القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي) الفصل الثاني وعشرون 22بقلم الكاتبة شهد الشورى


رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي)  الفصل الثاني وعشرون 22بقلم الكاتبة شهد الشورى





رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي)  الفصل الثاني وعشرون 22بقلم الكاتبة شهد الشورى

 #الفصل_الثاني_والعشرون

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

دخل يوسف إلى المطعم بخطوات غاضبة لكن عينيه كانتا تعصفان بشررٍ مكتوم بداخله حربًا يحاول بكل ما يملك ألا يتركها تنفجر أمام الجميع وما إن لمح هاشم ونانسي جالسين بالفعل حتى أجبر نفسه على الهدوء شد أعصابه واقترب منهم بوجهٍ جامد يخفي خلفه الكثير


ابتسم هاشم فور رؤيته وقال بترحاب شديد :

عاش من شافك يا عم يوسف ليك واحشة


أما نانسي فهزت رأسها بعتاب لطيف وقالت :

ولو إني زعلانة منك عشان اللي سمعته عنك الفترة اللي فاتت بس مفتقدينك والله يا يوسف


لكزها هاشم بغيرة وهو يتمتم بحنق :

اتلمي


انفجر كريم ضاحكًا وهو ينظر لهما بعدم تصديق :

والله الواحد عمره ما كان يتخيل إن إنتوا الاتنين تتجوزوا


التفتت ليلى إليهما بصدمة ممزوجة بسعادة حقيقية :

إنتوا اتجوزتوا بجد؟!


ردد يوسف بهدوء ظاهري :

ألف مبروووك


ابتسمت نانسي بامتنان لكن عينيها حملتا ذكرى أيامٍ قاسية مرت بها وقالت بصوت هادئ :

كانت فترة صعبة أوي اللي عيشته مع طليقي كان جحيم بجد أيام سودا، ومكنش ليا حد يقف ليه بعد موت بابا الله يرحمه لحد ما قابلت هاشم لولا إنه وقف جنبي مكنتش قدرت أخلص من الجوازة دي هو اللي خدلي حقي ودافع عني فضل ماسك إيدي لحد ما وقفت على رجلي من تاني وخلاني أحبه زي ما بيحبني


ثم نظرت إلى هاشم بحب صادق أكمل دفء كلماتها :

أوقات كتير بنفضل ندور على الحب الحقيقي والسعادة ونكتشف في الآخر إنهم كانوا جنبنا طول الوقت بس إحنا اللي مكناش شايفين....

العمر بيجري وفيه ناس بتعرف قيمة اللي قدامها وبتتمسك بيه وفيه ناس مابتفوقش غير بعد فوات الأوان وأنا مبسوطة أوي إني لحقت أحس بحب هاشم ليا الحب اللي عمري ما حسيت زيه، هاشم أحسن حاجة حصلتلي في حياتي أنا مبسوطة إني لقيته قبل ما العمر يجري بيا


ابتسمت ليلى لها بحنان لكن قلبها انقبض بمرارة مؤلمة كلمات نانسي أصابت شيئًا عميقًا بداخلها وكأنها تتحدث عنها وعن يوسف دون أن تدري


أما يوسف فابتسم هو الآخر ابتسامة موجوعة شاحبة بينما سؤال واحد فقط ينهش صدره هل فات الأوان أم أن الطريق ما زال مفتوحًا وما زالت لديه فرصة أخيرة.....؟!!


التقت عيناه بعيني ليلى للحظة نظراته كانت ممتلئة باعتذارٍ صامت، بندمٍ لم يعد يعرف كيف يشرحه بالكلمات لكنها تجاهلته تمامًا وأكملت حديثها مع أصدقائها وكأنه غير موجود

جلس يراقبها بصمتٍ قاتل، يتابع ضحكتها وحركاتها الصغيرة بعينين ممتلئتين بالشوق والخسارة بينما كان كريم بجانبها يشاركها الحديث طوال الوقت يحاول لفت انتباهها بأي طريقة وكأن وجود يوسف لم يعد يعني شيئًا بالنسبة لها !!!

............

برغم ألمها ونفورها منه، إلا أن جزءًا خفيًا داخلها كان سعيدًا سعيدًا بتمسكه بها، بعدم استسلامه، بعدم نطقه لتلك الكلمة التي كانت ستُحطم ما تبقى منها ورغم تلك السعادة الصغيرة ظل الحزن ينهش قلبها بصمت، تتألم منه.....وبسببه !!


