رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي) الفصل الحادي وعشرون 21بقلم الكاتبة شهد الشورى
رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي) الفصل الحادي وعشرون 21بقلم الكاتبة شهد الشورى
استيقظ يونس ما إن شعر ببرودةٍ تجتاح الفراش بجانبه الدفء الذي اعتاده منذ الليلة الماضية قد انسحب فجأة....
نفض عنه بقايا النعاس سريعًا، واعتدل في جلسته وعيناه تبحثان عنها بقلق لم تدم حيرته طويلًا فقد لمحها تخرج من غرفة الملابس
كانت ترتدي فستانًا صيفيًا بلونٍ بني فاتح ينسدل بنعومة على جسدها الفاتن وخصلات شعرها القصيرة التي أصبحت تلامس وجهها برقة زادت ملامحها نعومة وبهاء وقف يتأملها بهيامٍ واضح وكأن الصباح كله صار أجمل لمجرد وجودها أمامه
شعر بشيء جديد يتسلل داخله
إحساس لم يعرفه من قبل وهو يتساءل بصمت
هل يمكن أن يستيقظ كل يوم ويراها هكذا
بنفس الجمال والفتنة التي تسلب القلب والروح
اقترب منها بخطواتٍ هادئة وابتسامته الساحرة تزين ملامحه قائلاً بنبرة دافئة :
صباح الورد
ارتبكت قمر قليلًا وردّت بخجلٍ واضح فهي لم تنسى بعد ما حدث بالأمس نومها وهي تشعر بالأمان وقربه الذي أربكها بل تلك التصرفات الرقيقة التي لامست بداخلها إحساسًا أنثويًا جميلًا :
صباح النور
ثم تابعت وهي ترتدي ساعة يدها محاولة إشغال نفسها :
يلا اجهز خلينا ننزل نفطر مع الكل تحت
ضحك يونس فجأة بصوتٍ عالٍ وقال بمكرٍ مازح أربكها :
إنتي ليه مصرة تثبتي ليهم إني مقصر اتنين متجوزين جداد نازلين الساعة تسعة الصبح أقل واجب نفضل هنا كام يوم عشان أثبت لإلياس باشا إن ابنه أسد
غمز بعينه بمشاكسة فشهقت قمر بخجلٍ شديد واقتربت منه تضربه بخفة على صدره قائلة بغيظ :
سافل ومتربتش عمي إلياس معرفش يربي
رد عليها ضاحكًا بمشاكسة :
وحياتك أنا كده متربي أوي
مد يده فجأة وجذبها بخفة نحوه وهو يقول بمرح :
تعالي مش عاوزة تنامي تاني
دفعته بعيدًا بسرعة وقالت بغيظٍ واضح :
إنت استحلتها ولا إيه امبارح كان استثناء بس لكن بعد كده ممنوع تنام جنبي ولا تحضني بالشكل ده أنا خدت الموضوع على إنه هزار بس لو طلع بجد يا يونس......
اقترب منها أكثر وهو يبتسم بمكر قائلاً :
هتعملي إيه؟!
نظرت حولها بتوتر ثم قالت بإحراج :
هكسرلك الأوضة كلها
ابتسم لها بنظرةٍ مليئة بالدفء وقال :
فداكي الأوضة وصاحب الأوضة
احمر وجهها بشدة، ودفعته بعيدًا عنها قائلة بإحراج واضح :
يونس بطل هزارك ده معايا لو سمحت
كان يمازحها فقط…
كل ما قاله وكل ما لمح إليه، كان في نظرها مجرد مزاح ثقيل لكنها لم تدرك أن خلف ضحكاته كان هناك شيء آخر
نظر إليها للحظة بذهول وفي تلك اللحظة فهم كم هي ساذجة في تفسيرها لكل ما يحدث....
فهم لما وقعت في شباك ذلك الحقير نوح بتلك السهولة
حمقاء انها لا ترى ما يحاول إخفاءه خلف مزاحه
ضحك بخفوت مكتفيًا بالصمت ثم اتجه إلى المرحاض وخرج بعد دقائق مرتديًا ملابس منزلية مريحة وجلس على الفراش قائلاً بمرح :
اقعدي أنا هطلب الأكل يطلعلنا هنا
أومأت له بصمت وما هي إلا دقائق حتى دخلت الخادمة بعربة الطعام تحمل أطباقًا متنوعة تفوح منها روائح شهية
جلس يونس أمام الطعام وقال بشهيةٍ واضحة ومرح :
الواحد لو كان يعرف إنه هيتدلع وياكل أكل زي العسل كده كان اتجوز من زمان
ضحكت قمر بخفوت،وجلست تتناول الطعام معه في صمتٍ خفيف لكن عقلها كان ممتلئًا بالتساؤلات
كانت تراقبه من حينٍ لآخر
تبحث عن تفسيرٍ لتصرفاته الغريبة معها
عقلها كان يقودها لاتجاهٍ واحد
اتجاه تحاول رفضه بشدة
لكنها سرعان ما هزت رأسها تنفض تلك الفكرة بعنف وكأنها ترفض مجرد التفكير فيها فمستحيل…
مستحيل أن يكون يونس واقعًا في حبها !!!
..........
نظر بدر إلى مالك بحدة ثم نقل بصره نحو عشق التي خفضت وجهها أرضًا بخجلٍ شديد تحاول الهروب من أثر ما فعله مالك بتهوره وقبل أن ينطق بدر بأي كلمة كانت حياة قد سحبت يده بسرعة إلى داخل مكتبه وهي تقول بحنان :
ارتاح يا مالك شوية وهنرجعلك
أغلق الباب خلفه وما زالت ملامح الغضب تشتعل في عينيه التفت نحو يوسف وقال بغيرةٍ واضحة وقد عادت إليه ذكرى قديمة لم تغب عن ذهنه حين قبل مالك عشق :
خلي عينك على أختك ماتخليش الحيوان ده يقرب لها
داخل المكتب وقفت حياة أمامه بثبات وقبل أن يتحدث سبقته بنظرةٍ هادئة لكنها تحمل تحذيرًا صريحًا :
إياك يا بدر ترفض مالك وتكسر قلبه هو وعشق بلاش حركاتك اللي أنا حافظاها دي الاتنين اتوجعوا أوي الفترة اللي فاتت من اللي عمله حمزة ومهرة الموضوع مش مستحمل
اشتعلت ملامح بدر أكثر وقال بغيرةٍ وغضبٍ مكبوت :
الحيوان لمس بنتي ولا نسيتي لما شوفته آخر مرة مقرب منها ده لازم يتربى
رفعت حياة حاجبها بسخرية وقالت :
الله يرحم....اللي قديمه تاه يا بدر يا جارحي ولا نسيت انك عملت نفس الحركة معايا زمان
زفر بدر بضيق والغيرة على ابنته تشتعل داخله لكن خلفها كان هناك خوفٌ أعمق خوف أبٍ يرى طريقًا مليئًا بالأشواك قد تسير فيه ابنته من جديد
اقتربت منه حياة ونظرت إليه بتفهم تشعر بالصراع
الذي يدور بداخله قائلة بحب :
أنا حاسة بيك يا بدر وعارفة إنت بتفكر في إيه خايف على عشق وأنا كمان زيك بالظبط خايفة عليها بس على قد خوفي عليها على قد ما أنا واثقة في مالك إنه بيحبها وهيسعدها
صمتت لاحظة ثم تابعت بنبرةٍ أعمق :
مش ذنبه يخسرها بسبب أمه وأخوه متنساش إنه اتظلم زيه زيها وكان ممكن مستقبله يضيع، إحنا كلنا اتوجعنا أوي يا بدر من حقنا نفرح
تنهدت وعينيها تحملان حزن وألم كبير قائلة :
ولادي كلهم وجعوا قلبي....
يوسف الندم بياكله ومش عارف يصلح ولا يبدأ منين ومش عارف يرجع يعيش حياته زي الأول ومروان ماشي على نفس خطى اخوه وبغبائه هيخسر اللي بيحبها ويرجع ندمان زي يوسف وعشق موجوعة على مالك من اللي حصله من اقرب الناس ليه امه واخوه واللي كان ممكن يفرق بينها وبين مالك طول العمر
ضحك بدر قائلاً بمرح باهت :
بس الحمد لله عاصم فلت
ضحكت حياة بخفة وهزت رأسها قائلة :
أنا مش خايفة على عاصم عشان لما بشوفه بحس إني شايفة بدر حبيبي قدامي بنفس جنانه وحبه وشخصيته فبطمن....
اقتربت أكثر ونظرت له بعينين دافئتين قائلة :
بطمن عشان بدر حبيبي عمره ما جرح قلبي بالعكس كان ليا كل حاجة وكان السعادة اللي لقيتها بعد ما كنت تايهة وأنا واثقة إن زي ما بدر كان ليا احسن اب واخ وزوج وحبيب عاصم هيبقى كده
ابتسم بدر بحب وقال بمشاكسة خفيفة ونبرة مليئة بالحب :
هو أنا إمتى قولتلك إني بحبك يا صغنن
ضحكت بخفوت ثم احتضنته وهي تهمس برجاء :
وغلاوة حياة عندك يا بدر ماتكسرش قلبهم ووافق
أغمض عينيه لحظة ثم أومأ برأسه وقال بهدوء :
وغلاوتك عندي مش هزعلك بس همشي الموضوع بطريقة تحمي بنتي من أي أذى ومن غير ما أوجعها
وها هو يجلس برفقة جلس مالك قائلاً بهدوء شديد :
أنا عندي شروط الأول
رد عليه مالك فورًا بلهفة :
موافق
رفع بدر حاجبه قائلاً بابتسامة جانبية :
مش تسمعها الأول؟
أجابه مالك بثقة ولهفة :
من غير ما أسمع.... أنا هعمل أي حاجة عشان خاطر عشق
نظر إليه بدر للحظة، ثم قال بصرامة :
بعد الجواز عندك اختيارين يا تعيشوا معانا هنا يا تعيشوا في شقة لوحدكم بره لكن بنتي مش هتدخل البيت هناك تاني بعد اللي حصل وأظن إنت فاهم قصدي كويس
ابتلع مالك غصة مريرة لكنه أخفاها وقال بهدوء :
أنا أصلًا كنت ناوي أعيش أنا وعشق لوحدنا بعد الجواز
أومأ له بدر ثم أكمل بنبرةٍ أشد :
لو دمعة واحدة بس نزلت من بنتي بسببك
أو بسبب أمك وأخوك واتعرضت لأذى منهم هاخدها منك علطول ومش هيهمني حد ولا حتى هيهمني حبك ليها طالما مقدرتش تحميها من اذاهم !!
رد عليه مالك بثبات وصدق رغم ألم قلبه الكبير :
لو أنا محميتهاش من نفسي قبلهم ابقى ما استحقهاش ومع ذلك أنا بوعدك اني عمري ما هزعلها ولا هجرحها
سادهما صمت قصير ثم قال بدر بصرامة :
مفيش جواز غير بعد الترم ده ما يخلص ساعتها نبقى نحدد ميعاد وتيجي تطلبها مني اخر الأسبوع انت وابوك وعيلتك باستثناء طبعا.......
سمع مالك كل كلمة منه دون أن يعترض واكتفى بهز رأسه بصمت فالشروط لم تكن ثقيلة بقدر ما كانت مؤلمة
لم يكن يفكر في نفسه بل فيهم
في والدته وفي أخيه
اللذين كان من المفترض أن يكونا أول من يركض إليهما ليزف خبرًا كهذا خبرًا كان يومًا يحلم به ينتظره بشوق طفلٍ يرى سعادته تقترب لكن بدلًا من ذلك وجد نفسه يشعر بالعار
شعر بغصةٍ مريرة تخنق صدره.....
عارٍ ثقيل تسلل إلى قلبه ليس لأنه أخطأ بل لأن من يحمل اسمهم فعلوا كم كان يتمنى أن يكون هذا اليوم مختلفًا
أن يكون ممتلئًا بالفرح بالاحتواء بالركض نحوهم لا الهروب من ظلهم لكن الحقيقة كانت أقسى !!
............
اندفع أوس خارج الغرفة كإعصارٍ لا يرى أمامه متجاهلًا نداء مهرة بل دفعها بعيدًا بقسوةٍ لم يعهدها أحدًا منه معها بالذات
لم يترك له آدم فرصة أمسكه وسحبه إلى مكتبه وأغلق الباب بعنف ثم انفجر فيه :
إنت إيه اللي عملته ده إزاي تاخد خطوة زي دي من غير ما ترجعلنا إنت واعي إنت عملت إيه
وقف أوس أمامه هدوءه الظاهري يخفي عاصفةً داخله :
أنا حر ومش عيل عشان تحاسبني يا ادم
اشتعلت عينا آدم وصوته ارتفع بغضب :
ياريتك يا اخي كنت عيل كنت لقيتلك عذر على لعب العيال اللي انت عملته ده إنما إنت كده هبت منك خالص رايح تتجوز وولادك على وش جواز يا اخي لو مش عشانهم كنت راعي الشعر الابيض اللي مالي راسك
رد عليه أوس بغضب مماثل :
مالوش لزوم الكلام ده يا ادم....
أنا معملتش حاجة غلط اتجوزت على سنة الله ورسوله محدش له عندي حاجة
ضحك آدم بسخرية ثم قال بغضب مشتعل :
اه واتجوزت مين بقى....
غزل اللي إنت عارف كويس إنها مش سهلة ومش هتنفذلك اللي إنت جبتها عشانه إنت عملت كده عشان تقهر مهرة
عشان تطفي النار اللي جواك بس لأ إنت غبي رايح تطفي نار ببنزين والنار دي هتولع فيك انت أول واحد
انفجر أوس صارخًا عليه بغضب :
مهرة بقت ولا حاجة بالنسبة ليا بعد اللي عملته فيا وفي ولادي أنا عشت معاها في وهم وجي الوقت اللي اصلح فيه غطلتي مش هعيش اللي باقي من عمري اندب ع اللي عملته فيا كفاية عليا اللي ضاع وأنا عايش مع واحدة غدارة زيها
هز آدم رأسه بيأس :
وهتقدر....هتقدر توجعها وإنت لسه شايل حبها جواك
يا سيدي مهرة غلطانة والغلط راكبها من ساسها لراسها بس هتقدر توجعها وإنت لسه بتحبها يا أوس
يا أخي غلطت وغلطها كبير اوي عاقبها طلقها وخليها تعرف غلطها إنما تروح تتجوز غزل اللي أصغر منك يجي بعشرين سنة إنت عارف الناس هتقول عليك إيه؟!
اقترب منه أكثر قائلاً بتهكم :
"فكرت في ولادك واللي هيتقالهم....
محدش هيقول أبوهم اتجوز عشان ينتقم هيقولوا أبوهم بيجدد شبابه فكرت فيهم وهما صلاً مش ناقصين وفيهم اللي مكفيهم كفاية صدمتهم في أمهم عاوز تصدمهم فيك كمان
صمت للحظة ثم أكمل بحدة :
لأ وجايبها وجاي هنا يا اخي ده بدل ما تشوف حل للي إنت طلقتها وعايشة بينا لحد دلوقتي....
طب بأي صفة هي عايشة هنا وبأي صفة هتقهرها وهي أصلاً مينفعش تقعد وسطنا بعد ما طلقتها
تجمد أوس لحظة ثم قال فجأة بغضب :
هردها
أغمض آدم عينيه بغيظ ثم صرخ عليه بنفاذ صبر :
مفيش فايدة فيك عمرك ما هتكبر وتعقل أوس المتهور بتاع زمان لسه زي ما هو وبكره تندم على الخطوة دي لما تلاقي إنك بدل ما تطفي نار ولعت غيرها كتير وإنت مش واخد بالك يا ابن ابويا وامي.....
في تلك اللحظة كانت حياة قد دخلت مع ريان وأمير....
استمعوا لكل شيء، تقدمت حياة منهما قائلة بحزن :
خلاص يا آدم سيبني أنا أتكلم معاه شوية لوحدنا
لكن أوس انفجر فيها بغضب أعمى :
محدش ليه دعوة بيا مش عاوز حد يتكلم معايا...
أنا مش عيل صغير سيبوني في حالي وإنتي خليكي في
بيتك وحياتك يا حياة مالكيش دعوة بيا ولا بيها عشان مش هسمع منك زي الأول مش هعدي ولا هسامح هي متستاهلش منك كده بعد كل الكره والغل اللي شايلاه ليكي في قلبها
اندفع خارجًا يجر خلفه غضبه ووجعه
ارتطم الباب بقوة هزت المكان ثم ساد الصمت.....
وقف الأربعة مكانهم ينظرون لبعضهم بعجز
حياة وضعت يدها على قلبها وكأن الألم امتد إليها بينما تنهد ريان بصمت، ومرر أمير يده في شعره بضيق
أما أوس فوقف أمام سيارته لثوانٍ ملامحه جامدة
لكن عينيه تحملان صراعًا لا يُخفى لم يكن غاضبًا فقط
كان موجوعًا.....
رفع رأسه ببطء وكأن كلمات آدم بدأت تتردد داخله رغماً عنه لكن كبرياءه كان أكبر من أن يعترف وظل يردد لنفسه
أنه واثق مما يفعل لكن الحقيقة…
أنه لم يكن واثقًا كما ادعى !!
بينما مهرة كانت تقف وحدها تضع يدها على موضع دفعه لها بقسوة منذ قليل لكن الألم الحقيقي لم يكن في جسدها
بل في قلبها الذي بدأ يدرك أن ما بينهم لم يعد كما كان !!
............
كان نوح جالسًا على أرض غرفته وسط حطامٍ يعكس روحه جدرانٌ مخدوشة وزجاجٌ متناثر وفوضى لا تقل عما يشتعل داخله عیناه معلقتان بفراغٍ خانق.....
تلك الصور لزفاف يونس وقمر التي اجتاحت كل الشاشات كأنها جاءت لتؤكد له خسارته أمام العالم كله
كانت النار تأكله ببطء
يراها تُزف لغيره تبتسم وتبدأ حياةً كان يظنها يومًا حقًا له
حبٌ لا يُجيد الإنكار.....وأنانيةٌ لا تعرف الرحمة
نعم يُحبها لكن حبه لا يعرف الاحتواء بل يعرف الامتلاك
يريدها رغم كل ما فعله بها
يريد دموعها باسمه وانتظارها له
كأن وجعها حقٌ من حقوقه
لا يحتمل أن تنجو منه
أن تمضي....أن تُشفى....أن تكون لغيره أو حتى لنفسها
يريدها عالقةً عنده مكسورةً به
تحمل أثره كجرحٍ لا يلتئم ليس لأنه يستحق…
بل لأنه لا يحتمل فكرة أنها قد تنساه
حبه ليس حبًا بل قيدٌ يُمسك بها
حتى بعد أن تركها غدر بها وتركها تنزف وحدها
أغمض عينيه بقهر وقذف بزجاجة الخمر من يده فتحطمت على الأرض وتناثر الزجاج كأنه شظايا قلبه لقد نفذ ما طُلب منه ومع ذلك لم يعيدوا إليه شقيقته كانت خدعة ليضمنوا صمته وثباته حتى يتم كل شيء كما يريدون وكل ذلك بإشراف ذلك المدعو إلياس حفاظًا على السر الذي سعى ابنه ليخفيه !!
في تلك اللحظة انفتح الباب ودخلت مربيته هو شقيقته بسمة قائلة وهي تنظر إليه بعينين مثقلتين بالأسى :
كفاياك بقى يا ابني كفاياك وفوق لنفسك ومن الانتقام اللي سارقك وعاميك عن كل اللي حواليك
رفع رأسه بعنف وصاح فيها بغضبٍ أعمى :
انتي مالك انتي ازاي تسمحي لنفسك تتدخلي في حاجة ماتخصكيش انتي هنا خدامة شغالة بفلوس تعملي المطلوب منك وخلاص
ارتجفت ملامحها، لكنها تماسكت وقالت بانكسار وحزن :
عندك حق يا بني بس أنا لما فضلت معاك انت واختك من سنين عملت كده عشان حبيتكم زي ولادي بعد موت أمكم وكمان أبوكم وعشان معزتكم في قلبي أنا هسامحك على الكلام ده ومش هاخد على خاطري
صمتت للحظة ثم تابعت بحزن :
أبوك مات وماتجوزش عليه غير الرحمة وانت بدل ما تفضل جنب أختك وتحميها وتعوضها عن غيابهم فضلت تجري ورا انتقام مالهوش أي أساس ولا دليل مجرد كلام زرعته الشيطانة سمر مراة أبوك جواك
تصلب جسده وتسارعت أنفاسه وهي تتابع بغضب :
سيبتلها أختك هي ووليد الكلب مارحموهاش ولا يوم
مراة ابوك كانت بتسيبه يتحرش بيها كل يوم وينهش في لحمها وأختك مش قادرة تتكلم كانوا بيهددوها بيك، اختك مقدرتش تستحمل اللي عملته في بنت مظلومة مالهاش ذنب فسرقت ورق الجواز العرفي من خزنتك وهربتها ليها
ارتجف جسده بعنف وكأن الكلمات سياطٌ تنهال عليه :
اللي قتل أبوك سمر بالاتفاق مع وليد خوفوني ببنتي هددوني يقتلوها كنت عايزة أقولك بس أجبروني أسكت فضلت أراقبهم لحد ما عرفت الحقيقة كلها سمر كانت عايزة تنتقم من أدهم الجارحي بيك انت وتبقى كبش الفدا عشان يستولوا على فلوس أبوك الله يرحمه وفي نفس الوقت تحقق انتقامها
انفجرت بالبكاء وهي تقول :
اللي خلاني أتكلم إنهم خطفوا الحرباية دي وبعدوها عن هنا كانت مراقباني ومسجلة ليا كل نفس أبوس إيدك يا ابني فوق....فوق وأنقذ أختك بنتي هتضيع مني لو عرفوا إني قولتلك حاجة
ساد الصمت لكنه لم يكن هدوءًا.....بل كان ثِقلًا يكاد يخنقه
الصدمة اجتاحته كإعصار
غضبٌ عارم لكن هذه المرة كان نحوه هو
كل تلك السنوات أخته كانت تُعذب...
تُنهش وهو كان غائبًا عنها
لم يكن منتقمًا…
بل كان أعمى مغفّلًا مجرد أداة في لعبةٍ قذرة
مرر يده في شعره بعنف وأنفاسه تتكسر في صدره وعيناه زائغتان كأنه يرى نفسه لأول مرة بلا أوهام يتساءل بداخله بتلك الأسئلة التي مزقته
كيف لم يشعر....؟!
كيف لم يرى.....؟!
كيف تركها وحدها.....؟!
قبض على صدره كأن الألم صار ملموسًا
ذنبٌ ينهش وندَمٌ لا يُغتفر فماذا عن تلك التي أحبها
فضاعت لا لأن الزمن سرقها بل لأنه هو من أضاعها
رفع رأسه ببطء عينيه لم تعد تحمل ذلك الجنون الأعمى
بل شيئًا أشد قسوة وعيٌ متأخر وحقيقةٌ جارحة مُرة
لم يعد يدري ما به
لا يعرف إن كان ما يشعر به غضبًا أم ندمًا أم احتراقًا بطيئًا من الداخل لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط…
أنه لم يعد كما كان 💔
...........
كان الغليان ينهش صدره منذ الأمس....
منذ اللحظة التي قرر فيها أنه سيتحدث معها أخيرًا حتى لو في طريق عودتهم لكن ذلك الأمل تلاشى سريعًا حين فاجأته بطلبها من شقيقها وزوجته أن يتوليا توصيلهم بدلًا من السائق
طوال الطريق كانت تتحاشى النظر إليه تتجنب عينيه عمدًا
كأن وجوده لم يعد يعنيها أما هو فكان يختنق بنظراتٍ لا تجد طريقها إليها.....
يزداد نفورها منه بينما يقف ياسين له بالمرصاد كجدارٍ صلب يمنعه حتى من المحاولة تجاهل توسلات زوجته التي حاولت أن تترك لهما مساحة للحديث لكنه لم يستطيع
فكيف يأتمنه عليها وهو الذي شك بها ثم هرب وتخلى عنها في البداية.....؟!
كيف يمنح فرصةً لرجلٍ خذلها وكسرها.....؟!!
اقترب مجدي منه وعيناه مثقلتان بالحزن قائلاً :
بتحبها للدرجادي يا اياد
أومأ له إياد لحظات ثم انفجر وكأن السؤال كان الشرارة التي انتظرها طويلًا :
بحبها وكل ما افتكر اللي حصل بكره نفسي اوي ع اللي عملته فيها وبكره نزولي مصر وبكرهك
تجمد مجدي مكانه وسأله بصدمة ولسان ثقيل :
بتكرهني !!
جاءه الرد كطعنةٍ لم يكن مستعدًا لها :
اه مستغرب ليه، انت ليه أصلا متوقع اني ممكن احبك او نكون اب وابن طبيعين بعد اللي حصل منك ليه مستني منك ابادلك مشاعر انا عمري ما حسيتها منك
ارتبك صوت مجدي وهو يهمس بألم :
انت ابني
لكن إياد لم يعد يحتمل…
سنوات الصمت انفجرت دفعةً واحدة :
دلوقتي بس افتكرت اني ابنك ولما رمتني سنين لواحدة انت عارف ان مفيش في قلبها رحمة واحدة مكنتش ابنك وانت بتسيبني ليها وبتتخلى عني مكنتش ابنك طول السنين اللي فاتت وانت راميني ومش سائل عني رمتني ليها وأنا عندي خمس سنين عيشت معاها وشوفت كل فجرها
طفل شايف امه من راجل لراجل والكاس مش بيفارق ايديها ام مدمنة وبتلعب قمار وفيها العبر رمتني ليها وانت عارف انها ماتصلحش تكون ام رمتني ليها عشان تخلص من همي مفركتش فيا غير لما حسيت نفسك كبرت وأنا الوريث الوحيد ليك واللي شايل اسمك واللي عشان تخلص ضميرك منه زمان كنت بترميله فلوس كل شهر
مرر يده على وجهه بعنف وكأن الكلمات نفسها تؤلمه ثم تابع بصوتٍ مبحوح :
انا من اي تصرف منك بحسك غريب عني...
أنا مش شايفك اب ولا عارف التمس ليك عذر ولا عارف اسامحك عشان سبتني ليها وخليتها تطلعني كده من ساعة ما جيت من السفر نازل فيا تقطيم اني نسوانجي وزبالة ولازم دلوقتي اشتغل واعقل حطتني في بيئة انت عارفها كويس كنت مستني مني اخرج منها عامل ازاي....
أنا طلعت زيها زي اللي ربتني وسبتني ليها
رفع عينيه إليه وفيهما حزنٌ أعمق من الغضب :
انت نزلتني مصر بالعافية لما قفلت عليا حنفية الفلوس اجبرتني انزل عشان بس لقيت نفسك عندك استعداد تمارس دور الابوة طب ما افتكرتش محاولاتي زمان مافتركتش كام مرة اتصلت بيك عشان تيجي تاخدني بس انت اصلا مكنتش بتسمعني من قبل ما حتى ما ارد على سؤالك وانت بتسألني عن اخباري كنت بتقولي اقفل معايا شغل.......
امتلأت عيناه بالقهر وهو يهمس :
في الوقت اللي انا كنت محتاجك فيه تكون اب ليا انت مكنتش موجود فليه مستني مني أكون ابن ليك لما احتاجتني شغلك اللي فضلته زمان على انك تسمع ابنك رجعتني مصر عشان امسكه ليك
ثم أضاف، بصوتٍ مكسور :
على فكرة انت نفسك مش قادر تشوفني ابنك ولا قارد تاخدني في حضنك لانك شايفني غريب عنك زي ما انا شايفك غريب عني!!
انهمرت دموع مجدي بصمت…
كلماته كانت كالسياط لكنها صادقة مؤلمة لأنها حقيقية
أما إياد فكان صدره يعلو ويهبط بعنف
كمن أفرغ سنواتٍ من الألم دفعةً واحدة استدار ليغادر
غير قادرٍ على البقاء ثانيةً أخرى
لكن دوى صوت ارتطامٍ قوي بالأرض تجمد في مكانه
ثم التفت ببطء ليجد والده ساقطًا أرضًا وجهه شاحب
يحاكى شحوب الموتى.....!!!!!!
...........
دخلت حبيبة الغرفة فوجدت غنوة كما تركتها منذ ساعات… جسدٌ ساكن، ودموعٌ لا تتوقف، حتى الطعام لم تقترب منه كانت هيئتها يثير الغضب أكثر مما يثير الشفقة فتقدمت نحوها وصرخت عليها غاضبة :
مالك يا بت قاعدة كده ليه زي خبيتها...
زعلانة وبتعيطي على واحد زي ده مايسواش وندل
ده انتي المفروض تقومي تفقعي زغروطة وتوزعي شربات كمان عشان ربنا بعده عن طريقك خسارة اللي زي ده مكسب يا عبيطة
رفعت غنوة وجهها بصعوبة ودموعها تنساب في صمتٍ موجع قائلة :
هو مكنش ليا من البداية عشان أخسره يا حبيبة أنا اللي كنت غبية وعيشت نفسي في أحلام العيب على سذاجتي أنا
زفرت حبيبة بغيظ وردت عليها بحدة :
آه غلطانة والغلط راكبك من ساسك لراسك بس هو كمان كان زبالة واستغلك خلاكي تتعلقي بيه وبعدها فجأة اكتشف إنك خدامة ماتلقيش بيه ده واحد واطي وخسيس
اشتد بكاء غنو، فاقتربت منها حبيبة أمسكتها وأوقفتها بالقوة قائلة بحدة :
قومي يا بت واصلبي طولك، حالتك دي هي اللي مرخصاكي في عيونهم قومي كده وانشفي اللي حصلك مش نهاية العالم إنتي لسه صغيرة ماكملتيش عشرين سنة حب إيه وجواز إيه اللي بتدوري عليهم فكري في نفسك وفي شهادتك ده احنا شقينا عشان ترجعي تكملي تعليمك الحب مش هيعيشك بس شهادتك هتعيشك
نظرت إليها غنوة بعينين دامعتين فتابعت حبيبة بضيق :
طول عمرك قاعدة تندبي حظك ومفكرتيش تغيريه طول عمرك بتستني حاجة من ناس قلوبها حجر اتجرحتي منهم كتير ومع ذلك مش بتتعلمي أبوكي كان واطي هو ومراته الحرباية وبناتها كان ممكن تمشي وتسيبيهم وبيت خالتك كان مفتوحلك بس انتي فضلتي مستنية منه حنان وهو طول عمره قاسي وآخرها اتهمك بالسرقة وكدبك وصدق مراته ونصفها عليكي
صمتت للحظة ثم أكملت بحدة :
حتى الزفت اللي اسمه مروان لسه مستنية منه حب بعد ما أهانك قدام الكل وقال عليكي خدامة يابت ماتقهريش نفسك على حد ما يستاهلش اللي بيعوز حاجة من الدنيا بيعافر عشان يوصلها مش يفضل حاطط ايده على خده مستنيها تيجي لغاية عنده
ردت عليها غنوة بقهر وألم :
بستنى عشان بصبر نفسي يا حبيبة بصبر نفسي أحسن ما أصدق إن أبويا كارهني وإن الوحيد اللي حبيته كسر قلبي بستنى وبعشم نفسي عشان موصلش لنفسي إحساس إن مفيش حد بيحبني وعاوزني
صرخت عليها حبيبة بانفعال :
يولع أي حد مايحبكيش مش هتشحتي الحب يا بت
فوقي كده واتعدلي أحسن والله أكمل عليكي العلقة اللي خدتيها من خالتك أبوكي مش عاوزك يغور في داهية
مروان طلع ندل غور في ستين داهية مش داهية واحدة بس
مرات أبوكي وبناتها كانوا قاسين عليكي يولعوا في نار جهنم البُعدة.....يابت افهمي بقى ماتبقيش على حد مش شاريكي الضربة اللي متموتش بتقوي يا عبيطة
ثم جذبتها نحو المغسلة ودفعت رأسها تحت الماء قائلة بصرامة :
فوقي يا بت كفاية استسلام وانزلي شوفي دراستك ودوري على شغل جديد الهي نفسك بيه
كانت كلمات حبيبة كصفعاتٍ متتالية مؤلمة، لكنها صادقة
تركتها ورحلت بينما بقيت غنوة وحدها تغرق في صدى تلك الكلمات أخذت توبخ نفسها بصمت وكأنها ترى حقيقتها لأول مرة.....بعد قليل.....
خرجت من غرفتها، وقد بدلت ملابسها ثم وقفت أمام حبيبة التي تجلس مع خالتها قائلة :
أنا هنزل أدور على شغل
ضحكت خالتها قائلة بسخرية لاذعة :
طب حاسبي يا أختي لا يشربك حاجة صفرا زي اللي قبله
ابتلعت غنوة غصةً مريرة ثم غادرت دون رد
نظرت حبيبة لوالدتها بضيق قائلة :
كان اي لزومه الكلام ده يا ماما ما البت خلاص فاقت
لنفسها وعرفت غلطها
تنهدت خالتها بحزن قائلة :
لسه مفاقتش ولازم تفوق لو الموضوع عدى بالساهل هتكرره تاني ربنا العالم اني بقولها كده عشان بنتي وخايفة عليها من الغلط ومتمناش ليها الضرر ده لولا الملامة من حرقتي كنت روحت بهدلته ونسلت شبشبي على دماغه بس أنا عارفة اني بنتي غلطانة زيها زيه
أومأت لها حبيبة قائلة بهدوء :
عارفة يا ماما وفهماكي بس كفاية عليها لحد كده أنا اتكلمت معاها وفهمتها غلطها هي دلوقتي محتاجانا جنبها فبلاش نزودها عليها ونجيب سيرة الواد ده كل شوية قدامها عشان تعرف تنساه وتشيله من دماغها
في الخارج دارت غنوة طويلًا بين الشوارع تبحث عن عمل لكن الأبواب كانت موصدة والفرص قليلة جدًا لم تجد سوى عمل بسيط في مكتبة براتب زهيد لا يكفي احتياجاتها
عادت وأخبرت حبيبة التي قالت لها :
خلاص ولا يهمك الأوتيل اللي بشتغل فيه طالبين عمال في المغسلة حتى محمود قدم هناك معايا في قسم المحاسبة وإن شاء الله نتقبل كلنا المكان بعيد شوية بس يستاهل مرتبهم حلو اوووي
أومأت لها غنوة بصمت ثم انسحبت بهدوء إلى الشرفة وقفت تنظر إلى المنزل المقابل لها منزل والدها القديم
الذي باعه وتركه وتركها معه لكن هذه المرة كان معروضًا للإيجار تعلقت عيناها به طويلًا وفكرة جديدة بدأت تنبض داخلها ربما النجاة هذه المرة لن تأتي من أحد بل منها نفسها !!
يتبع.......
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملة الجزء الاول1 من هناااااااااا
الرواية كاملة الجزء الثاني2 من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق