القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 يوم طلاقى كامله



يوم طلاقى كامله


هى طلقه واحده بس قررت انفذها عند مأذون عشان اهدد بيها مراتى

عشان بعد كده تتعلم الأدب وتفضل فى طوعى وتنفذ كلام اهلى

كنت دايما بقولها هطلقك كنوع من التهديد لكن المره دى كلمت اهلها وقررت اخليها رسمى ابوها جه واتكلم معايا وقالى

ـ يابنى كل البيوت فيها مشاكل خراب البيت مش سهل

بس انا ولا كانى سمعت حاجه كنت مصمم اعلمها الادب

اخواتى البنات كانوا كل شويه يتصلوا يتطمنوا إذا كنت طلقتها أو لسه وكنت بكلمهم قدامها واقولهم خلاص كل حاجه خلصت ورايحين عند المأذون

مراتى كانت ساكته كنت شايف دموعها وهى بتحاول تمسكها قدامى لكن مش عارفه غصب عنها بتنزل

شكلها كامله على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد ده كان بيأكدلى انى ماشى فى السكه الصح وانها اتكسرت

ابوها رغم ظروفه المادية الصعبه لكن بصلى وقالى

ـ خلاص يا جاسر طالما دى رغبتك يبقى طلقها انا بنتى ساكته عشان بنتها ماتجيش فى يوم تلومها ولو كلمتها تقولها انا كنت ساكته لاخر لحظه وبحاول ماخربش

وقفت بكل جبروت وعدلت ياقة قميصي اللي هي لسه كاوياه بإيدها.. بصيت لـ “سمر” بنظرة استعلاء وهي واقفة قدامي مهزومة والدموع محبوسة في عينها، وقلت لها بمنتهى البرود:

“وفري دموعك دي يا سمر، عشان مش هي دي اللي هتحنن قلبي عليكي ولا هي اللي هتمحي غلطك في حق أهلي.. أنا قولتلك ميت مرة اللي يجي على طرف أهلي بقطعه، وأنتي شكلك نسيتي نفسك وافتكرتي إن الدلع اللي دلعتهولك ده حق مكتسب.”

قربت منها وأنا ببتسم ابتسامة شمتانة وكملت:

“أنا النهاردة مش بس بطلقك، أنا بكسر مناخيرك اللي رفعتيها في العالي.. بكسر الشوكة اللي افتكرتي إنك هتقوي بيها عليا. أنتي من غيري ولا حاجة يا سمر، حتة عيلة مالهاش لزمة، اطلعي بقى شوفي مين هيشيلك أنتي وبنتك بظروف أبوكي التعبانة دي.. لفي في الدنيا شوية ودوخي، عشان لما ترجعيلي زاحفة وبتبوسي إيدي عشان أرضى عنك، أبقى أفكر ساعتها إذا كنتي اتعلمتي الأدب فعلاً ولا

بصيت لأبوها بلامبالاة وقولتله:

“يلا يا عمي.. مش عايز ضياع وقت، المأذون مستنينا والوقت اللي راح في العياط ده أنا أولى بيه.”

وصلنا للماذون وطول الوقت وهى قاعده ساكته وابوها كمان مافكرش حتى يوقفنى مره تانيه او يمنع الطلاق

خلصنا إجراءات الطلاق وطلقتها طلقه بائنه

نزلنا السلم وأنا حاسس بانتصار وهمي، كأني ملكت الدنيا لمجرد إني كسرت قلب الست اللي كانت شايلاني في عيونها. “سمر” كانت ماشية ورايا هي وأبوها، خطواتها كانت تقيلة كأنها بتتحرك في كابوس، وأبوها ساندها بإيده اللي كانت بتترعش من القهر بس ملامحه كانت مغسولة بكرامة عجيبة.

وصلنا عند المأذون، وبكل برود وقعت وبصمت.. المأذون بص لي بنظرة عتاب وهو بيقول “أبغض الحلال”، بس أنا كنت في عالم تاني، كنت شايف نفسي “الرجل” اللي قدر يربي مراته. أول ما خلصنا، بصيت لها وقولت: “أهي الطلقة الأولى وقعت يا سمر، عدتك هتقضيها في بيت أبوكي، ولما تحسي إنك ندمتي بجد.. ابقي خلي حد يكلمني.”

هي ما ردتش، سحبت طرحتها على وشها وخرجت ورا أبوها. أول ما فتحنا باب العمارة، اتصدمت باللي شفته..

أهلي كلهم كانوا واقفين! أخواتي البنات “عبير” و”نجلاء” وأمي، ومعاهم جيراني المقربين. المنظر كان مرعب.. كانوا واقفين بيضحكوا، و”عبير” ماسكة كيس ملبس وبترميه في الهوا، وأمي زغرطت زغرودة شقت السكون اللي في الشارع.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

أمي بصوت عالي وهي بتبخرني: “ألف مبروك يا ضنايا، ربنا نجاك من الهم والغم، النهاردة عيد يا جاسر، النهاردة رجعت لنا هيبتك وسط الناس!”

نجلاء وهي بتوزع شربات: “اشربوا يا جماعة.. الليلة ليلة هنا، اللي كان كابس على نفسنا غار في داهية!”

بصيت لـ “سمر”.. شفتها وهي بتغمض عينها بقوة، كأن الزغاريد دي كانت طعنات في جسمها. أبوها شد على إيدها وبص لأهلي بنظرة خلتني أرتبك للحظة، نظرة فيها شفقة مش خوف، وقال بصوت واثق: “مبروك يا جاسر.. ومبروك عليكم الفرح، بس افتكر إن الأيام سلف ودين، واليوم اللي بتوزعوا فيه شربات على خراب بيت، هييجي يوم تدوروا فيه على نقطة مية تبل ريقكم من العطش.”

سحب “سمر” ومشيوا وسط فرحة أهلي الهستيرية، وأنا واقف مكاني، للحظة واحدة بس، حسيت بخنقة.. مش ده اللي كنت متخيله، كنت متخيل إني ههزر معاها ونرجع، بس منظر أهلي وهما قالبين الوجع “فرح” خلاني أحس إن الحكاية مابقتش مجرد تهديد.. دي بقت حرب.


طلعت الشقة مع أهلي، الزغاريد لسه بترن في ودني، وضحك أخواتي مالي المكان. دخلوا المطبخ وطلعوا الأكل اللي كانوا محضرينه كأننا في “عقيقة” مش في “خراب بيت”.

“عبير” أختي كانت قاعدة جنبي وبتقولي بشماتة:

ـ “أيوة كده يا جاسر، ارفع راسنا.. دي كانت فاكرة إن مالكش كبير، خليهم بقى يشوفوا مين هيبص في وشها دلوقتي وهي مطلقة ومعاها عيلة.”

بصيت حواليا في الصالة.. عيني جت على طرحة “سمر” اللي كانت ناسياها على طرف الكنبة، وعلى ركن بنتي الصغير اللي فيه لعبها. فجأة، صوت الضحك بدأ يزعجني، كأنه ضجيج ملوش معنى. أمي قربت مني وبست راسي وقالت:

ـ “ولا تزعل نفسك يا حبيب أمي، ست ستها نخطبهالك بكرة، واحدة تعرف قيمة العيلة وتعرف يعني إيه طاعة.. مش دي اللي كانت بتناقرنا في الكبيرة والصغيرة.”

هزيت راسي بالموافقة وأنا بحاول أبتسم، بس جوايا غصة. دخلت أوضتي عشان أهرب من زحمتهم، أول ما قفلت الباب، السكون كان مرعب. ريحة البرفان بتاعها لسه في الجو، والمراية لسه عليها “الروج” اللي كانت بتستعمله.

فتحت الدولاب، لقيت نص الدولاب فاضي.. خدت لبسها وهي ماشية، بس سابت “وجع” مالي الأركان. تليفوني رن، كانت “نجلاء” أختي بتبعتلي فيديو وهما بيوزعوا الشربات قدام العمارة وصوت الزغاريد مسمع الشارع كله.

لأول مرة أسأل نفسي: “أنا عملت إيه؟”

كنت عايز أهددها، كنت عايز أكسر مناخيرها عشان ترجع “خاتم في صباعي”.. بس منظر الزغاريد والفرحة في عين أهلي حسسني إن الجسر اللي كان بيني وبينها اتهد تماماً، وإن “سمر” اللي شفت في عينها نظرة “الم.وت” وهي خارجة، مش هي سمر اللي كنت بزعق لها وتصالحني بكلمتين.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت البيت وهو “هادي” زيادة عن اللزوم. مفيش حد بيحضر فطار، مفيش صوت بنتي وهي بتجري.. خرجت الصالة لقيت أمي وأخواتي مشيوا، والبيت بقى “خرابة” بجد.

مسكت التليفون ورنيت على “عبير” أختي، هي اللي كانت بتزغرط أعلى واحدة:

ـ “أيوة يا عبير، تعالي يا حبيبتي الشقة بكرة أنتي ونجلاء، الشقة مبهدلة خالص مطرح الفرح اللي عملتوه، وعايزة تنضيفة محترمة.”

ـ “يا خبر يا جاسر! بكرة صعبة أوي يا حبيبي، حماتي جاية تقعد معايا كام يوم وأنا يدوب بلحق أخلص اللي ورايا.. معلش يا أخويا، استنى عليا كام يوم كده.”

قفلت معاها وأنا متضايق، ورنيت على “نجلاء”:

ـ “إيه يا جاسر؟ تنضيف إيه بس يا حبيبي؟ أنا لسه راجعة من الشغل وهبطانة، وبعدين العيال عندهم دروس وتمرين.. ما أنت عارف سمر كانت شايلة عننا كتير، ابقى اتصرف أنت بقى.”

بدأت أحس ببرودة بتسري في جسمي.. إخواتي اللي كانوا بيشجعوني أطلق، دلوقت مفيش واحدة فيهم قادرة تضحي بساعة من وقتها عشان تساعدني. رنيت على “أمي”:

ـ “يا أمي، تعالي شوفي الشقة، أنا مش عارف أقعد فيها من المنظر، وإخواتي كل واحدة بتتحجج بحجة.”

ـ “يا ضنايا أنا كبرت ومبقتش قادرة على الشيل والحط، وبعدين ده بيت مراته مش موجودة، عايزني أنزل أهد حيلي فيه؟ اسمع يا جاسر، أنا هشوفلك واحدة تيجى تنضفلك الشقة كل أسبوع بقرشين، وتغسلك الهدوم بالمرة.. أصل البيت اللي ملوش ست، لازم يتصرف.”

رميت التليفون على الكنبة وأنا حاسس إني غرقت في شبر مية.. أهلي اللي فرحوا بخراب بيتي، سابوني لوحدي وسط الخراب، والست اللي كانت بتعمل كل ده بحب ومن غير مقابل، ضاعت مني عشان “طلقة” كنت فاكر إني بربيها بيها






رنيت على “سمر” للمرة العاشرة، قلبي كان بيخبط مع كل رنة.. كنت متخيل إنها مستنية المكالمة دي بفارغ الصبر عشان تترجاني أرجعها. أخيراً الخط فتح، بس السكوت اللي من ناحيتها كان مرعب، أهديت صوتي شوية وقولت:

ـ “سمر.. ردي، أنا عارف إنك سامعاني. أظن كده عرفتي إن الله حق، وشفتي إن أهلي هما اللي باقيين لي. لو لسه عايزة بنتك تتربى بيننا، البسي وتعالي دلوقتي، واعتذري لأمي قدام إخواتي، وأنا هحل اللي حصل ده.”

جالي صوتها هادي، بس هدوء يقطع القلب، قالت كلمة واحدة:

ـ “خلصت يا جاسر؟”

ـ “خلصت إيه؟ بقولك تعالي واعتذري!”



الزغاريد اللي سمعتها قدام باب المأذون، م.وتت آخر حتة كانت باقية لك في قلبي. اللي يوزع شربات في يوم كسرة مراته، ما يستاهلش حتى العتاب

وما تفتكرش إن بنتي هتكون وسيلة ذل ليا.. بنتي بكرة هتكبر وتعرف إن أبوها استكتر عليا الفرحة.”

قفلت السكة في وشي.. المكالمة دي خلتني أغلي، بس المرة دي غليان من نوع تاني. بصيت حواليا في الشقة، كانت عبارة عن مزبلة! قشر ملبس، كوبايات شربات فاضية وناشفة، وبواقي أكل في كل مكان.. البيت اللي سمر كانت بتخليه يبرق، بقى ريحته تخنق.

