القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية مديري مستر فرعون الفصل الخامس وعشرون والسادس وعشرون والسابع وعشرون الاخير بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه

 

رواية مديري مستر فرعون الفصل الخامس وعشرون والسادس وعشرون والسابع وعشرون الاخير بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه




رواية مديري مستر فرعون الفصل الخامس وعشرون والسادس وعشرون والسابع وعشرون الاخير بقلم الكاتبه رحاب إبراهيم حسن حصريه




#الفصل_الخامس_والعشرون 


نظر الرجال بآلاتهم الموسيقية القديمة لهذا الولد الذي يتحدث لهجةً غريبة عنهم ولكنهم مع ذلك يفهمونها .. ولم يجيبون عليه، فاغتاظ سقراط منهم ولكنّه أخفى غيظه وقال :

_ أنا جاي أوريكم موهبتي في الغنا .. أدوني فرصتي ؟ 


لم يبدِ أي منهم ردة فعل، فأعتبر سقراط أن الصمت علامة القبول وأخذ الدف وصاح عاليًا :

_ هو االي خطبهاااا،هو اللي نقاهاا، راح وقال لابوها أنا دايب في هواااها ... سقراط جالك يابت ، ريح بالك يابت. 


وبعدها تلقى ضربةً مدوية على قفاه وعندما استدار وجده قائد الحرس، فغر سقراط فاه للحظة لذلك الشبه الواضح بين هذا الرجل وذاك الـ "الصاوي" الذي كان يضربه بطريقة مماثلة تمامًا .. فقال سقراط بهلع :

_ يالهوي يابا ، ايه اللي جابك هنا يا صاوي ؟! 


هزه قائد الحرس بعنف وغيظ، ثم قال بانفعال مما ينطق به الفتى ولا يفهمه :

_ ماذا تقول أيها القصير، من هذا الصاوي ؟! 


ردد سقراط بخوف من الرجل وقال بكلمات متقطعة :

_ ده ، ده ، ذا .. ده ذا الصايع بتاع منطقتنا .. أنت شبهه بالضبط ، تقولش جده ؟ 


وكشر سقراط وقال بضيق :

_ يا حزني عليك يا سقراط ، يعني الصاوي جده يبقى قائد حرس البلاط الملكي ! .. ده لو وصله الخبر هيكتب المنطقة باسمه .. لازم أخلي الموضوع ده في السكرته. 


سأله قائد الحرس بعصبية :

_ ماذا تقول ياقصير ؟! 


رد سقراط بانفعال :

_ مابقولش حاجة يا باشا، ممكن تسيب وأنا أسيب ؟ 


سأله القائد بسخرية :

_ أنا سأتركك، ولكن أنت ماذا ستترك؟. 


تمتم سقراط بغيظ وهو بين قبضتيه بسلاسة:

_ ما تعصبنيــش بقـا !! .


هتف تلقيمة من المطبخ من جهة المطبخ وقال :

_ ارجوك أتركه وشأنه أيها القائد صاويصوص، فهو حفيدي الصغير وأتى ليزورني بعض الوقت ويخلع. 


تعجب سقراط وقال لجده :

_ يخلع دي بتاعتي يا تلقيمة ، بس أنت قولت ايه ؟ صاويصوص!.


 وضحك سقراط بسخرية وتابع مزاحه:

_ صاوي بالصوص والتتبيلة هه. 


تلقى ضربة وركلة نحو اتجاه المطبخ ، وعندما وصله اليه المطبخ مدفوعا قال لجده وهو يعدل هندامه :

_ نكمل بقا يا تلقيمة باقي كلامنا. 


رد تلقيمة بغيظ وحدة منه وقال :

_ لابد أن تشرب الشربة السحرية بأقرب وقت ، ولكن لابد أن تعرف شيء .. هي لها مفعولا سريع قطعا، ولكن مفعولها ينتهي بعد ثلاث ساعات فقط .. وتعود مثلما كنت ، لابد لكي تستمر قويا أن تدرب تدريبات قاسية في الجبال ،وحينها فقط لن تحتاج لتلك التركيبة !. 


ردد سقراط بتنهيدة ثقيلة :

_ هتقعد القوة معايا ٣ ساعات بس ، طب ومستعجلة كده ليه ، وبعد ما تمشي يا تلقيمة .. هرجع زي ما كنت ؟ 

يعني ضعيف وممكن أي حد يضربني ؟! 

يا بختك المبقلل يا سقراط اللي شبه كرش جدك !. 


وظهر الحزن على وجه سقراط ، فربت الجد على كتفه وقال بلطف :

 _ أيها الصغير .. لابد أن تعرف أن القوة الحقيقية ليست فيمن يمتلك صدرا عريض وأكتاف منتفخة القوة ، القوة الحقيقية في القلب .. أن سلم قلبك وعقلك اصبحت بالفعل قويا وطابت أيامك ، وللعلم أن القوة البدنية يحركها العقل بالاساس  .. قوة بلا عقل لا قيمة لها ولن تفيد صاحبها. 


تحدث سقراط بضيق :

_ يعني لما الصاوي يجي يضربني ، هضربه بعقلي ، هدافع عن نفسي بالعقل يا راجل ؟ 


أكد الجد وقال :

_ بالفعل هذا الصواب ، لو صح عقلك سيدلك على الطريقة التي ترد بها الصاع ، ليست كل الحلول تتخذ باليد.  


لم يقتنع سقراط وقال :

_ اعملي بس التركيبة ونبقا نشوف موضوع العقل ده ،بس افتح ايدك وزود ما يهمكش .. يعني املالي كل الحلل اللي عندك عشان اخدها وانا ماشي .


تعجب الجد من الأمر ، ولكنه عاد للحساء الذي يغلي على النيران وبه عظم كثير من ارجل البقر والجاموس وبعض الأعشاب السرية جدًا ..


_______________________________


 وعلى بُعد مسافةً قصيرة. 


وقف سلفستر فجأة بعد فترة سير طويلة وقال متنهدا :

_ ها قد وصلنا .. ستعودين لعالمك متى شئتي الآن. 


لم تجيبه "سماح" فقد كانت تبك ، فنظر إليها سلفستر بغرابة وقال :

_ لا تبك .. فقد أتممت مهمتي واصبحت بأمان الآن ، علي العودة لكوخي الصغير نحو الجبال حيث كنت وتمضية فترة أقامتي هنا .. لا احب لحظات الوداع ، لذلك سأنهي الرحلة وأقول لكِ أنني بالفعل أحببت تلك الرحلة القصيرة ، وسأظل اتذكرها لبعض الوقت ... كوني دائمًا بخير. 


ارفق حديثه بابتسامة هادئة، بينما اشتد بكاء سماح وقالت :

_ ده أنت معندكش ريحة الدم يا دي الجدع ، أنا منهارة نفسويا وأنت ولا حاسس ، انت قلبك ده ايه ؟ حتة لفتة مخللة !! .. عايز تمشي أمشي هو أنا يعني هحوشك!. 


رفع سلفستر حاجبه بتعجب ، ثم قال بلا مبالاة :

_ حسنا سأذهب.  


وبعدما ابتعد خطوتان هتفت سماح وقالت بلهفة وبكاء :

_ يا حزني أستنى .. أستنى يا سي سفنكس .. أستنى ياخويا. 


وقف سلفستر ونظر لها ببعض التعجب ، حتى قالت له بدموع تملأ عينيها :

_ هو أنت مش حاسس أن في حتة من قلبك مهبوشة ، اقصد يعني قلبك دهون مش بيوشوشك بأيتها حاجة دلوقتي؟ مابيقولش الآه يا سي سفنكس؟ .. 


رد سلفستر بصدق :

_ لا ... بالعكس ، أنا أشعر بالراحة لأنني أتممت مهمتي بخير وأنت الآن هنا بمنطقة الوافدين عبر الزمن ، وهذا يعني أنكِ بأمانً تام .. ماذا يزعجني في ذلك؟. 


تمتمت سماح بغيظ ودموع :

_ يارب تنشك في قلبك يمكن البعيد يحس ويستيقظ، استيقظ ايها القلب يخربيتك دقت ساعة الفراق.  


وحينها تحدث سلفستر وهو يودعها بالفعل بابتسامة ويسلمها للحرس :

_ مع السلامة. 


اشار لها بيده في وداع، ثم ابتعد مبتسما وكأنه استطاع الآن يتنفس الصعداء ، فانهارت سماح من البكاء وقالت :

_ الهي ما تلاقي حمارة هبلة حتى تحبك ياللي تنشك في كل معاميع قلبك .. وتبقى قاعد حزين لوحدك ما تلاقي غير ذكرياتي تونسك وتمشي في البلاد وتسأل عني ومتلاقنيش ... ياسي سفنكس.


أخبرها أحد الجنود بشيء هام :

_ أخبرني القائد أن حالما تأتين لهنا يجب علينا أرسالك لزمانك في الحال. 


شهقت سماح من البكاء وقالت :

_ أرسلني ياخويا أرسلني .. لقد فقدت سي سفنكس يا بشر ، آه يا سي سفنكس يا لهوتاااه.  


لم يعيرها الجندي اهتمام لمَ قالته، ولكنه أخذها للغرف السرية ليتم المهمة.


وفي طريق العودة لمنطقة الجبال .. 

فرد سلفستر ذراعيه بشعور مطلق بالحرية وقال :

_ أخيرًا عدت .. حمد لله أني تخلصت من تلك البومة العجيبة ، كائن السماح البائس ... استطيع الآن أن استنشق رحيق الحرية. 


_________________________


وأتى الليل على سحابة ناعمة من المشاعر.. 

شرب هاكان شراب التوت وهو مبتسما بشرود وممددا على الفراش الخشن للغرفة، ثم قال :

_ تصدق وحشتني أوي ، ماشوفتهاش من الضهر. 


نفث رشاد الدخان من شيء يشبه "الشيشة" وقال بعينان زائغة :

_ وأنا كمان .. البت سبسب وحشتني من ساعة ما جابتلي الشيشة دي ومشيت .. جابتهالي من غير ما حد يعرف، مش عارف جابتها منين بس الحب ياجدع .


ونفث مجددًا من الشيشة وعينيه غارقة بالحب .. فنهض هاكان من الفراش وقال :

_ أنا لازم أشوفها دلوقتي !، مش قادر أستنى بصراحة. 


اشار له رشاد لينتظر وقال والابخرة الرمادية تخرج من فمه وأنفه وقال :

_ أستنى لما الليل يشد .. ونمد أحنا برا القلعة عشان محدش يقفشنا .. حتى البت سبسب تكون خلصت غسيل المواعين وأنا خلصت الحجر ده. 


وبتلك اللحظة دخل سقراط الغرفة مبتسما ومعه آنية صغيرة ، فضيق رشاد عينيه عليه وقال والدخان يتطاير من حوله :

_ كنت فين ده كله يابن تلقيمة ؟ 


رد سقراط ببهجة :

_ كنت عند جدي ، عملي تركيبة وشربت منها شوية ، بس قالي مفعولها هيبتدي فجأة .. ممكن بعد ساعة وممكن بعد خمسة ، أما نشوف بقا. 


سأله رشاد بتعجب :

_ تركيبة ايه دي ؟ 


أجاب سقراط وافصح :

_ الشجاعة والقوة ..  عشان امردغ كرامة كرامات الصاوي. 


لم يهتم رشاد بما قاله سقراط وقال له :

_ حلو ... حضر نفسك بقا عشان هتيجي معانا بعد شوية .. تراقب الطريق. 


سأله سقراط بقلق:

_ هنروح فين ؟ 


اجاب سقراط بابتسامة وهو ينفث الدخان من كل جزء من وجهه :

_ عندنا ديت .. هنقابل الحبايب على سطح القلعة. 


سخر سقراط وقال ضاحكا :

_ آه يا زمن .. من الساحل لسطح القلعة !.. 


ضحك "هاكان" على مزحة سقراط ، بينما قال رشاد بلا اكتراث :

_ كل زمن وله ترتيبه ياض، المهم دلوقتي أن قلبي اتشد وحب بجد وداب وأشتاق ومقالش لحد .. بس قولتلكم أنتوا يا أوباش. 


رد سقراط بثقة :

_ وأنا موافق ... روحوا انتوا حبوا وأنا هقف أحرسكم زي الاسد .. 


سخر رشاد منه بنظرة سريعة، ثم قال لهاكان بغمزة خبيثة:

_ أنا وصيت البت سبسب تبعت رسالة عاجلة لفتاتك يوم الوقفة تحصلنا على سطح القلعة بعد حلول الشفق .. 


سأله سقراط :

_ يعني على أمتى كده ؟ 


أجاب رشاد سريعا :

_ نصاية كده ونمشي يا صاحبي .. 


ابتسم هاكان وقال :

_ يارب ترضى تيجي. 


سخر رشاد منه وقال :

_ مش مسيطر أنت .. خدني قدوة، ده أنا خليتها تجيبلي شيشة !. .. يعني جبت سقف السيطرة. 


ضحك سقراط وقال :

_ طب حاسب ليقع على القرعة. 


__________________________


وبعدما أسدل الليل ستارته المظلمة ... 


وقف رشاد أمام سبسميما وقال بنظرة عاشقة وهو يعطيها تلك "الشيشة" :

_ مش عارف اشكرك أزاي على الشيشة .. قسما بالله أنتي اللي كنت بدور عليها من زمان .. 


ابتسمت سبسب بحياء وهي تأخذها منه وقالت برقة :

_ حديثك يربكني يا وتيني. 


رد رشاد بنظرة ماكرة وابتسامة:

_ هو القمر شكله قمر كده ليه النهاردة يا سبسب؟


ضحكت سبسبميما بسخرية وقالت :

_ وماذا تريده أن يبدو ؟ ... مثل رأسك الناعم كالحرير هذا؟ 


اغتاظ رشاد بعدما قطعت صفو اللحظات العاطفية وهتف :

_ انا غلطان أني وقفت معاكي بعد غسيل المواعين ، لسانك مدهنن .. أغربي من وجهي. 


