القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سيارة ملياردير



سيارة ملياردير

 

ملياردير لقى نفسه عطلان في وسط شارع زحمة بعربيته الفارهة، وقعد يهزر باستعلاء مع بنت فقيرة ويقولها هديكي 100 مليون دولار لو صلحتيا، وهو مش متخيل إنها بلمسة واحدة هتحل المشكلة وتمشي وتخليه يراجع كل اللي كان مؤمن بيه عن الناس.


العربية السوداء الفخمة كانت ماشية بتلمع وسط الزحمة، والكل بيبص عليها بانبهار.. كانت ماشية بهدوء وثقة، وفجأة كحت كحة مكتومة، ووقفت مرة واحدة عند الرصيف.


الموتور اترعش رعشة أخيرة.


أنوار الطابلون رعشت وطفت.


وبعدها.. سكون تام.


لثانية، مفيش حاجة اتغيرت حواليها. المرور لسه ماشي، والأتوبيس وقف في المحطة، والناس لسه بتمشي. بس الجو حوالين العربية اتقلب.


"رأفت المنشاوي" نزل من كرسي السواق، ببدلته الرمادي الشيك اللي تفصلها بينه وبين الشارع الشعبي الزحمة حواجز كتير. رأفت من نوعية الرجالة اللي الناس عارفاهم من صور المجلات وأخبار البيزنس، حتى لو مش عارفين اسمه بالظبط. وفي العادي، الناس بتبصله بإعجاب.


النهاردة، الناس كانت بتبصله بفضول.. وضحك مكتوم.


بص وراه لقى طابور عربيات بدأ يتكون. كلاكاس ضرب، وبعده التاني.


"مش وقته خالص.. وفي المكان ده؟" برطم بضيق.


كام شاب واقفين على الرصيف بدأوا يتفرجوا. واحد طلع موبايله يصور، والتاني غمز لصاحبه وهو شمتان في منظر الملياردير اللي "شايط" في وسط الزحمة.


واحد منهم زعق: "جرب تدورها تاني يا باشا! يمكن تصحي!"


وكلهم ضحكوا.


رأفت رسم ابتسامة مهذبة بالعافية، بس نرفزته كانت باينة. ركب العربية تاني، ولف المفتاح..


"تِك".


مفيش فايدة.


جرب تاني..


"تِك".


ميتة تماماً.


لما نزل تاني، ثقته في نفسه كانت لسه


موجودة، بس بدا يظهر فيها شرخ صغير.. والناس بدأت تلاحظ.

في اللحظة دي، فيه بنت كانت ماشية على الرصيف، خطواتها بدأت تبطأ.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

كان باين عندها حداشر أو اتناشر سنة.. اسمها "جنا". كان في عينيها نظرة أكبر من سنها بكتير، رغم إن جسمها كان لسه ضعيف وصغير. كانت لابسة سويتر واسع عليها أوي، وكمه نازل مغطي إيدها، وماسكة كيس بلاستيك في إيدها ومحافظة عليه كأنه كنز.


جزمتها كانت دايبة، وشعرها ملموم لورا ببساطة وخصلات منه نازلة على وشها. كانت ماشية وموطية راسها، زي حد واخد على إن مفيش حد بيلاحظ وجوده أصلاً.


رأفت لمحها فوراً.


البنت مكنتش لايقة خالص على المنظر.. العربية الفخمة، المحلات الشيك، والناس اللي بتتفرج. ورغم كدة، لما نده عليها، الكل سكت وبص لها.


"يا بنتي،" نده عليها.


هي اتخضت ووقفت مكانها، ولما لفت وبصت له، عينيها فضلت في الأرض. قالت بصوت واطي ومخضوض:


"أنا ماخدتش حاجة والله."


الشباب اللي واقفين انفجروا في الضحك، كأنهم كانوا مستنيين الرد ده بالظبط. واحد قعد يقلد كلمتها بتريقة، والتاني قرب الموبايل وبيصور "زووم" على وشها.


رأفت ضحك ضحكة قصيرة، مش عشان الموضوع يضحك، بس عشان هو متعود يسيطر على الموقف بالهزار. لو هزرت الأول، يبقى إنت اللي فوق.


شاور على العربية وقال بلهجة فيها تريقة:


"شكلنا محتاجين مساعدة هنا."


الضحك زاد حواليهم.


ربع إيده وبص لها كأنه بيلعب لعبة مفيش منها خطر:


"بقولك إيه،" كمل كلامه باستهزاء، "أنا هديكي 100 مليون دولار لو عرفتي تخلي البتاعة دي تدور وتمشي تاني."


رأفت كان بيقول الجملة وهو متخيل إنها "نكتة" اليوم، والشباب اللي واقفين ميتين


من الضحك، واحد فيهم زعق: "يا باشا دي آخرها تبيع لك مناديل، 100 مليون إيه بس؟ دي متعرفش تعد لحد مية أصلاً!"

جنا رفعت راسها براحة، عينيها مكنتش خايفة زي الأول، كانت هادية بزيادة.. هدوء خلى رأفت يحس بـ نغزة غريبة في قلبه. هي بصت له، وبعدين بصت للعربية الضخمة اللي سعرها ممكن يعيش منطقة كاملة في رفاهية لسنين، وقالت بصوت واثق ومستقر:


— "حضرتك بتتكلم جد؟"


الشارع كله سكت. رأفت، اللي لقى نفسه متورط في لقطة قدام كاميرات الموبايلات، طلع محفظته الجلد الغالية، وطلع منها كارت شخصي "دهبي" وقال بفرعنة:


— "كلمتي عقد يا شاطرة.. اطلبي الرقم اللي في الكارت ده، وقولي لهم رأفت المنشاوي وعدني بـ 100 مليون لو دورت العربية.. ها، وريني بقى هتعملي إيه؟"


جنا قربت من العربية، والناس بدأت تزيد، الزحمة بقت خانقة. البنت حطت كيس البلاستيك اللي معاها على الرصيف بحرص، ورفعت كم السويتر الواسع. رأفت كان واقف ساند ضهره على الباب، مبتسم بـ "قرف" وهو مستني اللحظة اللي هتفشل فيها عشان ينهي الفقرة دي ويطلب الونش.


البنت ملمستش الموتور، ولا فتحت الكبوت. مشيت بخطوات بطيئة لحد "الشكمان" ورا، وطت بجسمها الصغير، وبصت بتركيز.. وبعدين مديت إيدها جوه فتحة الشكمان وطلعت "حجر" صغير كان محشور بزاوية غريبة، ومعاه حتة قماش قديمة مكرمشة.

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

الناس استغربت، ورأفت كشر:


— "إيه ده؟"


جنا ما ردتش، راحت ناحية باب السواق، وبصت لرأفت وقالت له:


— "انزل يا بيه.. وسيبني أجرب."


رأفت ضحك باستهزاء:


— "نعم؟ أركبك مكاني؟"


بس تحت ضغط الجمهور اللي بدأ يشجع "خليها تجرب يا باشا!"، نزل وهو بيبرطم. جنا قعدت على الكرسي


الجلد، جسمها كان غطسان جوه الكرسي الواسع، ورجليها يادوب طايلة الدواسات. حطت إيدها على زرار التشغيل "Start"، وغمضت عينيها ثانية.. ودست.

"رعععععععععععن!"


الموتور زأر زئير قوي هز الشارع كله. الدخان طلع من ورا، والأنوار نورت بقوة، وصوت المكنة بقى منتظم وزي الساعة.


الشارع انفجر بالصفير والزغاريط. الشباب اللي كانوا بيصوروا بقوا يهللوا: "عملتها البنت! عملتها!"


رأفت وقف مكانه مصدوم.. مش من إن العربية دارت، لكن من السهولة والبساطة. البنت نزلت من العربية، وراحت خدت كيسها من على الرصيف، ووقفت قدامه.


— "العربية كانت مكتومة يا بيه.. حتة قماش وحجر سدوا النفس، والموتور فصل أمان.. مكنتش محتاجة ميكانيكي، كانت محتاجة حد 'يحس' بوجعها."


رأفت بلع ريقه، مد إيده عشان ياخد الكارت منها بخوف، بس هي كانت لسه ماسكاه بقوة.. وبصت له في عينه وقالت:


— "الـ 100 مليون دول يجهزو مستشفى كامل للغلابة اللي بيموتوا عشان مش لاقيين تمن حقنة.. أنا مش عاوزاهم لنفسي، أنا عاوزاهم للي زيي."


رأفت حس إن الأرض بتلف بيه. البنت سابته ومشت، اختفت وسط الزحمة والناس بتبص لها بذهول.


ركب عربيته، بس المرة دي مكنش حاسس بالفخر.. كان حاسس إنه "صغير" أوي.


بعد تلات أيام، مصر كلها كانت بتتكلم عن "تبرع مجهول" بقيمة خرافية لبناء أكبر صرح طبي مجاني في قلب المناطق الشعبية.. وباب المستشفى كان عليه لوحة مكتوب عليها: "بلمسة واحدة.. ممكن نصلح اللي انكسر".


رأفت قعد في مكتبه، باصص للكارت اللي رجع له بالبريد، ومكتوب وراه بخط إيد طفولي:


— "الكلمة عقد يا باشا.. شكراً إنك خليتني أصدق إن فيه لسه خير."


ومن يومها،


رأفت المنشاوي مابقاش الملياردير المستعلي.. بقى الراجل اللي بيمشي في الشوارع يدور على "اللمسات" اللي بتغير الكون.

تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close