أما آدم فقد بدأ شيءٌ داخله يتغير تجاه ذلك الشاب

لو أنه طلقها يوم هدده بالسلاح لكان تأكد أنه لا يستحقها وأنه لم يكن سوى عابرٍ استغل ابنته وتركها تواجه العاصفة وحدها لكن تمسكه بها واستعداده للموت بدلًا من أن يتركها جعل قلبه يلين رغمًا عنه


ربما كان مستهترًا وربما نشأ وسط القذارة والخراب لكنه يحب ابنته، يريدها، ويتمسك بها بكل ما فيه

كان آدم يعلم أن الخطأ لم يكن من إياد وحده بل من ابنته صافي أيضًا ومع ذلك، لم يكن مستعدًا لمنحه ثقته بسهولة

كان يريد أن يتأكد أن ذلك التغير حقيقي


فخلال الفترة الأخيرة بدأت شركة جلال تتقدم بشكل ملحوظ تحت إدارة إياد وكل التقارير التي تصله عنه كانت جيدة لكن ذلك لم يكن كافيًا بعد ليُسلمه غاليته


وقفت صافي أمام المرآة تتأمل هيئتها بصمت

كانت ترتدي بدلة نسائية سوداء أنيقة أسفلها قميص أبيض من الستان الناعم وقد رفعت شعرها في ذيل حصان أبرز جمال ملامحها الرقيقة كانت جميلة.....جميلة بحق 

لكن ما نفع الجمال وقلبها يبدو كمدينةٍ احترقت بالكامل...!!


هبطت للأسفل بعدما أصدر والدها أوامره بأن تبدأ العمل بالشركة برفقته وكعادته تجاهل النظر إليها بينما أمسك شقيقها بيدها يساعدها حتى ركبت السيارة وبعد ساعات كانت تجلس داخل مكتبها الصغير بالشركة بعدما قرر آدم أن يجعلها متدربة تحت إشراف رئيس المهندسين وما إن علم إياد بالأمر من رجاله الذين يراقبونها حتى اندفع نحو شركة والدها بغضب وقلق يكاد يفتك به

اقتحم مكتب آدم دون استئذان وقال بحدة :

حضرتك إزاي تسمحلها تنزل تشتغل وهي بالحالة دي مش شايف إنها حامل ولسه في الشهور الأولى يعني ممكن تتعب أو يجرالها حاجة


رفع آدم عينيه إليه ببرود قاتل وقال :

قصدك ابنك اللي يجراله حاجة وده طبعًا اللي يهمك وبس


قطب إياد حاجبيه ورد عليه باستنكار :

لأ طبعًا صافي عندي أهم من أي حاجة والطفل لو مش منها أنا مش عاوزه، تمسكي بيه عشان منها هي وبس ولو عيشت معاها عمري كله من غير أطفال يكفيني إنها جنبي...

عارف إنك مش مصدقني بس أنا مش بكدب ولا ليا مصلحة أكدب عليك وعليها وأزيف مشاعري، ودليل كلامي إني لما حسيت بمشاعر ناحيتها جيتلك عشان أتجوزها بس إنت اللي رفضت وكل اللي حصل من البداية كان لعبة عليا وعليها وإلا كان زماني دلوقتي قدامك بعافر عشان تقبل تجوزهالي


سخر آدم منه بتهكم :

عشان كده هربت وسيبتها !!


تنفس إياد بإنهاك ورد عليه بحزن :

عارف إني غلطت لما هربت وسيبتها بس حط نفسك مكاني أنا طبعًا مش ببرر غلطي بس أنا مش ملاك ولا اتربيت في بيئة زي اللي بنتك اتربيت فيها أظن إنت عارف أنا عيشت فين ووسط مين ومش هطلع من وسط كل القرف ده ملاك بس أنا برده مش وحش وعاوز أبتدي حياة نضيفة لما جيتلك قبل كده وطلبت إيد بنتك كنت عاوز البداية دي تكون معاها هي عشان حبيتها من قلبي ورغم إنك رفضت كان عندي استعداد أعافر عشانها ودلوقتي أنا كمان لسه متمسك

بيها وعاوز أبتدي معاها من جديد وأنا لو وحش أو ناوي على غدر كنت طلقتها وسيبتها هي وابني ولا همني حد.....

بس أنا هنا عشانها هي


ظل آدم صامتًا يراقبه بينما أكمل إياد بصوت خفيض متألم :

هربي يومها عشان اللعبة اللي اتلعبت عليا كانت متفصلة بالملي وأنا آسف ع اللي هقوله بس أنا وصافي متقابلناش في جامع أنا شوفتها في حفلة زبالة طبيعي كراجل هفكر كده وهصدق، وبرده مش ببرر غلطي أنا غلطان ومعترف بس عاوز حضرتك تحط نفسك مكاني....... أنا بحبها 


طال صمت آدم بينما شيء من الرضا الخفي تسلل إلى

داخله وهو يرى ذلك الإصرار بعينيه ليردد أخيرًا بهدوء :

اسأل على مكتبها وروحلها


اتسعت عينا إياد بصدمة قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة واسعة كطفل مُنح العالم كله دفعة واحدة....وبعد دقائق 

كان يقف أمام باب مكتبها الصغير يتأملها بعشقٍ صريح

كانت أنيقة كما اعتادها جميلة تخطف الأنفاس

حتى خصلات شعرها التي انسابت خلف ظهرها كانت كافية لتفقده اتزانه رفعت رأسها فجأة بعدما تسللت رائحته المألوفة لأنفها فتجمدت وهي تراه أمامها وقبل أن تنطق، أغلق الباب بالمفتاح واتجه نحوها، فصرخت بغضب :

انت إزاي تدخل كده وإزاي أصلًا تتجرأ تيجي هنا مش خايف بابا يشوفك......


