا في حياة الصغيرين وربما في حياتها أيضًا، ستنطق بحقيقة ظلت حبيسة صدرها، وستفتح بابًا لمستقبل مجهول الملامح.
رفعت رأسها أخيرًا واتجهت إلى الداخل بخطوات أهدأ، فلم يعد هناك مجال للهروب ولا مكان للتأجيل، فكانت تدرك أن المواجهة مهما بدت مخيفة أهون من الاستمرار في الظلال، وغدًا… ستتغير أشياء كثيرة.
****
ترك عاصم سيارته على مسافة غير بعيدة، ثم اتجه بخطوات محسوبة نحو منزل يقع بالقرب من بيت عائشة، وما إن استقر في موضعه حتى أدار وجهه نحو فايد، فرماه بنظرة صارمة حادة، كانت كفيلة بأن توصل له الأمر دون حاجة إلى كلمات، ففهم فايد الإشارة على الفور وتقدم هو ورجاله، واندفعوا نحو البوابة يدفعونها بقوة حتى انفتحت تحت ضغطهم العنيف.
تدفقوا إلى الداخل واحدًا تلو الآخر، ثم كسروا باب الشقة في الطابق الأرضي دون تردد، وانتشروا بداخلها بسرعة منظمة، قبل أن يصطفوا في صفين متقابلين، في مشهد يعكس الطاعة والانضباط، منتظرين دخول عاصم الذي تقدم بخطوات واثقة يغلفها غرور واضح.
ألقى نظرة شاملة على أرجاء الشقة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح اشمئزاز لم يحاول إخفاءها، وكأن المكان لا يليق حتى بمرور نظره عليه، ثم قطع تأمله والتفت نحو فايد قائلًا بصوت قاسٍ خالٍ من أي لين:
-امال حيلتها فين؟
تحرك فايد نحو غرفة صغيرة يتيمة في الشقة، وقال بنبرة ساخرة:
-شكله نايم، تحب نجبهولك هنا؟
هز عاصم رأسه رافضًا ثم اتجه بنفسه نحو الغرفة، ولم يتردد في ركل الباب المتهالك بقدمه حتى انفتح بعنف، دخل بخطوات هادئة لكنها مشحونة بالتهديد، وتقدم داخل عتمة الغرفة قبل أن يمد يده فجأة ويجذب النائم من فوق فراشه بقوة، في اللحظة نفسها التي أضاء فيها فايد المصباح،
قال عاصم بنبرة ساخرة ممزوجة بالوعيد:
-قوم يا شيخ، قوم يا حلو، عامل نفسك نايم.
تظاهر الشيخ فراس بأنه يستيقظ لتوه وفتح عينيه ببطء، ثم قال بصوت خافت مبحوح:
-إيه ده في إيه؟ إيه يا بارون في حاجة؟
اقترب عاصم منه حتى كادت أنفاسه تلامس وجهه، وقال بصوت منخفض لكنه مشبع بالشراسة:
-اه في يا حيلتها، بقى انت تاخد بنتي وتوديها عند موسى، انت جرالك إيه مش خايف مني؟
تراجع فراس قليلًا محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه، وقال بدهشة مصطنعة:
-بـ...بنتك؟ بنتك مين؟ انت مخلف يا عاصم باشا؟ وبعدين أنا مخدتش حد هو أنا أقدر اروح رشيد!
ارتسمت على شفتي عاصم ابتسامة ساخرة وهو يحدق في عينيه بعمق:
-انت هتستعبط يعني مخدتش بت صغيرة ومشيت بيها لغاية رشيد؟! وقولت للحراس هناك إن في بنت ضايعة وجت الوادي بالغلط.
تنهد فراس ثم قال وهو يحاول التماسك:
-آآ...قصدك البت الصغيرة اللي خارجة من بيت السوالمي، أنا افتكرتها من عيلة السوالمي فقولت اوصلها هناك، كنت بعمل عمل نبيل.
قهقه عاصم بسخرية قاسية ثم قال بحدة:
-نبيل ده يبقى عمك يا دجال يا بتاع العفاريت، اللي في بيت السوالمي دول خط أحمر إياك ثم إياك مرة تانية تفكر حتى تبصلهم أو تيجي جنبهم، واللي في بيت السوالمي ميخصوش العيلة الـو*** اللي في رشيد الزفت، فاهم ولا لا؟
أومأ فراس برأسه سريعًا وقال باستسلام واضح:
-آآ...من عنيا يا بارون، سامحني دي أول مرة أغلط.
دفعه عاصم بقوة إلى الخلف، ثم رمقه بنظرة احتقار قبل أن يستدير ويغادر المكان، وخلفه رجاله الذين انسحبوا بانضباط، ما إن خلا المكان حتى أطلق فراس زفرة طويلة، وحاول أن يستجمع أفكاره المبعثرة، ثم التقط هاتفه وأجرى اتصالًا بفهمي كبير عائلة السوالمي، الذي رد بسرعة:
-في إيه يا فراس؟
رد فراس بنبرة مشحونة:
-في أن نهاركم أسود، انتوا مقولتوش إن بنت أخوك متجوزة من البارون ليه؟
ساد صمت قصير من الطرف الآخر، قبل أن يقول فهمي باستغراب:
-بنت أخويا مين؟ عائشة؟ متجوزة عاصم عزام؟
أجاب فراس بنبرة حادة:
-اه ومخلفة منه البت الصغيرة اللي شوفتها خارجة من البيت ولما قولتلك، انت قولتلي أجيبهالك، كده ترميني في النار يا فهمي وأنا هودي نفسي في داهية عشان خاطر تهبروا الهبرة الكبيرة!
طال الصمت مما أثار غضب فراس، فهتف:
-ما ترد يا فهمي؟
خرج صوته أخيرًا بحذر وهو يجيب:
-أرد اقول إيه! بنت اخويا مبتخلفش ومش متجوزة دي عيال شكلها متبنياهم.
ابتسم فراس بسخرية لاذعة وقال:
-يا اما انت اللي بتستعبط يا أما بنت اخوك اللي بتستعبطكوا لا مؤاخذة لإن عاصم عزام نفسه هو اللي قالي إن البت بنته، وحذرني آجي جنب بنت أخوك وعياله، وعاصم عزام مش هيعمل كده إلا إذا كانت بنت أخوك تخصه وتخصه اوي كمان.
لم يرد فهمي إلا بكلمة واحدة مقتضبة:
-اقفل دلوقتي، اقفل.
وانتهى الاتصال فجأة تاركًا فراس غارقًا في أفكاره،
فاقترب من النافذة بحذر، وأخرج رأسه ليتأكد من خلو الشارع من رجال عاصم، وما إن اطمأن حتى تنفس الصعداء، ثم وجه نظره نحو منزل السوالمي القريب، وعيناه تلمعان بخبث واضح، وهمس لنفسه بنبرة مظلمة:
-طيب والهبرة الكبيرة هتروح عليا كده بعد ده كله؟ مكنش وقتك يا بنت شوكت تظهري في الصورة، بس يا تدخلي برضاكي يا تدخلي غصب عنك.
****
بينما في رشيد...
وخاصة في قصر آل السوالمي حيث الغِنى والثراء مرسومان في جدران القصر كما تُرسم اللوحات النادرة، اجتمعت العائلة حول مائدة كبيرة، ثقيلة بخشبها العتيق، تحيط بها مقاعد مزخرفة تشهد على اجتماعات لا تقل توترًا عما يحدث الآن، كانت العيون كلها متجهة نحو فهمي كبير العائلة، الذي جلس صامتًا وغارقًا في بحر من التفكير، كأنما يحاول أن يلتقط خيط الحقيقة من بين ظلال الشك.
قطع الصمت صوت جمال السوالمي شقيقه الأصغر، وهو يزفر بضيق ظاهر، وقال بحدة يغلفها الغيظ:
-ما قولتلك يا فهمي، مش معقول البت دي بتربي عيال حد كده وخلاص، دول عيالها.
هتفت كوثر السوالمي من خلفه وقد ارتسمت الحيرة على ملامحها، وقالت بصوت متردد:
-عيال مين؟ إذا كان الدكتور قايل قدامنا إنها مبتخلفش، والحادثة أثرت عليها مش صح يا فهمي؟!
