تركوني في يوم عيد ميلادي
تركوني في يوم عيد ميلادي
في يوم عيد ميلادي الرابع والثلاثين صحيت قبل الشمس بدقايق وأنا عندي أمل صغير إن اليوم يبقى مختلف حتى لو مفيش حفلة كبيرة ولا هدايا كنت مستنية بس كلمة حلوة حتى تورتة من السوبرماركت وشمعة تتنفخ لكن أول ما خرجت من أوضتي سمعت صوت سوستة شنطة بتتقفل بقوة دخلت المطبخ لقيت ماوريسيو واقف قدام شنطة سفر ضخمة على الترابيزة وملامحه باردة كأنه رايح الشغل مش مسافر ورايا حماتي دونيا إستيلا واقفة بتبص في الموبايل وبتضحك ضحكة خفيفة وأخت جوزي فيرناندا ماسكة الموبايل بتصور ستوري وبتقول عيلة جميلة جاهزين للإقلاع وقفت عند الباب وقلبي بيدق وسألت في إيه رد من غير ما يبصلي هنمشي كمان ساعة عشرة أيام أوروبا حسيت إني مش فاهمة الكلمة هنمشي يعني إيه النهارده عيد ميلادي بصيت له مستنية يبتسم ويقول بهزر لكنه قفل الشنطة وقال نحتفل لما نرجع حماتي قالت مدريد برشلونة ويمكن باريس إحنا نستاهل وفيرناندا ضحكت وقالت وأخيرًا هنعيش شوية ساعتها موبايلي اهتز إشعار من البنك فتحت التطبيق وإيدي بتترعش لقيت مبلغ ضخم متسحب الرقم كان تحويشة سنين شغل إضافي وسهر وتعب وعقود مؤقتة وويك إندز بشتغل فيها وهم نايمين بصيت لماوريسيو وقلت استخدمتوا فلوسي قال ببرود هنرجعهم بعدين وبعدين ده عشان العيلة كلمة العيلة
وقعت عليا تقيلة لأن واضح إني مش ضمنها فيرناندا قالت حد لازم يقعد يراقب البيت يا صوفي ماتكبريش الموضوع ساعتها فهمت إنهم شايفيني مجرد حارسة بيت مش زوجة ولا شريكة بعد ساعة كانوا خرجوا بشنطهم ولا حد بصلي ولا قال كل سنة وانتي طيبة فضلت واقفة في الصالة أسمع صوت الشنط وهي بتتجر على الرصيف وريحت برفان حماتي مالية المكان كأنها سخرية قعدت على الكنبة وبصيت للصورة اللي فوق المدفأة صورة عقد البيت باسمي أنا لأن البيت كان متسجل باسمي من قبل ما نتجوز لأن والدي الله يرحمه كان كاتبلي نصيب فيه وأنا بعد ما اتجوزت خليتهم يعيشوا معايا عشان ماوريسيو كان بيمر بضائقة مالية وساعتها قلت عيب أسيبه هو وأمه وأخته في شقة إيجار صغيرة وأنا عندي بيت واسع فضلت ساكتة سنين على تعليقاتهم وسخريتهم وتحكمهم بحجة إن دي عيلة جوزي لكن في اللحظة دي افتكرت حاجة هم نسيوها إن البيت باسمي وإن الحساب اللي اتسحب منه الفلوس باسمي وإن عندي إثباتات بكل حاجة مسحت دموعي وقمت دخلت أوضتي وطلعت ملف المستندات واتصلت بالبنك جمدت الحساب فورًا وقدمت بلاغ بالسحب غير المصرح بيه وبعت كل المستندات اللي تثبت إن الفلوس دي من شغلي أنا وبعدها اتصلت بمحامي كان زميل قديم ليا في الجامعة شرحتله كل حاجة وهو قاللي بهدوء
البيت ملكك ولو حابة تقدري تمنعيهم من دخوله قانونيًا لو حصل أي اعتداء مالي تقدري تثبتيه الأيام اللي بعد سفرهم كانت أول مرة أحس بهدوء حقيقي في البيت مفيش صوت تريقة ولا أوامر ولا إحساس إني ضيفة في مكاني بدأت أرتب حياتي نقلت حاجتي لأوضة أكبر غيرت أقفال البيت وبلغت البواب إن محدش يدخل غير بإذني وبعت رسالة قصيرة لماوريسيو قلتله لما ترجعوا البيت مش هيكون مفتوح زي ما سبتوه مرت أيام وهو ما ردش واضح إنه كان فاكرني بهزر أو