ابتسم بمكر قائلاً :

بابا هو اللي باعتني


اتسعت عيناها بذهول وكادت تبتعد أن لكنه أمسك يدها بسرعة وقال باشتياق موجع :

خليكي شوية يا صافي.....انتي وحشتيني أوي


نزعت يدها بعنف وقالت بشراسة :

وحش أما يلهفك 


ابتسم رغم حدتها ثم جذبها إلى أحضانه فجأة وكأنه لم يسمع شيئًا عانقها بقوة رغمًا عنها لكن بحذرٍ شديد خوفًا على طفلهما ثم أجلسها على الأريكة برفق قبل أن يهبط على ركبتيه أمامها مد يده يتحسس بطنها بحنان وقال بصوتٍ مرتجف حنون :

إزيك يا حبيبي أنا بابا اللي مستنيك تشرف ع الدنيا بفارغ الصبر وأشيلك بين إيديا بابا اللي اتغير عشان ماما وعشانك


رفع عينيه إليها وقد امتلأتا بالندم :

بابا اللي جرح ماما أوي بس كان غصب عنه....

كان طايش بس حبها أوي، حبها ومش عاوز غيرها

بابا اللي حبك عشان بس إنت ابنه منها تعرف أنا عمري ما تخيلت نفسي وسط عيلة بس لما شوفت ماما حسيت إني مش عاوز غيرها ولا عاوز أعيش الشعور ده إلا معاها هي


انسابت دموعها رغمًا عنها بينما تابع إياد وهو يمسك يديها :

كنت جبان وهربت وماوفتش بكلامي ليها بس هي عارفة إن كل كلمة بحبك طلعت مني وكل نظرة حب كانوا صادقين

أنا عمري ما اتمنيت غيرك ولا حبيت غيرك يا صافي


خرج صوتها أخيرًا مرتجفًا بالألم :

وأنا أعمل إيه بحبك وأنا مش حاسة معاك بأمان حبك هيعملي إيه وأنا عايشة معاك وخايفة أصحى من النوم ألاقيك برده سبتني أنا وابني وهربت أنا وثقت فيك مرة وإنت خذلتني طب لو نسيت كل ده واتغاضيت عنه هنسى إزاي نظرات الكل ليا أنا مش قادرة أنسى ولا عارفة أنسى ومش عارفة أحبك مش عارفة أتغاضى عن حاجة، أنا اتغدر بيا......


همس بحزن :

اتغدر بينا يا صافي.....أنا مكنش قصدي كل اللي حصل


ردت عليه بمرارة من وسط بكائها :

بس اللي غدر أهلك إنت كان ممكن أسامحك في غدرك بس مش هقدر أسامح في حق أهلي اللي اتكسروا بسببك وبسبب أهلك وبسببي مش هقدر أنسى خيانتك ليا، إنت وعدتني تكون ليا ومع أول مطب جريت وسيبتني واترميت في حضن كذا واحدة، أنا هنا كنت بموت في اليوم ألف مرة وإنت كنت في حضن غيري أنا مش عارفة أسامح، حتى لو غلطانة زيي زيك، مش عارفة أسامح وأبطل أرمي اللوم عليك عشان أنا وجعي منك كبير أوي أنا مش هقدر أنسى مهما عملت ومش هقدر أمنع إحساس الغضب اللي جوايا كل ما بشوفك.....

مش هقدر !!


ثم انفجرت في البكاء لأول مرة منذ كل ما حدث تبكي أمامه بلا صراخ بلا عناد بلا قسوة فقط امرأة منهكة وقلب محطم

اقترب منها ببطء ثم جذبها إلى صدره بحنان وكأنه يخشى أن تنكسر بين ذراعيه وللمرة الأولى لم تدفعه بعيدًا

تشبثت به وهي تبكي بحرقة بينما انهمرت دموعه هو الآخر بصمت أخذ يمرر يده بين خصلات شعرها يهدئها كما تُهدأ طفلة صغيرة.......


بينما خلف شاشات المراقبة كان آدم يشاهدهما بصمتٍ ثقيل

كان قلبه يحترق على ابنته وعلى حياتها التي تحطمت قبل أن تبدأ سرعان ما اشتعل داخله الغضب والغيرة وهو يرى إياد يمسح دموعها ويقبل عينيها برقة ويضمها وكأنها عالمه كله 

لكن فجأة وكأن صافي استفاقت من لحظة ضعفها

دفعت إياد بعيدًا عنها بسرعة وطردتها من مكتبها بحدة !!!

............

