جوزى مسافر
جوزى مسافر
جوزى مسافر الخليج وبعتلى فلوس اشترى ملابس العيد انا واولادى حماتى خدتهم وقالت انتى عندك هدوم جديده وجابت ليها هى ملابس العيد
الجو كان حر وبدينا نشم ريحة الكعك في البيوت، والكل بيجهز لوفقة العيد. أنا “سعاد”، ست بيت مصرية أصيلة، جوزي “محمود” شقيان في الغربة بقاله سنتين عشان يلم قرشين يسترونا بيهم. قبل العيد بأسبوع، لقيت رسالة منه: “يا سعاد، حولتلك مبلغ محترم، انزلي دلعي نفسك وهاتي للعيال أحلى لبس، مش عاوزهم يحسوا بغيابي.”
فرحتي مكنتش سيعاني، قولت أخيراً هفرح العيال اللي بقالهم كتير مشافوش لبس جديد. نزلت سحبت الفلوس من البنك، ورجعت البيت وأنا طايرة.. بس الفرحة مكملتش.
أول ما دخلت من باب الشقة، لقيت حماتي “الحاجة فوزية” قاعدة ومربعة رجليها، وعينها بتاكل الفلوس اللي في إيدي. بصتلي بصه غريبة وقالت:
— “منور يا سي محمود، باعت الرزق كله لسعاد هانم عشان تتمنظر بيه في الشوارع؟”
رديت بأدب: “يا ماما دي فلوس لبس العيد ليا وللعيال، محمود اللي قالي.”
قامت وقفت فجأة وزي ما يكون شيطان ركبها: “لبس إيه يا دلوعة؟ إنتي دواليبك هتنفجر، والعيال عندهم لبس المدرسة ولبس الصيف بتاع السنة اللي فاتت.. هاتي الفلوس دي، أنا أولى بيهم، أنا عوزة طقم يليق بمقامي في صلاة العيد، وعوزة أوزع عيدية على قرايبي عشان أرفع راس محمود.”
وقبل ما أنطق بكلمة، كانت سحبت الشنطة من إيدي بقوة: “الفلوس دي هحفظها عندي، واللبس اللي عندك يستر بلد.. مش عوزة أسمع صوتك، والبيت ده كلمتي فيه هي اللي تمشي!”
دخلت أوضتها وقرشت الباب وراها، وأنا واقفة في الصالة والدموع في عيني.. العيال واقفين جنبي بيسألوني: “يا ماما فين لبس العيد؟ بابا قال هنجيب لبس جديد!” مكنتش عارفة أقولهم إيه، ولا عارفة أرد على جوزي أقوله أمه عملت إيه.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط ورزع، خرجت لقيت “الحاجة فوزية” لابسة عباية شيك جداً وشنطة جزم جديدة، وحواليها شنط محلات غالية أوي. بصتلي بضحكة صفرا وقالت:
— “شوفي يا سعاد، طقم العيد بتاعي، مش لايق عليا؟ أهو ده اللي يتقال عليه شياكة، مش اللبس اللي كنتي عوزة تجيبيه وتضيعي فلوس ابني في الأرض!”
في اللحظة دي، حسيت بنار قايدة في قلبي.. الظلم وحش، وكسرة خاطر العيال في العيد أصعب حاجة في الدنيا. دخلت أوضتي ومسكت الموبايل، وكنت لسه هبعت لمحمود أحكيله كل حاجة، بس وقفت فجأة.. قولت لنفسي: “لا يا سعاد، محمود شقيان وتعبان ومينفعش نكد عليه وهو لوحده، والحق اللي بيتاخد بالخناق بيضيع.. الحق لازم يتاخد بالدماغ.”
مسحت دموعي، ورسمت ابتسامة هادية على وشي، وخرجت لحماتي في الصالة وقلتلها بصوت ناعم:
— “مبروك عليكي يا ماما، اللبس يجنن، تتهني بيه يا رب.. عندك حق، الفلوس في إيدك أضمن.”
تابعونا على صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
حماتي استغربت من هدوئي، بس مكنتش تعرف إن سعاد “الهادية” ناوية على حاجة محدش يتخيلها، وإن اللي جاي هيرجع لكل واحد حقه بس بطريقة “شيك” أوي..