شهقت سبسميما من الدهشة :

_ أتقول لي أغربي ؟! 


غمز لها رشاد بنظرة ماكرة :

_ وأشرقي في قلبي.


كتمت ضحكتها ثم قالت :

_ سأذهب يا وتيني الأصلع .. أبق هنا بقرب قمرك وحيدًا من دوني. 


تركته وذهبت وهي تضحك، فهتف رشاد بغيظ :

_ أنتي يا بت استني!. 


وبأحد الزوايا كان يقف "هاكان منتظرا ... تنهد بعمق وقد يأس من مجيئها ، وقبل أن يقرر الانصراف انتبه لصوتها الهامس :

_ هاكان ؟ 


استدار هاكان واعتلت ابتسامة على ثغره ، وحينما التقت نظراتهما ، قال بصدق :

_ وحشتيني ..


ابتسمت " ليلة العيد" وهي تتهرب من نظراته، ثم قالت بثبات :

_ بلاش كلام من ده دلوقتي .. أجل اي كلام حلو لبعد الجواز. 


اتسعت ابتسامته وقال بنظرة متسلية من ارتباكها :

_ يبقى بمجرد ما نرجع هنجوز على طول ، أنا بصراحة مش هصبر كتير. 


عاد القلق لعينيها وقالت :

_ أنا خايفة من رد فعل والدك !. 


ارسلت ابتسامته دفء صادق لعينيها وأكد:

_ محدش هيجبرني على حاجة أنا مش طفل، والدي هيزعل شوية لكن مع الوقت هيقتنع .. المهم أني خلاص لقيت راحتي وفرحتي .. 


ابتسمت ليلة من جديد وهربت بنظراتها منه ، ثم فجأة انتبهت للوتس التي ظهرت وهي تقترب اليها راكضة وقالت لهما :

_ لابد أن تعودان الآن لزمانكما .. هناك خطاب أتى من الملك بضرورة مجيء حات اليه بشأنكم .. لابد أن تغادرون من هنا ..  


نظرت ليلة لهاكان بقلق ، فرد عليها هاكان وقال :

_ طب ايه الحل دلوقتي ؟ 


تنفست لوتس بعمق ثم قالت بتوتر شديد:

_ زوجي حات ذهب مباشرةً للمك، ولكني لا أضمن الوقت ، فربما يرسل بعد قليل بالقبض عليكم لأنكم لستُ بمنطقة الوافدين .. سأرسلكم مع احد الجنود لمنطقة الوافدين في الحال ..


نظرت ليلة لها بدموع وقالت :

_ يعني خلاص يا لوتس ؟ 


ضمتها لوتس ببكاء وقالت :

_ سأجد طريقة للتواصل معك بالتأكيد  .. سأشتاق لكِ يا أبنتي كثيرا. 


وبك الفتاتان طويلا .. وقبل أن يعود حات لقصره كانت ليلة تقف بجانب هاكان وأخيه وسقراط بمنطقة الوافدين، وقد عانقتها لوتس بدموع وداعية شديدة الحزن .. وقالت اخيرا :

_ حتما ليس هذا آخر لقاءً لنا .. أعدك يا ليلة. 


لم تستطع ليلة تمالك نفسها من البكاء ، وكان يهمس لها هاكان بمواساة. 


بينما اعترض رشاد بغضب :

_ يعني انا يعني اللي هطلع من المولد بلا حمص ! 


ابتسم سقراط بسخرية وقال وهو يحمل قدر التركيبة السحرية :

_ الحمد لله جدي عمل معايا الصح ..  الله يباركلك يا تلقيمة !. 


انتبه احد الجنود لما قاله رشاد فقال له بحدة :

_ اتعترض ؟!  


رمقه رشاد بضيق شديد ... ثم أشار الجندي للمجموعة وقال لرجاله :

_ ارسلوا هؤلاء أولًا ...


وبلحظات فارقة وجهت نحوهم تلك الأشعة الغامضة وفتحت أحدى البوابات الزمنية التي وكأنها حملتهم على بساطٍ من الضوء واختفت بلمحة عين !. 


صرخت لوتس من البكاء وكأن قلبها أنتزع منها بفقدان أبنتها ..  


____________________________ 


وعلى طريق صحراوي وقد عادوا لهذا الزمان بغمضة عين. 

فقد جدوا أنفسهم ملقون على الطريق بلمحة والغبار يتصاعد حولهما ومن أسفلهم كأنهم اندفعوا من السماء على الرمال بقوة!. 


نظر رشاد للطريق وقال بغرابة :

_ ده نفس الطريق اللي كنا ماشيين عليه بالعربية والفراعنة خطفونا .. 


اطمئن "هاكان" على ليلة وهمس:

_ أنتي كويسة؟ 


اومأت ليلة رأسها بموافقة وهي تنفض عن ملابسها الغبار:

_ آه الحمد لله. 


طالعها هاكان بنظرات دافئة وابتسم  بخبث:

_ اللي حصل ده جه في مصلحتي جدا. 


 افتر ثغر ليلة رغما بابتسامة بين دموعها، ونهضت من على الرمال سريعا ، بينما عانق سقراط الآنية الفرعونية بكل قوته وقال ببهجة الصغار :

_ الحمد لله القدرة سليمة وركبي هتبقي حديد. 


وظهر على وجه رشاد الضيق والغضب :

_ سيبت قلبي والشيشة معاكي يا سبسب. .. ياترى هتعملي ايه بعد ماتعرفي اني مشيت. 


رد عليه سقراط بعقلانية :

_ هتتجوز ! .


_______________________


وها قد عدنا ... لنرى بقا ؟ 😁🥳


#الفصل_السادس_والعشرون 


وظهر على وجه رشاد الضيق والغضب :

_ سيبت قلبي والشيشة معاكي يا سبسب. .. ياترى هتعملي ايه بعد ماتعرفي إني مشيت؟! 


رد عليه سقراط بعقلانية :

_ هتتجوز !. 


حدجه رشاد بنظرة غاضبة واستشاط غضبا وهو يركل ساق سقراط بقدمه:

_ لماضتك دي ولسانك الطويل كان هناك يابن تلقيمة، أنما خلاص بح .. رجعنا تاني ورجعت الواد سقراط بتاع الشاي وأنا رشاد بيه. 


طالعه سقراط بحزن وقال:

_ كنت فاكر أننا بقينا صحاب، أنا طول عمري لوحدي ومصدقت بقا ليا صحاب اتكلم معاهم ويبقوا جانبي ، والله الرحلة دي هتوحشني ولمتنا فيها هتوحشني أكتر .. وهتوحشني الصحوبية والهزار وحتى الخناق .. أنا عارف أني الواد سقراط بتاع الشاي وأنت رشاد بيه يا رشاد بيه .. معلش أنا أسف أني نسيت. 


نظر له رشاد بضيق من نفسه ، ولكنه قال بغيظ:

_ ولا أنا مش حمل صعبانيات دلوقتي خالص !، البت سبسب مقطعة في قلبي وسامع صوت صريخها من هنا، ده أنا بقيت وتينها ياجدع !! .. في وتين يعمل وتيتنته كده ؟!. 


وظهر الحزن على وجه رشاد، فربت على كتفه سقراط بمواساة وقال :

_ الحب الحقيقي بيعيش يا حبيبي .. اقصد يا رشاد بيه ، صدقني لو بتحبك بجد مش هتنساك، أي نعم قصة الحب دي مالهاش لازمة بس أهي للعبرة .. 


تاهت عينا رشاد بالضيق وهو يتخيل فتاته الفرعونية ماذا حلّ بها الآن، بينما نظر سقراط للآنية الفخارية وقال ببعض الحيرة :

_ مش عارف هعمل ايه بعد الشربة ما تخلص ، بس أهو انبسط شوية بمفعولها. 


وعادت لثغره الابتسامة مجددًا، في نفس الوقت نظر رشاد للسيارة بغرابة وقال :

_ هي العربية بقا شكلها حقير ليه كده كأننا سايبنها من سنين !. 


رد عليه سقراط بفصاحة وقال :

_ سمعت واحد من الفراعنة اللي رجعونا قال أنه خفى العربية عشان محدش يلاقيها وياخدها، يعني محدش كان يقدر يشوفها وأحنا هناك .. أنما دلوقتي كل شيء رجع لطبيعته.


لم يكن رد سقراط كافيًا لتفسير حالة السيارة التي اصبحت خردة تقريبًا من تركها بالعراء طويلا تحت أشعة الشمس والمطر الشديد بعد ذلك.

ونهض وهو يقول :

_ مش عارف هي ينفع اصلا تتحرك ولا لأ .. هروح أجرب. 


وذهب رشاد للسيارة التي فتح أحد أبوابها بصعوبة شديدة ، وحاول مرارًا تحريكها حتى بالكاد استطاع .. فأشار للبقية ، وبعد قليل كان يسير بها في الطريق والسيارة تتحرك وكأنها عرجاء !!. 


ضحك سقراط وهو جالسا بجانبه بالمقعد الأمامي :

_ يا باشا الحمد لله أنها أصلا اتحركت وهتوصلنا ، أنت مش شايف أحنا فين ! .. 


وبعد مسافة عدة كيلومترات بصعوبة، تعطلت السيارة ! .. ونفخ رشاد بغيظ وهو يطرق على المقود :

_ عطلت .. ده اللي كنت خايف منه. 


نظر هاكان للطريق المكتظ بالسيارات وهو جالسا بالمقعد الخلفي وبحانبه ليلة وقال :

_ طب الحمد لله انها حتى قدرت تجيبنا لهنا .. على الاقل هنلاقي عربية توصلنا. 


وخرج الرباعي من السيارة ونظروا للطريق والمارة ، وشعرت ليلة بغرابة من الأمر وقالت بشعور غامض:

_ حاسة أن في حاجة غريبة!. 


ولم يكن الشباب أقل منها شعورا بالغرابة ... حتى حملق سقراط بلوحة مستطيلة يظهر فيها أحد المرشحين بالأنتخابات وصاح :

_ ايه ده ؟!.


نظر رشاد باتجاه إشارة يده نحو اليافطة العريضة وللحظة لم يفسر سبب صدمة سقراط ، ولكن اتسعت عيناه بعد ذلك بذهول وهو يقول :

_ مرشح مجلس الشعب لسنة ٢٠٢٦ !! ..  أحنا مش كنا في ٢٠٢٣ !! ؟!


تسمر "هاكان" للحظة ، ثم قال بعدم تصديق :

_ مش معقول .. يعني الشهر اللي غيبناه كان في الحقيقة ٣ سنين هنا !! .. يعني أحنا متغيبين بقالنا ٣ سنين ؟! 


فغرت ليلة فاها من الذهول ثم قالت :

_ مستحيل .. لا مستحيل يكون ده حصل!! 


ركض سقراط بخضة نحو كشك على الطريق وسأله :

_ احنا سنة كام يا عم أنت ؟!


رمقه الرجل صاحب الكشك بتعجب وشك ، ثم أجاب :

_ ٢٠٢٦ يابني  ... ليه في حاجة ؟!


عاد لهم سقراط وأكد بتيهة:

_ يبقى كده فعلا بقالنا ٣ سنين متغيبين .. اكيد فكرونا موتنا !!، وتلاقي الصاوي خد الشقة بتاعتي ... وربي لأشرب الشربة ورايحله على الدغري.  


امتلأت عينا هاكان بالقلق وقال :

_ يا ترى ايه حال أمي وأبويا دلوقتي .. أنا لازم ارجع البيت حالا. 


نظرت ليلة بعينان شاردة فيما اصبح عليه الحال بمنزل خالتها وزوجة عمها أيضاً، ولاحظ هاكان قلقها فهمس بثقة :

_ متخافيش أنا معاكي. 


لم تطمئن ليلة كثيرًا ، خصيصا أنها تعلم ظنون عائلتها السيئة دائمًا، وأضاف هاكان موضحا للجميع:

_ هنوصل ليلة الأول بأي تتاكسي، هنزل أنا وهي عند بيتها ، وأنت يا رشاد ترجع البيت بنفس التاكسي وتحاسبه هناك، أحنا مش معانا فلوس أصلًا، وبعد ما تحاسبه تبعتلي أي سواق بالعربية على عنوان بيت ليلة. 


شعر سقراط بالألم وقال :

_ طب وأنا ؟ .. هتسيبوني لوحدي ؟ 


لكمه رشاد على كتفه بغيظ وقال :

_ ما أنت هتيجي معايا يا غبي، هنسيبك أزاي يعني. 


أكد "هاكان" على حديث رشاد وأضاف :

_ أنت هتروح مع رشاد يا سقراط، مترجعش الحارة بتاعتك دلوقتي لحد ما نشوف هنعمل ايه مع البلطجي اللي اسمه الصاوي ده. 


ضحك سقراط وقال بثقة :

_ لا من الناحية دي اطمنوا، معايا التركيبة السحرية وبقيت في الأمان، يكش بس يعني صعبان عليا فراقكم، شوية صغيرة يعني ، بس طالما انتوا مصممين ومتمسكين بيا، حيث كده لازم أوافق. 


رمقه رشاد بسخرية، ثم أوقف هاكان سيارة أجرة أخذتهم من وسط الطريق حيث عنوان منزل ليلة .. 


___________________________


وبمنزل ليلة العيد .. 


وقفت السيارة الأجرة أمام المبنى بالحي السكني الهادئ ، وخرجت ليلة العيد ورافقها هاكان الذي نظر من نافذة السيارة وقال لشقيقه رشاد :

_ كمل أنت الطريق بقا زي ما أتفقنا.


سألهم السائق بشك :

_ والحساب يا أستاذ ؟!


رد رشاد وأجاب عليه بتوضيح :

_ الحساب معايا يا أسطى .. وصلنا بس للعنوان اللي هقولك عليه وهحاسبك على كله .. 


وافق السائق وتحرك بسيارته في الطريق متجها للعنوان المقصود ، ونظرت ليلة للمبنى باشتياق وقالت :

_ يآه .. حاسة كأني هاجرت خمسين سنة ولسه راجعة حالًا!. 


غمز هاكان بابتسامة ماكرة وقال :

_ وكنتي عايزة تفضلي عند الفراعنة وتعيشي هناك ! .. 


ابتسمت ليلة ببهجة وقالت :

_ ما خلاص بقا عرفت غلطتي .. بس أنت هتطلع معايا ؟!


أجاب هاكان بتصميم غير قابل للمناقشة :

_ هاجي معاكي من غير نقاش، ماهو مش معقول هسيبك تطلعي لوحدك بعد الغيبة دي لأهلك اللي هما اصلًا مكنش فارق معاهم غيابك بسبب الورث .. أنا معرفش ممكن يعملوا فيكي ايه لما يلاقوكي رجعتي !!. 


قلقت ليلة بعض الشيء وهي تتوقع ردة فعلهم ، وبعد دقائق كانت تقف أمام باب شقتها بأحدى الطوابق العالية ، وهاكان يقف بجانبها داعمًا .. وضغطت على جرس الباب عدة مرات ولم يستجيب أحد !.

وحينها فتح باب الشقة المقابلة وخرجت امرأة لأول مرة ترها ليلة ويبدو أنها سكنت هنا حديثا وقالت :

_ مافيش حد في الشقة دي. 


ضيقت ليلة عينيها ولم تستوعب ما سمعته ، فسأل هاكان بتعجب :

_ طب وصحاب الشقة راحوا فين ؟! 


لاذت المرأة بالصمت لبعض الوقت، فقالت ليلة لها وعرفت عن نفسها لتطمئن المرأة :

_ أنا ليلة العيد ، وصاحب الشقة يبقى عمي ، ومراته تبقى خالتي ..


دهشت المرأة لوهلة ثم قالت :

_ أيوة أيوة سمعت عنك .. أنتي البنت اللي دخلت النستشفى وبعدين اختفت وناس قالوا أنك هربتي .. بس عمك الله يرحمه ، مات بعد ما أختفيتي بكام شهر .. اللي عرفته يعني أن المصنع خسر وفلس وهو جاله سكتة قلبية من الزعل ومات .. وبعد ما مات مراته الست سميرة باعت الشقة وسددت الديون اللي على جوزها ومشيوا من هنا .. وبصراحة معرفش راحوا فين. 


صدمت ليلة العيد مما سمعته وشحب وجهها فجأة، فطالعها هاكان بقلق ثم قال للمرأة :

_ شكرا لحضرتك. 


ردت عليه المرأة سريعا  وبعدها دخلت شقتها مجددًا ، وتمتمت ليلة بذهول وعلامات الصدمة تشتد على وجهها :

_ مات !! .. 


همس لها هاكان بلطف :

_ الله يرحمه. 


لم تكن ليلة تحمل لعمها أي مشاعر محبة أو ذكريات حسنة ، ولكن خبر موته سقط عليها كالصاعقة وخدش قلبها حقا ، فابتلعت مرارة بفمها وقالت وهي تتحكم بدموعها :

_ الله يرحمه ويغفرله. .. أنا مسامحاه. 


ثم تابعت بألم وحيرة :

_ هروح فين دلوقتي؟ .. أنا ما اعرفش خالتي وعيالها راحوا فين !. 


رد هاكان بثقة ومسؤولية تامة :

_ تعالي معايا ، هحجزلك في فندق قريب من بيتي، لحد ما نكتب الكتاب في اسرع وقت ونتجوز  .. 


لم تكن ليلة أمامها خيارًا آخر، نظرت لشقة والديها بألم وقالت بدموع وبعض التيه :

_ باعوا الشقة لحد غريب ، الشقة دي غالية اوي عندي، يا خسارة. 


نظر "هاكان" للشقة وقرر شيء ، ولكنه لم يفصح به الآن ، وبعد دقائق كان ينتظروا أمام المبنى منتظرين السيارة التي سيرسلها شقيقه لهنا ..


_________________________________


بفيلا عائلة هاكان .. 


وقفت الأم "نورمان" أمام صورة تجمع فقيديها ،وبكت بعينان ذابلة ودوائر سوداء حولهما من كثرة البكاء لليال كثيرة، وقد اصبح جسدها هزيل جدًا بعدما قهرها الحزن على ولديها المفقودان منذ ثلاثة سنوات .. 


أتى زوجها " كمال" والذي لم يكن أقل منها قهرًا على ولديه وقال بعذاب :

_ لازم نتقبل الواقع يا نورمان ، ولادنا خلاص مش هـ...


صرخت نورمان ووضعت يديها على أذنيها قائلة ببكاء شديد ولغة عربية ضعيفة :

_ لا تقول .. هاكان ورشاد بخير ، قلبي حاسس كده. 


ضمها "كمال" بين ذراعيه وأخفى دموعه ، ثم قال بصدق :

_ حاسس بالذنب من ضغطي على هاكان في موضوع جوازه ، كان عنده حق أنه مايحبش لورا ولا أهلها ... لورا اللي مكنش فات سنة وكانت اتجوزت أبن سفير وسافرت معاه ومبسوطة وسعيدة في حياتها .. وأبوها اللي مكنش عدى شهر من اختفاء ولادي وقرر يفسخ الخطوبة من غير حتى ما يسأل عن هاكان .. ياريت لو هاكان يرجع ويشوف بعنيه أني رديتله اعتباره ونهيت كل شغلي مع الراجل ده بنفسي .. أنا كنت غلطان فعلًا. 


وأضاف كمال بدموع كسرت مقاومته :

_ كل يوم بستنى ولادي يرجعوا ، بس بيعدي اليوم وهما بيبعدوا أكتر .. محدش حتى لقى أي أثر ليهم في أي مكان. 


قالت زوجته نورمان ببكاء شديد :

_ مش هقبل أنك تعلن وفاتهم أبدًا .. ولادي عايشين. 


وتلك الكلمات كانت كالخنجر بقلب كمال ، والذي قال بعذاب :

_ ولا أنا هقدر يا نورمان أخد العز فيهم، على الأقل دلوقتي لسه عندي الأمل أنهم عايشين مهما كان اللي حصلهم. 


وفجأة صرخت أحدى الخادمات واقتحمت غرفة نورمان ، وكاد كمال أن يصب غضبا شديدا على فعلتها الوقحة تلك، ولكن الخادمة قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة :

_ سي رشاد بيه .. رجع يا بيه ..


اتسعت عين كمال بصدمة ، وصرخت نورمان وركضت بجنون خارج الغرفة لترى أبنها ، وكان رشاد يركض صاعدا على الدرج وحينما رأى أمه اسرع من خطاه حتى أخذها بين ذراعيه ولف بها ضاحكا رغم دموع عينيه :

_ رجعت يا بطة ..  أنا بخير والله يا حبيبتي. 


ضمته نورمان وهي تصرخ بكل قوتها وتبك بهيسترية من الفرحة والنور الذي اقتحم قلبها بعد ظلام القهر الحالك .. ثم لمست جانبي وجهه وقبلته بقوة على جبينه وقالت :

_ رشاد .. حبيبي. 


ضمها رشاد بقوة شديدة، ثم نظرت أمه له وقالت بلهفة :

_ هاكان .. اخوك فين ؟..


ضمها رشاد مجددًا ثم قال بحنان :

_ بعتله العربية بالسواق وكلها ساعة وتلاقيه هنا ، أحنا بخير يا حبيبتي ..


صرخت نورمان بسعادة كادت تجعلها تحلق بالسماء ، وبكت بشدة وهي متشبثة برقبة ولدها رشاد وتضمه لقلبها بعنف .. وكان كمال يقف باكيًا وينظر لهما بسعادة زلزلت قلبه لدرجة أنه يحاول أن يستوعبها .. فنظر رشاد له ، ثم اندفع نحوه بعناق شديد ، ولكمه كمال ببكاء على كتفه وقال :

_ كنتوا فين ده كله ، بقا كده تكسروا ضهر ابوكوا وتختفوا كده ؟! .. هو أنا ليا غيركوا يا أندال!!. 


ضمه رشاد بقوة ثم قال :

_ هفهمكم كل حاجة ، الحكاية غريبة ومحدش ممكن يصدقها ، بس والله هي دي الحقيقة. 


هرعت اليه أمه نورمان من جديد وقالت بعربية ثقيلة:

_ لا لا .. كفاية أنكم رجعتوا ليا بخير... مش عايزة شيء تاني. 


قبّل رشاد رأسها وقال :

_ ومش هنسيبك تاني يا حبيبتي ... أنا مكنتش متخيل أن الشهر اللي قضيناه هناك ، يبقى هنا ٣ سنين ! .. 


لم يفهم والده تلك الإجابة تمامًا وشعر بالغموض حولها ، فقال له رشاد بتفهم :

_ ما تستغربش يا بابا .. أنا هفهمك ، تعالى معايا. 


وأخذهما رشاد نحو مكتب والده بالطابق الثاني ..


بينما مسح سقراط عينيه من الدموع وهو يشاهد هذا اللقاء العاطفي من الاسفل، و الذي حرم منه لسنوات وسنوات .. فمن يفتقده من الأساس وينتظره الآن !.

فاقتربت منه أحدى الخادمات وقالت له :

_ تأمر بحاجة .. رشاد بيه قالي أشوف طلباتك. 


ابتلع سقراط ريقه بمرارة ثم قال بألم شديد :

_ نص فرخة بعد أذنك .. حاسس أني دايخ وعيني مش شايف بيها. 


وببساطة ذهبت الخادمة لتأتي بالطعام، فأوقفها سقراط وقال :

_ ولو عندك لحمة هاتيها بالله عليكي .. بصي هاتي اللي عندك كله عادي. 


وافقت الخادمة ببساطة أيضاً، فابتسم سقراط وقد نسى حزنه بلحظة، وقال وهو ينظر للآنية الفخارية التي يحملها :

_ مش وقتك دلوقتي .. أنتي متشالة لوقت اللزوم. 


____________________________________


وأمام المبنى الذي يقف هاكان وليلة منتظرين بالقرب منه .. وقفت سيارة والد هاكان ، وترجل السائق العجوز منها والذي هرع نحو هاكان بترحيب حار ومحبة حقيقية وهتف:

_ حمد الله على سلامتك يا هاكان بيه .. الف حمد الله على سلامتك يابني. 


ابتسم له هاكان بلطف و رد بتهذيب :

_ الله يسلمك ياراجل يا طيب ... اكيد أمي وأبويا عرفوا برجوعنا ..


نظر له السائق العجوز وقال بتنهيدة :

_ دي والدتك كانت هتموت في غيابكم أنت وأخوك .. كل الناس حاولوا يقنعوها انكم بعد الشر يعني. .. موتوا ، لكن هي كانت رافضة ومتأكدة أنكم عايشين .. انتوا كنتوا فين كل ده ؟!


ربت هاكان على كتف الرجل بود وقال :

_ مش وقته دلوقتي الكلام ، نركب بس الأول وبعدين أفهمك .. 


أوقفته ليلة العيد وقد تذكرت شيء :

_ طب هتحجزلي في فندق أزاي وانا مش معايا بطاقة شخصية ! .. بطاقتي كانت في شنطتي اللي ضاعت بعد ما اتنقلت المستشفى ، وأنت كمان اكيد مش معاك بطاقة !. 


تذكر "هاكان " هذا الأمر وتنهد بضيق وقال :

_ بطاقتي برضه وقعت مني معرفش فين .. 


نظرت له ليلة وقالت بتنبيه :

_ انا مش هروح معاك بيتك مهما حصل !. 


زفر "هاكان " بحيرة ، ثم تذكر شيء وقال :

_ هوديكي أوتيل ملك صديق ليا ، ده المكان الوحيد اللي هيستقبلك من غير بطاقة ، لحد ما نتجوز ، أنا مش هقدر استحمل أكتر من أسبوع على كتب الكتاب !!. 


رمقته ليلة بتنبيه من وجود السائق ، حتى ابتسم هاكان وقال بتصريح وعلانية :

_ أنتي مكسوفة من ايه؟! .. طب الآنسة يا عم اسماعيل تبقى خطيبتي وهنتجوز قريب جدًا. 


شهقت ليلة بدهشة واعتلى وجهها الحياء بعد ذلك ، فضحك هاكان وهو يشير لها لتجلس بالسيارة وقال بنظرة ماكرة :

_ أتفضلي يا حرم هاكان باشا .. أتفضلي يا روح قلب هاكان باشا أقعدي جوا العربية. .. كلها كام يوم وأخدك بإيدي على الفيلا. 


انفرجت عينيها بتحذير لينتبه لمَِ يقوله أمام السائق ومارة الطريق، ولكنها ابتسمت بسعادة سرا وهي تجلس بالسيارة، ثم تظاهرت بالثبات مرةً أخرى. 


________________________________


وبمكتب والد هاكان ...


فغرت نورمان فاها بذهول ورددت بعدما سمعت ما قاله رشاد عن فترة الغياب:

_ عدت بالزمن .. عند الفراعنة !! .. هذا غير معقول !!. 


حاول والده كمال أن يستوعب ما سمعه :

_ هو ده ممكن بيحصل بجد أصلًا !!. 


أكد رشاد بقوة :

_ هو ده اللي حصل فعلا .. أحنا هناك قضينا تقريبا شهر ويمكن مكملناش شهر كمان ، لكن هنا كان فات ٣ سنين ، و ده أكبر دليل أننا دخلنا بوابة زمنية بجد ، والغريبة بقا أن اليوم هناك كان طويل أوي ، تقدر تعمل فيه حاجات كتير ، الفراعنة مكنوش بس عباقرة في زمنهم .. دي إمبراطورية ونظام وحضارة فعلا تستحق تبقى أسطورة تاريخية .. حقيقي استمتعت جدًا بالرحلة دي .. وأتمنى تتكرر تاني. 


اعترضت نورمان بصراخ :

_ وتختفي ٣ سنين تاني .. لا لا ...


ضحك رشاد ونهض ليعانقها بمحبة شديدة ، ثم قال مازحا :

_ المرة الجاية هاخدك أنتي وبابا معايا .. 


حذره كمال وقال :

_ أوعى الكلام ده تقولوا قدام حد ، هيفتكروك مجنون وبتخرف ، قول للناس أنك اتخانقت مثلا انت وهاكان مع بلطجية وضربوكم وفقدتم الذاكرة .. او بص سيبلي أنا الموضوع ده هحله ، أنما اياك تقول اللي أنت قولته ده قدام حد.


لم يشعر رشاد أن الأمر بتلك الخطورة، ولكن وافق على حديث والده ..


_________________________________


وبداخل الفندق الذي يمتلكه أحد أصدقاء هاكان، والذي استطاع بمكالمة هاتفية سريعة لصديقه من الاستقبال حجز غرفة لليلة في وقت قياسي .. 


وقف بجانبها في المصعد مبتسما بتسلية من حيائها الواضح، ولكنها رغم ذلك كانت تكتم ضحكاتها كلما تذكرت أمر المصعد بأول لقاءً لهما !. 

وحينما فتح باب المصعد وكاد هاكان أن يخرج معها قالت ليلة برفض :

_ لأ كفاية كده معلش ... أنت ناقص تدخل الجناح معايا !! 


تمتم هاكان بابتسامة خبيثة :

_ ياريت. 


نظرت له ليلة بتحذير وحدة، ثم قالت بتحكم :

_ لو ما نزلتش هنزل أنا حتى لو هبات في الشارع ... كفاية أني مقدرتش اخليك ما تطلعش !. 


ضيّق هاكان عيناه عليها وقال بغيظ :

_ ما أنا كمان مقدرش اسيبك بسهولة كده وأمشي قبل ما اتطمن أنك بخير وأمان ... وأشوفك وأنتي بتدخلي الجناح وبتقفلي على نفسك الباب قدام عيني، ساعتها بس أقدر أمشي وأنا مطمن. 


أشارت له ليلة ليدخل المصعد مجددًا ويذهب ، فقال بحدة :

_ ادخلي أنتي الأول وأنا همشي ..


زفرت بغيظ منه ، ثم توجهت نحو رقم الغرفة المحجوزة ، ووضعت الكارت الكودي بالباب ، وسرعان ما فُتح بيسر ، وبلحظة كانت ليلة تدخل الجناح الفاخر المحجوز لها خصيصا، واغلقت الباب على نفسها من الداخل. 

ورغم ابتسامة هاكان، فأنه لم يشعر بالراحة من تركها هنا وحدها وهي لم تعتاد الإقامة بالفنادق مطلقا. 


______________________________


وبعد مُضي بعض الوقت .. 


عاد "هاكان" أخيرًا لمنزله بعد فترة غياب وكأنها سنوات طويلة!..

وعند المدخل استقبله والديه بفرحة عارمة، وضمته أمه "نورمان" بقوة شديدة ، بينما قال " كمال " له حينما أتى دوره في هذا العناق الحار :

_ نورت بيتك يا حبيبي، حمد الله على سلامتك. 


ابتسم لهما "هاكان" بمحبة شديدة، وظهر "رشاد" بعدما أخذ دشا سريع وبدل ملابسه بأخرى أكثر راحة ونظافة وقال :

_ ما تتعبش نفسك في الشرح أنا حكيت كل حاجة ، ها .. كل حاجة ، حتى موضوع ليلة العيد. 


وكان بالفعل سرد رشاد لهما قصة هاكان مع تلك الفتاة ، والذي كان رد فعل والديه مثيرّا للتعجب والسعادة بآن واحد .. حيث ربت كمال على كتف أبنه وقال بصدق :

_ بعد ما رجعتولي بالسلامة مابقتش عايز حاجة من الدنيا تاني .. اللي يريحك يا هاكان ويسعدك بجد اعمله يا حبيبي.. وطالما البنت مؤدبة وبنت ناس معنديش أي مانع. 


دهش "هاكان" لوهلة ، ولكن على ما يبدو أن فترة غيابهما قد فعلت مفعول السحر بقرارات وتفكير والده .. فسأله هاكان بتردد :

_ طب ولورا ؟! 


ضحك رشاد عاليًا وقال :

_ دي اتجوزت وسافرت مع جوزها بعد ما أختفيت بسنة .. والله أحسن قرار خدته في حياتها، ارتاحت وريحت الكل منها. 


لم يندهش "هاكان" ، بل تنفس الصعداء وكأن أمر لورا كان يثقل على كاهله الكثير .. وأخذته نورمان من يده وقالت بدفء :

_أطلع أوضتك وغير هدومك الأول ..


وبالفعل صعد "هاكان" لغرفته الذي أشتاق لها ، ودقائق وكان قد أخذ دشا دافئ سريع ، وخرج بشعر مبتل تتساقط منه قطرات الماء .. 

ثم بدل ملابسه بعناية وأناقة شديدة ، ونثر عطره الفرنسي الثمين وهو يقف أمام المرآة، وبعدها هبط "هاكان " على الدرج حيث والديه الذي كانا بغرفة الطعام ينتظرانه. 

وقال :

_ هاكل معاكم بس بعد كده عندي مشوار مهم. 


سأله والده بفرحة ساكنة بعينيه :

_ مشوار ايه أنت لحقت ؟! 


ابتسم "هاكان" له ، ثم أخبر والديه وشقيقه رشاد الذي كان شاردا للبعيد يفكر بحبيبته الفرعونية الذي فارقها منذ ساعات ، وشرح هاكان كل شيء يخص ليلة وما حدث لها مؤخرًا ... فقالت نورمان بعاطفة :

_ كانت تعيش معانا هنا هاكان. 


أجاب هاكان بتوضيح :

_ مستحيل كانت توافق يا أمي .. 


تدخل والده وقال :

_ هي كده صح ، وأنا معاها جدًا ، وطالما أنت مبسوط يابني أنا كمان مبسوط ، الفترة اللي فاتت عرفتني أن مافيش حاجة أغلى منكم عندي .. فرحتكم عندي بالدنيا، وطالما كده يبقى خير البر عاجله، مافيش داعي للتأخير. 


ابتسم له هاكان بمحبة :

_ أنا برضه شايف أن مافيش داعي للتأخير .. خصوصا أني مش مطمن عليها وهي قاعدة في فندق لوحدها .. 


تحمست نورمان وقالت بسعادة :

_ عايزة أشوفها هاكان. 


رد رشاد بعدما انتبه لسير الحديث :

_ هتشوفيها يا أمي ما تستعجليش .. وبصراحة هي بنت ممتازة فعلا وتستاهل .. 


وبعد نصف ساعة تقريبًا استأذن هاكان منهما وأخذ أحدى سيارته الفاخرة وتوجه مباشرةً نحو الفندق مرةً أخرى،  بينما والديه تمسكان أن يذهبان معه.  


_________________________________


وبغرفة السطح بالحارة الشعبية ..


شردت "سماح" للبعيد وهي جالسة بجانب فراش "شقاوة " الممددة بوهن واضح وبجانبها رضيعها بعدما ولدته ... وقالت بتعجب :

_ يعني أنتي مشيتي قبلي بيومين تلاتة ولنا ارجع الاقيكي كنتي حامل وولدتي كمان !!. 


اعتدلت "شقاوة " بالفراش وحينما جلست قالت بعينان متورمة من كثرة البكاء :

_ يابت أنا غلبت أفهمك .. بقولك الزمن هناك غير هنا ، يعني الكام يوم اللي وصلتهم قبلك دول عدوا شهور عليا هنا .. أنا كنت مصدومة زيك كده أول ما رجعت وعرفت اني غيبت كتير أوي ..


تنهدت "سماح" بعمق وقالت بحزن :

_ يا ريت ما كنا روحنا يا شقاوة .. أنتي رجعتي بعيل والناس مش مبطلة كلام عليكي وفاكرين جبتيه من حد في الحرام بعد فترة غيابك دي كلها .. وأنا رجعت وقلبي مش معايا .. 


نظرت "شقاوة " بألم لصديقتها التي لم تكن الضحكات تفارق محياها ، وبسبب أمور الحب أختفت البهجة من عينيها !.

ثم قالت شقاوة بتنهيدة ثقيلة :

_ مابقاش يفرق معايا حاجة ، بعد ما خسرت سركن وافترقنا كل حاجة عندي مابقتش تسوى .. ده يمكن اللي مصبرني شوية على الدنيا أني جبت حتة منه .. 


ومالت شقاوة على رضيعها ذو العينان الزرقاء اللامعة والذي يشبه والده تمامًا ، وحملته بضمة دافئة وقالت بعدما قبّلته:

_ نسخة طبق الأصل من أبوه ... نفس العينين والملامح . 


نظرت "سماح" للطفل وقالت مبتسمة :

_ ولا يشغلك حاجة يا شقاوة ، طالما أنتي ما عملتيش حاجة غلط تخافي من ايه، ده جوزك قدام الناس بحالها !. 


انزلقت دمعة على وجه شقاوة وقالت :

_ كل الناس عارفة أن جوزي أختفى من يوم الفرح يا سماح ، وبعدها أنا أختفيت والناس قالوا طفشت .. ولما رجعت الحارة رجعت وانا حامل وبعدها بكام شهر ولدت ... الناس فكرت أني مشيت مشي بطال لا سمح الله .. هما أصلا مش مقتنعين أن أبني ده.. يبقى أبن سي غريب ...


ابتلعت "سماح" غصة مريرة بحلقها وهي تدرك الظنون السيئة التي ستلاحق صديقتها شقاوة كالكابوس .. 


______________________________


وبالزمن القديم ....


وقف "حات حوت" أمام زوجته لوتس غاضبًا وقال :

_ كيف أرسليتهم لزمانهم دون أذني ؟! .. من سمح لكِ بإتخاذ هذا القرار يا لوتس ؟؛ 


أجابت لوتس بحزن وبكاء :

_ قال لي أحد الجنود أن الملك أرسل جنوده للقبض عليهم ، لم استطع تحمل فكرة أن ليلة تسجن !! .. يكفيني أخي سركن !. 


تنهد "حات" بعصبية ، ثم قال :

_ لا .. لم يرسل لأخذهم كي يسجنهم ، أرسل بعض الجنود ليأخذونهم لمقابلته  .. نحن لا نسجن أحفادنا يا لوتس ، فعلتك هذه وضعتني بمأزق أمام الملك !. 


صدمت لوتس ، ثم جلست واجهشت بالبكاء ، فأقترب منها حات وأخذها بين ذراعيه وقال ببعض اللطف :

_ أتفهم موقفك .. سيسير كل شيء على ما يرام لا تقلقي ..


نظرت له لوتس ببكاء شديد وقالت :

_ أخي سركن قد أمتنع عن الطعام منذ الأمس  .. أخي قرر أن ينهي حياته، لا، لن أتحمل حدوث مكروا له. 


دهش "حات" من ما قالته ، وبلحظة تركها وتوجه لغرفة سركن مباشرةً.


وحينما فتح باب الغرفة البعيدة المسجون فيها سركن ...وجده ممددًا على الفراش ناظرا للفراغ بحزن وقهر شديد ... فهتف به حات بأنفعال :

_ ما تفعله يا سركن بنفسك جنون ولن أتقبله .. أخبرتك أنني سأحاول أن أفعل شيء بأمرك ، لمَ العناد إذن؟!. 


لم يرمقه سركن بأدنى نظرة، ولم يجيبه بأي كلمة ، فزفر حات بغضب مكبوت وخرج من الغرفة بعدما تأكد أن لا فائدة من الحديث ... خصيصا أن سركن يمتلك عنادًا شديدا. 


___________________________________


توقفت سيارة "هاكان" أمام الفندق ، وخرج من سيارته وهو بأبهى طلّته ، ولكنّه لم يكن وحيدًا ، كان معه والديه الذي صمم كلاهما على المجيء معه ومقابلة ليلة العيد. 


أخذهما "هاكان" لمطعم الفندق وطلب عدة أطباق شهية، ثم ذهب للريسيبشن وطلب من الموظف أن يتصل برقم غرفة ليلة ، وبعد قليل كان "هاكان" يحمل سماعة هاتف الفندق ويقول مبتسما :

_ مستنيكي تحت في المطعم نتعشا سوا .. أمي وأبويا صمموا يجوا معايا .. وعلى فكرة مبسوطين جدا وتقريبًا رتبنا كل حاجة تخص الفرح. 


دهشت ليلة ، وسألته وقد غفلت عن فترة الغياب الطويلة :

_ طب وخطيبتك ؟! 


ضحك "هاكان" بسخرية وأجاب :

_ أهي دي احسن حاجة حصلت أصلا، ماتنسيش أننا غيبنا ٣ سنين ، يعني في الفترة دي لورا اتجوزت وخلفت كمان ... المشكلة اتحلت من تلقاء نفسها .. 


استوعبت ليلة الأمر واتسعت ابتسامتها بسعادة، ثم قالت :

_ طب دقايق ونازلة .


وانتهت المكالمة وذهبت بعجالة لأخذ دشا دافئ سريع ، وأرتداء ملابسها الفرعونية الفخمة والتي سيعتبرها البعض مبالغ فيها ولكن لا بأس ...


أنهت استعدادها بوقت قياسي ، ووقفت أمام المرآة تتأكد من هندامها بنظرة أخيرة، ثم ابتسمت بسعادة وهي لم تستوعب بعد أن بعد تلك السنوات من الألم والظلم أتت لها السعادة على بساط ذهبي خالص. 

وبلحظة خرجت من الغرفة وتوجهت لمطعم الفندق .. 


وبالمطعم ...

وقف "هاكان" يستقبلها بنظرة عاشقة تلتمع أشتياقا وعلى ثغره ابتسامة دافئة .. بينما رحبا بها والديه كثيرا وقال لها كمال بضحكة :

_ مكنتش متخيل أن هاك يبقى هيتجنن كده وعايز يتجوز بالسرعة دي .. 


ربتت "نورمان" على يد ليلة العيد بمحبة ونظرة دافئة وقالت :

_ هتكوني بنتي من النهاردة. 


لاحظت ليلة أن نورمان تعاني من صعوبة في نطق الكلمات العربية بطلاقة ، ولكنها أحبتها سريعا وشاركتها الابتسامة .. فقال هاكان بضحكة :

_ تقريبا أنا منعت بابا يتصل ويحجز قاعة الفرح بالعافية ، وقولتله أنك هتختاري المكان اللي تحبيه، أهلي مستعجلين أكتر مني على الفرح


ضحك كمال بمكر وقال :

_ طب ايه رأيك هاخدها أنا ونروح نختار على مزاجنا .. أوعى تفتكر أنك منعتني يا ولد!. 


ضيق هاكان عينيه بنظرة تحد، فضحك الجميع ، ثم قال كمال بسعادة نابعة من قلبه :

_ ياه .. ده أنا كان ممكن أقدم روحي عشان ترجعولي بالسلامة وأفرح بيك أنت وأخوك .. أنا حاسس أني بحلم والله. 


والتمعت دمعة بعين كمال .. والذي أثارت دموع نورمان أيضا، فربتت ليلة على أيديهما وقالت :

_ الحمد لله أنهم بخير .. ربنا ما يحرمكوا من بعض أبدًا. 


مسح "كمال" عينيه وقال بابتسامة واسعة :

_ ولا يحرمنا منكم يا بنتي .. ما أنتي دلوقتي بقيتي بنتنا برضه. 


ابتسمت ليلة بسعادة شديدة لم تكن تتخيلها يومٍ، بينما شرد بها هاكان عشقا وهو يراقب نسمات الحياء على وجهها .. 


____________________________


وباليوم التالي ...


عاد "سقراط" للحارة الشعبية وبيده الآنية الفخارية ... وقد أحتسى صباحا من تلك التركيبة السحرية وبدأ يشعر بطاقة عجيبة تسري بداخل جسده. 


كان مستعدًا تمامًا لمواجهة الـ "صاوي" ، ولكن حينما عاد لم يكن بانتظاره أحد .. فربما حتى لم يهتم مخلوق بفترة أختفائه ، فأوقف سقراط أحد الصغار الذين يركضون بالطريق وقال :

_ أنا رجعت يا واد بودة. 


نظر له الصغير "بودة" وسأله بغرابة :

_ ليه هو أنت كنت فين يا سقراط !!. 


أغتاظ منه سقراط ، ثم سأله بنظرة واثقة :

_ مالكش دعوة .. بس القصد .. الواد الحيوان اللي اسمه الصاوي فين ؟!. 


مط الصغير شفتيه بعدم معرفة، بينما أتى صبي القهوة ورحب بسقراط وقال :

_ حمد الله على سلامتك يا سقراط ، والله وليك وحشة ياجدع .. كنت فين ده كله ؟! 


تنفس سقراط بعمق ، ثم قال بفخر :

_ كنت مسافر بلاد برا .. بس يا ترى ايه أخبار الحارة ، والحيوان الصاوي ، هو فين صحيح ..  أنا عايزه في وسط الحارة هنا أعرفه مقامه.


أجاب صبي القهوة وقال :

_ ده دخل السجن بعد ما أختفيت يجي بشهر كده .. كانت عاركة كبيرة،  وبيقولوا طالع بعد كام يوم .. خلي بالك بقا. 


ضحك سقراط ضحكة عالية مليئة بالثقة، ثم قال :

_ وأنا مستنيه .. لما تشوفه قوله سقراط عايزك راجل لراجل  .. بس ما تبقاش تعيط يا صاوي لما أمردغك وسط الناس. 


دهش الفتى مما يقوله سقراط وهو من كان يرتعب منه ، فنهره سقراط وقال :

_ قوله زي ما قولتلك والا هتبقى عيل جبان.


اغتاظ منه الفتى وأقسم :

_ والله العظيم لأقوله ياجدع .. عيب عليك. 


_________________________________


جلست "سماح " بغرفتها وحيدة ، وبعدما بكت طويلا قررت لأول مرة أن تكتب شيء ، هكذا ترى في الافلام العاطفية ، بحث عن دفتر لتكتب فيه ولم تجد !..


ولكنّها وجدت "نوتة" صغيرة كانت تستخدمها في تدوين أدوار "الجمعيات " التي تدفع شهريًا .. وكتبت ببكاء :

_ سي سفنكس .. واحشني ونفسي أشوفك ولو ثانية ، قلبي في بُعدك بياكل بامية، أوعى وحياة أمك تنساني ولو ثانية ، بالله يا سي سفنكس.

#الفصل_السابع_والعشرون_والأخير

قبل القراءة برجاء التفاعل ❤


انهت "سماح" تدوين الكلمات الشعرية التي كتبتها، ثم تنهدت بعمق وحزن دفين، وحينها دخل غرفتها والدها "بائع الترمس" وقال :

_ شقاوة لازم تمشي من الحارة، بيومي ورجالته ناويين ليها على نية عكرة، أنا سمعت كده طراطيش كلام قلقني بصراحة. 


طالعته سماح بتوتر ثم قالت :

_ ربنا يستر يابا .. شقاوة اللي فيها مكفيها والله، مش حمل أي مشاكل مع بيومي، وبعدين كلام ايه اللي أنت سمعته وقلقك؟! 


اجاب والدها بضيق:

_ أنها يعني لاموأخذة جابت الواد أبنها ده في الحرام، واللي مسوأ الأمر أن جوزها طفش منها يوم فرحها، الناس شكت أنه اكيد عرف عنها حاجة خليته يطفش ويسيبها، ده حتى مظهرش تاني خالص بعدها! .. ماهو لو ظهر هيخرس السنتهم خالص. 


زفرت سماح بثقل شديد على قلبها وقالت بعبوس:

_ ما أنا حكيتلك يابا اللي فيها، هيجي أزاي وهو أصلا تلاقيه مسجون دلوقتي!. 


رد والدها بحيرة :

_ أنا لحد دلوقتي مش مقتنع باللي أنتي قولتيه أصلا يا سماح، زمن ايه يابنتي اللي انتوا رحتوه ده ! .. بس يعني المهم انك رجعتي بالسلامة، أنا قولت للناس أن خالتك خدتك عندها وقعدتي معاها .. لكن شقاوة مكنش ليها حد يرد غيبتها ويبعد شر الناس عنها .. لولا أني متأكد من أخلاقك يابت كنت شكيت فيكي. 


نظرت له سماح بعتاب وقالت بحدة :

_ الله يسامحك يابا، أنا عارفة أنك لسه شاكك فيا برضه، بس لو عايز تتأكد خدني لأي دكتور عشان ..


عنفها والدها وقال :

_ أخرسي يابت قطع لسانك .. أنا برضه اعمل فيكي كده؟!، طالما سألتك وحلفتي أنك صاغ سليم وانك صادقة في اللي قولتيه أنا مصدقك، ما أنا عارفك عبيطة ومابتعرفيش تخبي حاجة .. المهم دلوقتي لازم تقنعي شقاوة تمشي من هنا، لأن بيومي مش هيسيبها ومحدش هيقدر يقف قصاده. 


وافقته سماح وقالت :

_ عندك حق يابا، شقاوة لازم تمشي وتبعد .. بيومي لو طالها المرادي مش هيحلها وهيبيعها لأول مشتري. 


ومرت أياما كثيرة بعدها .. حاولت فيهم سماح اقناع شقاوة أن ترحل عن الحارة، ولكن الأخيرة ترفض بقوة. 

________________________________


وبالعصر القديم .. وبخيمة تضم عددًا من الوافدين عبر الزمن. 


جلس "سلفستر" على حجر تحت أشعة الشمس الحارقة شاردًا، والعبوس وشيء من الحزن كان يغطي ملامحه، فاقترب منه احد الرجال العابرين من زمن آخر وقال له :

_ مالك حزين كده ليه ؟! 


لم يرد "سلفستر" مباشرةً على هذا السؤال، تنهد ثم فكر قليلا وقال :

_ أشعر بشيء يؤلمني .. شيء اقتحم قلبي بعد عودتي لهنا مباشرةً، أشعر بالوحدة لأول مرة في عمري .. كأنني فقدت الونس !. 


نظر له الرجل بمكر ثم قال :

_ هي البنت اللي وصلتها لزمانها مأثرة فيك للدرجة دي ؟! 


تسمر "سلفستر" للحظة، ثم نظر للرحل وعينيه تتسع بالتدريج وبعدها صاح بذهول :

_ لا لا  .. لا يعقل، هل أحببت تلك البومة حقاً ؟! .. يا إلهي .. كيف حدث ذلك!!، يبدو أنني بالفعل أحببتها ! .. أحببت كائن السماح البائس، يا ويلي .. تلك المعتوهة التي تردد باستمرار "سي سفنكس" .. وتركض مثل البطريق المجنون بجبال الثلج القطبية، والله أنها تشبه البطريق حقاً لا أكذب، ولكنها طيبة القلب جدًا .. عليّ الآن أن اعترف، أنني للأسف أحبها. 


ضحك الرجل ثم قال بدعم :

_ يبقا تروحلها .. أنت كده كده فترة إقامتك هنا قربت تنتهي ولازم ترجع لزمنك، بس اطلب أنك بدل ما ترجع لزمنك، تروح لزمانها .. أصدمها هما بيحبوا كده.


ابتسم "سلفستر" ثم قال :

_ حسنا ، حسنا ...سأصدمها .. أحببت الفكرة، سأطلب من القائد سركن أن اذهب إليها. 


_______________________________


دخل "حات حوت" غرفته الخاصة ، ليجد زوجته الحبيبة "لوتس" تبكي بخرقة .. فتنهد بضيق وقال :

_ وماذا بعد يا لوتس ؟! ... إلى متى ستظلين هكذا ؟!


قالت "لوتس" من بين شهقاتها ودموع عينيها :

_ أفتقد أبنتي ليلة كثيرًا، اشتاق اليها جدًا .. وأخي سركن حالته تسوء بكل لحظة .. لن يتحمل أخي وسينتهي أمره أن ظلّ هكذا!. 


اقترب لها "حات " وجلس جوارها ثم قال بنبرة حنونة:

_ وأنا أيضاً اشتقت لأبنتي .. هي فارقتنا منذ ساعات، ولكن الحقيقة كأن الأمر مر عليه دهرًا .. لذلك سأتخذا قرارا صعب اليوم .. سنذهب إليها في رحلة سريعة، لابد أن تكون سريعة حتى نعود قبل أن ينكشف الأمر. 


نظرت له " لوتس" بنظرة دهشة، ثم ابتسمت وقالت بين دموعها :

_ هل حقاً ما تقول؟!


نرر حات يده على جانب وجهها بنظرة عاشقة وقال :

_ أن قدمت روحي لكي أزيل هذا الحزن عن عينيكِ ولو قليلًا سأكون راضٍ جدًا .. وهناك شيء هام سأخبرك به لاحقا وليس الآن .. أستعدي. 


عانقته "لوتس" بقوة وحب حقيقي .. ولم تتخيل أنه يضحي بكل شيء حتى يخفف عن قلبها الألم!. 


___________________________________


وبالحارة الشعبية حيث يسكن "سقراط" 


دبت طاقة قوة عجيبة بجسده الهزيل، فأخذ يحمل أثاث شقته البسيط وينفض الفرش المتواضع، وبعدها غسل السجاد القديم كله، وغسل كل أنشا بتلك الشقة ونظفه تنظيفا عميقا.. 

وبعد ساعات من النشاط هذا وقف بكل طاقة وقال بفخر :

_ ماهو لولا أصلا أني جامد مكنتش الشربة دي هتشتغل معايا .. أوعى يا واد يا سقراط يا جامد يا غاسل السجاد ومخوف العباد .. 


وضرب على صدره بفخر وثقة وضحك ضحكات متتالية عالية،

وبتلك اللحظة دفعت كرة بنافذة الشقة المطلة على الشارع، فذهب سقراط بغيظ وهتف بالصغار الذين يلهون بالطريق :

_ مين ياض أنت وهو اللي رمي الكورة دي فيكم ؟ .. مين ابن الست دي أمه اللي لعب في عداد عمره النهاردة ؟! 


رد  الصغير" بودة" وقال باستفزاز :

_ الواد زلومة اللي رماها .. وهيروح ويناديلك أبوه دلوقتي يعجنك.  


ابتسم "سقراط" بثقة وقال :

_ خليه يروح يجيبه، الفرعون سقراط غاسل السجاد وينتظر الأحتفال. 


اغتاظ الصغير "زلومة" وقال بتوعد :

_ هروح أجيبلك أبويا وخالي وعمي يبعتروا كرامتك.. 


ضحك سقراط بسخرية وقال بنظرة ماكرة :

_ روح ياض .. وقولهم سقراط مستنيكم بالنبوت في وسط الحارة .. من النهاردة أنا فتوة المنطقة يا منطقة مالهاش فتوة يجيبلها حقها غيري .. جالكم القوي اللي بيكح جبروت، وبيعطس عيال صغيرة، وبيتعشا وينام .. سقراط الناجي اسم الله عليه، اسم الله عليه. 


ضحك الصغار من حديثه وهو يلوح بيده كأنه يروي قصة اسطورية، وقال له أحد الصغار بسخرية:

_ أنت متعشي قلقاس يا سقراط ؟!، ستي لما كلت قلقاس بليل صبحت الصبح مش فاكرة حد مننا، أفتكرتني جاي أسرقها وعضتني في وركي. 


رمقه سقراط بغيظ وهتف :

_ أبو غتاتك ياض!! .. نفس غتاتة ستك مستكة يادوب الشكل متغير. 


وبعد قليل أتى الطفل "زلومة" بوالدها وبعض اقاربه، وهتف الاب بعصبية وهو يتوجه نحو سقراط الذي أتى ووقف بمنتصف الطريق وبيده عصى الـمكنسة :

_ جرا ايه ياض يا سقراط .. أنت مش همك حد فينا ولا ايه ؟ .. بتزعق لزلومة أبني ليه ؟!


ضرب سقراط الصغير "زلومة" على "قفاه" وقال بتمرد :

_ وهضربه تاني قدامك أهوه .. وبعدين ده زلومة أزاي يعني ؟!، ده عجل شبه أبوه!. 


زمجر الرجل بغضب شديد، وعندما اندفع نحوه تلقى دفعة من قدم سقراط اطاحت به بمسافة بعيدة وكأن قوة خارقة هي من دفعته هكذا؟! 

صدم الجميع ونظروا لسقراط الذي ضحك ضحكةً عالية وضرب صدره بقوة، ثم قال بتهديد :

_ من النهاردة اسمي سقراط الناجي .. أنا هنا البرنس، فطاري وغدايا وعشايا يطلعلي .. ولو ده محصلش هنزل اكسر الدكاكين دي كلها ... وما أشوفش الواد زلومة ده تاني قدامي، هسلقه. 


صرخ الصغار بخوف منه .. وابتعد الجميع عن سقراط خوفا من بطشه بعدما اصبح وكأنه التبس به نفرا من الجن.

وعاد سقراط لشقته وهو يرقص بعصاة المكنسة في بهجة وأفتخار بما حدث ..


وحينما دخل الشقة ، نظر للآنية الفخارية والذي تبقى ثلثيها وقال :

_ حلاوتك يا تلقيمة وحلاوة تركيباتك وبهارتك وتكاتك وحركاتك ...كنت فين من زمان !. 


___________________________________


وبغرفة السطوح بالحارة الشعبية .. 


نقرت سماح على الباب ، وحينما فتحت شقاوة بوجه وعينان ذابلتين باكيتين، دخلت سماح وقالت لها بقلق :

_ أمشي من الحارة دي يا شقاوة ، بيومي مش هيسيبك في حالك!. 


اجهشت شقاوة بالبكاء وقالت :

_ لسه ماشي من عندي قبل ما تيجي، وهددني أني لو مرجعتش للكباريهات هيخلي عيشتي سواد .. ده خلى سمعتي في الأرض من كلامه وأفتراه عليا .. أروح فين بس!، ده ورايا في كل مكان. 


اقتربت منها سماح وجلست امامها على الفراش وقالت بدعم :

_ ما أنا جيالك عشان كده ، أبويا عارف هانم متريشة وكانت عايزة حد يقعد معاها ، اكمنها يعني قاعدة لوحدها .. 


نظرت لها شقاوة وقالت بألم:

_ فاهمة قصدك يا سماح وعارفة أني هشتغل خدامة ، بس وعهد الله لولا ابني لكنت وافقت وأنا راضية ياختي الشغل مش عيب طالما بالحلال، لكن هروح فين بالعيل اللي على دراعي ده ؟! .. ومين هيرعاه وأنا بخدم ومهدود حيلي، ومين اصلا هيوافق اشتغل ومعايا عيل صغير يا سماح !! .. 


تنفست سماح بضيق ثم قالت بيأس :

_ روحي بس للست دي وربنا يفرجها ، مش يمكن توافق ؟

أنا أبويا كلمها وقالها أن معاكي أبنك وهي وافقت، بس مقلهاش أنه لسه طفل بيرضع .. مش هتخسري حاجة، روحي وجربي. 


تنهدت شقاوة بعذاب ثم قالت والدموع تنهمر من عيناها:

_ هروح .. مقداميش حل تاني، أنا مابقتش عارفة أنزل وأمشي وسط الناس من اللي بيتقال عليا .. منك لله يا بيومي أنت واللي معاك. 


نظرت لها سماح ببعض العتاب وقالت :

_ ولازم تنسي سركن يا شقاوة لانه مش هيرجع، وكفاية أنه ظلمك وسابك وحتى مطلقكيش عشان تعرفي تعيشي حياتك من بعده و...


قاطعتها شقاوة وهي تبك بحرقة :

_ قطع لسان اللي يجيب سيرته بنص كلمة، ده سيد الرجالة كلهم، ولو كنتي فاكرة أني مش عارفة أعيش حياتي عشان مطلقنيش تبقي غلطانة ... ده لو مطلقني بالتلاتة هفضل أعشق الهوا اللي بيتنفسه .. مش هقدر ولا هعرف أبقى مع راجل تاني غيره، ده أنا اللي قاهرني أني مش هشوفه تاني .. ولا هعرف أنساه أبدًا، ده مش من الرجالة اللي تتنسي يابت .. ده من النوع اللي بيفضل قاعد ومتربع في القلب كده مهما الزمن طال .. خصوصا مع واحدة زيي ، شافت كتير أوي، وعمرها ما عجبها حد ولا ملا عينها. 


وتابعت بقهر وهي تنظر بشرود وكأنها تتخيله :

_ ده بصيته بس كانت أمان وفرحة .. عمري ما هنسي أني وانا جانبه مكنتش خايفة من مخلوق، مكنتش شايفة أحسن منه في الدنيا دي كلها، وكنت اسأل نفسي بفرحة .. هو أنا حبيبته بجد ؟ .. ده يابختك وحظك الحلو يا شقاوة. 

ده حتى عصبيته كانت بتخطف قلبي خطف، واللي مصبرني على فراقه هو أبني .. سميته سركن برضه، نسخة من أبوه ..


أشفقت عليها سماح، فقد نغز قلبها الحديث وذكرها بذلك الرجل الذي لم يشعر بها من الأساس .. تحكمت سماح بدموعها وقالت وهي تضع ورقة بيد شقاوة  :

_ ده عنوان الست اللي كلمتك عنها.


وأخرجت من محفظتها بضع من النقود ووضعتها بيد شقاوة قائلة :

_ و دول قرشين كنت محوشاهم، بس مش خسارة فيكي يا حبيبتي، أنتي محتاجة فلوس بالذات عشان أبنك ومصاريفه .. 


نظرت لها شقاوة بمحبة، ثم عانقها بقوة وقالت :

_ ما اتحرمش منك يا سماح .. أول ما اشتغل هرجعهملك على طول. 


لكمتها سماح بخفة وهي تتظاهر بضحكة زائفة :

_ ما تبقيش عبيطة ده احنا أخوات يابت، المهم دلوقتي تنفدي بجلدك من هنا ..


مسحت شقاوة عينيها وقالت بعزم :

_ همشي من هنا .. في أسرع وقت. 


_______________________________________


وكان قد مر أياماً كثيرة على عودة هاكان وليلة العيد.

ولكن لا زالت "ليلة العيد" مقيمة بالفندق حتى وقت الزفاف الذي بات قريبًا جدًا.


وبعدما تناولت طعام الغداء الذي أتى لها خصيصا بناءً على طلب "هاكان" ، خرجت ليلة للشرفة وبيدها كوب من القهوة الساخنة ، نظرت للمشهد الرائع الذي أمامها من أشجار ونخيل ومسبح يلتف حوله رخام ناصع يلتمع من النظافة تحت أشعة شمس أواخر الشتاء .. فأغمضت عينيها وتنفست بعمق وابتسامة. 


_ بعدّ الأيام لحد ما تبقي معايا، بصراحة مابقتش قادر استحمل اكتر من كده.


فتحت "ليلة العيد" عينيها بدهشة بعدما تسمرت من سماع صوته فجأة، التفتت بذهول ووجدته يقف بشرفة الغرفة المجاورة لجناحها فقالت :

_ أنت هنا بتعمل ايه؟!


ابتسم "هاكان" بغمزة ماكرة، ثم قال باستفزاز وهو يرتشف من كوب قهوته بخبث :

_ حجزت الأوضة اللي جانبك .. بقيتي بتوحشيني بطريقة متطمنش .. خافي مني بقا. 


كادت أن تبتسم ولكنها تظاهرت بالثبات وقالت :

_ مبخافش من حد أنا .. وبعدين عايزني أخاف منك والمفروض أني هتجوزك ؟! ... طب مش هتجوزك!. 


هز "هاكان" رأسه بنظرة ماكرة وابتسامة متسلية :

_ الموضوع خرج من ايدك خلاص، مابقاش بكيفك يا آنسة، وبعدين كنتي هتنسيني ..


وأخرج بطاقتها الشخصية من جيب بنطاله الاسود وقال :

_ بطاقتك اللي كنتي عاملة أزمة بسببها مخدتش كام يوم وطلعت بعد التجديد .. أتفضلي. 


أخذتها ليلة بابتسامة وهي تنظر لصورتها، فعبست فجأة وقالت بغيظ :

_ صورتي مالها عاملة كده !!.


ضحك "هاكان" ثم قال ليستفزها :

_ المهم الأصل .. مع أن الاصل مش فارق كتير عن الصورة، بس الأهم الروح. 


ضيقت "ليلة" عينيها بغيظ ثم قالت بثقة :

_ كده ؟! ... طب وقتك خلص معايا. 


ودخلت غرفتها وتركته وحيدا وهو يناديها بغيظ :

_ لا أستني .. والله بهزر يسطا، قد الدنيا وزي القمر والله ... طب أنا أسف يا سليلة الفراعنة .. ما خلاص بقا!. 


ضحكت "ليلة" بقوة وهي تجلس بإرياحية على مقعد أمام التلفاز وارتشف من قهوتها والبسمة تشق وجنتيها .. 


هتف "هاكان" بغيظ مجددًا وقال :

_ طب على فكرة بقا .. عيد ميلادي النهاردة، كنت عايزه يبقى يوم مميز. 


قال ذلك وبعدها تلقى رسالة من رقم هاتفها الجديد، وكانت فحوى الرسالة :

_ كل عام وأنت بخير، وبعودة الأيام. 


اغتاظ منها وقال بعصبية :

_ بعودة الأيام !! .. ما أنتي صحيح ليلة العيد، عمرك ما هتبقي happy Birthday أبدًا. 

ده مافيش حتى كل سنة وأنت طيب يا بيبي !! .. كنت بسمعها من بنات كتير أوي ، ويوم ما أحب ما اسمعهاش من حبيبتي!!. 


أتت اليه ليلة بغيظ وقالت من شرفتها :

_ وماتنتظرش مني أي حاجة قبل كتب الكتاب .. 


ابتسم بخبث وسألها بنظرة ضيقة:

__طب وبعد كتب الكتاب ؟ 


أغلقت "ليلة" الشرفة بعدما توردت وجنتيها من الحياء الابتسامة التي سريعا ما أخفتها ؛ خصيصا عندما سمعت ضحكته العالية!!. 

_________________________________


وعند الفجر الشتائي. 

برقت السماء ورعدت فجأة بآخر أيام المطر، وعاد رجع السماء ينزف المطر بقوةً مخيفة  ..  وتلك التي غلبتها الايام وضاقت بها السبل تحمل رضيعها بين يديها وحقيبة ملابسها هربا من البشر .. 


بكت "شقاوة"  بقهر وهي تحمل رضيعها بين ذراعيها المرتجفتين، وقد اجبرت على الرحيل بعدما نال الجميع من شرفها خصيصا بعد ولادة الطفل وأختفاء زوجها منذ أول ليلة للزواج. 

نظرت شقاوة لرضيعها الصبي الذي أخذ لون عين أبيه الأزرق الساحر، وملامحه المنحوته تمامًا كأنه نسخة مصغرة من "سركن"  وتمتمت ببكاء: 

_ حقك عليا يابني  ..  بس ﻤش هسيبك تكبر وسط ناس بينهشوا في سمعة أمك ، هشيلك في عيوني ده أنت حتة مني ونسخة من غريبي ..  أبوك، القائد سركن. 


قبّلت صغيرها ثم فجأة وجدت ثلاث رجال سكارى يلتفون حولها وينظرون لها بشراسة، ابتلعت شقاوة ريقها فيبدو من نظراتهم أنهم أتوا إليها خصيصاً. 


ظلت تعود للخلف وهي تنظر لهم بهلع وتحتضن صغيرها وقد اقسمت أن تحميه مهما كلفها الأمر  ..  فقالت بصراخ: 

_ انت عايز مني إيه يا جدع انت وهو؟!  


رد عليها أحدهم وقال بنظرات شهوانية لتقاسيمها الأنثوية: 

_ رايحة فين يا قطة وسايبة الحارة في الوقت ده؟!  


جف ريقها من الخوف وعادت اكثر للخلف،  ولكنها تعثرت قدماها بحجارة كبيرة على الطريق، وسقطت أرضا وهي محتضنة صغيرها، وارتطم رأسها بسيارة جانبية عند السقوط؛ جعلتها تشعر بدوار شديد ..  وقبل أن تفقد الوعي تمامًا انتبهت حواسها لصوت تعرفه جيدا دوى كالرعد!.  


وحينها ظهر الوزير الأول "حات حوت" من شقوق الظلام، وحدجهم بنظرة ترعب أعتى القلوب، وبحركة سريعة وخفة كان أنقض عليهم باللكمات والضربات العنيفة ، الذي جعلتهم يطرحون أرضاً مغشي عليهم في دقائق قليلة. 


وهرعت " لوتس" للفاقدة الوعي والدماء تسيل من رأسها وهي تقول لزوجها بخوف :

_ أن لم يتوقف هذا النزف ستسوء حالتها !!. 


وانتبهت "لوتس" بصدمة للرضيع ذو العينان الزرقاء والملامح المميزة التي تعرفها جيدًا وقالت :

_ هذا يكون ..


قطع جملتها حات وأكد :

_ نعم يا لوتس .. أنه أبن أخيك سركن، وهذا ما كنت سأخبرك به .. سأنقلها الآن لمكان آمن قبل أي شيء.


حملت "لوتس" الرضيع، ونظرت له بدموع وابتسامة ، ثم قبّله بمحبة وقالت بتصميم :

_ لابد أن يعرف سركن هذا .. لابد أن يعرف أن له أبنً، أنه نسخة مصغرة من أخي الحبيب. 


حمل "حات" شقاوة الفاقدة للوعي ورأسها ينزف وهو يقول :

_ نسعفها أولا يا لوتس ..


_____________________________________


وبشقة " شقاوة" الصغيرة على سطح أحدى المباني القديمة.


وقف حات وبجواره زوجته لوتس التي كانت تحتضن الصغير وتلاعبه بابتسامة ومشاكسة أمام فراش شقاوة .. حيث كانت ممددة على الفراش ومدثرة بالأغطية وجبينها ملفوف بقطعة قماش بيضاء ... وقال حات بتنهيدة وتصميم :

_ لا يمكن أن يطيل هذا الفراق بينهما .. كلاهما يتعذب ويتألم، أتى وقت قرارا كنت افكر فيه منذ فترة طويلة ..


سألته لوتس بريبة :

_ قرار ؟ ..  ما هو هذا القرار ؟! 


تنفس "حات" بعمق ، ثم تساءل :

_ لو خيرتك بين موت سركن وبين أرساله بمهمة طويلة لن نراه فيها سوى مرة كل عام أو أكثر .. ماذا ستختارين ؟ 


التمعت عين "لوتس" بالدموع وتقريبًا فهمت ما يقصده زوجها ، فقالت وهي تشهق بالبكاء :

_ أختار سعادته .. سأشتاق اليه بجنون في غيابه ، لكن سأموت أن حدث له مكروه، أفعل ما تراه صحيحا. 


نظر لها حات وقال وكأن الأمر شاق عليه أيضا :

_ أنا أيضا سأفتقد أقرب أصدقائي يا لوتس .. ولكن من الظلم أن أفضل راحتي على سعادته، سركن قدم الكثير للجميع، وحان دورنا. 


أغمضت لوتس عينيها وبكت وهي تضم الرضيع لقلبها..


___________________________________


وبعد أنتهاء صلاة الفجر ... وبعدما أدت "ليلة" فرضها ، جلست على الفراش الدافئ وهي لا زالت ترتدي إسدال الصلاة وتذكرت "لوتس" 

فالتمعت عينيها بالدموع وقالت بأشتياق :

_ كان نفسي تبقي معايا أوي يا لوتس .. كتب كتابي بعد يومين وهبقى لوحدي. 


أغمضت ليلة عينيها وهي تبكي، حتى شعرت بأصابع رقيقة تمسح دموعها .. فأنتفضت ليلة من الفراش بفزع، و بعدما ابتسمت بسعادة وهي ترى "لوتس" أمامها وخلفها الوزير الأول حات حوت. 


قالت بصرخة سعادة :

_ وحشتني أوي أوي. 


وضمتها لوتس بأشتياق وبكا الأثنان لبعض الدقائق، حتى قال حات :

_ أتينا لنبارك زفافك .. لم تسعفنا الظروف كي نقيم لكِ زفافا بقصر أبيك يا أبنتي، كنت أتمنى ذلك، ولكن لا بأس .. الأهم عندي سعادتك. 


أجابت ليلة والدموع تنهمر من عينيها ولا زالت تضم لوتس بين ذراعيها :

_ أنا مبسوطة أوي أوي أنكم هنا، مش مصدقة عنيا والله، كنت متخيلة أني مش هشوفكم تاني .. أنتوا أهلي اللي اتحرمت منهم. 


ابتسم حات لها بمحبة أبوية، ثم أخرج قلادة بها بلورة لامعة كانت بجوزته وقال وهو يضعها بيد لوتس لكي تضعها بنفسها حول رقبة ليلة :

_ هذه قلادة بها بلورة مُشعة بأشعة متطورة ليس لها وجود حتى بهذا الزمان، عندما تلمسيها بيدك وترددي اسم لوتس سبع مرات ستتواصلي معنا وترينا من خلالها .. هذا الأمر سري للغاية، ولكنك أبنتي ولن أستطيع أنا ولوتس التنازل عن هذا الامر مهما كلفني من عقوبات. 


نظرت له لوتس بعشق ، ثم ضمت ليلة بقوة وقالت :

_ الآن فقط استطيع أن ابتسم من عمق قلبي. 


كانت سعادة ليلة العيد تفوق الوصف .. وهي تشكرهما بأمتنان ومحبة شديدة على هذه المحبة الخالصة النقية من الزيف والنفاق. 


______________________________


وعند صباح هذا اليوم


استيقظ سقراط بشعور رافقها بالايام الماضية من الفخر والثقة بالنفس... 

ولكنه تجمد مكانه حينما وجد الآنية الفخارية فارغة تمامًا،  وقط كبير يركض بسرعة عالية هنا وهناك على غير عادته!! 


فقال بصدمة: 

_ يبقى القط ده هو اللي شرب الشربه،  يا نهار شبه وش جدي تلقيمة! 


وقبل أن يترك نفسه للخوف تمامًا قال: 

_ لا بس أنا امبارح بليل كنت مسخن شوية المحشي وطبق شربة واتعشيت تمام واكيد لسه في مفعول،  ده الصاوي خرج امبارح ولازم استعدله.  


بينما تجمهر عدد غفير من البسطاء بمنتصف الشارع،  وكان يقف ذلك البلطجي "الصاوي"  ويهتف عاليًا ويقول : 

_ الشقة دي بتطل على الخرابة وتلزمني،  والواد ده لو مطلعشي دلوقتي حالاً يقرأ على نفسه الفاتحة. 


وعندما سمعه سقراط رفع يده وهو يقف داخل الشقة وقرأ الفاتحة، ثم قال بثقة: 

_ قريتها يا صاوي،  ها إيه تاني؟  


هتفت عليه أحد الصغار من على السلم وقال له برجاء:

_ استخبى في أي مكان يا سقراط  ..  الصاوي طالع على السلم وهيبعتر كرامتك، أخفي من وشه السعادي! 


ضحك سقراط ضحكة عالية وضرب على صدره بتمرد وقال: 

_ يطلع، أنا عايزه يطلع، عشان أنزله بنفسي، آه يا حارة ياللي مفكيش سقراط غيــــــري!! 

سقراط القديم خلاص the End يا منطقة،  أما سقراط دلوقتي هتستأذنوا منه قبل ما تتعشوا  ..  بركاتك ياجدي تلقيمـــــــة!.. ياريتك هنا وتشوفني وأنا بحط نقط الحارة على حروفهــــا. 


وفجأة تلقى ضربة على "قفاه"  جعلته يسقط على وجهه بالآنية الفخارية الفارغة من الشربة السحرية!! 


فتأوه سقراط بألم، ثم ضرب على صدره بتمرد مرة اخرى وصرخ عاليًا بوجه "الصاوي"  واندفع ليلكمه،  بينما قبض الصاوي على يده وركله بساقه ركلة شديدة جعلت سقراط يصرخ بألم،  وينظر له بدموع وقد تأكد أنه فقد قوته المؤقتة،  وفجأة ترددت كلمات جده بعقله مرارا  .. 

وقبل أن يندفع الصاوي بالركلات مرة أخرى،  حمل سقراط مقعد وهبط به على ظهر الصاوي بكل قوته،  فصرخ الصاوي من الالم. 

وحينها تشجع سقراط وكرر الضربات حتى سقط الصاوي مغشيا عليه تمامًا  ... وحينها نظر له سقراط بذهول لوهلة. 


ودخل " رشاد" بين هذا الحطام وسأل بتعجب: 

_ مين اللي دغدغ البيت كده على دماغك يابن تلقيمة؟!  


ضحك سقراط وهو يسرع اليه ويهتف بفرحة: 

_ ده أنا اللي ضربت الصاوي،  ومن غير الشربة والله،  كنت جامد ومش حاسس. 


نظر رشاد بإحتقار للصاوي الذي بدأ يستفيق وقال بتهديد: 

_ لو قربت لسقراط تاني يلا والله ما حد جاي ماسح بكرامتك الاسفلت غيري، أحمد ربنا أني جيت ولقيتك أنت المضروب مش هو! 


ابتسم سقراط بسعادة وقال وهو يضع يده على كاف رشاد: 

_ صاحبي يا صاحبي ياعم الناس،  ما أنا برضه ماسبتكش عند الفراعنة.  


نظر له رشاد بغيظ: 

_ غير هدومك وتعالى معايا يابن تلقيمة، أنت ناسي أن فرح هاكان بعد يومين!!  


قفز سقراط وذهب لتبديل ملابسه سريعا،  بينما نهض الصاوي وهو ينظر لرشاد بحقد، فوضع رشاد يده بجيوب بنطاله وقال بتهديد صريح: 

_ أبقى كررها تاني وماتزعلش من اللي هيحصل ..  مش حتة صايع زيك هيقف قدام رشاد باشا يلا!  


نزل الصاوي على السلم وهو يتمتم بالشتائم. 


________________________________


وبأحد أشهر الفنادق الفخمة ...اقيمت ليلة الزفاف الذي أنتظرها الكثيرون...


وبغرفة مخصصة للعروس .. وقفت "ليلة العيد" بفستان وفافها الأبيض الفخم امام المرآة بعدما انتهت من تزيينها تماما، فبدت مالفراشة البيضاء المخملية .. لم تعتقد أنها ستبدو بهذا الجمال يوما !. 


ولكن السعادة وحدها كافية أن تزهر القلب ببساتين الجوري بعد العجاف .. فلمست القلادة البلورية ، ثم نظرت للفتاتان اللاتي أتيا لتجهيزها وقالت بلطف :

_ بعد أذنكم ممكن تسيبوني لوحدي شوية .. عايزة اعمل تليفون ضروري. 


وافق الفتاتان بتفهم وخرجن من الغرفة، ثم اغمضت ليلة عينيها وهي تردد اسم لوتس وتلمس البلورة كأنها تناديها ، فظهرت لوتس وحات بأنعكاس المرآة أمامها وهما يباركنها بحفاوة .. وقالت لوتس بدموع وابتسامة :

_ الف مبروك يا حبيبتي .. أنا فرحتي النهاردة فرحة أم ببنتها. 


لمست "ليلة العيد" القلادة وكأنها تضم لوتس وتقول :

_ الله يبارك فيكي يا ماما ... أيوة أنا من هنا ورايح هقولك ياماما، لأنك تستاهليها. 


بكت لوتس بابتسامة محبة، وقال حات مبتسما وهو يحاوط كتف لوتس بذراعه في محبة واضحة:

_ وبالنسبة لي ؟ 


ضحكت "ليلة " وقالت بتأكيد :

_ وأنت طبعا بابا .. أنتوا عوضوتني في أهم يوم في حياتي عن أهلي اللي اتحرمت منهم، أنا طول عمري كنت خايفة من اليوم ده .. بس لما جه اليوم ده لقيتني فرحانة ومبسوطة .. وحاسة بيكم جانبي .. أنا بحبكم أوي. 


رد حات بمحبة خالصة :

_ ونحن نحبك أيضا يا أبنتي .. ليت كان بأمكاني أجئ لك اليوم .. ولكن لم استطع للأسف خصيصا مع تدهور حالة الملك مؤخرًا .. ولكن نحن سعداء لكِ بكل صدق. 


قالت ليلة بابتسامة واسعة :

_ و ده كفاية عندي، حبكم ليا كل حاجة بالنسبالي .. 


أرسلت لها لوتس قبلة بالهواء مع ابتسامة ومباركة قبل أن يختفيان .. فتنهدت ليلة وقبل أن تلتفت كان "هاكان" يدخل الغرفة بطلته الساحرة وحلّته الأنيقة ..  نظر اليها بنظرة عاشقة وقال بمكر :

_ أظن بعد كتب الكتاب من حقي اتكلم زي ما أنا عايز. 


ابتسمت ليلة العيد بحياء ، حتى اقترب هاكان وأخذها بين ذراعيه في ضمة شديدة ودافئة طويلة ، ثم نظر لعينيها وقال بعشق :

_ بحبك ومجنون بيكي .. وعمري ما حبيت قبلك ... وكنت مستني اليوم ده بفارغ الصبر يا حبيبتي. 


طفرت دمعة من عينيها بسعادة ونطقتها لأول مرة :

_ وأنا بحبك من أول مرة شوفتك يا هاك، كنت بالنسبالي فارس الأحلام .. أنت حياتي وروحي. 


قبّل "هاكان" جبينها بابتسامة دافئة مليئة بالعاطفة ، ثم قال :

_ حسام أبن عمك برا عايز يباركلك .. انا لما دورت عليه هو ووالدته وبعدين عزمناهم عشان يبقى وكيلك في كتب الكتاب كنت متخيل أنه هيجي معاهم .. لكن للاسف جه لوحده .. أحنا كده عملنا اللي علينا. 


ابتسمت له ليلة وكأن أمر هؤلاء لم يعد يعنيها وقالت :

_ مابقوش يهموني يا هاك .. أنا ماشوفتش منهم حاجة حلوة تخليني أزعل عليهم .. ربنا يسهلهم الحال. 


قبّل هاكان جبينها مرة أخرى ، وبعدها أتت والدة هاكان ووالده وبعض الفتيات المدعوات .. وخرج هاكان بعروسه وسط المباركات والزراغيد لقاعة العرس. 


_______________________________ 


وبالعصر القديم ...


وقف "سركن" أمام حات بنظرة شديدة الأمتنان وقال له حات بابتسامة وثقة:

_ ستظل قائد أرض كيمت العظيمة يا سركن، ولكن قيادتك الآن نقلت لزمن آخر .. ستكون أكثر صعوبة من حرب السيوف والعربات الحربية .. أنت الآن محارب سري ضد سارقين تاريخنا وعلومنا .. المهمة صعبة، ولكنك مقاتل باسل وتستطيع. 


ابتسم له "سركن" وقال بمحبة :

_ أنقذتني من الموت والحزن .. ونقلتني دون عقاب لمهمة كان اهتمامك الأكبر فيها أن اعود لزوجتي وطفلي .. أشتاق لهما بجنون يا حات .. لن أنسى لك ما فعلته لأجلي أبدًا. 


عانقه حات بمحبة ، ثم ضربه بخفة على ذراعه القوي وقال :

_ أذهب وعد لزوجتك وصغيرك يا صديقي .. ما فعلته كان مكافأة لعملك الشاق منذ سنوات كثيرة، ولا تنسى أن مهمتك بالعصر الحديث أشرس من هذا العصر ... فهناك الكثير من لصوص التاريخ والعلوم والأثار .. 


وعده "سركن " وتعهد :

_ لن أخذلك أبدًا .. وسترى بعينك. 


ابتسم حات بثقة :

_ أثق بك ..


نظر سركن لشقيقته لوتس الجالسة وتبك بصمت والم، وحينها نظرت له وحاولت التظاهر بابتسامة ، فاقترب منها سركن وضمها بقوة قائلا :

_ سأشتاق لك حبيبتي حتى لقائنا القادم .. لا أعلم متى تحديدًا، ولكن حتما سنلتقي مرةً أخرى. 


لمست "لوتس" جانب وجهه بيدها الناعمة وقالت بمحبة وعينان دامعة :

_ سأنتظر بشوق أن أراك، ومن عمق قلبي سعيدة لأحلك يا سركن .. السعادة التي أراها بعينيك الآن تضم قلبي وتطمئنه .. يكفيني أنك هناك مع امرأة تعشقك .. وطفل جميل نسخة مطابقة منك تمامًا. 


شردت نظرة سركن بابتسامة وقال بلهفة :

_ هل حقا طفلي يشبهني لتلك الدرجة ؟! 


ضحك حات وحاول تلطيف الأجواء وقال بمكر :

_ يبدو أن زوجتك تعشقك بجنون يا رجل .. الطفل نسخة متطابقة منك، اعتقد عندما يكبر ويصبح شابا من الممكن أن يأت لهنا بأعتبار أنه أنت ولن يشك أحد. 


اتسعت ابتسامة سركن ، وعانقهما مرةً أخرى، قبل أن يرسله حات بنفسه للعصر الحديث ويتم تلك المهمة بسرية تامة بأتفاق مع ملك البلاد وموافقته. 

ولكن سركن قرر أن ينتظر قليلًا ويأخذ احدًا معه ، وذلك بناءً على الرسالة التي أرسلت له من خيمة الوافدين. 

____________________________________


وفي العصر الحديث ... خصيصا بشقة سماح بعدما غربت الشمس وطلت أول خيوط الليل. 


دق جرس الباب بحدة، فأسرعت سماح لتفتحه بغيظ وهي تمسح يديها بملابسها من بقع البطيخ .. وهتفت بشقيقها الصغير وهي تفتح باب الشقة دون ان تنظر له :

_ ما تبطل زن ياض يا معفن بدل ما آجي والبسك شقة البطيخ دي في وشك، عيال معفنة عايزين الرزع بالشبشب. 


_ يا الهي .. ما هذا الردح ؟! 


اتسعت عينان سماح واستدارت له وعلى وجهها علامات الصدمة .. وحينما التقت اعينهما صرخت :

_ يا حوستي .. سي سفنكس؟! .. أنت رجعت بالله عليك!. 


تمتم "سلفستر" بألم وقال :

_ ليتني لم أفعل .. ولكني عدت على أي حال ، أين والدك لينتهي أمري .. لا، أقصد لنتم الأتفاق. 


ابتسمت سماح بنظرة ضيقة خبيثة، وقطمت قطعة كبيرة من البطيخ ثم قالت :

_ عايز تقابل أبويا يعني. .. ليه بقا ها ؟


ابتسم لها ثم ضحك على مظهرها المبعثر الفوضوي  وقال :

_ لأطلب يدك الحاملة للبطيخ منه .. هل ستقبلين؟ 


دفعت سماح قطعة البطيخ بوجه شقيقها الصغير، ثم ارتفعت أصوات الزراغيد من فمها تباعا .. ثم قالت :

_ أبويا قاعد على القهوة الحقه بقا وخلص معاه .. 


ابتسم سلفستر لها وقال بشيء من العاطفة :

_ اسمي الحقيقي ليس سلفستر .. اسمي أسامة بن عبد العال حسب الله. 


رددته سماح بحياء وقالت :

_ سي إسامة .. ماشي يا سي سفنكس. 


اغتاظ منها ورماها بنظرة غاضبة وذهب من أمامها .. ولكن حينما وقف أمام منزلها وسمع أصوات الزراغيد ضحك وقال :

_ معتوهة .. ولكنها طيبة القلب أحبها جدًا. 


وتوجه مباشرةً نحو القهوة الشعبية باحثا عن والدها ليتقدم لخطبتها رسميًا. 

__________________________________


وبحفل الزفاف ...


كان يتحدث رشاد مع سقراط ويتشاركان المزاح والضحكات ، حتى اصطدم ذراع رشاد بفتاة ترتدي زيا رياضي وقبعة رأس وكأنها تستعد لتذهب صالة العاب رياضية .. 

وقد أشارت الفتاة وهي ترفع ايطار نظارتها الطبية للعروس أن تقف بزاوية محددة كي تلتقط صور البوم الزفاف وهتفت بعصبية لرشاد :

_ ما تفتح يا أعمى !!. 


نظر لها رشاد بغيظ وهتف :

_ أنا اللي أعمى ولا أنتي اللي ....


وفجأة ضيق عينيه بصدمة وبعدها :

_ سبسب !! ..


طالعته الفتاة بتعجب ثم قالت والكاميرا بيدها :

_ شكلك مجنون يا أخينا .. وسع كده خليني أتنيل أخد صور الفرح ده .. وأمشي، صدعت من الدوشة. 


ورمته بنظرات مغتاظة وابتعدت من أمامه، حتى اتسعت ابتسامة رشاد تدريجيًا وقال لسقراط :

_ اقسم بالله هي بكلامها المتخلف ولسانها العكر.. أنا عارف الدماغ بنت الشوز دي !. 


نظر له سقراط بتعجب ثم قال :

_ ممكن تبقى سبسب جدتها الفرعونية؟! 


ابتسم رشاد للفتاة وغمز لها غمزة جعلت الكاميرا تسقط من يدها ، فضحك رشاد عاليًا وقال وهو يعدل ياقة قميصه ويقول باستعداد :

_ ده اكيد مش ممكن ، توكلنا على الله .. هنقرأ الفاتحة قريب شكلنا كده ، ما هي السلالة بنت شحيبر دي اللي بتدغدغ قلبي. 


دعمه سقراط :

_ وراها ما تسيبهاش غير لما تبقى أم عيالك. 


وبعدها توجه رشاد نحوها مباشرةً، فابتسمت الفتاة سرا رغم تظاهرها بالثبات .. 


 وردد سقراط بالدعاء :

_ عقبالك يا سقراط ... عقبالك .


______________________________________


وبغرفة السطح وسط ظلام الليل ... ودقات المطر الخفيفة لتلك الليلة.. 

نهضت شقاوة من الفراش بتيه، ولا زالت في حيرة من أمرها بمن أنقذها بعدما اصيبت برأسها وسقطت مغشيا عليها وأتى بها لهنا! .. حاولت التذكر مرارًا ولكنها لم تستطع تذكر أي شيء حدث بعد ذلك. 

وبتلك اللحظة ارتفع صوت صغيرها بصراخ ... فنهضت وحملته لبعض الوقت حتى هدأ الصغير وبدأ في النوم مرةً أخرى .. وحينها وضعته بالفراش ودثرته جيدًا ... ثم قررت الذهاب وشراء بعض مستلزمات الصغير الضرورية ..  


وغابت لبعض الوقت .. وحينما عادت وكادت أن تفتح باب غرفة السطوح بين الظلام الحالك سوى من نور القمر البعيد .. انتبهت ليد قوية تلف خصرها وصوت يهمس بأذنها من خلفها كالفحيح :

_ تاهت عيوني في بحور عيونها، وأختار قلبي أن يغوص فيغرق، آواه من رمش أحاط بعينها، سهم توّغل في الوريد فمزق. 


تسارعت أنفاسها بجنون، فأدارها "سركن" ووضع يده على فمها قبل أن تصرخ .. وابتسم وهو ينظر بعشق لعينيها التي التهبت بالدموع ولمعة الحياة التي عادت اليهما .. فهمس مجددا وهو يقول مبتسما لعينيها الحبيبتان:

_ ولا اقولك .. يا رموش قتالة وجارحة يا بويا، وعيون نعسانة وسارحة يا عيـن، اديكي عمري بحاله يا بويا .. وأديني أنتي الفرحة يا عين. 


انتفضت شقاوة وهي تهز رأسها بقوة، واستطاعت أن تصرخ بقوة وهي ترتمي بين ذراعيه ببكاء رافقه سعادة العالم كله بعودته ... وضم سركن رأسها ذو الشعر الغجري الاسود الطويل لقلبه بقوة .. ثم تنهد تنهيدة عميقة وهو يدفن رأسه بعنقها :

_ اتحديت كل حاجة عشان أرجعلك .. رفضت حتى أني أعيش من غيرك .. 


قبلت شقاوة وهي تبك بقوة كل قطعة من وجهه ، ثم حاوطت وجهه الاسمر الفاتن ونظرت لزرقة عينيه الساحرة وقالت :

_ ولو رجعت بعد ١٠٠ سنة وكان لسه ليا عمر، كنت هتلاقيني مستنياك .. انت الراجل الوحيد اللي دخل قلبي ومستحيل كنت أقبل بغيرك .. أنت وبس يا سركن. 


قبّل سركن جبينها بدفء، ثم نظر لعينيها باشتياق مخيف وهمس :

_ عشقي الوحيد حتى آخر الأنفاس .. عدت ولن نفترق أبدًا، عدت لكِ ولصغيري الذي أخبروني أنه يشبهني تمامًا. 


اتسعت ابتسامة شقاوة وهي تأخذه من ذراعه لداخل الغرفة ، حيث صغيرها النائم .. واقترب "سركن" من طفله ولمعت عينيه بالدموع وهو يحمله برقة متناهية .. ثم قبّله بعاطفة أبوية وهمس له بمحبة عندما تفتحت عين الصغير بالتدريج :

_ لن أبعد عنك مرةً أخرى يا صغيري .. شقيقتي كانت محقة عندنا أخبرتني أنك تشبهني .. أنت نسخة مني بحق. 


ابتسم الصغير ابتسامة ملائكية، ثم أغمض عينيه من جديد، فوضعه سركن بفراشه مجددا بعدما ضمه برقة .. وارتمت شقاوة على صدره بدموع .. فضمها سركن اليه بقوة وكأنه يريد لو يخبأها خلف ضلوعه ثم قال لعينيها :

_ أنا هنا .. لا داع للدموع مجددًا .. نكتفي بهذا القدر من الألم ، فالليلة ستبدأ أيامنا معاً ... وسعادتنا الحقيقية. 


قالت شقاوة بخوف :

_ يعني مش هتمشي تاني ؟! 


نظر سركن لعينيها بنظرت أربكتها وهمس :

_ لا .. ولن أدعك تبتعدي عني مرةً أخرى .. لقد اشتقت لكِ بجنون. 


اصطبغ وجهها من الحياء وابتسمت وهي تختبئ بصدره .. وعادت السعادة لقلبيهما بتلك الليلة .. 


_______________________________


وبعد حفلة الزفاف .. 

أخذ "هاكان" ليلته حيث الجناح المحجوز لهما بالفندق .. 

وحينما دخلا بأولى الخطوات للجناح، حملها بين ذراعيه وظهر الحياء والتوتر على محياها .. 

وبغرفتهما أنزلها ثم وقف "هاكان" أمامها قائلًا بنظرة عاشقة وابتسامة :

_ من أول يوم شوفتك فيه كنت حاسس أن في بينا حاجة بتجذبنا لبعض .. وكنت متخيل مع الأيام أني بس بدعمك وعايزك تنجحي ومعجب بطموحك .. بس الحقيقة أني كنت معجب بيكي أنتي شخصيًا .. مش عارف أزاي وأمتى .. بس أنا دلوقتي واقف قدامك وأنتي في عنيا حبيبة عمري كله  .. والبنت الوحيدة اللي خلتني أنطق بكلمة بحبك ... والبنت الوحيدة برضه اللي حبيت أنها تكون أم ولادي. 


ابتسمت ليلة العيد بسعادة وقالت :

_ وأنت حلمي اللي أتحقق يا هاكي. 


قبّل "هاكان رأسها وقال لعينيها :

_ الليلة دي أول ليلة لينا مع بعض .. وأسعد أيام حياتي .. بس أوعدك أن هيكون لينا أيام كتير أوي حلوة .. وذكريات أحلى نفتكرها ، وولاد نحكيلهم أتقابلنا أزاي .. 


نظرت له بمحبة شديدة، فرفع هاكان يده وبدأ يحررها من " طرحتها " المثبتة بعدد من الـ"دبابيس" ونظراته جعلت وجهها يصطبغ من الحياء ... 


ومرت الليلة عليهما بسلام وسعادة غامرة .. اختبرا فيها معنى السعادة الحقيقية .  


_______________________ 


تمت بحمد الله 🩷🩷🩷❤😍

#مديري_مستر_فرعون 

فرحوني بالتفاعل ده آخر فصل عشان اعملكم مفاجآت 🥰😘🔥🩷❤😍

لمتابعة  الرواية الجديدة زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملةمن هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا






تعليقات

التنقل السريع
    close