كانت حياة تجلس وحدها في بهو الفيلا شاردة الذهن تعبث بأناملها في طرف وشاحها بشرود ثقيل قبل أن تشعر بيوسف يقترب منها بهدوء رفع عينيه إليها للحظة ثم تمدد بجوارها على الأريكة ووضع رأسه فوق قدميها كما كان يفعل صغيرًا كأنه يهرب إليها من العالم كله


ارتجف قلبها تلقائيًا وتحركت يدها بحنانٍ أمومي تمرر أصابعها بين خصلات شعره لكنها توقفت فجأة عندما سمعته يقول بصوتٍ مكسور :

ماما انتي لسه مش مسمحاني


تجمدت يدها وامتلأت عيناها بالدموع بينما تابع هو بألم :

انا حاسس إن ربنا مش راضي عني عشان حضرتك مش راضية عني حياتي مش هتتظبط طول ما إنتِ غضبانة عليا أنا مش مرتاح وانا حاسس بالحاجز اللي بنيته بغبائي

بيني وبينك انتي وبابا


قاطعته حياة بسرعة وكأنها تهرب من وجع الحديث :

اللي فات مات يا يوسف واللي حصل حصل

قفل على السيرة دي


هز رأسه بالنفي وعيناه تمتلئان بحزن طفلٍ تائه :

مش هقفل طول ما أنا حاسس إنكِ مش مسمحالي يا أمي


ثم أمسك يدها يقبلها مراتٍ متتالية وهو يقول بندمٍ موجع : حقك عليا ياريتني كنت مت قبل ما أسببلكم الوجع ده كله


انتفض قلبها الأمومي فورًا وضربته بخفة في كتفه وهي تقول بخوف ولهفة :

بعد الشر عليك يا بني


ثم ما إن رأت دموعه حتى انهارت مقاومتها تمامًا ضمت وجهه بين كفيها وراحت تمسح دموعه بحنان :

مسمحاك يا يوسف والله مسمحاك بس بلاش توجعنا تاني

انا وأبوك ضهرنا اتكسر من اللي عملته السنين اللي فاتت

مش هنستحمل منك وجع تاني


اختنق صوتها وهي تكمل :

احنا معندناش أغلى منك إنت وإخواتك وأبوك لما خبى عليك زمان موضوع حب أروى ليه عمل كده عشان مايجرحش قلبك كان عنده أمل يبعدها عنك بأي طريقة غير دي


تنهدت بألم :

أبوك موجوع منك أوي يا يوسف عشان بعد ما كبر وربى لقى ابنه الكبير اللي المفروض يبقى سنده وضهره شايفه عدو لا كمان عاوز يكسره


انهمرت دموع يوسف أكثر بينما أكملت هي بصوتٍ مرتعش :

زعلنا منك كان على قد غلاوتك عندنا


أغمض عينيه بندم يكاد يسحقه فابتسمت له حياة وسط دموعها وربتت على وجنته بحنان :

انا عارفة إنك ندمان وهتتغير وهتبقى أحسن وهترفع راسي أنا وأبوك من تاني وهتوري الكل إنك اتغيرت ورجعت يوسف بتاع زمان


ثم أضافت بمرح باهت :

بس مش بتاع زمان أوي يعني


ضحك بخفوت من بين دموعه لتبتسم هي أخيرًا عندما سمعت ضحكته التي اشتاقت لها ثم سألها بصوتٍ حزين : طب وبابا.....ده بيتهرب مني دايمًا وبيتجنب يتعامل معايا


نظرت له حياة بحبٍ عميق وقالت :

بدر معندوش أغلى منك يا يوسف ده إنت فرحته الأولى أول ما عينه شافت وأول كلمة بابا سمعها كانت منك انت


ابتسمت بحنين وهي تتذكر الماضي :

أبوك زعلان منك عشان كان حاطط آمال كبيرة عليك بس صدقني مجرد وجودك في البيت جنبه مريحه حتى لو مبيظهرش ده ليك 


ثم أمسكت يده بحنان :

لو عاوز تفرحه بجد اقف في ضهره روح ارفع اسم بدر الجارحي اللي كنت عاوز تمحيه من السوق ادخل عليه بوس راسه وإيده وقوله أنا جنبك واللي حاولت تهده زمان ابنيه من تاني وكبره أكتر اثبتله انه ربى وتربيته مراحتش هدر


اغرورقت عيناها بالدموع وهي تكمل :

ابوك نفسه يفتخر بيكم يا يوسف نفسه يشوفكم أحسن ناس ناجحين ومبسوطين


أومأ يوسف بصمت يشعر بالخزي من نفسه ويتساءل كيف استطاع قلبه يومًا أن يؤذي قلبين لن يجد في الدنيا كلها من يحبه مثلهما لحظات صمت ثم خرج اسمها من بين شفتيه بصعوبة :

ليلى


ابتسمت حياة بحب قائلة :

ليلى بتحبك يا يوسف واتوجعت منك أوي


ثم أضافت بنبرة واثقة :

بس لو عاوز تعرف تكسبها وتخليها تسامحك المفتاح عند ابوك 


تنهدت بحب بدا وكأنه يزداد مع السنين :

أبوك عمل معايا زمان حاجات كتير وأنا تايهة ومتلخبطة صبر عليا ورفعني بعد ما كنت فاكرة نفسي وقعت أبوك يا يوسف أحن قلب في الدنيا


ابتسمت بعشق وتابعت بحنين :

زي ما عرف يعمل المستحيل معايا هيعرف يقولك إزاي تخلي ليلى تسامحك


ثم رفعت إصبعها تحذره بلطف :

بس متعتمدش على أبوك لوحده اتعب عشانها يا يوسف

خليها تشوف وتحس إنك بجد بتحبها واتغيرت الحب مش كلام وبس الحب أفعال وصبر وتعب ولو بتحبها فعلًا حارب عشانها لآخر نفس !!!