هل سعاد هتسكت فعلاً؟ وإيه المفاجأة اللي محضراها لحماتها في يوم الوقفة؟
الحاجة فوزية كانت فاكرة إن سكوتي ده استسلام، ومكنتش تعرف إن سعاد لما بتهدى، بتبقى العاصفة اللي جاية هتاكل الأخضر واليابس. دخلت المطبخ وعملت كوبايتين شاي بقرنفل، وطلعت قعدت جنبها في الصالة وهي عمالة تقيس في العبايات وتتمنظر قدام المراية.
قلت لها بنبرة ناعمة زي الحرير:
— “تعرفي يا ماما.. العباية دي قماشتها (رويال كريب)، غالية أوي وشيك، بس في حاجة شاغلة بالي.. إنتي عارفة إن بكرة الوقفة، وكل قرايب محمود وجيرانه جايين يباركوا، والكل عارف إن محمود شقيان في الخليج وباعتلنا ‘مبلغ محترم’ عشان العيد.”
الحاجة فوزية نفشت ريشها وقالت: “أيوه طبعاً، والكل هيشوف شياكة أمه ويعرفوا إنه بار بيا.”
ضحكت في سري وقلت: “تمام يا حبيبتي، بس تخيلي بقى لما يشوفوا الحاجة فوزية لابسة الطقم الغالي ده، ويدخلوا يلاقوا العيال لابس ب لبس الصيف المهرول بتاع السنة اللي فاتت؟ الناس مش هتقول إن محمود بار، الناس هتقول ‘يا عيني على عيال محمود، أبوهم مبعتش ليهم مليم والحاجة فوزية خدت الفلوس لنفسها’.. وسيرة محمود هتبقى على كل لسان في المنطقة، والناس مبتصدق تلاقي سيرة.”
لون الحاجة فوزية اتخطف، والعباية اللي كانت فرحانة بيها بدأت تقله في عينيها. كملت كلامي بثبات:
— “أنا خايفة على منظرك يا ماما.. وخايفة أكتر على سمعة ابنك، يقولوا عليه مقصر في حق عياله وهو شقيان وتعبان.”
قامت الحاجة فوزية وهي متوترة: “طيب والحل إيه يا سعاد؟ الفلوس صرفت منها كتير على اللبس ده والعيديات.”
طلعت الموبايل وفتحت “جروب العيلة” اللي فيه كل قرايب محمود، وقلت لها بصوت واثق:
— “الحل عندي.. أنا لسه مكلمتش محمود، بس كنت هكتب على الجروب دلوقتي شكر كبير ليكي قدام الكل، وأقولهم إن الحاجة فوزية قررت تفتح ‘شنطة الخير’ اللي محمود بعتها، وإنها بكره الصبح بنفسها هتنزل تاخد العيال تجيب لهم أغلى لبس من المحل اللي في المول اللي الكل بيتحاكى عنه.. وبكده الكل هيقول عليكي الأم المثالية اللي بتدلع أحفادها قبل نفسها.”
بصتلي الحاجة فوزية بذهول، كانت محاصرة بين حبها للفلوس وخوفها من “كلام الناس” ومنظرها قدام العيلة. بلعت ريقها وقالت بحدة مدارية: “ماشي يا سعاد.. بكره الصبح هاتي العيال وهننزل نجيب لبس، بس من الفلوس اللي باقية معايا، مش عوزة شوشرة.”
ابتسمت بانتصار وقلت: “تسلمي يا ست الكل، ده العشم برضه.. ومتقلقيش، أنا هصورك وإنتي بتشتري ليهم وهنزل الصور على الجروب واكتب: ‘كرم الحاجة فوزية غطى على الكل’.”
تاني يوم، الحاجة فوزية نزلت وهي “مجبورة” تدفع وتشتري أحسن لبس للعيال عشان تحافظ على البرستيج اللي رسمتهولها. وأنا ماشية جنبها، كنت بضحك من قلبي.. العيال فرحانين، والحق رجع من غير خناقة واحدة.
بس وأنا في المحل، عيني وقعت على “فاتورة” في شنطة حماتي، كانت فاتورة طقم رجالي شيك جداً وغالي.. استغربت، محمود مسافر، وهي معندهاش ولاد تانيين هنا!
