حماتي بقلم منــال عـلـي
حماتي بقلم منــال عـلـي
"أنا بطبخ لعيلتي، مش على حسب أطباق حماتي!" — قالتها منى وهي بتلم السفرة.
منى كانت بتجهز السفرة لما رن الجرس. بالظبط الساعة ستة. حماتي دايمًا بتيجي في ميعادها، كأن عندها ساعة سويسرية جواها.
"آه آه، جاية!" منى قالت وهي بتنشف إيديها بفوطة.
فتحت الباب، لقت حماتي واقفة على الباب بالجاكيت البيج وشنطة على الكوع. دخلت، شالت الجاكيت وعلقته، وبصت على المطبخ بنظرة نقدية.
"مساء الخير يا حماتي"، منى سلمت عليها.
"مساء الخير"، ردت حماتي بإيماءة قصيرة. "أحمد في البيت؟"
"أيوه، في أوضة تانية بيلعب مع ليلى."
حماتي دخلت الصالون، لقت أحمد قايم على الأرض بيلعب مع ابنته الصغيرة ليلى. حضن ابنه وبوس راسه ومد إيده على شعر ليلى.
"طب إزيكم يا حبايبي؟"
"تمام يا ماما"، قال أحمد وهو واقف. "يلا على السفرة، العشا جاهز."
حماتي راحت على مكانها المفضل جنب الشباك، وبصت على السفرة: مفرش أبيض، أطباق بورسلين، مناديل محطوطة في الحلقات. وشها متغيرش.
منى بدأت تقدم العشا: فخذة فراخ بالصوص الكريمي، خضار مطبوخة وبطاطس مهروسة. كانت متعبة من الطبخ لمدة
ثلاث ساعات عشان كله يطلع لذيذ. أحمد بيحب الفراخ وليلى بتحب البطاطس المهروسة.
قعدوا كلهم. منى قسمت الأكل وقعدت آخر واحدة. الجو كان مشحون، محدش تكلم لسه. بقلم منــال عـلـي
حماتي أخدت الشوكة، قطعت قطعة فراخ ودستها في بقه. مزقتها ببطء، وبعدين عملت وجه متضايق وحطت الشوكة على جنب السفرة، كأنها عايزة تبعد عن الأكل.
"فيه حاجة مش مظبوطة؟" منى سألت بحذر متوفره على روايات طويله
حماتي تنهدت وهزت راسها.
"منى، يا حبيبتي… فاكرة دفتر الوصفات اللي ادتهالك؟"
"فاكرة"، منى ردت وهي حاسة بالغضب بيزيد جوهها.
"ليه ما استخدمتيهوش؟ كل حاجة مكتوبة هناك—الملح، الكريمة، البهارات."
"أنا بطبخ على طريقتي"، منى ردت بحاول تهدي نفسها. بقلم منــال عـلـي
"على طريقك؟" حماتي كررت وهي مبتسمة ابتسامة خفيفة. "باين. ملح زيادة وكمان تقيل أوي. أحمد في دايت—ماينفعش ياكل أكل تقيل كده."
أحمد كان بيأكل ومش رافع عينه، بس كان موافق على كلام أمه.
"ماما صح يا منى… فعلاً ملح زيادة شوية."
منى كتمت غيظها تحت السفرة، ابتسامتها اتصلبت.
ليلى كانت باصة عليهم بعينين كبار مش فاهمة إيه اللي حصل.
"حماتي، أنا بحب الأكل ده"، قالت ليلى.
"يا ليلى، يا حبيبتي، لسه صغيرة"، قالت حماتي برقة. "لسه مش فاهمة الأكل الصح. لما تكبري هاعلمك تطبخي صح."
منى حطت الشوكة وشربت شوية ميه، وعدت لحد عشرة. متتفجرش… مش قدام بنتها.
العشا استمر بصمت مشحون. حماتي ماكلتش الفراخ تاني، اكتفت بالخضار. من وقت للتاني كانت بتنتقد: البطاطس ناشفة، الجزر مستوي زيادة، الصوص حامض.
أحمد كان موافق على كل حاجة. منى فضلت ساكتة، خلصت طبقها. الغضب جوهها كان مولع، بس ماوريتش حاجة.
الساعة سبعة ونص، حماتي استعدت تمشي. حضنت ابنها، وبوست حفيدتها، وعملت لمحة صغيرة لمنى.
"أحمد، كلمني بكرة"، قالت عند الباب. "وفكر في الأكل. الصحة أهم من الطعم."
الباب اتقفل. منى فضلت في المطبخ تلم السفرة. أحمد ساعدها حبة، رتب الصحون في الحوض.
"منى، يمكن محتاجة تقللي الملح شوية؟ ماما مش بتقول كده على الفاضي."
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
منى حطت طبق في الحوض بقوة زيادة، وصوت البورسلين اتزنق.
"ستك دايمًا عندها كلام"، ردت منى من غير ما تبص.
"أيوه، عندها
خبرة"، أحمد حاول يقنعها. "طبخت طول حياتها. عارفة تعمل إيه."
"وأنا كمان بطبخ"، ردت منى وهي فاتحة الحنفية. "ومش وحش كمان. عمرك ما اشتكيت."
"مش باشتكي"، قال. "بس ممكن أحسن. ماما عايزة تساعد."
منى قفلت الحنفية وبصتله.
"مساعدة؟ كل عشا بتنتقد أكلّي. كل مرة تلاقي حاجة. ده مش مساعدة… ده إذلال."
أحمد اتضايق.
"إنتي مبالغة. ماما بس بتشارك خبرتها."
"خبرة"، قالت منى بمرارة. "أيوه."
أحمد شد كتافه ورجع الأوضة التانية. منى فضلت لوحدها في المطبخ، غسلت الصحون، نظفت الترابيزة، حطت البواقي في التلاجة.
كل ليلة نفس الموضوع. حماتي تيجي، تقعد، وتبدأ الانتقاد: ملح زيادة، زيت كتير، جفاف، بهارات كتير… أحمد دايمًا موافق، بيكرر كلام أمه.
منى مسكت إيديها، اتكأت على الرخامة، وقفت تفكر: قد إيه هتحمل؟
الليالي بعد كده كملت بنفس الشكل، كل عشا نفس الزيارات والانتقادات. منى كانت بتطبخ زي ما تحب، بتجرب وصفات جديدة، وليلى كانت مبسوطة.
وبعد فترة أحمد طلب الطلاق رسمي، ومنى قبلت. الشقة فضلت ليها. أحمد بياخد ليلى في الويك إند أحيانًا، بس مايدخلش الشقة.
منى بقيت حرّة في مطبخها، بتطبخ على مزاجها، مفيش مقارنات، مفيش انتقادات.


تعليقات
إرسال تعليق