ظل يوسف صامتًا بعد كلمات والدته وكأن كل حرفٍ قالته أعاد إليه جزءًا ضائعًا من نفسه رفع رأسه ينظر إليها طويلًا ثم اقترب منها فجأة يعانقها بقوة كطفلٍ عاد أخيرًا إلى حضنٍ اشتاقه كثيرًا ضمته حياة بحنان وأغمضت عينيها وهي تربت على ظهره تشعر أن ابنها الذي ضاع منها لسنوات بدأ يعود إليها أخيرًا


أما هو فكان يبكي بصمت لكن تلك المرة لم تكن دموع هزيمة بل دموع شخص قرر أخيرًا أن يواجه نفسه وأن يصلح ما أفسده بيديه وأن كانت الأيام الماضية كان بالفعل يحاول....

سيحاول الآن أكثر 


ابتعد عنها بعد لحظات ومسح دموعه ثم قال بصوتٍ ثابت رغم ألمه :

أوعدك يا أمي هصلح كل حاجة هخلي بابا يفتخر بيا تاني هعوضكوا عن كل وجع شفتوه مني


ابتسمت حياة وسط دموعها وربتت على وجنته بحب :

وأنا متأكدة إنك هتقدر


نهض يوسف ببطء، لكن خطواته هذه المرة لم تكن مترددة كما كانت منذ قليل


كان يشعر بثقلٍ كبير فوق قلبه لكنه للمرة الأولى منذ سنوات شعر أيضًا أن هناك طريقًا أمامه طريقًا صعبًا وطويلًا لكنه يستحق أن يسير فيه


طريقٌ يعيده إلى عائلته إلى والده إلى نفسه القديمة وإلى ليلى التي أحبها متأخرًا لكنه هذه المرة لن يتركها بسهولة

خرج من البهو بينما كانت حياة تتابعه بعينين دامعتين وقلبها يهمس بدعاءٍ واحد فقط.....

أن يعود ابنها كما كان بل أفضل مما كان

............

دخل حمزة إلى الشركة بخطواتٍ مترددة يتقدم خطوة ويتراجع أخرى وكأن قدميه ترفضان الوصول إلى تلك المواجهة التي هرب منها طويلًا لكن صوت ليان ظل يتردد داخل رأسه بإصرارٍ مزعج يدفعه دفعًا للأمام :

آخر كلام عندي يا حمزة المرة الجاية يا تتصل بيا تعرفني إنك اتكلمت مع مالك وصفيت أمورك معاه واعتذرتله

يا ماتتصلش بيا تاني


أغضبه أسلوبها وتحكمها به لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه بحاجة لمن يهزه بعنف حتى يستفيق خلال الفترة الماضية كان يعيش منبوذًا، مكروهًا من الجميع يلتهمه شعور الوحدة ببطء صحيح أنه كان دائم الابتعاد عنهم لكنه كان مطمئنًا لمجرد وجودهم حوله أما الآن فقد ابتعدوا حقًا وأصبح وحيدًا تمامًا ولولا ليان لكان انهار بالفعل......


وصل أمام مكتب مالك وبقي للحظة يحدق بالباب كأنه يخشى ما ينتظره خلفه ثم دفعه فجأة ودخل دون استئذان

رفع مالك رأسه وما إن رآه حتى تحولت ملامحه فورًا إلى غضبٍ مشتعل لكن حمزة سبقه بالكلام سريعًا :

ممكن تسمعني شوية يا مالك


نهض مالك بعنف صارخًا عليه :

اسمع ايه.....اسمع ازاي كنت ندل وغدرت بيا

ايه اللي لسه ناقص اسمعه وعملتوه فيا من ورايا تاني


ارتجف قلب حمزة لكنه تمسك بثباته بصعوبة وقال بحزن : تسمع مني أنا ليه عملت كده


ضحك مالك بمرارة قائلاً بقرف :

مفيش أي مبرر في الدنيا يخلي أخ يغدر بأخوه بالشكل ده مفيش أخ يتفق مع أمه على أخوه عشان يسرق منه الوحيدة اللي حبها ويدمر مستقبله وحياته


خفض حمزة رأسه بخزي وهمس قائلاً :

عندك حق يا أخويا


ضحك مالك بسخرية موجوعة :

دلوقتي بقيت أخوك دلوقتي بس افتكرت إني أخوك


امتلأت عينا حمزة بالدموع وقال بصوتٍ مختنق :

طول عمري كان نفسي أشوفك أخويا يا مالك بس هما السبب هما اللي خلوني غصب عني أكرهك وأغير منك


عقد مالك حاجبيه باستنكار وسأله :

هما مين؟!


جلس حمزة ببطء وكأن الكلمات أثقل من أن يحملها وقال : أبوك وأمك


ساد الصمت للحظة ينما تابع حمزة بصوتٍ مهزوم :

أبوك طول عمره مفضلك عليا طول عمره شايفك الابن المثالي اللي كان نفسه فيه وأنا.....

أنا كنت الغلطة اللي ندمان عليها كانت نظرته ليا دايمًا كأن وجودي نفسه حمل عليه كأنه ندمان إنه خلفني أصلًا ومهرة هانم بدل ما مرة تهون عليا وتقولي إن تفكيري غلط وإن أبويا بيحبني زيك كانت كل تصرفاتها بتأكدلي إني صح

كانت بتستخدمني عشان تنتقم منهم كلهم كانت بتغذي جوايا كرهها ليهم وحقدها وغيرتها منهم وتزرعهم في قلبي يوم ورا يوم ومع ذلك عمري ما عجبتها......


ابتلع غصته وأكمل بألم :

تصدق يا مالك حتى هي كانت شايفاك أنت

أنت كنت المفضل عند الكل عند أبوك وعند أمك

أما أنا لما أبوك لقى إن مفيش فايدة مني رماني ليها ومشي

مابصش وراه ولا سأل نفسه أنا رايح لفين ولا إيه اللي بيحصلي وهو شايفني كل يوم بضيع أكتر من اللي قبله

أبوك أخدك تحت جناحه ورباك بإيده وزرع فيك كل حاجة كان نفسه يشوفها أما أنا سابني ليها سابني لواحدة مليانة

غل وحقد لحد ما غرست كل ده جوايا لحد ما بقيت شبهها من غير ما أحس في الآخر أنت بقيت شبه أبوك وأنا بقيت نسخة منها هي


أغمض عينيه للحظة وكأنه يسمع صوت والدته الآن :

عمري ما هنسى كلامها وهي قاعدة تحفره جوا دماغي

كانت دايمًا تقولي إنت مش زي حد إنت أحسن من الكل ولو حد من ولاد عمك اتفوق عليك في حاجة واحدة لازم تتفوق عليه في عشرة أوعى تسمح لحد يبقى أحسن منك

كانت تقولي اللي يأذيك ردله أذاه أضعاف متسامحش متتنازلش، متسيبش حقك قسي قلبك يا حمزة وأوعى تسمح لحد ياخد حاجة منك حتى لو كان من دمك كانت تكررها عليا كل يوم لو شافوك ضعيف هيدوسوا عليك لو طيبتك ظهرت هياكلوك مفيش حاجة اسمها عيلة ومفيش حد بيحب حد من غير مصلحة كلام كتير قاسي كانت بتملى دماغي كل يوم

كنت بسمع لها وأحقد عليك أكتر خصوصًا وأنا شايف بابا بيزرع فيك كل حاجة حلوة وهي من الناحية التانية بتقتل فيا الحلو كله عشان اعمل اللي هي فشلت فيه واللي كان واجعني اكتر انه كان شايفني وأنا بضيع وشايف هي بتعمل فيا إيه مع ذلك سابني ليها غيرت منك يا مالك غصب عني

غيرت من حب بابا ليك ومن فخره بيك ومن نظرة الناس ليك

حتى لما عشق اختارتك إنت وفضلتك عليا

كنت شايفك محبوب من الكل وأنا المنبوذ منهم 

لدرجة إني في يوم سمعتهم بيقولوا عني ده تربية مهرة وقتها اتقهرت وأنا بسمع منهم أسوأ كلام عني وفي نفس الوقت عنك بسمع كل خير


رفع عينيه المليئتين بالقهر نحو مالك قائلاً :

كنت أعمل اي مش بأيدي يا مالك روح حاسبهم هما

حاسب أبوك اللي سابني أغرق وسكت وحاسب أمك اللي زرعت الفكرة دي جوايا من وأنا صغير وسقتني غلها وحقدها لحد مامشيت وراها حاسبهم إنهم خلوني أقضي عمري كله بحاول أبقى أحسن منك حتى لو كان التمن إني آذيك وادمر حياتك روح حاسب أمك هي اللي صنعت الوحش اللي واقف قدامك دلوقتي وخلتني أخسر نفسي وفي الآخر خلتني أدمر أخويا بإيديا


كان مالك يستمع إليه وقلبه يتألم أكثر مع كل كلمة رغم الغضب الهائل بداخله ثم سأله بصوت متألم حزين :

طب اي اللي جابك عندي دلوقتي تقولي الكلام ده كله

طالما لسه كارهني

ليه جاي تبرر طالما كل ده في قلبك من ناحيتي يا حمزة


رد عليه حمزة بصدق :

لا أنا جتلك عشان قرفان من نفسي كنت فاكر إني لما أعمل كده هرتاح بس حسيت إني زبالة ومش راجل جتلك عشان نفسي أبقى كويس يا مالك ومش عارف إزاي وعشان طول عمري كنت فاكر إن العيلة ملهاش لازمة زي ما أمي فهمتني بس لما بعدت عنكم حسيت إني ولا حاجة


تنهد ثم تابع بانكسار :

جتلك عشان إنت أخويا الكبير وأنا أخوك الصغير اللي

بيغرق ومستنيك تسحبه لبر الأمان عقابك ليا مهما كان أنا قابله  اضربني اعمل فيا اللي انت عاوزه.....

بس ماتسبنيش يا اخويا


الصدق في كلماته كان واضحًا حد الوجع ودموعه لم تكن دموع رجلٍ يحاول التبرير بقدر ما كانت دموع إنسانٍ انهكته سنوات طويلة من الصراع والضياع


أما مالك فماذا كان بوسعه أن يفعل.....؟!

لطالما كان طيب القلب والجميع يعلم ذلك حاول أن يتذكر كل ما فعله حمزة حاول أن يستحضر ألمه وغضبه وخذلانه حاول أن يقسو عليه ولو قليلًا لكنه كلما نظر إلى عيني أخيه ورأى ذلك الانكسار القابع داخله تهاوت كل جدران غضبه

كان يعلم أن حمزة أخطأ ويعلم أيضًا أنه كان ضحية

ضحية أم غرست السم في روحه قطرةً قطرة حتى أفسدت داخله كل شيء جميل حاول أن يثور من جديد أن يتمسك بغضبه أن يعاقبه ولو بنظرة قاسية لكن قلبه خانه

كعادته وتحرك قبل عقله وفجأة جذب حمزة من قميصه بقوة نحوه وفي اللحظة التالية كان يعانقه عناقًا عنيفًا كأن كل واحدٍ منهما يخشى أن يفلت الآخر من بين ذراعيه


شهقة مكتومة خرجت من حمزة وهو يتمسك بشقيقه بقوة أكبر كغريقٍ وجد أخيرًا طوق النجاة بعد سنوات من الغرق

دفن وجهه في كتفه وأخذ يبكي بحرقة بينما مالك هو الآخر لم يستطع منع دموعه لأول مرة منذ سنوات طويلة سقطت بينهما كل الحواجز لا كراهية....لا منافسة.....لا أحقاد قديمة كما كان يظن حمزة


فقط أخوان أنهكتهما الحياة وجمعهما الوجع من جديد

تشبث كل منهما بالآخر وكأنهما يعوضان سنوات كاملة من الفقد والبعد بينما ارتفعت أصوات بكائهما دون خجل

في تلك اللحظة تحديدًا لم يكن هناك مالك وحمزة الخصمان

بل كان هناك أخوان ضائعان وجد كلٌ منهما طريقه إلى الآخر أخيرًا !!!


ها هي ليان تهلل بسعادة حقيقية وعيناها تلمعان بفخر واضح وهي تستمع لما قصه عليها حمزة عما حدث بينه وبين شقيقه مالك وما إن انتهى حتى ابتسمت باتساع وقالت بحماس :

أنا فخورة بيك أوي يا حمزة !!


رفع عينيه إليها وفي نظرته شيء من التردد والخوف الذي يحاول إخفاءه ثم سألها بصوت خفيض :

بجد ولا بتقولي كده عشان ترفعي معنوياتي أنا عارف أصلًا إن مهما عملت محدش هينسى اللي عملته ولا عمري هكبر في نظرهم ولا حتى في نظرك انتي


لانت ملامحها فورًا وقالت بصدقٍ جعل قلبه يرتجف :

انت طول عمرك كبير في نظري يا حمزة من غير ما تعمل أي حاجة أصلًا !!!


ثم أضافت بمرح خفيف وهي تضحك :

حتى وإنت حقير وفيك العبر كنت شايفاك حاجة كبيرة أوي


ابتسم رغمًا عنه ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت لكنها كانت صادقة لأول مرة منذ زمن


اقتربت منه قليلًا وقالت بتشجيع :

صدقني عيلتنا حلوة أوي يا حمزة وهيبقوا أسعد ناس لو شافوك بتتغير للأحسن ولو إنت قربتلهم خطوة هما هيقربولك ألف بس إنت اثبتلهم إنك فعلًا اتغيرت


نظر لها بحيرة حقيقية وسأل :

ازاي ؟؟


رفعت حاجبها بمرح وقالت :

اتعب شوية يا أستاذ أنا مش هفضل أفكرلك طول الوقت ابذل مجهود يا حضرة الظابط


ضحك بخفوت وهو يهز رأسه لكن نظراته ظلت معلقة بها بطريقة أربكتها دون قصد قبل أن يقول بصوتٍ صادق خرج من أعماقه :

اعمل إيه إذا كنت حاسس إننا واحد وقلبي مش عاوز يسمع غير منك وبس يا ليان


اتسعت عيناها بذهول وشعرت بشيء عنيف يضرب قلبها دفعة واحدة هي حتى الآن لا تصدق أنهما يجلسان معًا بهذا القرب بل يتحدث معها بذلك الصدق وها هو الآن ينطق بكلمات اربكتها وجعلتها تفقد قدرتها على التفكير


أما هو فتابع دون أن يدرك تمامًا تأثيره عليها :

أنا شايف فيكي أمي يا ليان اللي عمرها ما هتقول حاجة غير في مصلحتي


ثم ابتسم فجأة بمشاكسة خففت حدة اللحظة :

وده اللي مصبرني على كلامك وطول لسانك ووأوامرك اللي مبتخلصش


ضحكت بخجل بينما هو أخذ يتأملها بإعجاب واضح وللحق هي دومًا كانت تخطفه دون أن يشعر برقتها وبعينيها حتى طريقتها معه وبذلك الدفء الذي يجعله يهدأ كلما تحدثت

دون تفكير مد يده وأمسك يدها بتلقائية ثم رفعها إلى شفتيه يقبلها وهو يهمس بامتنان :

شكرًا اوووي يا ليان


ارتبكت ليان بعنف واتسعت عيناها وهي تسحب يدها منه سريعًا بينما اشتعل وجهها بحمرةٍ أربكت أنفاسها نفسها

أما حمزة فتجمد مكانه للحظة وكأنه أدرك متأخرًا ما فعله لكنه رغم ذلك لم يستطع إبعاد عينيه عنها ولا منع قلبه من التعلق بها أكثر......