مر أسبوع على اليوم اللي كنت فاكر فيه إني “انتصرت”. الشقة اللي كانت دايماً ريحتها بخور ونظافة، بقت ريحتها “كمكمة” وسجاير. الست اللي أمي بعتتها عشان تنظف، جت ساعة، لمّت الزبالة من على الوش، وأخدت مبلغ وقدره ومشيت، وسابت الأركان مليانة تراب.. أصل اللي بتنظف بفلوس، مش زي اللي بتنظف بحب.

دخلت المطبخ وأنا ميت من الجوع، فتحت التلاجة لقيت علب بلاستيك فيها بواقي أكل حمض، والبوتاجاز عليه طبقة دهون تلزق. حاولت أعمل لنفسي بيض، حرقت الطاسة ورميتها في الحوض فوق كوم المواعين اللي بقاله يومين.. سمر كانت بتغسل المواعين أول بأول وهي بتغني، وأنا كنت بزعق على صوت غناها.

دخلت أوضة النوم، السرير مكركب، والهدوم اللي المفروض تتغسل ملت الركن. جيت ألبس قميص للشغل، لقيته مكرمش.. افتكرت “سمر” وهي واقفة بليل، رغم تعبها مع البنت، بتكويلي قمصاني بالواحدة عشان أنزل الصبح “باشا”.

مسكت القميص وحاولت أكويه، لزقت المكواة فيه وشاط! رميت المكواة في الأرض وأنا بزعق:

ـ “يا ربى.. هو مفيش حاجة ماشية صح في البيت ده ليه؟”

نزلت الشغل وأنا قرفان من نفسي، ريحة لبسي مش زي زمان، وشكلي مجهد. قابلت صاحبي “محمود” على القهوة، بص لي بشفقة وقال:

ـ “إيه يا جاسر؟ مالك شكلك مبهدل كده ليه؟ فين سمر والاهتمام بتاع زمان؟”

ـ “طلقتها يا محمود.. كنت بربيها، بس البيت باظ من غيرها.”تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

ـ “تربيها بالطلاق؟ يا صاحبي البيت اللي بيتهد مبيتبنيش بالسهولة دي.. والرجولة مش إنك تكسر اللي معاك، الرجولة إنك تحتويها.”

كلامه نزل عليا زي السلم، رجعت البيت بليل، الدنيا ضلمة، مفيش صوت ضحكة بنتي وهي بتجري تستقبلني، ولا صوت سمر وهي بتقول “حمد لله على سلامتك يا حبيبي، الأكل جاهز”.

قعدت في وسط الصالة المكركبة، وطلعت تليفوني. دخلت على صفحتها على فيسبوك، لقيتها منزلة صورة لبنتي وهي بتضحك وكاتبة: “بداية جديدة.. والحمد لله على نعمة الأهل اللي بيسندوا بجد”.

النغزة اللي في قلبي زادت.. هي بدأت “بداية جديدة” وأنا واقف مكاني في “الخراب” اللي عملته بإيدي. إخواتي اللي شجعوني، قافلين بيوتهم عليهم وعايشين حياتهم، وأمي كل ما أشتكي لها تقولي “اصبر بكرة تتعود”، بس أنا مش عايز أتعود.. أنا بدأت أحس إني كنت ملك في مملكة، ودلوقتي أنا مجرد واحد وحيد في بيت مهجور.


مسكت التليفون وأنا قاعد وسط كومة الهدوم والمواعين، والبيت ريحته بقت تخنق، كنت محتاج حد يشيل معايا الشيلة دي.. مش هما اللي زغرتوا؟ مش هما اللي قالوا “ألف مبروك”؟ يبقى هما اللي يحلوا.

رنيت على “عبير” أختي الأول، وصوتي كان مخنوق:

ـ “عبير.. أنا مش عارف أعيش في البيت ده، سمر قفلت كل السكك، والبنت وحشتني، والشقة بقت خرابة.. انزلي معايا بكرة نروح لأهلها نصالحهم ونرجعها، أنتي عارفة إن الكلمة منك بتفرق.”

جالي صوت “عبير” وهي بتمضغ لبان وببرود تام قالت:

ـ “يا جاسر يا حبيبي، إحنا روحنا معاك عند المأذون عشان ده كان قرارك وأنت راجل البيت، دلوقتي عايزنا نروح نصالح؟ شكلنا هيبقى وحش أوي قدام أهلها.. وبعدين أنت مش صغير يا حبيبي، اتصرف وظبط أمورك، أنت اللي طلقت وأنت اللي لازم تعرف تلم الموضوع لوحدك.. سلام بقى عشان العيال بيعيطوا.”

قفلت السكة وأنا مذهول! رنيت على “نجلاء” وأنا كلي غل:

ـ “نجلاء، أختك بتقولي اتصرف لوحدك، تعالي أنتي معايا بكرة، أنتي كنتي بتقولي إن سمر مش كويسة، تعالي قولي لأهلها إننا عايزين نفتح صفحة جديدة عشان خاطر البنت.”

ردت “نجلاء” بنبرة حادة:

ـ “أنا يا جاسر؟ أنا مالي ومال المشاكل دي؟ أنا يدوبك ملاحقة على بيتي وعيالي، وبعدين يا أخويا أنت اللي عملت فيها “سي السيد” وطلقت قدامنا كلنا، دلوقتي جاي تقولنا تعالوا صالحوا؟ عيب في حقك كراجل.. اتصرف يا جاسر، البيت بيتك وأنت أدري بيه.”

الدنيا اسودت في عيني، رنيت على “أمي” وأنا بصرخ في التليفون:

ـ “يا أمي.. إخواتي بيتبروا مني! هما اللي خلوني أعمل كده، هما اللي زغرتوا وفرحوا، ودلوقتي سايبيني غرقان!”

أمي ردت بصوت هادي وفيه لؤم غريب:

ـ “يا ابني إحنا فرحنا لفرحك، كنت فاكرينك مرتاح كده.. دلوقتي لما الدنيا باظت في إيدك جاي تلومنا؟ يا حبيبي أنت راجل وسيد الرجالة، انزل اشتري لمراتك طقم دهب وروح هاتها، أو استنى لما هي تحن وترجع لوحدها.. المهم أنا مش حمل مشاوير وخناقات مع أهلها، اتصرف وظبط حالك يا جاسر، أنت مش صغير.”

رميت التليفون في الحيطة وكنت عايز أكسر كل حاجة حواليا.. البيت اللي كنت فاكر إني ملكه، طلع سجن. والناس اللي كنت فاكرهم سندي، طلعوا مجرد “جمهور” اتفرجوا على الحريقة وصقفوا، ولما النار بدأت تأكل فيا، كل واحد فيهم لف ضهره ومشي.

بقيت لوحدي.. مفيش غير صدى صوت زغاريدهم اللي لسه بيرن في ودني، بس المرة دي الزغاريد كانت طالعة بـ “سخرية”، كأنهم بيضحكوا عليا مش ليا.


قررت إني لازم أتصرف، كلام أهلي “اتصرف وظبط أمورك” كان زي الكرباج بيجلد فيا. نزلت اشتريت أغلى طقم ذهب لقيته في المحل، قولت في بالي “الحريم عقلها صغير والذهب بيزغلل العين، وأكيد سمر هتشوفه وتنسى كل اللي فات”.

رحت لبيت حمايا وأنا راسم على وشي ابتسامة الثقة، خبطت وفتح لي أبوها. ملامحه كانت جامدة زي الصخر، بص لي من فوق لتحت وقال ببرود:

ـ “عايز إيه يا جاسر؟”

ـ “عايز مراتي وبنتي يا عمي.. ومعايا هدية لسمر عشان أصالحها ونقفل الصفحة دي.”

طلعت علبة الذهب وفتحتها قدامه، كان لمعانها مالي المكان، وقلت:

ـ “أظن ده كفاية يخليها تعرف إن غلاوتها عندي كبيرة، وإن اللي حصل كان ساعة شيطان.”

أبوها بص للذهب بنظرة سخرية وجع كأنني أهنته، وزق إيدي بالراحة وهو بيقول بصوت يهز البيت:

ـ “أنت فاكر إن بنتي رخيصة للدرجة دي؟ فاكر إن الكسر اللي كسرته لقلبها وكرامتها قدام المأذون والشارع كله يتداوى بحتة حديدة صفراء؟”

في اللحظة دي سمر خرجت، كانت لابسة لبس خروج شيك وماسكة شنطتها، ملامحها كانت متغيرة، فيها قوة غريبة عمري ما شفتها. بصت للذهب وبعدين بصت لي وقالت بكلمتين بس:

ـ “وفّر فلوسك يا جاسر.. اللي انكسر مبيتصلحش، والزغاريد اللي أهلك عملوها كانت حفلة وداعنا الأخيرة. الذهب ده خليه للي هتيجي بعدي، يمكن ترضى بالذل اللي أنا رفضته.”

اتصدمت ورديت بغضب:

ـ “يعني إيه؟ أنتي بايعة كل حاجة عشان خاطر كلمة؟”

أبوها تدخل ووقف بيني وبينها وقال بحزم:

ـ “اسمع يا جاسر، الكلمة دي خلصت كل حاجة. أنت مالكش بنات عندنا، وسمر خلاص مابقتش تخصك. الروابط اللي كانت بينا اتقطعت يوم ما اخترت تكسرها قدام الكل. اللي ليك عندنا هي بنتك بس، وده حقها وحقك.. لكن من هنا ورايح، لو عايز تشوفها، تتصل وتحدد معايا ميعاد الزيارة قبل ما تيجي بـ 24 ساعة، وتشوفها في مكان عام أو هنا في الصالة قدام عيني.”

ـ “يا عمي دي مراتي!”

ـ “كانت.. أنت اللي اخترت تكون “كانت”. ودلوقتي اتفضل من غير شوشرة، بنتي وراها شغل ومستقبل بتبنيه بعيد عنك وعن أهلك.”

قفلت الباب في وشي، ووقفت أنا في السلم ومعايا علبة الذهب اللي كانت “باهتة” جداً قدام كرامة سمر وقوة أبوها. حسيت للحظة إني بقيت غريب، ماليش مكان لا في بيتهم ولا حتى في بيتي اللي بقى خرابة.

الأيام بدأت تمر عليا وأنا زي المجنون، مش مصدق إن “سمر” اللي كانت بتخاف من نظرة عيني، بقت بالصلابة دي. حاولت أروح لها البيت تاني وتالت، أقف تحت البيت بالساعات، أبعت رسايل اعتذار ووعود، بس مفيش فايدة.. الرد كان دايما “بلوك” أو تجاهل تام.

في يوم، قررت أروح لها قدام الشغل الجديد اللي عرفت مكانه بالصدفة. كنت واقف ومعايا ورد، قولت يمكن لما تشوفني لوحدنا قلبها يحن. أول ما خرجت من باب المبنى، لمحتها.. كانت ماشية بخطوات واثقة، وشها فيه راحة غريبة ما شفتهاش وهي معايا.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

جريت عليها وأنا بنادي:

ـ “سمر.. استني يا سمر، أرجوكي اسمعيني دقيقة واحدة بس!”

وقفت وبصت لي ببرود، وقبل ما تنطق بكلمة، لقيت عربية وقفت جنبنا، ونزل منها “خالد” ابن عمها.. خالد اللي طول عمره كان هادي وفي حاله، بس المرة دي نزل وعينه بتقدح شرار. وقف بيني وبينها كأنه سد منيع، وبص لي بنظرة خلتني أرجع خطوة لورا.

ـ “أنت إيه اللي جابك هنا يا جاسر؟ مش قولتلك مالكش كلام مع سمر تاني؟”

ـ “أنت مالك يا خالد؟ دي مراتي وأم بنتي، واللي بينا مشاكل عائلية مابيدخلش فيها حد من برا.”

خالد ضحك بسخرية وهو بيقفل باب العربية وبيقرب مني:

ـ “كانت مراتك.. والكلمة دي أنت اللي م وتها بإيدك يوم ما وزعت شربات على كرامتها. ومن النهاردة، أنا اللي واقف هنا، وأي كلمة عايز تقولها، تتقال ليا أنا.. سمر وراها بيت وعيلة بيحموها، ومش مسموح لك تقرب منها خطوة واحدة تانية.”

بصيت لسمر وقولت بقهر:

ـ “بقى هو ده اللي أنتي بتتحامي فيه يا سمر؟ ابن عمك؟”

سمر بصت لي بمنتهى القوة وقالت:

ـ “خالد سندي يا جاسر، والراجل اللي بيعرف يعني إيه عرض وقرابة.. اللي زيك ما يعرفش المعاني دي. خالد هو اللي بيوديني ويجيبني عشان مسمحش لواحد زيك يضايقني بكلمة.”

خالد حط إيده على كتف سمر وقال لي بحسم:

ـ “اسمع يا ابن الناس.. المرة دي بقولها لك بالذوق، المرة الجاية لو شفت خيالك جنب سمر أو جنب بيت عمي، مش هتحب اللي هيحصل. سمر خلاص قفلت بابك، والراجل فينا هو اللي بيعرف إمتى ينسحب بكرامته.. لو لسه عندك كرامة أصلاً.”

ركبت سمر معاه العربية، وخالد بص لي نظرة أخيرة قبل ما يدور المحرك ويمشي، وسابني واقف في نص الرصيف والورد في إيدي دبلان.. حسيت للحظة إن الدنيا فعلاً لفت بيا، وإن “جاسر” اللي كان فاكر نفسه الكل في الكل، بقى دلوقتي ملوش دية، ولا حتى قادر يوصل لظلها.

رجعت البيت وأنا الدم بيغلي في عروقي، مشهد “خالد” وهو واقف حيطة سد بيني وبين سمر مش عايز يروح من بالي. مسكت التليفون ورنيت على أمي، وأول ما فتحت الخط انفجرت فيها:

ـ “شوفتي يا أمي؟ شوفتي اللي وصلتينا ليه؟ سمر اللي كانت بتمشي جنب الحيط، دلوقتي ابن عمها خالد هو اللي بيوصلها ويجيبها، وواقف لي في الرايحة والجاية كأنه هو صاحب البيت! ده هزأني قدام الناس وقالي مالكش كلام معاها.”

أمي ردت ببرود وهي بتمصمص شفايفها:

ـ “يا خيبتك يا جاسر! بقى حتة عيل زي خالد يوقفك مكانك؟ ما كنت تديله كلمتين في عضمه وتعرفه مقامه.. وبعدين ما هي سمر طول عمرها عينها من عيلة أبوها، أهو لقت الفرصة عشان تتدلع عليهم.”

ـ “تتدلع إيه يا أمي؟ البت ضاعت مني بجد! وإخواتي اللي كانوا بيزغرطوا، مفيش واحدة فيهم رفعت سماعة التليفون تطيب خاطرها بكلمتين عشان نلم الدور.. دلوقتي أنا اللي شكلي وحش، وأهلها قفلوا في وشي كل الأبواب.”

في اللحظة دي، دخلت “عبير” أختي على الخط في مكالمة جماعية وقالت بلسان طويل:

ـ “جرى إيه يا جاسر؟ أنت هترمى خيبتك علينا ولا إيه؟ ما أنت اللي طلقت بلسانك، وإحنا فرحنا لك عشان كنا فاكرين إنك هتتجوز ست ستها وتغيظها.. إنما تروح تقف تحت بيتها وتتهزأ من ابن عمها، دي تبقى مشكلتك أنت.”

قفلت السكة وأنا حاسس إني لوحدي بجد. نزلت الشارع تاني، رحت قعدت على القهوة بعيد عن المنطقة، لقيت “خالد” معدي بالعربية ومعاه سمر وبنتنا “ليلى”. البنت كانت بتضحك وحاضنة خالد، وسمر وشها منور وبتتكلم معاه بتقدير واحترام عمرها ما ورتهولي في آخر أيامنا.

النار شعللت في قلبي، قمت وقفت وكنت هروح أهجم على العربية، بس افتكرت كلمة أبوها: “الروابط اتقطعت”.

رجعت شقتي المهجورة، بصيت في المراية.. دقني طويلة، لبسي مبهدل، وعيني مطفية. فتحت الثلاجة ملقتش فيها غير إزازة مية وقالب جبنة ناشف. قعدت على الأرض في الصالة المكركبة، وافتكرت سمر لما كانت بتقولي: “يا جاسر اتقي الله فيا، أنا ماليش غيرك”، وأنا كنت برد عليها بـ “أهلي خط أحمر”.

دلوقتي “الخط الأحمر” ده هو اللي عزلني عن العالم، وأهلي اللي شجعوني على الخراب، دلوقتي بيتفرجوا عليا من بعيد وبيمصمصوا شفايفهم على “خيبيتي”.

الليل دخل، والبيت بقى زي القبر.. مفيش غير صوت دقات الساعة وصوت ضميري اللي بدأ ينطق لأول مرة: “أنت اللي خسرت يا جاسر.. خسرت الست اللي كانت شارياك، عشان خاطر ناس باعوك في أول محطة”.

بعد ست شهور، الدنيا اتشقلبت تماماً.. وكأن اليوم اللي جاسر افتكر فيه إنه انتصر بطلاق “سمر”، كان هو بداية نهايته الحقيقية.

شقة جاسر بقت زي “البيت المهجور”، التراب مالي الأركان، وريحة السجاير كبسة على نفسه. المواعين مكومة في الحوض، وهدومه مبهدلة، وحتى ريحته بقت غريبة.. أصل اللي كانت بتخلي البيت “بيبرق” وتكوي القميص بالواحدة، خلاص بح، راحت للي يقدرها.

وفي ليلة شتا ساقعة، جاسر كان ماشي في الشارع بالصدفة، لقى زفة وعربية شيك متزينة، والناس ملمومة والزغاريد مالية المكان. وقف يتفرج بفضول، وقلبه قبضه فجأة.. لمح “خالد” ابن عم سمر نازل من العربية وهو لابس بدلة شيك جداً، ووشه منور بالفرحة.

نزل خالد وفتح الباب الناحية التانية.. وخرجت “سمر”.

كانت زي القمر بالفستان الأبيض، وشها فيه راحة وطمأنينة عمر جاسر ما شافها وهي معاه. خالد مسك إيدها وباسها قدام الكل، وشال بنته “ليلى” اللي كانت لابسة فستان أبيض صغير ومنورة، والبنت حضنته وقالت بصوت مسموع للكل:

ـ “بابا خالد.. شكلك حلو أوي!”

جاسر حس إن السكاكين بتقطع في جسمه.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. “بابا خالد”؟ بنته اللي كان بيمحي وجودها عشان يرضي أهله، دلوقتي لقت الأمان في حضن راجل غيره.تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

رجع البيت وهو بيترنح زي السكران، دخل لقى أمه وأخواته “عبير ونجلاء” قاعدين بيشربوا شاي وبيتفرجوا على التليفزيون ولا كأن في حاجة حصلت.

صرخ فيهم وهو بيعيط بحرقة:

ـ “ارتحتوا؟ سمر النهاردة اتجوزت خالد! وبنتي بتقوله يا بابا.. الزغاريد اللي زغرطتوها يوم ما طلقتها كانت زفتها لغيري وأنا مش دريان! خربتوا بيتي وضييعتوا مني مراتي وبنتي عشان ‘كلمتكم’ و’شورتكم’ اللي ودتني في داهية!”

أمه بصت له ببرود ومصمصت شفايفها:

ـ “يا خيبتك يا جاسر! بقى بتعيط على واحدة ما صدقت تترمي في حضن ابن عمها؟ دي باعتك في ست شهور يا ضنايا، بكرة نخطبلك ست ستها وتعرف إننا كنا خايفين على مصلحتك.”

عبير كملت وهي بتهز رجلها:

ـ “يا أخويا فكك منها، دي واحدة كانت عينيها من خالد من زمان وأهو لقى الفرصة، بكرة يزهق منها ويرميها ونشوف مين اللي هيضحك في الآخر.”

جاسر بص لهم بنظرة “قرف”.. لأول مرة يشوفهم على حقيقتهم. هما اللي شجعوه يهد حياته، وهما اللي فرحوا في كسرة مراته، ودلوقتي كل واحدة فيهم راجعة لبيتها وجوزها وعيالها، وهو اللي فضل لوحده في الخراب.

دخل أوضته وقفل الباب، رمى نفسه على السرير اللي ريحته بقت “غم”.. افتكر لما كان بيقول لسمر “أهلي خط أحمر”، واكتشف إن الخط الأحمر ده هو اللي دبح سعادته بإيده.

هى بقت عايشه مرتاحه مع واحد قدرها وفى حضن بنتها

وانا بقيت تايه مش عارف اعمل لنفسى لقمه ولا البس زى الاول

تمت بقلم امانى سيد



تعليقات

التنقل السريع
    close