قلت في نفسي: “بقى كده يا حاجة فوزية؟ الفلوس مكنتش بس للعبايات، ده فيه أسرار تانية مخبياها في الشنطة!”
قررت مسكتش، وراقبتها وهي بتعمل مكالمة في ركن بعيد وبتقول بصوت واطي: “خلاص يا حبيبي، الطقم معاك، والفلوس اللي باقية هجيبلك بيها الموبايل اللي قلت عليه.. متقلقش، سعاد دي نايمة على ودنها.”
الدنيا اسودت في عيني.. الحاجة فوزية بتصرف فلوس شقى جوزي على مين؟ ومين “الحبيب” اللي بتدلعوا بفلوس الغربة؟
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
الدم غلي في عروقي وأنا سامعة حماتي بتقول “يا حبيبي” وبتوعده بموبايل جديد من فلوس شقى محمود.. بس مسكت نفسي، سعاد “الهادية” لسه مخلصتش دورها. رجعنا البيت والعيال شايلين شنط اللبس وفرحانين، وحماتي دخلت أوضتها بسرعة وقفلت على نفسها الفاتورة والطقم الرجالي.
قعدت في الصالة، عقلي بيودي ويجيب.. محمود ملوش إخوات ولاد، وأبوه الله يرحمه من سنين، يبقى مين ده اللي الحاجة فوزية بتدلعوا؟ فكرت أكلم محمود، بس قولت: “لا، محمود لو عرف هيقلب الدنيا وه يقطع الغربة ويرجع، وأنا عوزة الحق يرجع بالدليل القاطع ومن غير شوشرة تخرب البيت.”
قمت عملت نفسي داخلة المطبخ، وبصوت عالي قولت:
— “يا ماما، أنا نازلة أجيب شوية طلبات للبيت عشان سحور وقفة العيد، العيال هيفضلوا معاكي ثواني وراجعة.”
ردت من جوه الأوضة بصوت فيه لهفة غريبة: “ماشي يا سعاد، خدي وقتك يا بنتي، العيال في عينيا.”
نزلت فعلاً، بس مروحتش السوبر ماركت.. وقفت تحت البيت في مدخل العمارة اللي جنبي، وراقبت الباب. مفيش عشر دقائق، ولقيت الحاجة فوزية نازلة، لابسة العباية الجديدة وشايلة الشنطة اللي فيها الطقم الرجالي، وماشية بتتلفت حواليها زي اللي عاملة جريمة.
مشيت وراها من بعيد، قلبي كان بيدق زي الطبول.. وصلت لحد كافيه هادي بعيد عن منطقتنا بشويتين، ولقيتها قاعدة ومبتسمة وبتقابل شاب في العشرينات، لابس لبس “مودرن” وشكله غريب عن عيلتنا خالص. أول ما شافها، قام باس إيدها وأخد الشنطة بلهفة وفتحها يشوف الطقم.
طلعت الموبايل وصورتهم “فيديو” وهما بيضحكوا، وهي بتطلع رزمة فلوس من شنطتها وتديهاله وتطبطب على كتفه. في اللحظة دي، مكنتش قادرة أصبر أكتر من كده.. كان لازم أعرف مين ده.
قربت من الترابيزة بخطوات واثقة، ووقفت فوق راسهم وقولت بابتسامة باردة:
— “منور يا سي محمود.. قصدي، منور يا ضيف الحاجة فوزية العزيز.. مش تعرفينا يا ماما، مين الشاب الشيك اللي لابس من فلوس تعب ابنك في الغربة؟”
الحاجة فوزية وشها بقى ألوان، والشاب اتسبت في مكانه وهو ماسك الطقم. قامت مفزوعة وقالت بتهتهة:
— “سـ.. سعاد! إنتي إيه اللي جابك هنا؟ ده.. ده ‘عصام’ ابن خالة جارتنا، كان بيخلصلي مصلحة.”
