القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 طـرد المخـادع كـاملة 



طـرد المخـادع كـاملة 


آمال وقفت متسمرة في وسط المنور وهي ماسكة كيس الطلبات في إيدها. التعب اللي كان متراكم فوق كتافها طول الشهور اللي فاتت اتحول في لحظة لغليان ونبض في عروقها من الإهانة.

على عتبة البيت كانت واقفة "الحاجة زينات"، حَماتها.. أم جوزها "محمود". الست كانت واقفة وإيدها في وسطها، وبكل جبروت زقت برجلها الشنطة التانية، فدحرجت لحد ما جت تحت رجل آمال.

— "إنتي عالة! حتة نمرة وعايشة على قفا ابني!".. صرخت زينات والشارع كله سمع، "لمي خلقك دي وغوري على بيت أهلك! ابني خلاص ضهره انحنى من شيل شيلتك، اطلعي من حياته بقى!"

طبعاً الجيران اللي قاعدين على الكراسي قدام المحلات صحصحوا، وكام ست من الشبابيك مدوا رقبتهم بفضول، مستنيين يتفرجوا على "الخناقة" اللي ببلاش دي.

آمال حطت كيس الطلبات بهدوء مرعب على دكة خشب كانت فاضية. بصت لهدومها المرمية في التراب، وبعدين رفعت عينيها وبصت لزينات بنظرة حادة زي الموس.

— "يا ست زينات، حضرتك دلوقتي حتنزلي تلمي الهدوم دي من الأرض حتة حتة، وتطلعيها الشقة فوق.. وإلا، الحوار ده حينتهي معاكي نهاية


مش حتتخيليها.".. آمال قالتها وصوتها كان واطي بس يقطع النفس.

— "إنتي كمان ليكي عين تهدديني يا خطافة الرجالة؟".. زينات اتجننت ونزلت درجة من على السلم وهي بتبرق، "إنتي هنا ولا حاجة! ابني محمود شغال مدير قد الدنيا في شركة استيراد وتصدير، هو اللي بيدفع دم قلبه في إيجار الشقة دي وفواتيرها، وإنتي موراكيش غير إنك تلهفي فلوسه وتتمطعي في البيت!"

المصيبة إن "محمود" بقاله سنتين بيغذي خيال أمه بقصص وهمية، ومفهمها إنه هو "الكل في الكل" في الشغل، وهو في الحقيقة مجرد محصل غلبان على قد حاله، وآمال هي اللي شايلة البيت من شغلها الخاص ومن ورا أهله.

— "هو إنتي ومحمود اتفقتوا على المهزلة دي؟".. آمال سألتها ببرود، "يعني جوزي عارف إنك طردتيني ورميتي هدومي في الشارع؟"

— "طبعاً عارف!".. زينات ردت بانتصار، "إحنا متفقين من ليلة امبارح إنك لازم تغوري. هو محتاج ست بيت حقيقية تريحه، مش واحدة قاعدة تتأمر عليه. أنا جيت النهاردة مخصوص وأهو رميت لك عزالك عشان أرتاح من وشك!"

— "رميتيه من الشباك؟".. آمال شاورت على شباك الدور الأرضي تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

المفتوح، "تمام أوي.. إنتي بجد متعرفيش إنتي عملتي في نفسك وفي ابنك إيه دلوقتي."

زينات ضحكت باستهزاء بصوت عالي سمّع الحارة كلها.

— "عملت إيه يعني؟ ابني يستاهل ست ستك! ده بيدفع إيجار الشقة دي ألوفات، وإنتي حتى لقمة عدلة مش عارفة تعمليها. غوري بقى عند أهلك الغلابة وفارقينا!"

آمال مطلعتش منها عيبة، طلعت موبايلها وطلبت رقم والدها.

— "أيوه يا بابا.. معلش محتاجة حضرتك تيجي لي حالاً عند البيت. الحكاية خلصت يا بابا، وحمايا العزيزة رمت هدومي من الشباك وبتقول إني عالة على ابنها ومطرودة من الشقة."

سمعت الرد، وقفلت السكة وهي بتبتسم بوجع. زينات لوت بوزها وقالت:

— "بتشتكي لأبوكي؟ خليه يجي ياخدك في الميكروباص بتاعه، إحنا خلاص قفلنا صفحتك، وبكرة أجوز محمود سيد سيدك!"

آمال بدأت تلم البلوفرات بهدوء وهي عارفة إن "المفاجأة" اللي هتنزل على دماغ زينات ومحمود لما يعرفوا إن الشقة دي أصلاً باسم آمال ومكتوبة بفلوسها، هي اللي هترمي جوزها وأمه في الشارع بجد. 

بعد بالظبط تسعتاشر دقيقة، دخلت الحارة عربية جيب سودة فخمة جداً،

مشيت بالراحة وهزت الشارع بهيبتها لحد ما وقفت قدام المدخل بالظبط.

زينات ضيقت عينيها وهي بتبص على العربية اللي شكلها يساوي ملايين، وطلع منها راجل طويل، لابس بدلة شيك جداً وهيبته تملا المكان.

في نفس اللحظة، ظهر محمود من أول الشارع، كان راجع من شغله وشايل شنطة اللاب توب وبيهزها في إيده.. أول ما شاف العربية وشاف الراجل اللي نزل منها، ركبه خبطت في بعض ووقف مكانه مذهول.

— "باهر بيه؟".. محمود قالها بصوت مهزوز وهو بيحاول يرسم ابتسامة صفراء على وشه، "سعادة المدير عندنا في المنطقة؟ خير يا فندم، حضرتك جاي تتطمن على أحوال الموظفين ولا إيه؟"

زينات أول ما سمعت كلمة "مدير"، سقفت بإيدها بفرحة وبصت لـ آمال بكل غل وتكبر:

— "أهو! شفتي؟ المدير بنفسه جاي لحد عند ابني! محمود ابني الكل بيعمله حساب، مش قلت لك ده شأن كبير في شركته؟"

باهر بيه ولا كأن الست دي نطقت كلمة، مشي بخطوات واثقة لآمال، وبص لشنطتها المكسورة وهدومها اللي في الأرض، وسألها بصوت واطي وحنين:

— "إيه اللي رامي حاجتك في الأرض كدة يا بنتي؟"

آمال بصت لزينات وقالت بوجع ممزوج بقوة:


 — "مش أنا يا بابا.. دي الحاجة زينات قررت تطردني من الشقة. بتقول إني عالة ومقيمة هنا على حس ابنهـا اللي بيدفع إيجار الشقة دي من جيبه."

محمود كان واقف بؤه مفتوح، وبدأ يدرك الكارثة اللي وقع فيها.

— "بابا؟".. الكلمة طلعت منه بالعافية، وصوته كان بيترعش، "آمال.. هو إنتي.. إنتي بنت باهر بيه؟"

— "أيوة يا سيدي".. باهر بيه رد وهو بيبص لمحمود بنظرة تقطع القلب، "بنتي مكانتش عاوزة حد يحبها عشان فلوس أبوها، عشان كدة كتبت الشقة دي باسمي وخليتك تسكن فيها ببلاش كأنها 'سكن إداري' من الشركة.. عشان تبدأوا حياتكم بكرامة."

زينات الضحكة اختفت من وشها ومسكت في سور السلم عشان متقعش.

— "ببلاش إيه؟".. برطمت وهي مش فاهمة، "ده محمود كان بيديني كل شهر مبلغ وقدره، وبيقولي ده إيجار الشقة ومصاريفها اللي بيدفعها من تعبه!"تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

السكوت نزل على الحارة كلها، حتى الستات اللي في الشبابيك بطلوا

يقزقزوا لب، والكل بقى بيسمع الفضيحة "لايف".

