الست رتيبة كاملة بقلم انجي الخطيب
الست رتيبة كاملة
الست رتيبة.. والطريق المسدود
لقيت ابني وحفيدتي قاعدين على رصيف المحكمة بشنط هدومهم.. وقبل الظهر ما يأذن، كان حماه عرف تماماً مين العيلة اللي رماها في الشارع.
أول حاجة خطفت عيني كانت الشنطة البينك الصغيرة.
وبعدها شنطتين دفل كبار.
وبعدين ابني كريم، قاعد على دكة المحكمة، ساند كوعه على ركبته وباصص في الأسفلت بتركيز، كأنه لو ركز قوي في الأرض مش هيشوف اللي حصل له. وجنبه بنته إيمي، ماسكة دبدوبها من رجله، وشعرها المنكوش مبهدل، وجزمتها الورنيش عليها تراب كأنها كانت واقفة في الشارع بقالها دهر.
ركنت عربيتي ال نص نقل القديمة بسرعة لدرجة إنها وقفت بميل على الرصيف.
كريم؟
رفع عينه بالراحة. إيمي هي اللي شافتني الأول.
تيتا رتيبة!.. قالتها بصوت واطي كسر قلبي ميت حتة.
سألته فين هناء؟
كريم ضحك ضحكة مفيهاش أي ريحة للفرح. في فيلا أهلها في الساحل.. أبوها قال إني متربي في شقة إيجار من ست شغالة في مطعم، وإن إيمي لازم تتربى وسط ناس من مقامها وليهم وضعهم.
بصيت للشنط.. وبعدين لحفيدتي.. وبعدين لابني.
وهناء قالت إيه؟
بلع ريقه بصعوبة مقالتش اللي يبرد النار.
ساعتها
بس.. أنا ابتسمت.
عشان حما ابني غلط أول غلطة.. وما كنش يعرف إنه لسه حالا عمل الغلطة التانية.
عمرك شفت حد بيحكم على عيلة كاملة من تفاصيل غلط؟
كريم افتكر إني ببتسم عشان أصبره.. ميعرفش إني ببتسم عشان من أسبوعين بس، حماه عزت بيه كان قاعد في المطعم بتاعي بيسأل الزباين عن صاحب ممر المنصوري اللي بيقطع أرضه.. وما أخدش باله ولا لحظة إنه بيكلم صاحبة الممر بنفسها.
شيلت الشنط في العربية من غير ولا كلمة.
إيمي ركبت ورا هادية زي الملاك، حاضنة دبدوبها. وكريم ركب جنبي وقفل الباب بحرص، زي الواحد اللي خايف يلمس أي حاجة أحسن ينهار.
وطول الطريق، محدش نطق.
دي حاجة اتعلمتها من صغري لما الوجع والكسرة يبقوا لسه طازة، بيبقى ليهم صوت عالي جوه الواحد، حتى لو العربية صامتة.
عدينا على المحلات، والنادي، والجامع اللي في أول الشارع.. كل حاجة كانت طبيعية. ودي أصعب حاجة في وجع الكرامة، إن الدنيا بتفضل ماشية عادي وإنت من جواك بتتشطب.
وصلنا البيت، قيدت نور الوشاية رغم إننا لسه في الضهر.. عادة قديمة، بتخلي البيت يحسس اللي داخله إنه مستنيينه.
عملت شوربة عدس سخنة، وقطعت سندوتشات
جبنة ل إيمي، وحطيت قدام كريم مج القهوة الأزرق بتاعه، قهوة سودة ومرة زي الأيام. فضل يبص للبخار اللي طالع من المج وسرحان.
إيمي أكلت قطمتين، وسألتني لو ينفع تلون.
قلتلها طبعاً يا حبيبتي.
وأول ما انشغلت بالألوان وظهر بونات الطلبات القديمة بتاعة المطعم، كريم اتكلم.
قال لي لازم تمشي قبل العشا.
مسكت نفسي ومردتش.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
مسح وشه بإيده قال إن هناء ضحت كتير باسم الحب.. وقال إنه حاول يبقى ذوق، بس مفيش فايدة، الناس اللي من عوالم مختلفة مبيعرفوش يعيشوا مع بعض لما الحياة تبدأ تطلب فلوس ومصاريف.
سألته تاني وهناء؟
عينه فضلت في المج قالت لي إن باباها تعبان وأعصابه مشدودة.. وإننا محتاجين ليلة نهدي فيها النفوس. وطلع تنهيدة مكتومة وبعدها أمها قامت لمّت ل إيمي هدومها وكأنها بتساعدنا.
الكلمة دي بالذات كوتني.
مش كلام الأغنياء.. ولا النظرة الطبقية.. أنا شفت من ده كتير.
لكن اللم.. إن ست تلم هدوم طفلة في شنط وهي بتدّعي إنها بتعمل خير.. دي قمة القسوة.
قمت دخلت الأوضة، وطلعت شنطة صفيح قديمة كنت شايلاها فوق الدولاب ورا البطاطين. جوزي الله يرحمه كان بيقولي لو البيت ولع، الشنطة
دي تطلع قبل ألبوم الصور.
جواها أوراق الضرايب، وعقدين تأمين، وصورة أبيض وإسود لأهلي وهما واقفين قدام بوابة مزرعة المنصوري، وربطة ورق مربوطة بشريط أخضر باهت.
كريم بص لي باستغراب إيه ده يا أمي؟
قلتله ده ورث جدك ونشفان دماغه.
فكيت الشريط.
الناس كلها هنا تعرفني ب ست رتيبة صاحبة مطعم السفرة، بتاعة الفطار واللقمة الحلوة، والست اللي رجلها بتوجعها لما الدنيا تشتي. ده اللي الناس تعرفه، وأنا عمري ما حبيت أتمنظر.
اللي ميعرفوشه بقى، إن عيلة أمي هما اللي كانوا بيملكوا طريق الجبل اللي بيقطع بساتين الموالح القديمة وبيوصل لحد أراضي البحيرة. لما الأرض اتوزعت زمان، الطريق ده فضل حتة زائدة محدش رضي ياخدها عشان شكلها على الورق مالوش لازمة. أخواتي باعوا نصيبهم، وقرايبي سافروا، ولما أمي ماتت، الطريق المعصلج ده بقى من نصيبي.
وطلع إنه مش مالوش لازمة خالص.
مشروع الكومباوند الجديد اللي عزت بيه حما كريم بيبنيه؟ اللي فيه مراسي اليخوت والقصور والوجاهة الكدابة؟
المدخل الوحيد القانوني للمرحلة الجديدة من المشروع لازم يعدي من ممر المنصوري.
اللي هو طريقي أنا.
من أسبوعين، عزت دخل المطعم بقميصه المكوي وجزمته اللي بتلمع اللي
متليقش على أرضية المطعم البسيطة.. قعد يسأل لو حد يعرف يوصل ل الست المنصورية عشان المحامين بتوعه عايزين يخلصوا البيعة قبل آخر الشهر.
زودت له القهوة مرتين.. وعمره ما شك لحظة إن رتيبة المنصوري هي اللي واقفة قدامه.
كريم كان باصص لي ومبرق إنتي بتتكلمي جد يا ماما؟
جد الجد يا قلب أمك.
زقيت الورقة اللي على الوش قدامه.. كان مكتوب فيها بلغة الحكومة الناشفة والختم النسر الواضح، إن كل اللي عزت محتاجه مش معاه.
الموافقة معلقة لعدم موافقة المالك.
كريم ساند ظهره لورا كأن الأوضة لفت بيه.
يا ماما..
قلتله ببرود هو رمى ابني وحفيدتي في الشارع قبل العشا.. وبكرة الصباح، عنده ميعاد في المحافظة وفاكر إنه هيستلم الموافقة على الطريق.
ساعتها كريم بص لي بنفس النظرة اللي كان بيبصهالي وهو عنده عشر سنين، لما كنت بصلح له حاجة كان فاكر إنها انكسرت للأبد.
شربت بقة قهوة، ولميت الورق تاني بنظام.
كل شوربتك يا كريم.. ورانا ميعاد الساعة ٩ الصبح.
دخل كريم و إيمي البيت، والمكان كله كان ساكت، بس السكوت ده مكنش مريح.. كان عامل زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. دخلت وراهم، قيدت
النور، وبصيت لكريم اللي كان قاعد على حرف الدكة في الصالة، عينه مثبتة في الأرض.. مكسور.. والكسرة في عيون الراجل بتبقى صعبة قوي، أصعب من أي دمعة.
أخدت إيمي في حضني، وشلت من إيدها الدبدوب اللي كان مبهدل تراب، وقلتلها بصوت حنين يا حبيبة قلب تيتة، اطلعي فوق مع عمتك سميرة، هتلاقي عروسة جديدة مستنياكي، وتيتة هتعملك أحلى عشا. البنت بصتلي بعيون تايهة، وطلعت السلم بالراحة، وكأنها شايلة هم أكبر من سنها.
التفتّ لكريم، وقلتله بنبرة حازمة قوم يا كريم.. قوم اغسل وشك، وادخل كل لقمة. إحنا ولاد المنصوري، مابنكسرش، ولا بنوطي راسنا لحد. كريم بصلي، وعينه دمعت، وقال يا أمي، أنا مش زعلان على نفسي.. أنا زعلان على هناء، وعلى إيمي اللي شافت أبوها بيتهان، وعلى الكرامة اللي اتداست جزم أبهاتها في الساحل.
قلتله وأنا بحط إيدي على كتفه الكرامة مابتتداسش يا بني، طول ما القلب حي، والراس مرفوعة. وعزت بيه، وبنته، والساحل كله، مش هما اللي هيحددوا قيمتنا. قوم كل، وبكرة الصبح، الدنيا هتتغير.
تاني يوم الصبح، الساعة دقت تمانية. كنت لابسة عبايتي السودة المعتبرة، وطرحتي اللي
مابتفارقش راسي. كريم كان لابس قميص وبنطلون نظاف، بس وشه كان لسه شاحب. نزلنا، وركبنا العربية النص نقل، وطول الطريق مكنش فيه غير صوت الموتور وصوت ريقي الناشف. كنت حاسة بإن كل شبر في الطريق ده بيشهد على تاريخنا، وعلى الوجع اللي عيشناه، وعلى الحق اللي ضاع وبيرجع.
وصلنا قدام مبنى المحافظة. كان مبنى ضخم، مبني بالطوب الأحمر، وحواليه جنينة كبيرة. دخلنا، وكان فيه ناس كتير، زحمة، وصوت الدوشة عالي. رحنا لمكتب المهندس سمير، المسؤول عن التراخيص والموافقات. قعدنا نستنى، وكريم كان بيفرك في إيده بتوتر.
بعد شوية، دخل عزت بيه. كان لابس بدلة شيك، وماسك شنطة جلد غالية. بص لنا باحتقار، وقال بنبرة متعالية إيه اللي جابكم هنا؟ مش قلتلكم مابنفتكرش الناس اللي مالهمش لزمة؟ بصيت له ببرود، وقلت إحنا هنا عشان نخلص البيعة يا عزت بيه.. مش إنت كنت بتدور عليا؟تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
عزت بيه اتصدم، ووشه احمر. بص للمهندس سمير، وقال إيه الكلام ده؟ دي الست رتيبة، صاحبة المطعم! المهندس سمير هز راسه، وقال أيوة يا عزت بيه.. الست رتيبة هي الوريثة الوحيدة لممر المنصوري، والورقة دي بتثبت كلامها.
عزت
بيه مكنش مصدق وادنه. بص للأوراق، وبص لي، وقال بنبرة مكسورة رتيبة.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. قلتله وأنا ببتسم ابتسامة خفيفة عارفة يا عزت بيه.. إنت مكنتش بتشوف غير الفلوس والمظاهر. مكنتش بتشوف الناس اللي بجد، الناس اللي بتبني، والناس اللي بتتحمل.
المواجهة كانت قوية، والنتيجة كانت لصالحنا. عزت بيه اضطر يوقع على تنازل عن ممر المنصوري، ومكنش قدامه حل تاني غير إنه يدفع المبلغ اللي طلبته، وإلا فمشروعه كله كان هيوقف. كريم كان واقف ورايا، وعينه بتلمع بالفخر، والكرامة رجعت لوشه تاني.
بعد ما خلصنا، رجعنا البيت. كان فيه احتفال كبير في العيلة، الكل كان فرحان، والكل كان بيهنيني على شجاعتي وذكائي. كريم وهناء اتصالحوا، وهناء اعتذرت لكريم وعيلتنا، وقالت إنها كانت غلطانة، وإنها مكنتش شايفة الحقيقة. عزت بيه، من ساعتها، بقى بيحترمني، وبيعمل لي ألف حساب.
القصة دي علمتني إن الحق مابضيعش طول ما فيه حد بيطالب بيه، وإن المظاهر مابتخدعش غير الناس اللي بتدور عليها. وعلمتني كمان، إن العيلة هي أهم حاجة في الدنيا، وإن
الحب والتسامح هما اللي بيبنوا البيوت، مش الفلوس والقصور.


تعليقات
إرسال تعليق