بصيت لعصام ده من فوق لتحت وقولت: “مصلحة ببدلة وغدوة وموبايل جديد؟ ده مصلحة غالية أوي يا ماما.. بس تصدقي، الفيديو اللي صورته ده منظره ‘تحفة’، تفتكري لو بعته لمحمود دلوقتي على الواتساب، هيقول عليه ‘مصلحة’ برضه ولا هيقول حاجة تانية؟”
عصام لما سمع سيرة محمود والفيديو، خد بعضه وجري وساب الشنطة والفلوس على الترابيزة. الحاجة فوزية قعدت مكانها وهي بتنهج وقالت بكسرة: “أبوس إيدك يا سعاد، بلاش محمود يعرف.. والله العظيم ده ‘ابن أخويا’ من الأب اللي مكنتش أعرف عنه حاجة، وظهرلي فجأة وقالي إنه محتاج يجهز نفسه عشان يخطب، وصعب عليا.”
ضحكت بمرارة وقولت: “يصعب عليكي بفلوس ولاد ابنه؟ يصعب عليكي وإنتي كاسرة خاطر العيال ومنشفة ريقهم؟”
خدت الشنطة والفلوس اللي كانت على الترابيزة وحطيتهم في شنطتي، وقولت لها بلهجة مفيهاش تفاهم:
— “دلوقتي يا ماما، إحنا هنرجع البيت.. والفلوس اللي باقية دي هترجع لمكانها، والموبايل اللي كنتي هتجيبيه لعصام، محمود هو اللي هيجيبه لنفسه لما ينزل.. وإلا، الفيديو ده هينزل على جروب العيلة قبل ما نوصل البيت، وساعتها وريني هتصلحي صورتك إزاي!”
روحت البيت وأنا حاسة إني “سعيدة” بجد.. مش عشان الفلوس، عشان الموقف اتقلب تماماً. الحاجة فوزية دخلت أوضتها مكسورة، ومبقتش تفتح بوقها بكلمة.
بس الفرحة مكملتش.. وقبل الفجر بساعة، الموبايل رن.. كان محمود!
رديت بلهفة: “أيوة يا محمود، كل سنة وإنت طيب يا حبيبي.”
لقيت محمود صوته مخنوق وبيعيط وقال جملة نزلت عليا كأنها صاعقة:
— “الحقي يا سعاد.. أنا في المستشفى، وعملت حادثة بالعربية وأنا راجع من الشغل، والدكاترة بيقولوا لازم عملية فوراً ومحتاج مبلغ كبير أوي مش معايا دلوقتي.. تصرفي يا سعاد، الفلوس اللي بعتها ليكي ولأمي موجودة؟”
بصيت لشنطة الفلوس اللي لسه واخدها من حماتي، وبصيت لأوضة الحاجة فوزية.. ولقيت نفسي في اختبار أصعب من كل اللي فات.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
الدنيا لفت بيا، والسما اللي كانت صافية في عيني اسودت في لحظة. محمود، سندي وشقى عمري، واقع في غربته ومحتاجني وأنا هنا بيني وبينه بلاد وبحور. قفلت السكة معاه وأنا بكلم نفسي زي المجنونة: “يا رب استرها، يا رب رجعه لعياله بالسلامة.”
بصيت لشنطة الفلوس اللي كانت على الترابيزة، الفلوس اللي كنت لسه “منتصرة” ومنتشية إني رجعتها من حماتي. فتحتها بسرعة وقعدت أعد.. المبلغ اللي الحاجة فوزية صرفته على العبايات والطقم بتاع عصام والمصاريف اللي ملهاش لازمة كان كبير، واللي باقي ميكملش نص تمن العملية اللي محمود محتاجها.
دخلت أوضة حماتي من غير ما أخبط، لقيتها قاعدة بتعيط ومخبية وشها. أول ما شافتني قامت مفزوعة: “في إيه يا سعاد؟ محمود عرف حاجة؟”
قلتلها والدموع مغرقة وشي: “محمود بيموت يا حاجة فوزية.. عمل حادثة ومحتاج عملية فوراً، والفلوس اللي بعتها وصرفتيها على المظاهر والجدع اللي اسمه عصام، هي اللي كانت هتنفد ابلك!”
الست وقعت من طولها وصوت صوتها جاب الجيران، قعدت تلطم وتقول: “يا مراري يا ابن قلبي، يا شقاك يا محمود اللي ضيعته بإيدي.. ياريتني كنت انقطعت قبل ما أمد إيدي على قرش واحد.”