آمال بصت لمحمود اللي وشه بقى أصفر زي الكركم:

— "يعني إنت مكنتش بس بتكذب على أمك في منصبك.. إنت كنت بتسرقنا؟ كنت بتخترع مصاريف وهمية وتعيشنا في ضيق عشان تدفع لأمك 'إتاوة' عشان تفضل راضية عنك؟ وأنا أقول الفلوس بتطير فين وإحنا الاثنين بنشتغل؟"

محمود حاول يقرب منها وهو بيعرّق تحت البدلة الشيك اللي شاريها بفلوسها:

— "يا باهر بيه.. يا آمال.. والله ده سوء تفاهم! أمي بس فهمت غلط!"

باهر بيه صوته كان زي حكم الإعدام:

— "فهمت غلط إيه يا محمود؟ إنك عايش في ملكي وسايب الست دي ترمي بنتي وهدومها في التراب؟"

زينات لما حست إن "الفرخة اللي بتبيض ذهب" طارت، وإن ابنها المدير طلع موظف صغير وممكن يتطرد، لهجتها اتغيرت 180 درجة. نزلت تجري على الهدوم وبدأت تلمها وتمسحها في جلابيتها:

— "يا حبيبتي يا آمال! يا بنتي ده أنا كنت بهزر معاكي!

ساعة شيطان والدم ضرب في نفوخي.. يا محمود واقف تتفرج؟ لم مع مراتك هدومها! يا باهر بيه إحنا ناس طيبين وبنحب الفرفشة.."

آمال مدت إيدها وبكل حزم أخدت الهدوم من إيد زينات:

— "كفاية.. حضرتك قمتي بالواجب وزيادة."

بصت لباباها وقالت:

— "عندك حق يا بابا.. البيت اللي يتبني على كذبة، يقع من أول خبطة. أنا كنت فاكرة إني بـ ابني بيت، طلعت بـ ابني وهم."

طلعت المفاتيح من شنطتها وحطتها في إيد أبوها:

— "خد مفاتيح شقتك يا بابا.. أنا مش عايزة أقعد هنا ولا دقيقة."

محمود صرخ بيأس:

— "طب وإحنا هنروح فين يا آمال؟ الشقة دي هي اللي ساترانا!"

آمال بصت له بصه أخيرة مفيهاش غير الشفقة:

— "في نظري كنت راجل محترم وإنت موظف بسيط وصادق، لكن دلوقتي إنت مجرد كذاب ومخادع.. والشركة اللي بتديك مرتبك، أبويا هو صاحبها."

باهر بيه بص لمحمود وقال له ببرود:

— "بكرة الساعة 9 تكون في الشؤون القانونية.

. إحنا مش بنشغل عندنا ناس مبيعرفوش يحموا بيوتهم ولا يحفظوا الجميل. وبالنسبة للسكن، أعتقد بيت والدتك يساعك إنت و 'نجاحك' الوهمي."

بعد ساعة، الحارة كانت فضيت. العربية السوداء مشيت وخدت آمال وحاجتها.

محمود قعد على الدكة جنب كيس الطلبات اللي آمال نسيت تاخده، وزينات واقفة جنبه وماسكة شنطة اللاب توب وبتبكي.

— "يلا يا ضنايا.. قوم نروح بيتنا، أنا عملت لك شوية محشي يرموا عضدك.." زينات قالتها بصوت مكسور.

محمود بص لكيس الطلبات، شاف فيه "تورتة" صغيرة وشمعة.. آمال كانت جايباهم عشان يحتفلوا بعيد جوازهم اللي هو نسيه.

— "كلي المحشي بتاعك يا أمي لوحدك".. محمود قالها وهو بيبص للسما، "لأننا من بكرة، مش هنلاقي تمن اللحمة اللي بتتحط في المحشي ده."

الريح كانت بتهز ستارة الشباك المفتوح في الدور الأرضي.. الشقة بقت فاضية، والهم انزاح عن قلب آمال مع أول خطوة بعيد عن الحارة دي.


تعليقات

التنقل السريع
    close