رفع فهمي رأسه ببطء ونقل نظراته نحوها، وعيناه تشتعلان بحيرة وغضب مكتوم، ثم قال بصوت منخفض لكنه مشحون:
-يمكن عاصم وداها لدكتور كبير وعالجها، بس ازاي والواد اللي كان بيراقبها مقاليش خالص إنها بتشوف عاصم وهي متعرفش حاجة عن الوادي، عاصم وصلها ازاي؟!
ضحك جمال ضحكة ساخرة، هزت أركان القاعة الفسيحة وقال باستهزاء:
-يعني عاصم عزام لو عايز يعمل حاجة ويخفيها مش هيعملها، وبعدين متنساش الهانم هربت مننا أربع سنين ونص منعرفش عنها أي حاجة ولولا الصدفة مكناش لاقينها، يبقى أكيد حصل جوازها من عاصم بعد طلاقها من ابنك المجبور.
هنا انفجر فهمي غضبًا وضرب بيده على الطاولة، وقال بانفعال ظاهر:
-هو ابني كان المفروض يعمل إيه يا جمال ومعملهوش، جواز واتجوزها ومقدرش يكمل معاها والبت مفيش منها رجا ومكناش نعرف بالخير اللي تحت البيت الا بعد طلاقها، وكنا فاكرين البيت بيت بور مالوش لازمة، وبعدين بقى ابني الدكتور محدش يجيب سيرته، يا اخويا ما عيالك الاتنين موجودين قولهم يا اخويا يقربوا منها ولا انتي ابنك يا كوثر
ما هو متجوزش...
قاطعته كوثر بحدة شديدة وقد ارتفعت نبرتها بنوع من التحذير الصريح:
-طالما الحكاية فيها عاصم، يبقى ابني برة الموضوع، أنا مش هرمي ابني في النار بالساهل ده اللي حيلتي.
ساد الصمت للحظة ثقيلًا كأن الهواء نفسه قد تجمد، ثم نهض فهمي ببطء وقد استعاد شيئًا من رباطة جأشه، وقال بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
-كل واحد يسكت لغاية ما نجيب البت دي هنا ونشوفها فعلاً إيه علاقتها بعاصم وعلى أساسه نقرر.
ثم التفت نحو جمال وأضاف بصرامة:
-بس المهم الواد اللي تبعك هناك يا جمال وصلني بيه عشان يوصلها وأنا هخليها تجيلنا لغاية هنا، عايزين نبعت الشيخ فراس عن الصورة دلوقتي طالما عاصم وصله وحطه في دماغه.
تمتم جمال بضيق وغل مكتوم، وهو يحدق أمامه بشرود التقطه الجميع، وقال بصوت خافت يحمل ثِقل ما يفكر فيه:
-مش عاصم بس ده موسى كمان، ما هو فراس وصلنا البت الصغيرة لغاية عندنا ورجالة موسى اخدوها مننا يبقى هو كمان عارف بالجوازة دي.
اشتد توتر كوثر ومالت بجسدها إلى الأمام كأنها تمسك بخيط خفي، وقالت مؤكدة بقلق ظاهر:
-تصدق صح، إيه اللي يخلي رجالة موسى يشقطوا البت من رجالتنا من أول مدخل رشيد، يبقى كان على علم، الموضوع ده في إنّ ولازم نعرفها من بنت شوكت نفسها.
تنفس فهمي ببطء متعمد، وضرب بأصابعه على سطح الطاولة ضربات منتظمة، كأنها إيقاع تفكير عميق، ثم قال بنبرة هادئة تخفي وراءها شرًا كامنًا:
-عشان كده بقولكم هي اللي هتقولنا الحكاية كلها، اصبروا واهدوا...
ثم التفت فجأة نحو جمال وقد اشتعلت عيناه بوميض غضب قديم، وقال بغل واضح:
-يا ريتك يا أخي كنت خليت الواد اللي كان بيفتش في العيادة يروح بيتها بالمرة لكن نقول إيه قلبك الحينين خاف على حب زمان الست شريهان، ما كان زمانه قلب بيتها ولاقى عقد البيت وكنا زمانها نعرف نتصرف صح!!
ارتسمت على شفتي كوثر ابتسامة ساخرة، وهي تراقب جمال الذي أشاح بنظره بعيدًا، كمَن يحاول الهروب من جرح لم يندمل، وحين أدركت موضع ضعفه اقتربت بالكلمات وكأنها تغرس إبرة به، وهمست بتهكم لاذع:
-اه لو سامية مراتك تعرف بوجود شريهان في الوادي، هتولعها نار فيها وفي بنت أخوك شوكت.
تصلب وجه جمال لكنه تمالك نفسه سريعًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مقتضبة تحمل تهديدًا صريحًا، وقال بنبرة حازمة:
-عشان كده انتي مش هتتكلمي معاها في حاجة ولا هتجيبي سيرة، وكده كده هي مخاصمكم ومش طايقة منكم كلمة يعني مش هتعرف حاجة.
توقف لحظة ثم اعتدل واقفًا وكأن القرار قد استقر في داخله وأضاف بجدية:
-أنا هقوم أكلم الواد اللي هناك واتفقلك معاه يا فهمي، سلام.
ثم ألقى تحية مقتضبة وغادر، بينما ظل صدى خطواته يتردد في القاعة الواسعة، كأنه إعلان غير مباشر وأن خيوط الماضي مهما حاولوا دفنها، بدأت تتشابك من جديد لتنسج مصيرًا أكثر تعقيدًا وربما أكثر قسوة.
***
في اليوم التالي..
جلست عائشة في منتصف الصالة تحرك بصرها بين طفليها وهما يلعبان بمرح بريء، ثم ترفعه نحو خالتها التي كانت تحتسي مشروبها المفضل الشاي باللبن في هدوء لافت، فكانت تنتظر منها أن تبدأ الحديث، ولكنها لم تكن تعلم أن صغيرتها قد فقدت أبجدية الكلام فجأة، وكأن الكلمات تاهت منها في لحظة عصيبة.
ومع اقتراب عقارب الساعة من الموعد المحدد، واقتراب مجيء عاصم كما اتفقا في الأمس، أدركت عائشة أنه لا مفر من المواجهة، وأن الوقت لم يعد يسمح بالتفكير أو المماطلة، فتنحنحت بقوة محاولةً استجماع شجاعتها، ثم جذبت انتباه طفليها وهي تقول بهدوء معتاد:
-حبايبي ممكن تيجوا شوية هنا عايزاكم.
اقترب الطفلان سريعًا ومنحاها كامل انتباههما ببراءتهما المحببة، فابتسمت لهما لكن صوتها خرج مهتزًا وهي تقول:
-أنا قولتلكم إننا جايين هنا عشان شغل جديد، بس الحقيقة في حاجة مفاجأة ليكم وكنت بجهزلها من زمان.
تسارعت دقات قلبها وهي تراقب ملامحهما التي امتلأت بالحماس، ثم تابعت بصوت متحشرج تُخرج كلماتها بصعوبة:
-عارفين إحنا جاين نشوف مين؟
ساد الصمت للحظة وبدت على وجهي الطفلين ملامح الفضول والترقب، عندها وجدت شريهان الفرصة سانحة، فتدخلت قائلة بحسم:
-باباكم.
التفت الطفلان نحوها في آنٍ واحد، تتزاحم في أعينهما مشاعر الدهشة والفضول والفرح، ممزوجة بعدم الفهم، فنظرت عائشة إلى خالتها بعتاب وهمست:
-يا خالتوا مش كده براحة عليهم.
لكن شريهان تجاهلت عتابها واقتربت من الطفلين بحماس واضح:
-بابا كان مسافر ورجع الحمد لله وجايبلكم العاب وحاجات تحفة كتير وجايلكم ومش ناوي يسيبكم، دي المفاجأة اللي بسببها سيبنا بيتنا الكبير هناك وجينا عشان خاطر تفرحوا، مش انت يا عمر ليل نهار تصدعنا فين بابا! اهو جاي وأخيرًا هتشوفوه.
كانت أول من ابتسم هي الصغيرة ليلة التي سألت بلهفة بريئة:
-وهيقعد معانا هنا يا مامي؟
نظرت عائشة إلى خالتها بنظرة حادة وقالت بسخرية خفيفة:
-جاوبي بقى، مش انتي اللي اتكلمتي!
أشارت شريهان بلامبالاة:
-أنا لغاية هنا وخلاص مهمة خلصتي، جاوبي بقى.
زفرت عائشة بعمق.محاولة إخفاء توترها، ثم قالت:
-بصوا ده بيتي أنا ومش هينفع يقعد معايا هنا في البيت عشان صغير وميكفيش حد، هو عنده بيت تاني، وان شاء الله في يوم هنظبط الحوار ده، المهم بقى إن بابا مسموش شوقي.
ترددت قليلًا ثم أضافت:
-انا استنينكم لما تكبروا عشان احكيلكم واقولكم اسمه الحقيقي؟
هنا قاطعها عمر بحماس طفولي:
-اسمه الحقيقي؟ هو له اسمين؟ ينفع يبقى لينا اسمين؟
وضعت عائشة يدها على رأسها، تحاول أن تجد إجابة مناسبة لكن شريهان تدخلت سريعًا بأسلوبها العفوي:
-اسمه عاصم، وهو لما كبر اسمه معجبهوش فغيره، هو في حد يبقى اسمه شوقي ويحبه بردو.
ضحكت ليلة بخفة غير مدركة لثقل الموقف:
-اسم عاصم بردو وحش، ليه ميكنش اسمه هيثم أو زين أو مراد زي أصحابي في الاسكول.
انفجرت شريهان ضاحكة وأشارت إلى عائشة قائلة:
-شايلة الهم ومنمتيش من امبارح وفي الآخر ده عقل عيال يا دكتورة، امال لو مكنتيش دكتورة؟!
نظر عمر إلى الساعة المعلقة بحماس واضح:
-هو هيجي الساعة كام؟ ينفع اقعد استناه تحت أنا وليلة.
هزت عائشة رأسها نفيًا، وقالت بصوت مبحوح:
-لا هو هيجي كمان شوية، هقوم اكلمه دلوقتي واستعجله.
نهضت بثقل واضح واتجهت إلى غرفتها، ثم أجرت اتصالًا به، وما إن رن الهاتف حتى أجاب فورًا، وكأنه كان ينتظر مكالمتها منذ زمن، فقالت بصوت خافت:
-الولاد مستنينك، وخالتوا فهمتهم إن اسمك مكنش عجبك فغيرته ملقيناش أي مبرر تاني.
لم تجد ردًا منه سوى أنه أجاب بعد برهة قصيرة:
-دقايق وهكون قدامكم.
خرجت عائشة إلى الصالة فوجدت طفليها مندمجين في الحديث مع خالتهما عن والدهما، فشعرت وكأن بساط الاهتمام قد سُحب من تحت قدميها، وتسلل إلى قلبها شعور خفي بالغيرة، ومع رنين جرس الباب عادت دقات قلبها تتسارع، فتقدمت بخطوات متخبطة وبيدٍ مرتجفة حتى فتحت الباب.
وجدته يقف بثبات ينظر إليها بوجه خالٍ من أي تعبير، كأنه لوحة جامدة لا تحمل أثرًا لشعور، ومن خلفه وقف رجاله يحملون عددًا هائلًا من الهدايا...هدايا كثيرة أكثر مما ينبغي.
أفسحت له الطريق فدخل في هدوء مهيب، وتبعه رجاله بخطوات منظمة، يضعون الهدايا في أماكنها بينما ظل هو واقفًا، يراقب المشهد من برجه، كقائد يشرف على جنوده حتى أتموا مهمتهم.
انتقلت عينا عائشة إلى طفليها اللذين لم يفهما شيئًا مما يحدث، وفجأة ارتفع صوت ليلة وهي تشير إلى الرجال:
-فين بابا فيهم؟
رمقت عائشة عاصم بنظرة عتاب غاضبة، بينما قابل هو نظرتها بشيء من الحيرة، غير مدرك موضع خطئه، وعندما لم يُبدِ أي رد فعل اقتربت منه، وأشارت إليه بابتسامة خفيفة:
-ده باباكم.
ثم همست له بصوت آمر لم تعهده هي نفسها:
-خلي الناس دي تمشي، واظهر أي رد فعل أنهم وحشوك.
استجاب بهدوء وأشار بعينيه إلى رجاله فانصرفوا واحدًا تلو الآخر، وما إن خلت الصالة حتى تقدم نحو الطفلين، وجثا أمامهما محاولًا أن يرسم ابتسامة تليق ببراءة ملامحهما،
فلم تسعفه الكلمات ولم يجد ما يبدأ به، لكن ليلة سبقته وضعت يدها الصغيرة على خده وسألته:
-انت بابا؟
كانت لمسة حانية تشبه دفئًا افتقده طويلًا، كأنها تعيد إليه ذكرى إنسان عزيز رحل، فبراءتها تشبه براءة لم يعرفها منذ زمن، وحنين ظن أنه لن يشعر به مجددًا، هز رأسه ببطء وهمس بصوت جامد رغم ارتجافه:
-اه.
حاول أن يتجاوز الحديث، فهو لم يكن يومًا فصيحًا في التعبير، ولا بارعًا في صياغة المشاعر، فكل ما اعتاده في حياته كان الغضب والانتقام، أما ما يشعر به الآن فكان أسمى من أن يُحاط بكلمات مرتجلة أو تصرف غير محسوب،
لذا لم يجد وسيلة أصدق من الفعل؛ فضمهما إلى صدره بقوة امتزجت بحذر، وقبلهما مرات متتالية محاولًا أن تكون قبلاته رقيقة لا تخدش براءتهما، وفي الوقت ذاته يستنشق عبير طفولتهما النقي، ذلك العبير الذي لم تمسه قسوة الحياة بعد، وفي أعماقه عقد عهدًا صامتًا أن يبذل كل ما يستطيع ليحمي هذا الصفاء من أي شائبة.
ابتعدت ليلة قليلًا ونظرت إليه بعينين يملؤهما الفضول، ثم سألته:
-انت غيرت اسمك لعاصم؟
هز رأسه وأجاب بصوت ثابت:
-امممم بس من زمان الموضوع ده وماما مكنتش تعرف ولما عرفت مني قالتلكم.
ابتسمت بلطف ثم قالت بمشاكسة طفولية:
-وليه مخلتنيش اختارلك أنا الاسم، كنت هخليك تسمي نفسك زين أو مازن زي أصحابي.
اقتربت عائشة بسرعة وجذبتها برفق مشوب بالحرج:
-لي لي عيب كده، مينفعش نكلم بابا كده.
لكن عاصم أعادها إليه وقال بابتسامة خفيفة:
-خليها تقول زي ما هي عايزة.
اعتدل في جلسته وانتقل إلى أقرب مقعد، وأجلس ليلة على ساقه بينما جلس عمر على ساقه الأخرى صامتًا، يكتفي بالنظر إليه، فتعلق به عاصم بنظرات طويلة، وكأن الصمت بينهما يحمل من المعاني ما تعجز عنه الكلمات.
وفجأة اخترق صوت ليلة هدوء اللحظة، وهي تهمس في أذنه بكلمات بسيطة، لكنها كانت كفيلة بأن تُجمد ملامحه:
-لو عايز تغير اسمك في أي وقت، قولي وأنا هخليك تسمي نفسك موسى زي عمو موسى صاحبي، هبقى أعرفك عليه، هتحبه اوي.
تصلب جسده لوهلة وانطفأت تلك الليونة التي بدأت تتسلل إلى ملامحه، فكان الاسم وحده كشرارة أصابت موضعًا خفيًا في داخله....موضعًا حاول دفنه طويلًا.
ظل صامتًا لا يعلق، لكن قبضته شدت قليلًا حول الطفلة، قبل أن يرخيها سريعًا، وكأنه يخشى أن تنتقل إليها قسوته دون قصد، أما عيناه فقد خانتاه للحظة، ومر فيهما ظل ماضٍ ثقيل قبل أن يخفيه خلف سكون متماسك نجح به مؤقتًا.
_________________
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا

تعليقات
إرسال تعليق