سيبتها وطلعت الصالة، عقلي شغال زي المكنة. كلمت أخويا “سيد” وقلتله على اللي حصل:
— “يا سيد، محمود في ضيقة، والفلوس اللي معانا مش كفاية.. اتصرف يا أخويا، شوف حد يشتري غويشتين بتوعي، أو نتصرف في أي حاجة.”
سيد قالي: “يا سعاد يا حبيبتي، بكرة الوقفة والبنوك قافلة، ومحدش هيشتري دهب دلوقتي ولا هيعرف يفك زنقة بالسرعة دي.. إنتي معاكي كام؟”
قلتله المبلغ، قالي: “ده قليل أوي يا سعاد.. حاولي تشوفي الحاجة فوزية، مش كان عندها قرشين شايلاهم للزمن؟”
روحت لحماتي لقيتها في حالة ذهول، قلتلها بحدة: “يا ماما، مفيش وقت للندم، محمود محتاج الفلوس دلوقتي، وإلا العملية مش هتم.. معاكي حاجة تانية؟ أي دهب؟ أي فلوس شايلاها؟”
بصتلي بحزن وقالت: “والله يا بنتي ما معايا غير اللي شوفتيه، وعصام ده كان واهم سني ومضحوك عليا بكلمتين.. بس..” سكتت فجأة وطلعت مفتاح من صدرها، وقامت فتحت سحارة الكنبة القديمة اللي في الصالة، وطلعت علبة قطيفة قديمة ومتربة.
فتحتها، ولقيت فيها “كردان” دهب تقيل أوي، من بتاع زمان. قالتلي وهي بتترعش: “ده كان ورثي من أمي، كنت شايلاه لليوم الأسود، ومفيش أسود من اليوم ده يا بنتي.. خديه، حاولي تتصرفي فيه بأي تمن، المهم محمود يقوم بالسلامة.”
أخدت الكردان وجريت على أخويا سيد، وفضلنا نلف طول الليل والناس بتجهز للكعك والفرحة، وإحنا بندور على حد يفتح لنا محل دهب أو يسلفنا بضمان الكردان.
وفي عز اليأس، رن موبايلي.. رقم غريب من الخليج! قلبي سقط في رجلي، رديت وأنا بترعش: “أيوة.. محمود؟”
لقيت صوت راجل غريب بيقولي: “يا مدام سعاد، أنا ‘أبو راشد’ كفيل محمود وصاحب الشغل.. محمود عمل حادثة كبيرة فعلاً، بس أنا حبيت أطمنك إننا نقلناه أحسن مستشفى وكل المصاريف مدفوعة، ومحمود دلوقتي في العمليات وادعيله يقوم بالسلامة.”
وقعت مكاني من الصدمة والراحة في نفس الوقت، بس فجأة سألت نفسي: “أبو راشد عرف رقمي منين؟ ومحمود كان لسه بيكلمني وبيقولي اتصرفي في فلوس؟”
بصيت للموبايل، وبصيت للكردان اللي في إيدي، وحسيت إن في حاجة غلط.. حاجة كبيرة أوي بتحصل من ورا ظهري، ومحمود مخبيها عليا!
وقفت في نص الشارع والناس بتجري حواليا بشنط الكعك واللبس، وأنا ماسكة الموبايل وإيدي بتترعش. الكردان في إيدي، وفلوس حماتي في شنطتي، ومكالمتين عكس بعض تماماً! محمود بيموت ومحتاج قرشين، وأبو راشد بيقولي “كله تمام والعملية مدفوعة”.
قلت لنفسي: “يا سعاد، اهدي.. محمود مستحيل يكدب في موته، بس أبو راشد ده صوته غريب، مش ده الصوت اللي سمعته لما كان محمود بيخليني أسلم عليه في العيد اللي فات!”
جريت على البيت، دخلت لقيت الحاجة فوزية قاعدة على السجادة وبتدعي بكسرة قلب. بصتلي بلهفة: “ها يا بنتي؟ بعتي الكردان؟ محمود عامل إيه؟”
رميت الشنطة على الكنبة وقلت لها بصوت حاد:
— “محمود بخير يا ماما.. أو على الأقل ده اللي قاله واحد بيقول إنه كفيله. بس في حاجة غلط، محمود كلمني من تليفونه وكان بيعيط، وأبو راشد كلمني من رقم دولي تاني خالص.. أنا لازم أتأكد.”
فتحت الموبايل ودخلت على “الواتساب” بتاع محمود، لقيت الرسالة اللي كان بعتها في الأول لسه موجودة، بس “الصورة الشخصية” بتاعته اختفت فجأة! جربت أرن عليه “فيديو”، الخط فتح.. بس الكاميرا كانت سودة، وصوت نفس عالي ونهجان.
— “محمود! رد عليا يا حبيبي.. إنت فين؟”
صوت غريب رد عليا بضحكة مكتومة: “محمود تعيشي إنتي يا مدام.. بس لو عوزة جثته ترجع وتدفنيها في مصر، لازم تحولي باقي المبلغ اللي سحبناه من حسابه هنا، وإلا..”
صرخت: “إنت مين؟ ومحمود فين؟”
الخط قطع. في اللحظة دي فهمت الحقيقة المرة.. محمود متخطف! أو في حد استغل الحادثة وسرق موبايله وبيبتزنا.
الحاجة فوزية لما سمعت “تعيشي إنتي” صرخت ولطمت، بس أنا مسكتها من إيدها بقوة وقلت لها:
— “اسكتي يا ماما! العياط مش هيرجع محمود. محمود متمسك هناك، والناس دي عارفة إن معاه فلوس. الفلوس اللي إنتي صرفتيها على عصام والعبايات كانت هي اللي هتفديه!”
قعدت حماتي تنوح: “والله ما كنت أعرف.. والله يا بنتي أنا كنت فاكرة إنه بيتدلع هناك.”
في اللحظة دي، جالي إشعار على الموبايل من “أبلكيشن” البنك اللي محمود عامل لي فيه توكيل. رسالة بتقول: “تمت محاولة سحب مبلغ (….) من ماكينة في منطقة (…) بالرياض، ولم تكتمل العملية لعدم كفاية الرصيد.”
فهمت اللعبة.. الحرامية معاهم الفيزا ومعاهم الموبايل، وعاوزين يصفوا الحساب.
بسرعة البرق، كلمت “سيد” أخويا تاني وقلتله: “يا سيد، محمود مش في مستشفى، محمود ممسوك.. اطلب لي ‘عصام’ اللي كان مع حماتي فوراً!”
سيد استغرب: “عصام؟ وده ماله ومال محمود؟”
قلتله بصرامة: “عصام ده هو اللي كان بيعرف حماتي أخبار محمود، وهو اللي كان بيوزها تاخد الفلوس.. الواد ده “عين” جوه البيت، وأنا شاكة إن له يد في اللي بيحصل هناك.”
الحاجة فوزية وشها بقى أبيض زي الورقة وقالت بخوف: “عصام؟ لا يا سعاد، ده غلبان..”
قطعتها وقلت: “مفيش غلبان بياخد بدلة بآلافات وموبايل من ست كبيرة! عصام ده هو اللي دل الحرامية إن محمود معاه مبلغ كبير النهاردة.”
وفعلاً، سيد جاب عصام “من قفاه” وجره لحد البيت قبل الفجر بساعة. الواد كان ميت من الرعب، وأول ما شاف الكردان والفلوس والتهديد بالبوليس، اعترف بكل حاجة:
— “والله يا مدام سعاد، أنا ماليش دعوة بالخطف.. أنا بس كنت بقول لواحد صاحبي شغال مع محمود هناك إن محمود حول مبلغ كبير النهاردة لأمه، وصاحبي ده هو اللي قالي هنهبشه هبشة صغيرة.. معرفش إنها هتوصل لحادثة وخطف!”
مسكت عصام من هدومه وقلتله بصوت يرعب:
— “دلوقتي هتكلم صاحبك ده وتخليه يوصلنا لمحمود، وإلا والله العظيم هسلمك للبوليس بفتنة الخطف والسرقة، وهخلي أيامك أسود من قرن الخروب!”
عصام اتصل بصاحبه وهو بيترعش، والمكالمة كانت “سببيكر”.. وبدأت المفاوضات الحقيقية في ليلة الوقفة.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
الجو كان بدأ يشقشق بنور الفجر، وصوت التكبيرات مالي المآذن “الله أكبر.. الله أكبر”. عصام كان قاعد في الصالة ميت من الرعب، وسيد أخويا ماسكه من رقبة قميصه، وأنا وحماتي واقفين على أعصابنا بنسمع المكالمة اللي هتحدد مصير محمود.