إني هخاف أعمل حاجة لكن بعد أسبوع البنك بلغني إن العملية اتصنفت سحب احتيالي لأن التوقيع الإلكتروني ما كانش مني وإن المبلغ هيرجع لحسابي خلال أيام ساعتها حسيت لأول مرة إني واقفة على أرض ثابتة لما رجعوا بعد عشرة أيام كنت واقفة في البلكونة شايفة التاكسي بيقف قدام البيت نزلوا وهم بيضحكوا ويتكلموا عن الرحلة ولما وصلوا للباب حاولوا يفتحوا بالمفتاح بس القفل اتغير ماوريسيو خبط جامد وأنا فتحت الشباك وقلت بهدوء البيت ده باسمي والفلوس رجعت لحسابي وأي حاجة تانية هتتحل عن طريق المحامي وشوفت الصدمة على وشهم حماتي بدأت تصوت إزاي تعملي فينا كده وفيرناندا قالت إنتي بتخربي بيتك لكني لأول مرة ما حسيتش بالذنب قلت البيت ما اتخربش غير لما سافرتوا بفلوسي يوم عيد
ميلادي وسيبتوني لوحدي حاول ماوريسيو يلين صوته ويقول نحل بهدوء قلتله الهدوء كان مطلوب قبل ما تسحبوا تعبي كله سبتهم واقفين قدام الباب ونزلت أقابل المحامي اللي كان مستنيني في العربية قدام البيت قدمنا إنذار رسمي بعدم التعرض واتفقنا على إجراءات الطلاق لأن الحقيقة إن اللي بيشوفك مجرد محفظة مش شريك ما يستاهلش يكمل معاك شهور قليلة وعدت بسرعة خلصت كل الإجراءات وبعتت لهم شنطهم مع البواب وبدأت أشتغل على نفسي أكتر خدت كورسات كنت بأجلها وسافرت أنا المرة دي رحلة صغيرة احتفل بعيد ميلادي اللي فات حتى لو متأخر لما وقفت في المطار وأنا ماسكة تذكرتي باسمي افتكرت اليوم اللي سابوني فيه وابتسمت لأن الفرق إنهم سافروا بهروب وأنا بسافر بحرية لما رجعوا في يوم من الأيام يحاولوا يتواصلوا ما كانش فيه بيت يرجعوا له ولا حساب يمدوا إيدهم عليه كان فيه بس ست اتعلمت إن قيمتها مش في رضا حد ولا في كلمة عيلة بتتقال لتبرير الاستغلال وفي عيد ميلادي اللي بعده ما كانش فيه ضيوف كتير ولا زحمة كان فيه كوباية قهوة وشمعة وتورتة صغيرة وحضن من نفسي لنفسي ووعد إني عمري ما هسمح لحد يسرق فرحتي ولا تعبي تاني والبيت اللي ما استناهمش يوم رجوعهم فضل مفتوح ليا أنا بس لأن أخيرًا بقيت أنا العيلة اللي بجد.
بعد ما قفلت الباب في وشهم وسيبتهم واقفين قدام العمارة والدهشة باينة على ملامحهم، كنت فاكرة إن أصعب لحظة عدّت، لكن الحقيقة إن الأصعب كان اللي جاي، لأن القرار اللي بياخده الواحد عشان يحمي نفسه بيبقى سهل في لحظة غضب، لكن تطبيقه بيحتاج قلب جامد وصبر أطول من أي سفرية أوروبا، ماوريسيو فضل يحاول يتواصل معايا أيام، مرة يكلمني من رقم غريب، مرة يبعت رسالة طويلة يقول فيها إنه اتصرف من غير ما يفكر وإن أمه ضغطت عليه وإنه كان ناوي يفاجئني بهدية من باريس، كلام كتير متغلف بورق شيك لكنه فاضي من جوّه، وأنا كل ما أقرأ رسالة أفتكر صوت الشنطة وهي بتتقفل في المطبخ يوم عيد ميلادي وأفتكر نظرة البرود في عينه وهو بيقول “نحتفل لما نرجع”، ساعتها كنت أعرف إن اللي اتكسر مش فلوس ولا رحلة، اللي اتكسر ثقة، والثقة لما تقع مش بترجع زي الأول، في نفس الوقت حماتي كانت بتكلم قرايبهم وتحاول تقلب القصة عليا وتقول إني طردتهم فجأة وإني اتغيرت بعد ما الفلوس رجعت، لكن المستندات كانت واضحة،
والبيت باسمي، وكل حاجة قانونية ماشية في سكتها، ومع كل ورقة كنت بمضيها كنت بحس إني بمضي على مرحلة كاملة من حياتي وبدفنها بهدوء من غير صراخ، بعد شهر تقريبًا خلصت إجراءات الطلاق رسمي، ماوريسيو حاول في الجلسة الأخيرة يبصلي نظرة استعطاف كأننا نرجع زي زمان، لكن أنا افتكرت إن “زمان” ده كان فيه تعب بيزيد كل يوم وسكوت بيتراكم لحد ما انفجر، فابتسمت ابتسامة خفيفة وخرجت من القاعة وأنا حاسة إن في حمل تقيل اتشال من على صدري، رجعت البيت اللي كان في يوم من الأيام ساحة توتر دايم، وبقي فجأة هادي، الهدوء في الأول كان غريب، كنت أحيانًا أصحى مفزوعة أفتكر إن في حد هيخبط عليا أو هيطلب مني حاجة، لكن مفيش حد، ومع الوقت الهدوء بقى راحة، ابتديت أغير في البيت، دهنت الحيطان بلون فاتح كنت بحبه وهم كانوا شايفينه “جرأة زيادة”، اشتريت ستارة جديدة للصالة، شلت الصورة الكبيرة اللي كانت فوق المدفأة وحطيت مكانها لوحة فيها بحر واسع وسما مفتوحة، كنت كل ما أبص عليها أحس إني أنا كمان
بقى قدامي أفق مفتوح، رجعت أمارس شغلي بطاقة أكبر، طلبت ترقية كنت خايفة أطلبها قبل كده عشان “البيت محتاجني”، ولما المدير وافق حسيت إن الدنيا بتردلي جزء من حقي، بدأت أوفر من جديد، بس المرة دي مش عشان حد، عشان أحلامي أنا، حجزت كورس لغة كنت بأجله سنين، وكنت كل ما أتعلم كلمة جديدة أحس إني بفتح باب جديد لنفسي، وفي يوم وصلني خبر إن ماوريسيو اشتكى لناس قريبة إن حياته اتلخبطت بعد الطلاق وإن السفرية كانت غلطة، الغريب إن أول مرة سمعت الخبر ما حسيتش بشماتة، حسيت بس إني كنت على حافة نفس اللخبطة دي لو فضلت ساكتة، يمكن كان زماني دلوقتي بشتغل أكتر عشان أعوض فلوس جديدة وهم يخططوا لسفرة تانية، ويمكن كنت هصدق إن “العيلة” معناها أتحمل أي حاجة، بس اللي حصل خلاني أعيد تعريف العيلة من الأول، العيلة مش ناس تاخد تعبك وتسيبك يوم عيد ميلادك، العيلة هي الأمان، الاحترام، المشاركة، وده اللي ابتديت أديه لنفسي قبل ما أستناه من حد، في عيد ميلادي الخامس والثلاثين صحيت بدري برضه،
بس المرة دي ما كانش في خوف ولا ترقب، عملت لنفسي فطار بسيط، حطيت شمعة على كب كيك صغيرة، وشغلت أغنية بحبها، وغنيت لنفسي من غير كسوف، ولما جيت أطفي الشمعة ما تمنيتش إن حد يرجع، تمنيت بس أفضل قوية كده دايمًا، وبعدها بشهور جالي عرض شغل في مدينة تانية، زمان كنت هرفض عشان “ماوريسيو مش هيحب يسيب أمه”، لكن دلوقتي ما فيش حد غيري يقرر، قبلت العرض وبعت البيت بسعر كويس واستثمرت الفلوس في شقة أصغر في المدينة الجديدة، يوم ما سلمت المفاتيح وقفت دقيقة أبص على المكان اللي شهد ضعفي وقوتي، وبابتسامة هادية قلت لنفسي إن البيت عمره ما كان طوب وأسمنت، البيت كان أنا، ولما رجعوا يدوروا عليّ مرة أخيرة على عنواني القديم، ما لقوش غير شقة فاضية واسم اتشال من على الجرس، لأن البيت فعلًا ما كانش مستنيهم، ولا أنا كمان كنت مستنية حد يرجع عشان أبدأ أعيش، أنا بدأت أعيش من اللحظة اللي قررت فيها إن كرامتي أهم من أي علاقة، وإن يوم عيد ميلادي مش مجرد تاريخ، ده كان بداية عمري الحقيقي.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق