الـعزومه و كـشف الـمستور
الـعزومه و كـشف الـمستور
في العادي، أيامنا كانت مقضية "نواشف" وبانيه من السوبر ماركت، بس النهاردة المطبخ كانت ريحته تقلية ولحمة محمرة.. ريحة فكرتني بذكريات طفولتي قبل ما كل حاجة تتهد.
— "يا ليلى، خلصتي السفرة؟".. أمي ندهت من المطبخ.
في نبرة صوتها التقطت التوتر المألوف — الشد العصبي اللي بيظهر كل ما الكلام يحدف ناحية أبويا.
— "أيوه يا ماما، كله تمام!".. جاوبتها وأنا برص طقم الصيني اللي بكنار دهبي، الطقم اللي متخزن ورا إزاز النيش ومبيطلعش غير في "المناسبات"، والتراب مغطيه طول السنة.
فضلت ساكتة. بقلم منال علي
بعد عشرين سنة، أمي لسه متعلمتش تتكلم عن أبويا من غير "النغزة" دي في صوتها. زمان، هي اللي صممت على الطلاق، كانت مقتنعة إنه راجل فاشل ومش هيعمل حاجة في حياته. كانت دايمًا تقول لصاحباتها في التليفون: "— ده راجل حالم وعايش في الأوهام."
— "أنتي مش ناوية تغيري لبسك ده؟".. ريهام سألتني وهي بتبصلي بحدة. "— أعني.. بابا جاي من سفر سنين."
بصيت لنفسي في المراية: جينز، وبلوفر وبر من كتر الغسيل واللبس، وكوتشي عادي. الشكل التقليدي لواحدة عندها 30 سنة — "مديرة آي تي" بتدفع نص مرتبها إيجار شقة أوضة وصالة في "مدينة السلام".
قلت لها: "— وفيها إيه؟ هو أنا رايحة انترفيو؟" أمي هزت راسها بضيق: "— يا ليلى، بصراحة.. كان فيها إيه لو اهتميتي بنفسك شوية،
ولو لمرة واحدة؟"
ابتسمت وسكت. كان دايماً الوضع كده من صغري.
جرس الباب رن الساعة سبعة بالظبط، زي ما وعد. كان دايما دقيق في مواعيده، والظاهر إن سنينه في أوروبا مغيرتش الطبع ده فيه.
— "أنا هفتح".. أمي قالت بسرعة وهي بتقلع المريلة وبتظبط شعرها.
تبادلت أنا وريهام نظرة صامتة. كان شعور غريب إننا هنشوف راجل ميعرفش عننا غير ذكريات باهتة من الطفولة.
دخل "سامي".. صوته مكنش فيه لوم، ولا خيبة أمل زي صوت أمي. بالعكس، كان كله حنية. بقلم منال علي
— "سامي، اتفضل اقعد".. أمي قالت وهي بتتحرك حواليه بتوتر. "— أنا عملت أصناف كتير.."
بدأ العشا بأسئلة حذرة. حكى عن حياته في "ألمانيا".. وإنه بعد ما سافر دخل مجال المقاولات والبناء — وحقق نجاح كبير. أمي كانت بتسمع وهي مش قادرة تخبي ذهولها؛ "الفاشل" بتاع زمان طلع أنجح مما كانت تتخيل.
— "وأنتم أحوالكم إيه؟".. سأل باهتمام حقيقي.
انطلقت ريهام تحكي عن شغلها في الإعلانات وسفرياتها ومشاريعها. أما أمي فجابت سيرة شغلها في حضانة، بس قلبت الكلام بسرعة لإنجازات ريهام.
— "وأنتي يا ليلى؟ دنيتك ماشية إزاي؟".. بص لي أبويا مباشرة في عيني.
قلت: "— الحمد لله.. شغالة آي تي، ومأجرة شقة في مدينة السلام."
وشه بان عليه استغراب بسيط، بس هز راسه وابتسم:
— "تمام. الاستقلال صفة مهمة جداً."
الكلام كان ماشي ببطء، وكأننا بنجس نبض بعض. وأمي كل شوية ترمي كلمة عن "تعبها" وهي
بتربي بنتين لوحدها. وفجأة سأل أبويا وهو بيصب الشاي:
— "فاكرة يا ليلى لما كنتي عايزة تطلعي مهندسة معمارية وأنتي صغيرة؟"
اتصدمت إنه فاكر. لما كان عندي 10 سنين كنت مهووسة برسم الكباري والبيوت.
قلت: "— فاكرة.. بس دخلت آي تي.. "عملي" أكتر."
قال بهدوء: "— العملي كويس، بس مفيش أغلى من الحلم، حتى لو معجبش الناس."
ريهام قاطعت الكلام: "— ليلى كانت بتحلم فعلاً، بس ماما فوقتها بسرعة! لازم الواحد يكون واقعي."
أمي أيدتها: "— طبعاً.. لازم رجليكي تبقى على الأرض."
أبويا سكت، بس ملامحه اتشدت. سألته عشان أغير الموضوع: "— احكيلنا عن شغلك."
عينه لمعت: "— بنبني كومباوندات "صديقة للبيئة".. بدأنا ببيت صغير، ودلوقتي معانا 3 مشاريع ضخمة."
ريهام علقت: "— بس أكيد الأسعار دي للطبقة اللي فوق قوي، مش أي حد يقدر عليها."
هز راسه: "— حالياً آه، بس المستقبل ليها. الناس زهقت من زحمة الخرسانة وعايزين طبيعة."
أمي كانت بتسمع بشك، وكأنها لسه شايفة كلامه "أحلام يقظة". وبعدين سألت بحذر:
— "أنت اتجوزت هناك؟"
أجاب: "— لا. بعد الطلاق اتفرغت للشغل.. وللبنات اللي كان لازم أدعمهم مادياً.." وبص لي أنا وريهام. "— مكنش فيه وقت لحياة شخصية."
قلت بدهشة: "— كنت بتبعت لنا فلوس؟ أنا كنت فاكرة إننا عايشين بمرتب ماما بس!"
أمي كادت "تشرق" في الشاي، وريهام اتجمدت وهي بتاكل.
تمتمت أمي: "— طبعاً والدكم كان بيساعد.. بيبعت لمصاريف الدراسة
واللبس.."
صحح أبويا بهدوء: "— كنت ببعت كل شهر. ومشور بس مصاريف. قبل 3 سنين مثلاً، حولت مبلغ كبير عشان كل واحدة منكم تشتري شقة تمليك."
حسيت الدنيا بتلف بيا. همست: "— شقة؟"
— "أيوه. شقة لكل واحدة. قلت البنات كبروا ولازم كل واحدة يكون ليها بيتها."
بصيت لريهام.. كانت شاحبة وبتنظر في طبقها.
قلت بهدوء: "— ريهام.. أنتي مش قلتي إنك "مأجرة" في المهندسين؟"
مردتش.
— "ريهام؟".. زعقت بصوت أعلى.
رفعت عينها أخيراً: "— ليلى.. الموضوع معقد.."
زقيت الكرسي وقفت: "— إيه اللي معقد؟ المعقد إن بابا بعت فلوس شقتين، وأنتي وأمي قررتوا تخبوا عليا؟ وأنا طالع عيني وبدفع نص مرتبي إيجار عشان الست ريهام تسكن في شقة "تمليك" في المهندسين بفلوسي وفلوسها؟"
أبويا ردد بصدمة: "— شقة في المهندسين؟ أنا كنت باعت تمن شقتين مستورين!"
أمي بدأت تبرر: "— يا سامي افهم.. ريهام شغلها في وسط البلد ومحتاجة واجهة، وليلى حالها ماشي في مدينة السلام."
قال ببرود: "— يعني اشتريتوا لريهام شقة أكبر بفلوس البنتين؟"
أمي قالت: "— كنا هنساعد ليلى بعدين."
ضحكت بمرارة: "— بعدين؟ بقالي 3 سنين بوفر في اللقمة وأنتم بتقولوا "بعدين"؟"
صرخت: "— بابا بعت المال عشان يتقسم بالعدل!"
صوت أبويا جه هادي بس مرعب: "— يا هدى.. فهميني إزاي فلوس شقتين بقوا شقة واحدة؟"
أمي بدأت تتلجلج، وأنا حسيت عمري كله بيتهد. سألتها: "— أمي.. الكلام ده صح؟"
مبصتش في عيني: "— كان بيبعت.. بس الفلوس مكنتش بتكفي احتياجاتكم.."
أبويا وقف فجأة: "— مش بتكفي؟ 1500 يورو كل شهر؟ ده تلت أضعاف متوسط المرتبات!"
سألتها بكسرة: "— مصاريف إيه؟ أنا مكنتش بروح غير المكتبة، وكانت بلاش." بقلم منال علي
قالت أمي: "— ريهام كان عندها كورسات، وإنجليزي، ومدرسين خصوصيين.."
همست: "— يعني صرفتوا حقي كله على ريهام.."
ساد صمت تقيل. صرخت والدموع في عيني: "— أنتم سرقتوني! خلتوني أفتكر إن أبويا رماني، وأني ماليش حد.. وهو كان ساندني طول السنين دي!"
ريهام قالت ببرود: "— محدش سرقك. الفلوس اتصرفت على البيت."
ضحكت بمرارة: "— بيت مين؟ أنتي أخدتي التعليم والشقة والفرص.. أنا أخدت إيه؟"
ردت بلا مبالاة: "— أخدتي "الاستقلال".. مش دي كانت ميزتك؟"
هنا أبويا قال بلهجة قاطعة: "— خلاص.. أنا فهمت كل حاجة."
طلع موبايله وبدأ يكتب. أمي سألته بخوف: "— بتعمل إيه؟"
رد من غير ما يبص لها: "— بلغي التحويل بتاع بكره.. وكل اللي بعده."
ريهام احتجت: "— بابا ميفعش—"
قاطعها: "— ينفع. أنا مش هدعم ناس بتسرق بعض وتشوف الخداع شطارة."
قعد جنبي وقال:
"— ليلى.. سامحيني."
سألته: "— على إيه؟"
— "— إني وثقت في أمك، ومتابعتش فلوسي راحت فين."
مسك إيدي: "— ليلى.. عايزة تغيري حياتك؟"
— "تقصد إيه؟"
— "تعالي معايا ألمانيا. عندي مشاريع، ومحتاج حد بيفهم في التكنولوجيا. حلمك القديم في العمارة لسه موجود."
همست: "— بس أنا معنديش شهادة هندسة."
ابتسم: "— خديها هناك. فيه برامج دراسة ممتازة."
وقف وقال بحزم: "— ليلى، قرري. لو عايزة، نسافر بعد بكره. لو مش عايزة، هحترم قرارك.. بس أنا مش داخل البيت ده تاني."
— "وأمي؟ وريهام؟".. سألت وأنا ببص للست اللي كذبت عليا 20 سنة.
أجاب بهدوء: "— ريهام شغالة وعندها شقتها، وأمك عندها وظيفتها. هيعرفوا يدبروا حالهم من غير فلوسي.. زي ما أنتي دبرتي حالك السنين دي."
في الليلة دي، كنت قاعدة في شقتي في مدينة السلام، بصيت على السقف والحيطان اللي بتقشر. ريهام اتصلت الساعة 3 الفجر.
— "ليلى.. بلاش نكبر الموضوع. بابا هيهدا بكره."
— "ريهام.. أنتي بجد شايفة إن عادي أتنسي إني اتسرقت 20 سنة؟"
— "محدش سرقك! إحنا بس خبينا
عليكي."
— "يعني خبيتي إن بابا بيبعت لي فلوس؟ وخبيتي إن ليكي شقة؟ ريهام، أنتي سامعة نفسك؟"
صرخت: "— أنتي بمبادئك دي بتهدي العيلة!"
ضحكت بمرارة: "— عيلة إيه اللي بتكذب في وشي 20 سنة؟"
ريهام قالت ببرود: "— أمي صرفت عليا أكتر لأن بريستيجي كان محتاج ده! كان لازم أبقى في مظهر كويس.."
— "وأنا؟ مكنش ليا احتياجات؟"
— "أنتي مختلفة.. طول عمرك "قنوعة" وبترضي باللي يجيلك."
هنا فهمت.. هما اللي فرضوا عليا "القناعة" دي عشان ياخدوا حقي.
— "لو سافرتي، أمي هتبقى لوحدها".. ريهام قالت بابتزاز عاطفي.
جاوبت بهدوء: "— ولو قعدت.. هفضل أنا اللي لوحدي. زي ما كنت طول عمري."
تاني يوم الصبح، بصيت لشقتي الـ 30 متر اللي بدفع فيها شقى عمري. تلفزيون قديم وعفش بالقسط. كل ده كان رمز لحياة "الفتات" اللي أقنعوني إني مأستحقش غيره.
كلمت أبويا: "— أنا جاهزة."
سألني: "— متأكدة؟"
— "أيوه. بس محتاجة شهر أصفي شغلي وأسلم الشقة."
سافرت ألمانيا. استقبلني بورد، ولأول مرة أحس إني "بنت مدللة". بدأت أشتغل معاه، ودخلت كورسات
في التصميم المعماري الحديث. هناك قابلت "مازن"، شريك بابا في الشغل، راجل محترم وبدأنا قصة حب هادية.
لما مازن طلب إيدي، أمي وريهام مححضروش الفرح. أمي بعتت رسالة باردة: "مبروك"، وريهام مبعتتش حاجة.
أبويا وهو بيسلمني لعريسي قال لي: "— متزعليش. أنتي بتبني عيلة حقيقية دلوقتي."
سألته: "— مش صعبانين عليك؟"
أجاب بصدق: "— صعبانين.. بس أنا بختار اللي بيختارني."
بعد سنة، كنا بنصمم مشروع لقرى بيئية للعائلات الشابة. مازن بص للمخططات وقال لي: "— أنتي بتبني بيوت الناس هتعيش فيها مبسوطة."
— "عرفت إزاي؟"
— "لأنك جربتي يعني إيه "بيت حقيقي".. ويعني إيه "بيت كداب"."
كلمت أبويا في التليفون: "— بابا.. شكراً."
— "على إيه يا ليلى؟"
— "لأنك مسبتنيش في حياة مكنتش بتاعتي."
قال: "— العدل حق يا بنتي.. خاصة لأولادي."
صححت له بهدوء: "— ولد واحد بس يا بابا.. أنت عندك بنتك ليلى وبس."
أجاب بابتسامة: "— عندك حق.. أنتي بنتي الحقيقية."
أما هدى وريهام، ففضلوا عايشين في دايرة اللوم ومش فاهمين الدنيا باظت ليه.. بس دي مش قصتي.
قصتي أنا..
كانت لسه بتبدأ.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق