القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثاني والستون 62بقلم سيلا وليد حصريه


رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثاني والستون  62بقلم سيلا وليد حصريه





رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثاني والستون  62بقلم سيلا وليد حصريه



 الفصل الثاني والستون 


"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" 


لم يكن القرارُ سهلًا كما بدا، ولا الخذلانُ واضحًا كما حَكَموا عليه.

فخلف الصمتِ الذي اختاره، كانت تختبئُ حقيقةٌ أثقلُ من أن تُقال، وأقسى من أن تُفهم.

هو لم يهرب… بل احتمى بما تبقّى منه، ولم يخن… بل أخفى جرحًا لو انكشف، لانهارت أشياءٌ لم تكن تحتمل السقوط.


وفي لحظةٍ ظنّها الجميعُ ضعفًا، كان يُنهي معركةً كاملةً بداخله، وحده… دون شاهدٍ أو منقذ.

هي رأت فيه رجلًا اختار الأسهل، ورأى فيها قلبًا لم يحتمل صمته، وبين ظنّها ووجعه، ضاعت الحقيقة.


وحين يغيبُ السبب، يُولد ألفُ اتهام، وحين يصمتُ صاحبُ الألم… يُصبح في أعينهم الجاني.


لكن ما لم يدركه أحد،

أن القصة لم تنتهِ عند الرحيل…

بل بدأت هناك


دارت حوله ببطء، وعيناها لا تفارقان وجهه، وقالت بصوتٍ خافت يحمل وجعًا خفيًّا:

_عارف رقصة التانجو دي، مين رقصها يا دكتور؟

'باباك…رقصها مع مامتك يوم ما قرَّر يتجوز عليها…بس أنا مش ميرال.

قالتها ببرودٍ قاسٍ، كأنها تُلقي بحقيقةٍ مسمومة في وجهه، لا رجفة في صوتها، لكن عينيها كانت تفضح كل شيء..وجعًا متراكمًا، وكسرة قلب تحطِّم.

تجمَّد للحظة، عيناه تاهتا داخل عينيها، يبحث عن تلك اللمعة القديمة، عن دفءٍ كان يذوب فيه يومًا، فلم يجد سوى جدارٍ بارد، وصمتٍ يصرخ بالألم.

_فعلاً…لا أنا إلياس، ولا إنتِ ميرال يا بنت عمِّي.

قالها بصوتٍ خرج منخفضًا، مثقلًا بشيءٍ أشبه بالهزيمة.

تحرَّكت معه على إيقاع الرقصة، خطواتها ثابتة، نظراتها حادَّة، تراقبه وكأنها تتحدَّاه أن ينهار، ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها وهي تقترب، ثم همست بنبرةٍ لاذعة:

“ولا عمرك هتوصل لإلياس يا دكتور…”

انحنت للخلف فجأة، تجذبه معها، فمال رغمًا عنه، وتلاقت العيون… لحظة قصيرة، لكنها كانت كفيلة أن تفضح كلَّ ما يُخفى؛ عشقٌ قديم لم يمت، وألمٌ لم يُغفر.

شدَّها إليه سريعًا، ثم ابتعد خطوة، كأنه يخشى الاقتراب أكثر؛ كأنه يخشى أن ينهار قلبه ويضمُّها لصدره ولا يتركها سوى ذائبةً بين ذراعيه.

ضحكت بسخرية مريرة:

_أكيد يا دكتور، إنك مش إلياس.

صمتت تنظر إلى المسافة بينهما:

_إيه…خايف تقرَّب يا دكتور، ولَّا جبان.

وفي حركة مباغتة، ألغت المسافة بينهما تمامًا..التصقت به حدَّ التلامس، لم ترحم ضعفه فوضعت كفَّيها على كتفيه، ثم مرَّرتهما ببطء حول عنقه، تُحاصره بلا رحمة.

اقتربت أكثر، فأكثر حتى صار نَفَسها يلامس وجهه، وصوتها بالكاد يُسمع:

_أصل الجبان، ما بيواجهش..بيهرب.. توقَّفت لحظة، تنظر في عينيه مباشرة، كأنها تغرس كلماتها داخله.

ثم همست، بوجعٍ لا يُخفى:

_وإنتَ جبان أوي يا دكتور.

جال ببصره في القاعة على الوجوه المنتظرة ردَّ فعله، ثم استقرَّت عيناه على أخته، التي كانت تنظر إليه برجاءٍ صامت، ودموعها تلمع كأنها تستعطفه ألَّا يفسد ليلتها.

تراجع خطوة، يقاوم داخله، لكنه فجأة جذبها نحوه بحذر، مع ترك مسافة، ودارت بهما الرقصة في حركةٍ مُتقنة، تخفي صراعه أكثر ممَّا تُظهره.

اقترب منها قليلًا، وأردف بصوتٍ خرج منخفضًا لكنه حاد:

_مدام ضي…لمَّا الناس تشوفك بترقصي الرقصة اللي جاية توجعيني بيها، وإحنا مطلَّقين، مش هيقولوا حاجة عنِّي، لأني راجل.

أدارها بين ذراعيه بانسيابية، ثم أبعدها قليلًا، ممسكًا بكفَّيها، ونظراته تثبت في عينيها:

_جبان..جبان، بس إنتي لو مش خايفة على نفسك، فأنا باعتباري ابن عمِّك، خايف عليكي.

توقَّفت أنفاسه لثانية، ثم أكمل بنبرةٍ أكثر قسوة تخفي اضطرابه من اقترابها من تلك الرقصة:

_خاصةً وإنِّي عارف إنك بتنتقمي، بس نسيتي دينك يا أستاذة؟

في تلك اللحظة، رفع بصره فجأة، لتلتقي عيناه بـ بلال الذي كان يقف بخطواتٍ قريبة منهما، أومأ له بالاقتراب منه، وفي لحظة شدَّ على كفَّيها لثانية، للأعلى لتدور أمامه، وتراجع خطوةً للخلف، تاركًا المسافة بينهما تتَّسع ليتقدَّم بلال ومدَّ يده ليتولَّى الرقصة بدلًا منه.

أمَّا هو…فتراجع خطوة ووقف بعيدًا يراقب بصمت، وعيناه لا تزالان عالقتين بعينيها التي تحكي له كم تعاني من غدره. 


دقائق معدودة لتنتهي الرقصة، مع رسم ابتسامة منه للجميع، لكن داخله حربًا كادت تحرقه، وكلماتها تتردَّد في أذنه: 

"الرقصة دي أبوك رقصها مع والدتك لما فكَّر يتجوز عليها، بحجِّة أنها أهانته يا دكتور" 


حاول أن يُحكم قبضته على أعصابه، كمن يقف على حافَّة انهيار ولا يريد أن يسقط، ليس في ليلة فرحة أخته..شدَّ على فكِّه، وعيناه تائهتان بين الوجوه والضحكات التي لا تخصُّه.

قطع شروده صوتٌ هادئ بجواره.

التفت فوجدها غرام.

_عامل إيه يا يوسف؟

أعاد ترتيب ملامحه سريعًا، يخفي ما بداخله خلف هدوءٍ مصطنع:

_الحمدلله يا طنط…حضرتك عاملة إيه؟

ابتسمت ابتسامة باهتة، لا تصل لعينيها:

_كويسة يا بني الحمدلله، قالتها وعيناها

 معلَّقة حيث ترقص ابنتها، تضحك، تدور مع شمس كأنها خُلقت للفرح… بينما قلبها في الحقيقة يصرخ.

صمتت للحظات ثم خرج سؤال منها فجأة، كطعنةٍ مكبوتة:

_ليه؟.

التفت لها يوسف، بحاجبين منعقدين:

_ليه إيه يا طنط؟

أشارت بعينيها دون أن تنظر إليه:

_ليه تعمل فيها كدا.،عملت إيه علشان تغدر بيها بالشكل ده؟

استدارت إليه بالكامل، وكأنها أخيرًا قرَّرت مواجهته، امتلأت عيناها بالدموع، وقالت بصوتٍ مرتجف:

_إنتَ يا يوسف…اللي كنت بقول عليه هيحميها بنفسه، تبقى إنتَ السبب في كسرها؟

رفعت يدها قليلًا تشير إلى ضي، التي ترسم ضحكات كأنها لا تعرف للسعادة طريقًا: 

_دي ضي يا يوسف، شايفها عاملة إزاي؟

صمتت لحظة، ثم أردفت بألمٍ أعمق:

_شوفت في كسرة أكبر من كدا؟ أوعى تفتكر إن ضحكتها دي من قلبها، 

اقتربت منه خطوة، نظراتها اخترقت عينيه:

_ضي كلِّ حاجة فيها ماتت من زمان، وإنتَ اللي موِّتها.

انزلقت دموعها على خدَّيها دون مقاومة:

_تفتكر أقدر أسامحك إزاي؟

نظرات متألِّمة حتى اختنق صوته، وهو لم يجد كلمات، فقط صمتٌ يفضحه.

هزَّت رأسها بألم، كأنها حكت حكمها النهائي:

_وجعتنا كلِّنا يا بني، عمري ما فكَّرت الغدر ييجي منك في بنتي.

تنفست بعمقٍ متقطِّع:

_أنا أمِّنتك عليها، أمِّنت راجل، لكن للأسف، طلعت غلطانة.

في تلك اللحظة…وصلت ميرال، بعدما التقطت بعينيها وقوف غرام أمام يوسف، وملامحه المتألِّمة.

اقتربت ببطء، تنظر بينهما بشك:

_فيه حاجة يا غرام؟


مسحت غرام دموعها سريعًا، تمحو ضعف ابنتها، ثم استدارت نحو ميرال بابتسامةٍ باهتة لا تحمل أي طمأنينة:

_لا مفيش…كنت بقول لابنك إنجازاته اللي حقَّقها.

ثم عادت بنظرها إلى يوسف، نظرات أكثر حِدَّة، أكثر وجعًا.

_بس نسيت حاجة مهمة أقولها للدكتور.

توقفت لحظة، كأنها تعطي لكلماتها وقتًا لتُصيب الهدف بدقَّة:

_بنتي سابت بيت أبوها وأخوها، علشان ظلمك ليها.

تصلَّب جسد يوسف، بينما أكملت غرام دون رحمة:

_أبوها…عمَّك اللي شايفة إنه ناصفك عليها، وأخوها…صاحبك اللي شايفاه برضه ناصفك عليها.

رفعت ذقنها قليلًا، وابتسامة موجوعة ارتسمت على شفتيها:

_ربِّنا يسعدك يا بني، ده اللي أقدر أقوله.

 بتمنَّى تلاقي السعادة، بعد ما كسرت قلب بنتي.

تدخَّلت ميرال سريعًا، بنبرةٍ حاسمة تحاول إيقاف هذا النزيف العلني:

_غرام…مالوش لازمة الكلام ده، كلُّه نصيب، وربِّنا يسعد بنتك.

لكن غرام لم تنظر إليها، ظلَّت عيناها مثبتتين على يوسف، كأنها تُحمِّله كلَّ حرفٍ نطقته.

_هيسعدها…ويعوَّضها براجل يصونها.

ثم أضافت، بصوتٍ منخفض لكنه قاطع كالوعد:

_وده وعد منِّي ليكي، ولابنك.

التفتت أخيرًا نحو ميرال، وعيناها امتلأتا بوجعٍ صامت:

_مش إنتِ بس اللي اتحرمتي من ابنك، 

 أنا بنتي كمان اتحرمت منها، وبسبب ابنك.

قالتها، وكأنها أنهت كلَّ شيء.

اقتربت ميرال ببطء، تعانق ذراع يوسف، تبحث في وجهه عن رد، عن تفسير ما سيفعله. 

لكنه كان واقفًا بجسده فقط.

أمَّا روحه غارقة بالألم، عيناه تائهتان بين الحضور، لا يرى أحدًا…فقط يسمع صدى الكلمات التي مزَّقته من الداخل.

ضغط على صدره بقوة، كأنَّ قلبه يحاول الهروب من بين ضلوعه، وهو يحاول أن يمنعه، لا يريد أن ينهار أمامهم..لكن فجأة…توقَّفت عيناه على ضي تجلس بجوار آسر وآسيا، تنظر في هاتفها وعلى وجهها ابتسامة... ابتسامة، لم يستطع تفسيرها.

أهي استسلام؟

أم انهيار مُتقن الإخفاء؟

ارتفعت عيناها ببطء، ومازالت تلك الابتسامة مرسومة، وكأنها جزء من قناع..التقت بعينيه، لحظة صامتة، لكنها كانت كفيلة بقول كلِّ شيء..

نظراته كانت مؤلمة، مُنهكة، كأنها تستجدي منها الرحمة:

"يكفي…يكفي ما أشعر به، يكفي أنِّي أنهار… وأنتِ لستِ بين ذراعي."

لكن نظراتها لم تلن.

زمَّت شفتيها، ابتسامة ساخرة ارتسمت ببطء، نظرة مليئة بالاستهجان، كأنها تسخر من ضعفه، من وجعه، تحفظ هذه النظرات جيدًا، ورغم ذلك لم تقرأ ما بها، بل مازالت تقتنع أنَّها ما هي سوى ضعف إليها كما في السابق، ومع ذلك لم ترفع عينيها عنه.

بالعكس…ثبَّتت نظرها فيه أكثر، وكأنها أعلنت الحرب..حرب صامتة، لكنها قاسية.

ثم حرَّكت شفتها تهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع ليصل إليه بوضوحٍ قاتل:

_مش مسامحة غدرك وخيانتك، بتمنَّى تعيش نفس الألم. 

شعر وكأنَّ شفتيها سكبت في صدره نارًا.


انكسر بصمت، كلُّ شيء بداخله يصرخ.

لكنه وقف مكانه..مقيَّد بذنبه، 

وبقلبٍ لم يعد يملك الحقَّ في الاقتراب.

استدار متَّجهًا إلى الخارج. 

راقبته ميرال، تحرَّكت خلفه ولكن أوقفها إلياس: 

_ما تخرجيش برة القاعة، عينك على بنتك، يوسف مش صغير، راجل يا ميرال، عامليه إنُّه راجل بقى.

نظرت إليه بصمت وقلب الأمِّ داخلها يحترق، ثم رفعت كفَّيها:

_الياس...بدل ما تجلد فيه، أنا ملاحظة من وقت ما دخل ما هنش عليك تاخده في حضنك، ابنك محتاجك أكتر من أي وقت، قرَّب منه، كدا كدا اطمِّنا على شمس، وربِّنا وعدها براجل عارف قيمتها، قرَّب من يوسف يا إلياس. 

دنا منها ينظر إليها بغضب:

_ايه اللي بتقوليه دا، اللي يسمعك يقول بجلده، ابنك مش طفل، إنتي ناسية إنك في فرح الناس كلَّها محوطاكي. 

نلفِّ حواليه علشان نعرَّف الدنيا كلَّها إن ابننا هرب من أبوه وأمُّه ومراته، مش كفاية دخَّلت البيه، جاي زي الغريب على فرح أخته!!.

_إلياس..ارحم الولد كنت طالب منه إيه، فكَّرت في مرة تسأل عليه؟.

نظر حوله ثم تراجع بنظره يشير إليها: 

_أه..سألت وروحت له كمان يا مدام، والنتيجة إيه، صغَّر أبوه، ولا كأنه له أهمية. 

ذُهلت من حديثه: 

_رحت من ورايا؟!. 

رمقها بنظرةٍ صامتة، ثم دلف للداخل.


عند إسحاق…

كان يتحدَّث مع أحد الحاضرين عن حمزة وعِمران، ونبرة الفخر واضحة في صوته:

_لا بس رجَّالة ما شاء الله.

ثم أشار إلى عِمران قائلًا:

عِمران دكتور في كلية السياسة.

مدَّ الرجل يده مصافحًا بإعجاب:

_أوه، ما شاء الله.

 التفت إلى ابنته مشيرًا إليها:

_جنات بنتي في نفس الكلية، إنت شوفتها يا إسحاق لسه في أولى.

استدار إسحاق قليلًا نحو الطاولة المجاورة، وقال:

_آه طبعًا، شوفتها في فرح ابن سليم.

ثم رفع نظره إلى عمران متسائلًا:

_وإنتَ شوفتها في الكلية يا عمران؟

نقل عمران بصره نحو الفتاة، ثم هزَّ رأسه بابتسامةٍ هادئة:

_ما حصليش الشرف والله يا عمُّو، حضرتك عارف زحمة الكلية، ممكن تكون موجودة بس ما صادفنيش الحظ.

أومأ الرجل بفخر، ثم ناداها:

_جنات.

رفعت الفتاة نظرها لوالدها، ثم توقَّفت، وقد لفت جمالها الأنظار دون عناء، ثم اقتربت بخطواتٍ واثقة.

ألقت التحية وهي تنظر إليهم جميعًا:

_أهلاً بحضرتك يا عمُّو إسحاق.

ابتسم لها إسحاق بحفاوة، ثم أشار إلى عمران:

_عِمران عندك في الكلية، شوفتيه قبل كده؟

رفعت عينيها إليه، وقالت بثقة:

'أيوةطبعًا، حضرتُه بيدِّينا نُظُم سياسيَّة.

رفع عمران حاجبه بخفَّة، وابتسم:

_آه فعلًا…الفرقة الأولى، بقدِّم لهم Political Systems.

دار بينهم حديث خفيف لبضع دقائق.

على طاولةٍ أخرى..

كانت تجلس بجوار والدتها، تستمع لأجواء الزفاف في صمتٍ خجول،

حتى وقف رائد أمامها، ومدَّ يده بحماس:

_تعالي يا فروحة…نرقص زيُّهم.

اتَّسعت عيناها بتوتر:

_أرقص؟! لاا…معرفش…هتكسف.

ابتسمت إيلين لابنتها بحنان، وربتت على يدها:

_روحي مع أخوكي يا حبيبتي، شايفة البنات؟ اتعاملي زيهم.

اتَّجهت بنظرها إلى والدها المنشغل بالحديث مع أرسلان، وكأنها تبحث عن إذن. 

فهمت والدتها نظرتها، فقالت مطمئنة:

_حبيبتي، مش هيقولِّك حاجة.

تردَّدت لثانية، ثم وضعت يدها في يد أخيها، وسارت معه نحو ساحة الرقص.

توقَّفت فجأةً تعدِّل الوشاح الملتف حول عنقها.

بينما أكمل رائد خطواته، استدار باحثًا عنها، ثم عاد إليها بخطواتٍ هادئة، وعلى شفتيه ابتسامة دافئة…


_يوووه…مش عارفة أعدِّله.

تأفَّفت بخفوت، فمدَّ يده إليها دون تردُّد، يزيح خصلاتها برفقٍ ويعيد ترتيب الوشاح حول عنقها بعناية.

على الجانب الآخر…

كان لا يزال واقفًا مع والده، يتحدَّث، لكن عينيه لم تكن ثابتة.

طافت في المكان بلا هدف، حتى توقَّفت عليها.

كانت تضحك…ضحكة صافية، طفولية، مع رائد الذي كان يعبث بخصلاتها، قبل أن يضمُّها إليه للحظةٍ عابرة، ثم يسحبها معه نحو ساحة الرقص.

تجمَّد للحظة..

_هل هذه نفس الفتاة التي في كلية الإعلام؟!.

أم أنَّ عينيه تخدعه؟

تسلَّلت نظراته إليها مرَّةً أخرى، هذه المرة بتركيزٍ أشد، يقيِّم طلَّتها..

فستان نبيذي يصل إلى كاحليها، ينساب بنعومة مع حركتها،

خصلات ذهبية منسدلة خلف ظهرها،

لمسة تجميل خفيفة، لكن عينيها الزيتونيتين كانتا كافيتين لتلفت الانتباه.

لكزه والده بخفَّة حين طال صمته:

_عمَّك مروان بيوصِّيك على جنات.

انتبه فجأة، وعاد بملامح هادئة:

_آه طبعًا…من غير ما حضرتك تقول.

ربت صديق والده على كتفه بابتسامة مطمئنة، وهو يشير إلى ابنته:

_كده بقت في إيد أمينة، جبتلك الدوك هنا.

رسم عمران ابتسامة مجاملة، ثم تراجع قليلًا:

هشوف حمزة…لكن والده أوقفه:

_خد معاك جنات يا حبيبي، خلِّيها تبارك للعروسين وتروح تقعد مع البنات.

تردَّد لحظة…ثم أومأ وهو يشير إليها:

طبعًا…اتفضلي.

اتَّجه بها نحو حمزة، الذي كان منشغلًا بالحديث مع شمس.

تنحنح بخفَّة ليجذب انتباهه:

_حمزة…دي جنات بنت عمُّو، 

توقَّف، وكأنه يبحث عن اسم يكمله، 

تقدَّمت هي بخجلٍ خفيف:

_مروان الدسوقي.

أومأ عمران سريعًا:

_أيوة بالظبط…معلش، صحاب بابا كتير.

نظر حمزة إليها باستغراب بسيط، ثم ابتسم:

_إزيك؟

_الحمد لله…مبروك.

قالتها وهي تنظر إلى شمس بابتسامةٍ رقيقة..لكن كانت عينا عمران ما زالت تهرب إلى تلك التي تدور وتضحك بين ذراعي ذلك الشاب، وكأنَّ العالم لا يضمُّ سواهما.

اقترب يوسف في تلك اللحظة بعدما هاتفه بلال: 

_إزيك يا رائد؟

التفت رائد إليه بابتسامةٍ واسعة:

_دكتور يوسف! عامل إيه، سألت عنَّك بلال، حمد الله على السلامة؟

_الله يسلِّمك. 

ثم حوَّل نظره إلى فرح بجانبه:

_إزيك يا صغيرة…كبرتي شوية.

رفعت عينيها إليه، وبابتسامةٍ ناعمة مشاكسة قالت:

_أنا كبيرة يا دكتور على فكرة، بابا بس اللي دايمًا شايفني صغيرة.

ابتسم لها يوسف بحنانٍ صادق، كأنها لمست فيه شمس:

_تعرفي فيكي شبه كبير من شمس.

رفعت حاجبها بخفَّة، وقالت وهي ترمق رائد بنظرةٍ جانبية:

_طبعًا…بس مش قرايب.

رفع يوسف حاجبه من مشاكستها، ثم التفت إلى رائد ضاحكًا:

_لا كده إحنا اتطوَّرنا وبقينا نرد!

ضحك رائد بصوتٍ عالٍ، وجذبها إليه في عفوية:

_أيوة…روحنا الجامعة بقى.

_أوووه…قالها يوسف بتمثيلٍ مبالغ فيه..

كده بقينا خطر على البشرية.

ضحكت فرح بعفوية، وامتزج صوتها بصوته وسط الزحام، وسط الموسيقى العالية.

وصل الصوت إلى ضي القريبة منهم، 

التفتت ببطء، تبحث عنه بعد سماعها صوت يوسف. 

وقعت عيناها عليه، واقفًا، يضحك..لكنَّها لم ترَ من حوله…لم ترَ رائد رأت فتاة.

فتاة جميلة، جمالها هادئ لكنه جارح، تقترب منه بلا حواجز، تضحك معه كأنَّ المسافة بينهما لا وجود لها.. دقَّقت النظر، لتعلم من هي..ظلَّت تراقب عفويتها لدقائق  فقط…ثم وجدته يتحرَّك معها، ينساب في الرقصة، يبتسم نفس الابتسامة التي وجدتها أنَّها ملكها وحدها.

اشتعل شيء بداخلها، لا…لم يكن غضبًا فقط، كان كأنَّ أحدهم وضع قلبها في قبضةٍ من نار، أنفاسها ثقُلت، نظرت إلى يده  التي تحيط بفرح..

أغمضت عينيها للحظة، تحاول أن تسيطر…لكن النيران لم تهدأ.

ابتعد يوسف وهو يضحك:

_زادني شرف يا أستاذة فرح.

ابتسمت له، ثم استدارت إلى رائد.

كلُّ ذلك تحت عيون عمران،

الذي كان يراقب بصمت، صمتٌ ثقيل، كأنه يرى ما لا يراه أحد.

سحبت ضي أنفاسها ببطء، ابتلعت وجعها، ومالت برأسها قليلًا وهي تهمس لنفسها، وعيناها لا تزالان عليه:

_للدرجة دي…ولا على بالك؟

ابتسمت بسخرية موجوعة:

_أنا كنت متجوزة شخص أناني، ومكنتش شايفة.

انزلقت دمعة رغماً عنها، مسحتها بسرعة، وكأنها ترفض حتى أن تعترف بضعفها:

_بطَّلي عياط يا متخلِّفة، بصِّي كويس.

ابتلعت ريقها، وعيناها تحترقان:

_علشان لمَّا تقرَّري، متصعبيش على نفسك.

قالتها بقسوة…لكن صوتها من الداخل كان ينهار.


على الجانب الآخر..

كان العالم يختفي حولهما.

تتمايل معه بهدوء، رأسها على صدره،

كأنها وجدت مكانها أخيرًا.

وهو…لم يكن أقلَّ منها ضياعًا فيها.

رفعت رأسها، تنظر إلى عينيه:

_لسه زعلان منِّي؟

تاه في عينيها، ثم قال بهدوء:

_عمري ما زعلت منك…بس بضَّايق.

_آسفة…مكنش قصدي.

تنهَّدت بخفَّة وقالت: 

_الحفلة دي كانت مهمَّة…اتعرَّفت على ناس كتير، وعايزة أقولَّك حاجة، بس متتعصبش.

انحنى يهمس بجوار شفتيها، بصوتٍ منخفضٍ خطير:

_لو عصَّبتيني يا رولا، هبوسك قدَّام الناس كلَّها، ومش هيفرق معايا حد.

شهقت بخجل:

_وأهون عليك تحرجني، مش هصعب عليك؟

رفع حاجبه بابتسامةٍ مستفزَّة:

_من إمتى وإنتِ مطيعة كده يا روحي؟

اقتربت أكثر، ولفَّت ذراعيها حول عنقه:

_من يوم ما قلبي الغبي حبَّك يا عينيا.

ابتسم بخبث:

_قلبك الغبي، يعني مش عاجبك؟

نظرت له بعمق:

_بحبَّك…أوي أوي.

أنزل جبينه على جبينها، وأنفاسه اختلطت بأنفاسها:

_خلِّي الكلام ده لليل، أنا مش ضامن نفسي.

فجأة…ابتعد، عندما شعر بوجود أحدهم.

_ما تتلمّ يا عم، إنتَ في فرح!

قالها آسر وهو يضحك..

 وإنتِ إيه يا أختي، الحبِّ مولَّع في الدُرَّة؟

دفعه بلال بخفَّة:

_امشي يلا، ملكش دعوة.

_طب وسَّع كده، عايز أرقص مع أختي.

ثم أضاف بتحذير ساخر:

_وقبل ما تفتح بوقَّك، هاخدها وهرجَّعها، ومفيش ليلة حلوة.

تنهَّد بلال مستسلمًا:

_طيب يا متر…ليك يوم.

ضحك آسر، ثم وقعت عيناه على آسيا المنشغلة بهاتفها، وكأنها في عالمٍ آخر.

ابتسم بخفوت، وقال لنفسه:

إن شاء الله…مش هحتاجك.


توقَّفت بين ذراعيه مع آخر نغمة من رقصتهما في حفل زفافهما..

همس وهو ينظر إليها وكأنه لا يصدِّق ما يحدث:

_مش مصدَّق…بعد شوية هتكوني في حضني، وملكة بيتي.

احمرَّ وجهها خجلًا، وأبعدت عينيها عنه:

_حمزة لوسمحت، بلاش كلامك ده… أنا بتكسف.

ابتسم بخفة، ورفع كفَّيه يحيط وجهها، يجبرها تنظر إليه:

_وفيه حد يتكسف من جوزه يا شمس حياتي؟

ارتجف جسدها مع كلماته، وغرقت عيناها في عينيه التي تصرخ بالعشق…

_ربِّنا يخليك ليَّا يا رب.

ضمَّ وجهها بين راحتيه، وطبع قبلةً حانيةً على جبينها، ثم تراجع هامسًا:

_بحبِّك يا أغلى من روحي.

بعد دقائق…انتهى الحفل الملكي.

وقفت شمس بين والديها، لحظة كانت أثقل من أي وداع.

رفع إلياس يديه يحتضن وجهها، ينظر إليها بصمت، وعيناه تمتلئانِ بالدموع..

انحنى يقبِّل جبينها، وأغمض عينيه وكأنه يحاول أن يحبس وجعه..

كيف يتركها ترحل؟

فجأة، ارتمت في حضنه تبكي:

_بابا…مش عايزة أسيبك، خلاص مش عايزة أتجوز.

ابتعد عنها قليلًا، ورسم ابتسامة بصعوبة:

_إيه شغل الأطفال ده، عايزة الناس تضحك علينا ويقولوا إلياس مربِّي عيِّلة؟

تقدَّمت ميرال، رفعت ذقنها برفق، ودموعها تلمع:

_شموسة…أجمل وأعقل بنت، ومتأكِّدة إنها هتكون ستِّ شاطرة..

ومن اللحظة دي، مبقتش شمس إلياس، بقت شمس الجارحي.

وهتثبت للكلّ إن باباها ومامتها عرفوا يربُّوا كويس…صح يا شموسة؟

هزَّت رأسها، واحتضنت والدتها تمسح دموعها:

_طيب متعيطيش، أنا كده هعيَّط أكتر.

شدَّتها ميرال بقوة، وانفجرت باكية، 

في تلك اللحظة، وصل يوسف.

نظر إليهم بابتسامة يحاول أن يخفِّف بها الألم:

_إيه الدموع دي يا ماما، هي هتهاجر؟ ده كلَّها شهر وتلاقوها هنا.

ابتعدت ميرال تمسح دموعها سريعًا:

_عندك حق…أنا بعيَّط ليه؟

ابتسمت وهي تمرِّر أناملها على وجنتيها:

_ماما عبيطة ودموعها قريبة أوي.

ابتسمت شمس لها، ثم التفتت إلى يوسف:

_ما تسافرش تاني، أنا هرجع بسرعة، ولو سافرت هزعل منك.

اتَّسعت عينا ميرال بذعر:

_لا لا…سفر إيه؟ هو خلاص رجع.

اقترب يوسف من شمس، واحتضنها بقوَّة..

لكن حضنه كان أطول من اللازم، أعمق من مجرَّد وداع أخٍ لأخته، كأنه يودِّعها فعلًا.


_عيشي سعادتك، السعادة لحظات، يا تعيشيها يا تتسرق منك، متعرفيش بكرة مخبِّي إيه.

ضمَّ وجهها بين كفَّيه، ولمعت عيناه بدموعٍ عصيَّة على السقوط:

_حمزة راجل، وأهمِّ من ده إنه مستعد يبيع الدنيا عشانك لو زعَّلتيه، حاولي تحافظي عليه، وحبِّيه أوي…اسعديه علشان يسعدك.

ابتلع غصَّته، وأكمل بصوتٍ أهدأ لكن أعمق:

_زي ما قلت لك، اليوم الحلو ممكن متشوفيهوش تاني، عيشي يومك وبس، متفكريش غير إنك تبقي سعيدة…وتسعدي اللي بتحبِّيه، حتى لو هتضحِّي أوقات.

ارتجفت شفتاه وهو يضيف:

_المهم تحسِّي إنك عايشة صح.

همست وهي تبكي بين يديه:

_أنا بحبَّك أوي يا يوسف؛ ومش عارفة أعيش من غيرك.

ابتسم رغم دموعه، ومسح وجنتيها برفق:

_فيه دلوقتي حمزة يا حبيبتي، هو الأولوية.

تردَّد لحظة، ثم أكمل بصوتٍ أكثر هدوءًا:

أنا أخوكي آه، بس هو جوزك، وحياتك بقت معاه..وأنا دايمًا هفضل معاكي، حتى لو مش قدَّامك.

اقترب أكثر، وصوته خافت:

_قلبي معاكي، وهكلِّمك في أي وقت، وإنتِ كمان أي وقت هتلاقيني موجود.

ارتمت في حضنه تبكي بحرقة:

_إنتَ أحسن أخ في الدنيا.

رفعها قليلًا إلى صدره، كأنه يحاول يحفظ ملامحها داخله، وانزلقت دمعة رغمًا عنه:

_وإنتِ…شمس حياتنا كلِّنا.

كان إلياس يستمع بصمت، وقلبه ينزف بصمتٍ أكبر، لا يفهم تمامًا ما الذي يحدث داخل ابنه.

في تلك اللحظة، وصلت ضي، توقَّفت خلف يوسف وشمس، تراقبهما بصمتٍ مؤلم.

أنزلها يوسف ببطء، وطبع قبلةً حانية على جبينها.

مسحت دموعها بسرعة، وحاولت أن تبتسم وهي تنظر إلى ضي.

اقتربت ضي منها بخطواتٍ متردِّدة:

_ربِّنا يسعدك يا شموسة، متزعليش مني، إحنا في الآخر إخوات.

رفعت شمس عينيها، ثم نظرت إلى أخيها، قبل أن تعود بنظراتها إلى ضي، ومع اقتراب رولا ويزن، قالت بصوتٍ ثابت رغم الألم:

_لا…إحنا عمرنا ما كنَّا إخوات يا ضي.

التفت إلياس إليها بسرعة، لكنها أكملت:

_لو كنَّا إخوات…مكنتيش اتجوزتي أخويا.

سكتت لحظة، ثم أضافت بمرارة واضحة:

_إنتِ مرات أخويا، وبنت عمِّي، مش كده يا يوسف؟

تدخَّل يزن سريعًا، محاولًا كسر الكلمات:

_خالو اللي منوَّرة الدنيا هتوحشينا.

لكن ضي كانت قد انسحبت بالفعل، دون أن تنطق بكلمة.

ساد الصمت لثوانٍ…

ثم أشار إلياس إليها بصوتٍ هادئ:

روحي لعمِّك يا حبيبتي…سلِّمي عليه.

هزَّت رأسها بخفوت:

حاضر.


في الخارج…

كان حمزة يقف مع آسر وبلال، والضحكات ما بينهما لا تهدأ.

اقترب بلال منه وهو يضحك:

يا بختك يا عم الليلة ليلتك، وهتبقى عريس يا ابن المحظوظة.

ردَّ حمزة وهو يزفر بغيظ مصطنع:

_إيه اللي بتقوله ده يا متخلِّف؟ اكبر بقى.

 قرصه بلال في ركبته بخفَّة، فصرخ حمزة ضاحكًا:

_آه يا مجنون!

التفت إلى آسر وهو يضحك:

_تعال يا آسر اقرصه علشان تحصَّله.

ركل حمزة قدمه بخفة، فرفع الآخر قدمه بسرعة وهو يصرخ وسط الضحك:

_ناقص أرمي لكم بوكيه ورد يا أغبية!

ضرب بلال صدره ضحكًا:

_يالهوي…أنا اللي يترمي لي ورد كمان! إيه يا عم…لابسة كعب؟

صفَّق آسر بكفَّيه وهو يضحك:

_أيوة لابسة يا بلبلة!

انفجر حمزة ضاحكًا:

حلوة بلبلة دي يا دكتورتي.

مرَّت لحظات من المزاح والضحك، ثم ساد صمتٌ قصير…

رفع حمزة عينيه فجأة، لتقع على عربة يجرُّها حصانان مزينة بالورود.

_إيه ده…دي زفَّة ولَّا إيه؟

استدار بلال في الاتجاه الذي يشير إليه، ثم غمز لآسر:

ما هي دي اللي هتزفَّك يا عريس.

اتَّسعت عينا حمزة بصدمة خفيفة:

_أكيد بتهزروا صح، أنا هركب حنطور؟!

ضحك آسر وهو يشير إليه:

مالك مخضوض كده، إنتَ مفكَّر هنزفَّك في طيارة حربية؟

في تلك اللحظة، وصل يوسف.

_مالكم في إيه؟

أشار بلال نحو العربة:

_جبت هدية لحمزة…هنزفُّه فيها.

رفع يوسف حاجبه بصدمة خفيفة:

_يخربيتك! عمُّو إسحاق هيعلَّقك.

اقترب حمزة بسرعة، وأمسك بلال من تلابيبه وهو يضحك:

تعال هنا…ارفع معايا البغل ده! بياكل إيه أصلًا؟

ردَّ يوسف وهو يضحك:

_برسيم.

وانفجر الشباب بالضحك من جديد.


انتظروا القسم الثاني بعد قليل


القسم الثاني من الفصل 62


لكزه بلال بخفَّة وهو يبتسم بخبث:

_طب والله هتكون زفَّة حلوة.

التفت إلى يوسف بحماس:

_إيه رأيك نزفُّهم إحنا بالبتاعة دي؟

قطب يوسف جبينه باستنكار:

_إنتَ بتهزَّر يا بلال؟

استند بلال على السيارة، رافعًا حاجبه:

_طب فكَّر كدا...والله هتبقى حاجة جامدة، إيه رأيك يا آسر؟

ابتسم آسر بإعجاب:

_عجبتني...ومش شرط العرسان، إحنا اللي نركب فيها.

في تلك اللحظة وصلت رولا وهي تنادي:

_يلا يا حمزة، العروسة جاهزة.

أومأ لها، ثم التفت إلى بلال بابتسامةٍ جانبية:

_هشوف شمس لو عجبها...تبقى هديِّتك مقبولة.

اقتربت منه رولا، فسحبها من خصرها بخفَّة وهو يشير إلى العربة:

_إيه رأيك؟ عاملِّك مفاجأة بالحنطور ده.

نظرت للعربة، واتَّسعت ابتسامتها بسعادة، ثم اندفعت نحوه تحتضنه:

_أكيد طبعًا!

هزَّ آسر رأسه بسخرية وهو يقترب منهما:

_هبلة...وسَّع يا أخويا، قافلتوا الهوا إنتوا الاتنين، هو مفيش غيركم بيحب، ولَّا إيه يا يوسف؟

لكن يوسف لم يرد...

كانت عيناه معلَّقتين بشيءٍ آخر.

سيارة مرسيدس توقَّفت أمام القاعة، يقف أمامها شاب بملامح أرستقراطية، يثبِّت نظره على الباب وكأنه ينتظر أحدًا بعينه.

اقترب آسر من يوسف:

_مالك، مبتردش ليه؟

أشار يوسف بعينيه نحوه:

_مين ده...وواقف كدا ليه؟

استدار آسر ينظر، ثم قال ببساطة:

_ده نور...شريك ضي في الفاشون، كان موجود في الحفلة ومشي بدري... شكله رجع يعتذر.

ردَّد يوسف ببطء:

_شريك ضي...

قالها مع خروج ضي متَّجهةً إليه بخطواتٍ واثقة:

_أهلًا نور.

ابتسم وهو يقترب:

_أهلًا يا ضي...آسف اضطرِّيت أمشي، بابا رجع من السفر وكان لازم أقابله.

لوَّحت بيدها بلا مبالاة:

_ولا يهمَّك، مكنش فيه داعي تيجي تاني.

استند نور على سيارته وهو يراقبها:

_بعد بكرة الحفلة...فكنت عايزك تشيِّكي على شوية حاجات لو فاضية.

نظرت في ساعة يدها:

_الوقت اتأخَّر...خلِّيه بكرة.

مطَّ شفتيه باعتراض:

_طيب وفكرتي في الموضوع التاني؟

هنا التفتت ضي سريعًا..وقعت عيناها على يوسف، الذي كان يراقبها.

تبدَّلت ملامحها، وعادت تنظر إلى نور بابتسامةٍ خفيفة، ثم اقتربت خطوة:

_خلِّي الموضوع ده ليوم الافتتاح.

عقد حاجبيه بعدم فهم:

_يعني إيه يا ضي؟ أنا ما صدَّقت بابا اقتنع.

رفعت حاجبها بدهشة:

_اقتنع! هو كان رافض؟

ارتبك قليلًا:

_ضي...متفهميش غلط، مش قصدي كدا.

اقتربت خطوة أخرى، لكن عيناها كانت على يوسف...الذي أدار لها ظهره.

وقالت بنبرةٍ هادئة، لكنها حاسمة:

_نور...أنا لسه متعافتش من جوازي الأول، وده مش مجرَّد جواز...ده كان حبِّ حياتي.

صمتت لحظة، ثم أكملت بثبات:

_كنت صريحة معاك...ويوم ما أفكَّر في الجواز، هلاقي مليون واحد يتمنُّوا نظرة مني.

توقفت، ثم أردفت بهدوء:

_لمَّا أتعافى...أبقى أفكَّر.

مدَّ نور يده يمسك بكفِّها:

لا طبعًا...زي ما اتفقنا، أنا مستنِّي.

سحبت يدها بسرعة، وقلبها انقبض من لمسته...شعور عابر بالخيانة اجتاحها.

استدارت فورًا:

_آسفة...لازم أمشي، بابا لو شافني معاك في وقت زي ده هيزعل.

ثم تحرَّكت مبتعدة...

نحو الجمع المتجمِّع أمام القاعة، حيث خرجت شمس برفقة حمزة.

استقلَّت شمس السيارة بجوار حمزة، وعيناها معلَّقتان بوالدها ووالدتها.

ارتجفت شفتيها، وانسابت دموعها رغم ابتسامتها...

رفعت ميرال يدها بإشارةٍ صغيرة، كأنها تطمئنها.

طافت شمس بعينيها على الجميع... حتى توقَّفت عند ضي، التي كانت تقترب من الجمع.

أشارت لها أن تقترب منها..

اتَّجهت ضي إليها بابتسامتها الدافئة.

انخفض زجاج السيارة، وقالت ضي بصوتٍ متأثر:

_حبيبتي...ربِّنا يسعدك.

صمتت شمس لحظة، ثم تابعت وهي تنظر في عينيها مباشرة:

_يوسف بيحبِّك...مش هقولِّك اسألي قلبك، بصِّي في عيونه، وهتعرفي قدِّ إيه بيحبِّك.

ابتسمت بحزنٍ خفيف:

_متزعليش منه...هو أكيد ما يقصدش يوجعك.

انحنت ضي تقبِّلها برقَّة:

_ألف مبروك يا شموسة...هكلِّمك بكرة.

قالتها وهي تلقي نظرة سريعة على حمزة، ثم عادت لشمس:

_مش هوصِّيك عليها...خلي بالك منها، شمس بريئة أوي.

لم تتمالك شمس دموعها، فمالت ضي تقبِّلها مرةً أخرى.

_بحبِّك يا أجمل أخت في الدنيا...وقبل ما تقولي حاجة، إنتي أختي فعلًا.

ابتسمت ضي بحنان،  فقالت شمس بصوتٍ منخفض وكأنها تبوح بسر:

_رضِّي يوسف يا ضي...فيه ورقة في دولابه، مفهمتش معناها...بس اللي فهمته منها إنه بيحبِّك أوي.

تراجعت ضي خطوة، ولوَّحت بيدها وهي تحاول التماسك.

في تلك اللحظة، نظر حمزة في مرآة السيارة متعجِّبًا:

_هو عمران فين؟

التفتت شمس:

_كان واقف مع بابا وعمُّو أرسلان...

وقبل أن تكمل، ظهر عمران وهو يشير لهم بابتسامة، ثم التفت لأصدقائه، وأشار لهم بالتحرُّك بسياراتهم... استعدادًا لزفَّته إلى المطار.

على الجانب الآخر...

أمسك بلال كفَّ رولا وساعدها على الصعود إلى عربة الحنطور، وهي تضحك بسعادةٍ طفولية.

ركضت آسيا نحوهما بسرعة:

_خدوني معاكم.

رمقها بلال بنظرةٍ مستفزة:

_امشي يا بت إنتي وهي...هو إحنا هنعيِّل؟

دفنت رولا وجهها في كتفه تمنع ضحكاتها.

رفعت آسيا يدها بدعاءٍ درامي:

_يارب لو ماركبتش...ما تفرح يا بلال.

في لحظة، وجدت نفسها ترتفع عن الأرض، ليضعها آسر بجوار رولا:

مين جاي كمان؟ اللفة بألف جنيه.

ضربه بلال بخفَّة على رأسه:

_إنتَ يا غبي! أنا جايب البتاعة دي لمراتي!

ردَّ آسر بسرعة:

_اسكت يلا...

ثم أشار إلى ضي التي كانت تقف بعيدًا:

_ما تيجي إنتي كمان؟ يلَّا تعالي...مش تتكسفي!

نظرت ضي إلى بلال، ثم إلى آسر، وهزَّت رأسها:

_لا...شكرًا، أنا هركب مع بابا.

تحرَّكت بالفعل نحو سيارة أرسلان...

لكن فجأة قفز بلال كالإعصار، وحملها وسط صرخاتها:

_بلال! نزِّلني...مش عايزة!

لكنه لم يستمع، ووضعها في الحنطور بالخلف، بجوار آسيا وسدن التي لحقت بهم.

ضحك بفخر وهو يقول:

_يا بت دي زفَّة ملوكي، دي العربية اللي زفُّوا فيها الملك فاروق.

رفعت آسيا حاجبها بشك:

_لا يا شيخ!

وضع بلال يده على صدره بحلفان:

_وحياة رحمة أبويا حصل، مش كدا يا روليتا؟

ضحكت رولا وهي تردُّ بدلال:

_كدا يا روح روليتا.

صفَّق آسر بحماس:

_يا محنو...يلا يا عم سوق الحنطور، ركِّز في الطريق...حملك ولايا!

ردَّ بلال بسخرية:

_ولايا إيه يا متخلِّف!! أمال إحنا إيه؟

ابتسم آسر بمكر:

_أجواز الولايا.


ضحكت الفتيات بصخب، فالتفت آسر إلى يوسف:

هو يوسف مش جاي؟

لم يجبه أحد…

وفي لحظة، انطلقت العربة وسط الأغاني الشعبية، وضحكات الفتيات وتصفيقهنَّ يملأ الجو.

وصل الحنطور بمحاذاة سيارة حمزة، فانحنى بلال نحوه وهو يصرخ:

_هفضحك، بكرة فرحك هيبقى في صفحة الحوادث.

ألقى إليه علبة مناديل، ثم أشار للسائق:

_ارجع يلا بالبتاعة.

رمقته رولا وهي تلكزه:

_ما تتهد بقى!

ابتسم لها بخفوت:

اسكتي يا روحي.

تدخَّلت آسيا:

_خلاص بقى، ما تضايقوش.

ردَّ بلال وهو ينهض من مكانه، مستديرًا نحو حمزة:

_والله أبدًا!

ثم أشار للعربة بفخر:

_العربية دي هتسبق عربيتك...دي عربية الملك فاروق يا نجم.

قهقه آسر وهو يصفِّق:

_زفُّوا العريس...أبو المتاعيس!.. ياختاااي بنزفِّ عريس. 

استدار له بلال يصفِّق:

_وهيصة عندنا عريس،  هيصة.

_مش كدا يلا صح؟. 

لكزه آسر بخفَّة:

_من إمبارح وإحنا بنسمع فيديوهات ومش عارفين نعمل حاجة. 

تعلَّقت آسيا بذراعه:

_واو..هو فعلًا فيه زفَّة كدا؟.

غمز إليها: 

_بقولِّك يا أفريقيا تعرفي تزغرطي؟. 

_يعني إيه؟!. 

لطم بلال بمزاح:

_يا مصيبني دا لو جبنا أجانب كان أفيد. 

_ماتتريقش يا دكتور، عندك مراتك خليها تزغط. 

قهقه بلال، لتضربه رولا وهو يقول:

_قومي زغَّطتيني يا بت. 

_يلا يا آسيا قولي ورايا، زفُّوا العريس أبو المتاعيس 

صاحت آسيا بالكلمات دون علمها بالمعنى. 

زغرطي بقى كدا، قولي لولي، 

فعلت مثل ماقال لها.


فجأة، أوقف حمزة سيارته، فتوقَّفت باقي السيارات خلفه.

ترجَّل إلياس سريعًا، وقد ظنَّ أن هناك مشكلة:

_فيه إيه؟

قفز بلال من فوق الحنطور، واتجه إليه:

_مش عايزه في الزفَّة...خليه يمشي بالبتاعة دي!

وقعت عينا إلياس على العربة بدهشة:

_جايبها منين دي يا بني؟

ابتسم بلال بفخر:

_عجبتك يا عمُّو؟ دي عربية الملك فاروق، مأجَّرها بخمسين ألف جنيه! تعال اركب معانا هي كبيرة  تلاتة دور.

رفع إلياس حاجبيه:

_عربية مين؟

_الملك فاروق، حتى عليها صورته.

_شاريها بخمسين ألف؟

ضحك بلال:

_لا يا عمُّو...مأجَّرها للزفة.

هزَّ إلياس رأسه بيأس:

_يا خيبتك يا ابن أرسلان! اركب يا حمزة، سيبك منه وكأنه مش موجود.

في تلك اللحظة، وصل يوسف إليهم:

في إيه؟

هتف بلال بحماس:

_ما تيجي يا جو! تتزف في عربية الملك فاروق.

هزَّ يوسف رأسه ضاحكًا، ثم أشار لحمزة:

_يلَّا يا ابني عشان الطيارة.

لكن بلال أمسكه فجأة وسحبه بقوة:

_طب والله لتتزفّ معانا.

_بلال! سيب هدومي.

غمز له بلال وهو يشير لسيارة والده التي تحرَّكت خلف حمزة:

_يلا…مش هتلاقي تاكسي، هتدعيلي إني ركَّبتك عربية ملوكي.

وجد يوسف نفسه مجبرًا، فجلس بجوار آسر وهو يتمتم:

_غبي متخلِّف…هنوصل بيها إمتى؟

_ردَّ بلال بثقة:

بعد بكرة.

لكزه يوسف بقوة، دون أن ينتبه لوجود ضي بجواره:

_امشي يا متخلِّف…مصدَّع ومش ناقص تفاهات.

تحرَّكت العربة من جديد…حاصرته ضي بعينيها، فجأة، رائحته تسلَّلت إلى أنفها، غامت عيناها بالدموع، كيف أصبح هذا الرجل غريًاا عنها بعدما كان حياتها، نظرت لذراع بلال الذي يحاوط أكتاف رولا، وتذكَّرت حديثه بالأمس:

_عايزك تنزلي معايا نشتري فستان أليض لرولا، عايز أصالحها، تعبت من فراقنا.

أغمضت عيناها ونزلت دمعة رغمًا عنها، أزالتها سريعًا، باستدارةٍ من يوسف، دون علمه بوجودها، وقعت عيناه على دموعها، هنا شعر وكأنَّ أحدهم طعنه بخنجرٍ بارد.

نظر إليها وهي تنظر للخارج، وكأنها تهرب من كلِّ ما يخصُّه، نظر لذراعه الذي كان يضعه خلف ظهرها دون أن يشعر، لمس حجابها المتطاير بفعل الهواء، ضعف واعتدل بجسده حتى تلاشت المسافة بينهما، التفتت وجدته قريبًا منها، نظرت إليه بصمت، ثم سحبت نظرها منه.

_مش عايزك تزعلي مني، أنا عملت الصح، بعدين هتشكريني. 

ابتسمت ساخرة: 

_ولا يهمِّني.. 

_طيب الحمد لله.. 

اتَّجهت بنظرها إليه، نظرة تعني الكثير من العتاب والألم:

_مابقتش تفرق معايا صدَّقني، اللي يبعني ما يلزمنيش. 

لم يرد عليها، قاطعهم حين 

رفعت آسيا يدها في الهواء بحماس:

_واااو! حلوة أوي!

ثم سحبت يد سدن:

_يا عمُّو نزِّل البتاع اللي ورا دي شوية.

قام السائق بإنزال المظلَّة الخلفية، ومع ارتفاع صوت الأغاني، امتلأت العربة بالضحك والهواء والجنان.

اقتربت رولا من بلال، وهمست بقلق:

_بلال…غلطّ، مكنش لازم تركِّب يوسف.

وأشارت بعينيها نحو ضي…التي كانت تنظر للخارج بشرود.

تنهَّد بلال وقال بصوتٍ منخفض:

لو قولت لك إنِّي بحاول أظبَّط الدنيا؟

نظرت له بعدم فهم:

_يعني إيه؟

_مش عارف…بس لازم يبقى فيه حل..أنا متأكد إن يوسف بيحبِّ ضي… بس ليه طلَّقها، معرفش.

اقتربت منه، تعانق ذراعه وتهمس:

_طب ما نعمل خطَّة…ونوقَّعهم في بعض؟

تعلَّقت عيناه بشفتيها المطلية بالأحمر القاني، وضاعت ملامحه للحظة:

أ_نا غلطت فعلًا…

رفعت حاجبها:

_غلطت في إيه؟

ابتسم بخفوت وهو يمرِّر أنامله على وجنتها:

_إنِّي جبت العربية دي علشانك… وركَّبت فيها العيال دي كلَّها.

خفضت عينيها بخجل، وهمست:

_أنا عندي مفاجأة.

اقترب أكثر:

_مستنِّيها.

تردَّدت لحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت:

_أنا قلت لبابا…

وقبل أن تكمل، هو موافق، قالها بلال سريعًا بفرحة، مدام يوسف جه، يبقى الموضوع سهل.

هزَّت رأسها فاعتدل في جلسته وهو ينظر لها بتركيز:

_استني…إنتي قولتي إيه الصبح، إنتي رجعتي في كلامك؟

توتَّرت، وحمحمت، خاصةً مع جلوس آسيا بجوارها.

أمَّا بلال…فسحب نفسًا عميقًا، وزفره ببطء، وعيناه لم تفارقها.


مضى يومان الى أن جاء يوم الحفل، 

في منزل يزن جلس إلياس بجوار أرسلان:

_إيه اللي بتقوله دا يا يزن، لا طبعًا مش معاك. 

أوقفه أرسلان: 

_خلاص يا يزن اللي إنتَ عايزه، نخلص حفلة ضي النهاردة، وبكرة بإذن الله يا سيدي هنيجي ونعملَّك اللي إنتَ عايزه.

رمقه إلياس: 

_إنتَ بتقول إيه!..التفت إلى يزن: 

_محدش يعرف البنت اطلَّقت غير العيلة، وكدا كدا الواد مرجَّعها بقاله فترة، وبيتقابلوا وإنتَ عارف دا، غير طبعًا في فرح شمس الكلِّ شايفهم، إزاي نعلن عن فرح من أول وجديد، إنتَ فكَّرت في كدا؟!. 

_إنتَ فهمت قصدي غلط يا إلياس، أنا قصدي بينَّا، أنا عايز أخلِّي البنت تعيش ليلة فرحها زي أي واحدة. 

ضرب إلياس يديه ببعضهما:

_بقولَّك إيه، اعمل اللي إنتَ عايزه، قال تعيش ليلة فرحها، تمتم بها وتوقف مغادرًا. 

_هو إلياس ماله؟!.

_يوسف هيسافر النهاردة، والدنيا مش أحسن حاجة، متزعلش منه.

_لا طبعًا مش زعلان، أول مرة ما يتحكِّمش في أعصابه كدا. 

_ماما يا سيدي، رجعت بيتها مع عمُّو مصطفى، وشرطت ما ترجعش غير لمَّا الولاد يرجعوا لبعضهم، ومحمِّلة إلياس وأنا طبعًا الغلط. 

_أممم قولت لي. 

_المهم سيبك إنتَ من دا كلُّه، الموضوع طوِّل وبقى بايخ أوي، الأول قولنا يوسف وضي، ودلوقتي الدنيا هديت، وضي خلاص ربِّنا رزقها بابنِ الحلال. 

توسَّعت أعين يزن بذهول:

_إنتَ بتقول إيه؟!.

_النصيب يا يزن، مقدرش أضغط على البنت أكتر من كدا، أنا اشترطت عليها مفيش حاجة هتمّ ويوسف هنا. 

_لا حول ولاقوة إلَّا بالله، إيه اللي وصَّل الموضوع لكدا؟.

_النصيب، لازم أمشي، بلال هيعدِّي عليك، قولُّه اللي إنتَ عايزه. 

أومأ له دون حديث.

بمنزل إلياس، كانت تجلس على الفراش تراقب ابنها وهو يجمع أشيائه:

_إنتَ ليه مصر توجع قلب أمَّك يابني

_ماما لو سمحت، لو بتحبِّيني، أنا يومين وحاسس إني بموت. 

توقَّفت مقتربة منه، تضمُّه ببكاء:

'بعد الشرِّ ياحبيبي..حاوطها بحنان:

_آسف يا ماما، متزعليش مني، حقِّك تزعلي، لكن مش بايدي حاجة. 

تراجعت تنظر إليه:

_ضي بتحبَّك، دي بتموت فيك، اسمع كلام أمَّك يا حبيبي، وحياتي عندك يا بني، بلاش أحلف بحياتي، أبوك طيب، مش شايفه عامل إزاي، أبوك كبر يا يوسف مبقاش متحمِّل وجع. 

قبل يدها وانسابت دموعه:

_علشان خاطري متوجعنيش أكتر من كدا. 

مسحت دموعه تضمُّه وتبكي في نفس الوقت. 

_ماما لو سمحتي، قلبي مش ناقص.

_سلامة قلبك يا حبيبي. 

بعد قليل خرج يسأل عن والده، لم يجده. 

علم أنه ذهب الى فيلَّا السيوفي، تحرَّك 

باتجاه سيارته، ولكنه توقَّف فجأة: 

_دكتور يوسف. 

استدار إليها، لمعت عيناه لأول مرَّة منذ أن عاد.

فمنذ ليلة زفاف أخته لم يرها، كانت تتحرَّك وهي ترتدي فستانًا من اللون الأرجواني، لونه المفضَّل، ظلَّ يراقب خطواتها إلى أن توقَّفت أمامه: 

_النهاردة فيه حفلة افتتاح

‏ (Fashion Show) 

إيه مش هتحضر؟.

_آسف، طيارتي الساعة عشرة، كان نفسي أحضر.

_كويس الحفلة خمسة، عملت حسابي، ماهو إنتَ مش أي حد، مهما كان ابن عمِّي، وطليقي...قالتها وعيناها تخترقه.

_مش لازم يا ضي...دنت خطوة حتى تلاشت المسافة بينهما، وهمست بجوار أذنه:

_لازم تحضر يا يوسف، علشان مفاجئتي تعجبك.

نظر لعينيها، لأول مرة تنطق اسمه منذ  أن عاد، رجفة أصابت جسده من نظراتها وأنفاسها القريبة، حتى تمنَّى أن يضمُّها لأحضانه. 

حمحم مبتعدًا:

_فيه حاجة عايز أقولَّك عليها. 

نظرت منتظرة حديثه.

_أنا مرفضتش يبقى عندنا ولاد. 

تهكَّمت واستدارت:

_ماب قاش يهمِّني يا دكتور، كنت ولَّا مكنتش، توقَّفت بعد عدَّة خطوات واستدارت برأسها إليه:

_يمكن ربِّنا شايف إنِّنا مننفعش نبقى أب وأم مع بعض، علشان كدا ما خلفناش.. 

استدارت بكامل جسدها: 

_ما هو ربِّنا مش بيعمل غير الخير، ولو شايفك تصلح أب كان رزقنا، لكن كويس إنِّنا ما ربطناش بالأطفال، يمكن من غيرك أصلح، وكان معاك منفعش، علشان عارف إنَّك هتغدر ومتصلحش.

هل شعر أحدكم بوقودٍ حارق يُسكب فوق جرحٍ حديد، أو حروقًا ملتهبة، هذا ما شعر به يوسف، لقد ألقته بسهامٍ نيرانية أحرقت ما تبقَّى من روحه، ليومئ لها واستدار إلى سيارته.

ظلَّت تتطلَّع إلى خروجه بعيونٍ باردة، حتى اختفى، هنا انهارت داخليًّا وهي تخرج الورقة التي قالت عليها شمس: 

_منذ أن أحببتها علمت نعيم الحياة، أقسم أنَّني إذ فقدتها، لأغفو بنيران الجحيم. 

كوَّرت الورقة بيدها، ثم ألقتها بغضب:

_كذاب..بس ما يضرش تعيش في نار الجحيم يا بن عمِّي. 

مساءً.. 


ارتدت فستانًا أحمر مطعَّم بفصوصٍ كاللؤلؤ، ولمساتٍ تجميلية ناعمة تزيد ملامحها هدوءًا ووقارًا.

أخرجت صندوق مجوهراتها، وتوقَّفت أناملها عند شيءٍ ما…أخرجته تتأمَّله، فتلألأت الدموع في عينيها، فألقت ما بيدها سريعًا.

مدَّت يدها إلى عقدها وأساورها، ارتدتهم في صمت، ثم رفعت تاجًا مرصَّعًا بفصٍّ من الماس يتوسَّطه.

ابتسامة حزينة ارتسمت على شفتيها وهي تقلِّبه بين أناملها، تهمس لنفسها:

_«حلوة…ملكة دي».

وضعت التاج بحرص فوق حجابها الأبيض، ثم ارتدت حذائها، لتصبح لوحةً من الجمال تبهر العيون.

ألقت نظرة أخيرة على أناقتها، ثم خرجت تستقلُّ سيارتها متجهةً إلى الحفل.

وصلت بعد قليل…ومن يراها يقسم أنها ملكة على وشك أن تُتوَّج على العرش.

تعالى التصفيق الحار فور ظهورها، وخطت خطواتٍ واثقة، اقترب نور وأمسك بكفِّها، يتحرَّك بها على المنصَّة، ثم قال:

_طبعًا كلُّكم عارفين فاشون نور، السنة دي مختلف لأنه تطوَّر كثيرًا بالديزاينر ضي الشافعي، وأنا بلقَّبها بملكة الفاشون شو.

ابتسمت له ثم اتَّجهت إلى المذياع لتلقي كلمة الشكر والترحيب بحضور الحفل.

دلف إلياس بجوار ميرال، التي أتت رغمًا عنها. 

جلست تتابع الحفل، وأزياء الموضة التي تُعرض أمام الجميع. 

كانت العائلة بأكملها متواجدة، دقائق وانتهى العرض وتعالى التصفيق.

نظرت في القاعة تبحث عنه، لحظات ودلف بجوار عمران...أومأت له بابتسامة، اتَّجه وجلس بجوار والده ووالدته، راقبه إلياس للحظات ثم قال:

_متوقعتش إنك تيجي. 

_ليه...علشان اللي حصل، هي عزمتني، وبعدين دي في الأول والآخر بنت أخوك اللي بكرة تفتخر بيها.

_هوَّ إنتَ ليه غلطان ومش بتعترف؟. 

أشار لضي التي أمسكت الميكرفون مرةً أخرى وقال:

_استمتع يا باشا وافتخر بالبنت اللي ابنك غدر بيها وكسرها. 

_يوسف. 

لم يهتم لنظرات والده.

_يوسف ماشي وسايب الدنيا كلَّها.

قالها بنبرةٍ ثقيلة، دنا إلياس بجسده منه: 

_مش هتمشي يا بن إلياس لمَّا أعرف إنتَ مخبي إيه، لكنه توقَّف عن الحديث على كلمات:

_أنا سعيد جدًّا بحضور الحفل، وعلشان كدا عندي ليكم مفاجأة...كان قلبها يخفق بقوة حتى شعرت بتوقُّفه وهي تنتظر اللحظة الحاسمة، مدَّ نور يده إليها، عانقت كفِّه: 

ثم جلس على ركبة واحدة وهو يخرج لها خاتم خطبة:

_ضي تقبلي تتجوِّزيني؟. 

رفع يوسف رأسه سريعًا إليها، هنا ينهار كل شيء، لحظات كأعوام وهو ينظر إليها منتظرًا ردَّها، ابتسمت ابتسامة مصطنعة، ثم أومأت برأسها: 

_طبعًا. 

ضغط بكفَّيه على الكوب الذي بيده، ليتحوَّل لشظايا دون أن يشعر، نزل برأسه للأرض يمنع دموعًا أوشكت على النزول، بينما إلياس الذي أصابته صاعقة، ينظر إلى أرسلان بعتاب. 

سحب أرسلان عيناه باعتذارٍ منه، سحبت ميرال كفَّ يوسف ودموعها انسابت بصمت: 

_حبيبي إيدك بتنزف. 

رفع عيناه لوالدته:

_مش مهم، على ما أظن الحفلة اللي بنت عمِّي عملتها ليَّا مخصوص خلصت يا إلياس باشا، أتمنى أكون واجهة مشرِّفة للعيلة. 

قالها ونهض منسحبًا من المكان، ثم توقَّف إلياس خلفه يمدُّ يده لميرال:

_قومي علشان نمشي. 

تحرَّكت إلى جلوس غرام:

_مبروك يا غرام، ربِّنا يسعدها ثم التفتت لأرسلان:

_مبروك يا أرسلان..قالتها وانسحبت خلف إلياس الذي تحرَّك للخارج دون كلمة. 

وصل بعد دقائق المنزل، وجده يجرُّ حقيبته: 

_يوسف...تمتم بها إلياس ليقف يوالي ظهره لوالده، اقترب إلياس منه: 

_لازم نتكلِّم. 

التفت إليه:

_نتكلِّم في إيه حضرتك، ما بقاش فيه كلام. 

سحبه من ذراعه:

_ماهو مش هتمشي غير لما تقولِّي، اضَّايقت ليه لمَّا بنت عمَّك اتخطبت؟.

_أنا مش مضَّايق، لازم أرقص علشان تعرفوا أنا سعيد. 

_يوسف..حبيبي قول لبابا مالك.

نظر لوالدته بغضبٍ حارق:

_مالي ما أنا كويس أهو، عايزين مني إيه؟. 

قالها بدخول أرسلان وغرام: 

_إلياس...أنا مردتش أقولَّك علشان متزعلش، لكن بنتي من حقَّها تعيش، ابنك شاف حياته يبقى بنتي كمان لازم تشوف حياتها، ولَّا عاجبك إنها تقعد لوحدها طول العمر؟. 

_اعمل اللي إنتَ شايفه في صالح ولادك يا أرسلان. 

اقترب أرسلان من يوسف ينظر إليه:

_بنتي مش ظلمتك يا يوسف، إنتَ اللي ظلمتها.

_ظلمتها... 

صاح أرسلان..أيوة ظلمتها، لمَّا تطلَّقها وتغدر بيها دا إيه. 

قالها أرسلان بدخول بلال وضي، اقتربت منهم: 

_مالكم متجمَّعين ليه، إيه اللي حصل للتجمُّع العظيم دا، حتى سبتوني لوحدي من غير ألف مبروك، إيه يا عمُّو إلياس، مش أنا بنتك وأستاهل مبروك ولَّا إيه؟.

_مبروك يا بنتي.. 

نظرت ليوسف: 

_إيه يا بن عمِّي مش هتبارك لبنت عمَّك؟. 

نظر إليها بغضبٍ حارق، لا يعلم لماذا يشعر بهذه النيران التي تأكل صدره وهو يرى ذلك الخاتم بإصبعها: 

_مبروك يا مدام ضي، أتمنى لك السعادة. 

هزَّت رأسها: 

_أكيد هكون سعيدة يا دكتور.

_ضي..تمتم بها أرسلان مقتربًا من يوسف:

_ أنا كأب دلوقتي من حقِّي أعرف إيه اللي بنتي عملته علشان تغدر بيها كدا؟.

_أغدر بيها...قالها بتهكُّم موجوع. 

_بنتك قالت طلَّقني وطلَّقتها، مش صعبة يعني، ليه مكبَّرين الدنيا؟. 

اتجه بنظره إليها: 

_واحد صحي من النوم لقي مراته لمِّت هدومها وبتقولُّه طلَّقني، حضرتك منتظر مني إيه، أجري وراها وأتحايل عليها، أجري ورا واحدة باعتني؟!. 

صمت أرسلان للحظات، ثم رفع نظره إليه:

_يعني ما صدَّقت يا يوسف. 

_هوَّ فيه إيه يا عمُّو، هغصب عليها تعيش معايا، طيب ما رولا طلبت من بلال الطلاق وطلَّقها، هيَّ دي مش زي دي؟. 

صدمة أصابت الجميع من كلماته، تراجع للخلف يشير بيده كعلامة استسلام: 

_الموضوع انتهى، غدر إيه وخيانة إيه اللي ماشية تتغنَّى بيها المدام. 

التفت إليها، وتابع بقهر: 

_مش زعلان منك، لأنك معذورة، غيرك قالها، لكن فيه فرق كبير بينكم. 

تراجع خطوةً أخرى: 

_أنا رجعت علشان أختي وبس، وبكرة راجع تاني، مدام ضي مكبَّرة الموضوع. 

دنت منه وعيناها تحرقه: 

_مدام ضي مكبَّرة الموضوع، بس أنا ما قولتش كدا يادكتور، أنا خيَّرتك وإنتَ اخترت الأسهل. 

نظر لعينيها بنظراتٍ تصرخ بالألم: 

_أنا اخترت اللي أقدر اعمله ليكي يا بنت عمِّي، مكنش قدَّامي حل، الاختيارين كانوا صعبين وأنا اخترت اللي بمقدرتي أعمله. 

رفع عيناه إلى إلياس: 

_هيَّ خيَّرتني يا إلياس باشا، وابنك اختار اللي يقدر عليه، آسف دي قدرتي 

وهي مالهاش ذنب. 

قالها واستدار مغادرًا المكان. 

خرجت خلفه: 

_يوسف. 

كوَّر قبضته يطبق على جفنيه بصعوبة، اقتربت منه: 

_انا سيبت الحفلة وخطيبي علشان أودَّعك، تسيبني وتمشي من غير وداع. 

استدار إليها: 

_إنتي عايزة مني إيه يا ضي، مش بدأتي حياتك..ربِّنا يسعدك. 

دنت تسحب كفِّه واتجهت به إلى منزلهما، فتحت الغرفة التي كانت بخارج المنزل، وكانت تعمل بها بالتصميم. 

دلفت الى الغرفة، لتقابلها رائحة كرائحة الدخان..داست على بعض الأشياء المحروقة، إلى أن وصلت إلى صورة زفافهما..

كان يتطلَّع إلى محتويات الغرفة بقلبٍ محروق. 

وصلت إليه ثم ألقت بصورتهما على الأرض.. 

لتتناثر شظاياها، نظرت للصورة بعيونٍ دامعة: 

_شايف الصورة دي اتكسرت إزاي، إنتَ كسرت قلبي كدا بالظبط، ودلوقتي إنتَ بالنسبالي زي الأوضة دي بالظبط، حاجة محروقة مالهاش ملامح.

اقتربت تدوس بحذائها على الصورة 

وهو يتابعها بأعين تجمَّدت بها الدموع: 

_حبِّيتك بجنون، وكرهتك بجنون، أنا بكرهك أوي أوي يا يوسف، ولو عندي قلب تاني كنت خلِّيته يكرهك كمان، لأنك ما تستهلش، هتفضل الفترة السودا اللي عيشتها، وكلِّ ما أفتكر إني سلَّمت لك قلبي أكرهك أكتر وأكتر. 

هنا عجز عن كبح الدموع، انحنى يسحب الصورة التي جمعتهما ونظر إليها حتى سقطت دموعه عليها دون إرادة؛ نظر إلى نفسه بالصورة وضغط على شفتيه يمنع شهقاتها من الانجراف:

_بس أنا حبِّيتك، وحبِّيتك أوي يا ضي، كنتي جنِّتي الحلوة وعوضي بعد الألم، ولو كان بإيدي أعيِّشك في جنَّة كنت عملتها. 

رفع عيناه التي تصرخ بالدموع؛ 

_ربِّنا يسعدك، دا اللي اتمنِّيته من وقت ما بعدت عنك، أنا ماغدرتش بيكي، بالعكس 

أنا...صمت ثم نظر إليها نظرة طويلة كأنها نظرة وداع.. 

_هيسعدني يا يوسف، ووعد منِّي أول ولد هسميه يوسف مش حبًّا فيك، علشان ما انساش الغدر والوجع اللي سبِّبته ليَّ.

قاطعهم وصول أحد الأمن:

_أستاذة ضي...أستاذ نور قدَّام بيتكم. 

أومأت له وهي تنظر لذاك الواقف  ينظر بتيه لأشيائه المحروقة.

_كويس إن نور جه وإنتَ موجود، تعرف جاي ليه دلوقتي، وبابا عند باباك ليه؟.

صمتت تتابع نظراته:

_علشان هنكتب الكتاب، وهسافر معاه نعمل فرحنا برة، مبقتش متحمِّلة المكان اللي بيفكَّرني بيك، كنت أتمنى إنك تشهد على كتب كتابي، لكن للأسف نور رافض ودي حساسية. 

تراجع خطوة…ثم أخرى، وكأنَّ الأرض لم تعد تحمله، يشعر بأنَّ الجدران تضيق عليه حتى تكاد تسحق صدره. لم يعد يقوى على البقاء، لم يعد يحتمل هذا الثقل الذي يخنقه بلا رحمة، استدار فجأة، واندفع هاربًا…لا يعرف إلى أين، فقط يريد النجاة من هذا الألم الذي ينهش روحه.

ترنَّح بخطواته، كمن يفرُّ من موتٍ يطارده، أنفاسه متقطِّعة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما انسابت دموعه بلا إذن، بلا خجل، كأنها تصرخ بما يشعر به..وضع كفِّه على صدره، وشهقة كادت أن تزهق روحه:

"ياالله…ما هذا الذي يسكنني، أي وجعٍ هذا الذي لا يُحتمل؟"

وصل إلى سيارته، ينظر إليها بتيه، هزَّة عنيفة ارتجف على أثرها جسده، يشعر بأن ألمًا بروحه يصرخ، ينهار، يتمزَّق.

ركض خلفه بلال، صوته يلاحقه:

_يوسف! استنى!

لكنه لم يلتفت…لم يعد يحتمل أن يراه أحد بهذا الشكل، لم يعد يحتمل أن يُكشف هذا الانكسار الذي ظلَّ يقاومه طويلًا، فتح باب السيارة بعنف، جلس خلف المقود، وأغلق الباب كأنه يغلق باب حياته، نظر لنفسه بالمرآة، بقايا انسان، دموعه تغمر وجهه، رؤيته تشوَّشت من الدموع، وأنفاسه ضاقت  حتى كاد يختنق،  مدَّ يده المرتجفة يحاول السيطرة على المقود، قادها أخيرًا لكنه لم يكن يقود سيارة فقط، كان يهرب من حياةٍ لم تعد تُطاق..

وفي داخله…صوتٌ واحد، مكسور، متعب، يستنجد:

_يارب…لقد بلغ الوجع منِّي منتهاه، وضاقت بي الدنيا بما رحبت…

فارحم قلبًا لم يعد يقوى، واجبر روحًا أنهكها الفقد…

فأنا عبدك الضعيف، الذي لم يعد يحتمل الحياة بهذا الثقل. 

فجأة ضرب المقود بكفَّيه وهنا انفجر بداخله كلَّ شيء..

_آاااااااااه...هنا صرخة شخص فقد كلَّ شيء ولم يعد لديه قدرة للتحمُّل.


بينما هي ظلَّت بمكانها وكأنه صفعها بكلماته، هزَّت رأسها: 

_متسمعيش كلامه، بيقول كدا علشان تفضلي عايشة على ذكراه، متسمعيش كلامه.

هوت على الأرضية، وكلماته تخترق قلبها قبل أذنها "كنتي جنِّتي الحلوة وعوضي بعد الألم "

_آااه صرخت بها، تدفع كلَّ شيء  حولها ببكاء.. 

بمنزل إلياس.. 

_يوسف يقصد إيه باللي قاله؟.

هيكون يقصد إيه يا إلياس، أنا كلِّمته إمبارح، شوف لمَّا أتحايل عليه يرجَّع البنت، رخَّصت بنتي، وهو مصرّ، للدرجة دي ضي كانت عالة على يوسف، طيب ليه كمِّل معاها من الأول، أنا بنتي وصلت لانهيار عصبي واتَّهمتني إني مش أب، وبفكَّر فيك إنتَ وابنك أكتر!.

_خلاص يا أرسلان، اللي حصل حصل، ومبروك لبنتك. 

قالها وجلس وكلمات يوسف تضربه بقوة. 

كلُّ هذا وميرال عيناها على الباب، تنظر لحقيبته الموضوعة بجوارها، ثم رفعت عيناها على الساعة: 

_إلياس...قالها أرسلان مقتربًا منه.. 

_هنكتب كتب كتاب ضي الليلة. 

دلف بلال: 

_يوسف ركب عربيته ومشي. 

نهضت ميرال بفزع: 

_يعني إيه ركب عربيته؟. شنطته هنا!. 

رفعت الهاتف وقامت بالاتصال به:

_حبيبي إنتَ فين؟. 

_ماما..تمتم بها ببكاء. 

_يوسف حبيبي إنتَ فين؟. 

أزال دموعه التي أخفت رؤيته:

_مسافر..آسف يا ماما، سامحيني. 

_يوسف حبيبي، ارجع علشان خاطري، مش اتفقنا تتكلِّم مع بابا؟. 

_مبقاش ينفع الكلام، ضي هتتجوز الليلة، خلاص مبقاش ينفع..قالها وأغلق المكالمة. 

نظرت للهاتف بضياع:

_الواد سافر قلبه مكسور.

اتَّجهت إلى إلياس وهوت أمامه:

_الحق ابنك يا إلياس الواد سافر وقلبه مكسور. 

_ميرال..عايزاني أعمل إيه، هوَّ رافض يسمع حاجة. 

دلفت ضي تنظر لوالدها:

_بابا نور جه ومعاه المأذون. 

نظر لإلياس وقال

_ابوه مسافر بكرة، وعايز يكتب الكتاب الليلة، كلمني كذا مرة وأنا كنت بأجل لبعد فرح شمس

_عمو الياس... متزعلش مني، انا تعبانة وعايزة ارتاح 

نهضت ميرال سريعًا واتجهت إليها تدفعها بغضب:

_تعبانة وعايزة ترتاحي، ليه قلبك مرتاح لمَّا كسرتي قلب ابن عمِّك؟.

بكت وهي تتراجع للخلف.. انا تعبانة ياطنط ومكسورة اوي، انا مبقتش عايزة اعيش بالألم دا.. مبقتش باقية على الحياة من بعد مااديت ابنك كل حاجة وفي الاخر رماني، قلبي موجوع ومقهورة من نفسي، انا هتجوز واحد تاني، وقلبي لسة بيتوجع بنبض يوسف، ياريتني مااتجوزته ولا قربت منه.. 

ثار جنون أرسلان: 


_خلاص يا إلياس..كفاية، علشان خاطري كفاية، محدش له دعوة ببنتي، كفاية اللي ابنك عمله فيها لحدِّ دلوقتي.. 

رفع يده للأعلى:

_علشان نفضل أخوات ابعدوا عن بنتي. 

نهض يزن بعدما وجد النقاش بينهما لم يصل لحل:

_أرسلان ممكن تهدى، خلينا نتكلِّم بالعقل. 

_محدش له دعوة ببنتي..سمعتوني، خلاص..خلاص، الليلة هكتب كتابها، يارب الكلِّ يرتاح. 

حاوط ضي التي اصبح جسدها باردا برود الموتى.. ضغطت على كف والدها. 

_مش هقدر، هموت يابابا، مش هقدر 

ضمها وتحرك بها بصمت قاتل 

_سلامتك ياروح بابا.. 

ركضت ميرال التي اختفت لدقائق خلفه: 

_أرسلان...صرخت بها فتوقف يكوِّر قبضته وهو يواليها ظهره..اقتربت منه: 

_ أول يوم النهاردة أعرف إنك شخص ظالم، استدار إليها سريعًا.. 

تابعت حديثها بكلِّ جبروت:

_ظالم يا بن جمال الشافعي، قالتها وانحنت لحقيبتها تخرج منها بعض الأوراق، ألقتها بوجهه ثم اقتربت ولم يفصلهما سوى خطوة: 

_ ووعد من ميرال الشافعي..ابني مش هيعرف إني قولت لكم حاجة، مش علشان إنتَ قرَّرت، لا علشان إنتَ وبنتك قرَّرتوا تقتلوه..اقتربت خطوة أخرى:

_شوف الورق. 

استدارت إلى إلياس: 

_زي ما ابنك قال، اللي قدر عليه عمله، يوسف ما بيخلفش.. 

_ابنك ما بيخلفش يا إلياس. 

قالتها بصوتٍ كالرعد، حتى شعرت بارتجاف الجدران، لتخترق الكلمات قلب ضي التي شعرت بانسحاب أنفاسها، تسحب الورق بأيدي مرتعشة من قبضة والدها. 

_ايه يا أستاذة ضي، واقفة ليه، روحي اتبسطي على جراح ابني. 

أشارت بيدها:

_لحظة...علشان تعرفي تتبسطي كويس. 

دارت تبحث عن هاتفها، حتى وقعت عيناها عليه، سحبته وقامت بفتحه، سبحان الله معرفش إيه اللي خلَّاني أسجِّل المكالمة دي.. كنت بسجلها علشان لما يوحشني اسمع صوته... مررت باناملها الفيديو سريعا، حتى توقفت على صوته


_ المهمّ تبقى هي سعيدة يا ماما، ضي تستاهل تعيش سعيدة. 

_وإنتَ يا حبيبي. 

_طول ما هيَّ سعيدة أنا سعيد، متزعَّلهاش لو سمحتي، علشان خاطري متزعليهاش.. 

دي حبيبة ابنك.


رفعت ميرال نظرها الى ضي

_مبروك ياارسلان لبنتك، مبروك يامدام غرام لبنتك 

التفتت الى إلياس 

_ابني لو سافر الليلة وهو مكسور خاطره من بنت اخوك، هيبقى اخر اللي بينا، قولت لك قرب منه.. انت عملت ايه ولا حاجة

تكملة الرواية من هناااااااا 


لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا





تعليقات

التنقل السريع
    close