صاحب عصام في السعودية رد، وصوته كان باين فيه الخوف لما عرف إننا كشفنا اللعبة وصورنا عصام فيديو وهو بيعترف. عصام زعق فيه: “يا غبي، البوليس هنا هيجيب أجلي، سيب محمود فوراً وقولي هو فين، وإلا هقول على اسمك وصورتك وكل حاجة عنك!”
الطرف التاني سكت لحظة وبعدين قال بجبن: “يا عم أنا ماليش دعوة، أنا بس استغليت الحادثة البسيطة اللي عملها وهو راجع وأخدت تليفونه والفيزا لما وقع، وهو دلوقتي في مستشفى (….) بالرياض، مغمى عليه بس حي.. والله ما لمسته!”
رميت الموبايل من إيدي وجريت اتصلت بـ “أبو راشد” الكفيل الحقيقي (اللي كنت متشككة فيه من التوتر)، وطلع فعلاً راجل محترم جداً. لما حكيتله اللي حصل، قالي: “يا بنتي، محمود عندي في المستشفى فعلاً، والحمد لله فاق دلوقتي، وعصابة الموبايل دي أنا هبلغ عنها حالاً والشرطة هتجيبهم من قفاهم.”
سمعت صوت محمود في الخلفية، واهن وتعبان بس بيقول: “سعاد.. سامحيني يا سعاد.”
الدموع نزلت من عيني زي المطر. الحاجة فوزية وقعت على ركبها تبكي وتستغفر: “يا رب رجعهولي بالسلامة، يا رب توبة من النهاردة.”
بعد ساعتين، محمود كلمني بنفسه، وصوته كان أحسن. قالي بالحرف:
— “يا سعاد، الفلوس اللي بعتها دي مكنتش بس لبس العيد.. أنا كنت باعت زيادة عشان تشتري الشقة اللي جنبنا وتوسعي على نفسك والعيال، بس خفت أقولك وأنا بعيد فقلت لأمي ‘خدي بالك منهم’. مكنتش أعرف إن الطمع هيعميها، ولا كنت أعرف إن عصام ده عينه علينا.”
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
بصيت لحماتي اللي كانت واقفة مكسوفة من نفسها ووشها في الأرض. قلت لمحمود:
— “محمود، المهم إنت بخير.. والفلوس اللي راحت فداك، بس الكردان بتاع مامتك رجع، واللبس الجديد للعيال جه، والحق بان وزهق الباطل.”
يوم العيد الصبح، سعاد لبست العيال أحلى لبس، وخرجت بيهم لصلاة العيد. الحاجة فوزية كانت ماشية جنبها، بس المرة دي كانت هي اللي شايلة شنط العيال وبتبوس إيد سعاد وتقولها: “إنتي ست بجد، وحافظتي على بيت ابني وأنا اللي كنت هضيعه.”
سعاد بصت للسما وقالت: “العيد فرحة يا ماما، بس الفرحة الحقيقية إن الواحد ينام وضميره مرتاح.”
محمود رجع بعد أسبوعين “إجازة اضطرارية”، واستقبلته سعاد والعيال بالزغاريد. أما عصام، فكان “عيدية” القسم، والحاجة فوزية اتعلمت إن الشياكة مش بالعبايات الغالية، لكن بالأصل الطيب اللي بيبان في وقت الشدة.
تمت.. حكايات رومانى مكرم
الكلمة الطيبة والموقف الأصيل هما اللي بيعيشوا، والفلوس بتروح وتيجي بس “ستر الله” و”رضا الضمير” ملهومش تمن.. وزي ما بنقول في أمثالنا الشعبية المصرية:
> “إللي يشتري خاطر الناس بالحق، ربنا بيشتري خاطره بالفرح.. واللقمة الهنية بتكفي مية، بس القناعة هي اللي بتخلي الستر يدوم.”
>
القصة دي علمتنا إن الذكاء والهدوء (زي ما عملت سعاد) بيجيبوا الحق أكتر من الزعيق، وإن الطمع آخره وحش.. بس “الأصل” دايماً بيغلب في الآخر.


تعليقات
إرسال تعليق