نعم، لم يصل إلى مرحلة الحب بعد هو الآن معجب بل متعلق بها تلك المشاعر التي تتسلل إلى القلب بهدوء فلا تُحدث ضجيجًا ولا تعلن عن نفسها لكنها تحتلك شيئًا فشيئًا حتى يصبح وجود شخصٍ ما جزءًا من يومك وابتسامته سببًا لطمأنينتك وكلماته ملاذًا تلجأ إليه دون وعي

وربما أخطر البدايات هي تلك التي يظن أصحابها أنها مجرد إعجاب عابر بينما تكون القلوب في الخفاء قد بدأت رحلتها الطويلة نحو الحب

...............

كانت تؤدي عملها ككل يوم تُرهق جسدها عمدًا حتى تهرب من عقلها وحين تجد لحظة فراغ تختبئ خلف كتبها فالامتحانات اقتربت ويفترض بها الآن أن تكون بالصف الأول الثانوي بنظام المنازل تُكمل ما انقطع من تعليمها منذ سنوات

لكنها كلما فتحت كتابًا وجدته بين السطور يطل عليها من كل حرف يقتحم أفكارها دون استئذان

ترى صورته أمامها تسمع صوته وتتساءل رغمًا عنها

كيف يعيش بعدها....؟!

هل استطاع أن يكون سعيدًا بعدما دمرها....؟!

هل حقًا سيتزوج غيرها....؟!


زفرت بضيق وأغلقت الكتاب بعنف خفيف وكأنها تغلق بابًا على قلبها لكن الباب لم يُغلق أبدً

في تلك اللحظة دخلت حبيبة إلى الغرف، وما إن رأت حالتها حتى عقدت حاجبيها بقلق قائلة بحدة نابعة من خوفها عليها :

وبعدين يا غنوة دي مش عيشة ولا ده حال يرضي ربنا مش كل ما أجي أبص عليكي ألاقيكي سرحانة وحالتك بالشكل ده طلعيه من دماغك هو خلاص معدش ليه وجود

بلاش عشان واحد ميستاهلش تخسري فرصتك اللي فضلتي سنين تحاربي عشانها، انتي عانيتي عشان تكملي تعليمك بتشقي في شغلك عشان تسددي مصاريف دراستك هترمي تعبك ده كله ع الأرض يعني أنا مش كل شوية هفضل أقولك الكلام ده وأفكرك بيه اعقلي يا غنوة انتي لسه صغيرة والحياة لسه قدامك مش من أول قلم هتقعي وتستسلمي


أومأت غنوة برأسها بصمت

ذلك الصمت الذي سيطر عليها منذ ما حدث

صمت موجع ثقيل وكأن الكلمات هجرتها تمامًا

تنهدت حبيبة بقهر وهي تنظر إليها قائلة بحزن :

منه لله حسبي الله ونعم الوكيل فيه ربنا يحرق قلبه زي ما حرق قلبك ويدوقه من نفس الكاس


ظلت غنوة صامتة فاقتربت منها حبيبة وجلست معها لبعض الوقت تساعدها في المذاكرة تحاول أن تنتشلها من بحر أفكارها ولو قليلًا ثم غادرت لتكمل عملها


لكن ما إن خرجت حتى تفاجأت بذلك الرجل السخيف المدعو راغب ابن شقيق صاحب الفندق يقف يتأملها بنظرات وقحة مقززة تجاهلته وأكملت طريقها نحو مكتبها لكنه اعترض طريقها في منتصف بهو الفندق ووقف أمامها مبتسمًا بمكر :

اإيه يا بس يا قمر هتفضل تقلان عليا لحد امتى؟!


زفرت بضيق قائلة بحدة :

اسمع يا أستاذ ابعد عن طريقي وبطل تطلعلي في

الرايحة والجاية أحسن أقسم بالله أروح أقول لعمك وهو يشوفله صرفة معاك


كادت أن تتحرك لكنه عاد ليقف في طريقها قائلًا بوقاحة :

ما بلاش أستاذ والأسلوب الرسمي ده خليكي على طبيعتك أنا بحب البنات البلدي أوي...... البنات اللي زيك بيبقوا عسلات


اشتعل الغضب بعينيها وردت باحتقار :

لا بقى ده انت راجل زبالة وما اتربتش


ابتسم ببرود واقترب خطوة منها :

خالص.....متربتش خالص وعندي استعداد أسيب نفسي ليكي تربيني براحتك بس انتي شاورِي يا قمر


كانت أعصابها على وشك الانفجار لكنها حاولت أن تسيطر على نفسها حتى لا تفقد عملها إلا أنه تجاوز كل الحدود حين مد يده فجأة وأمسك خصرها يجذبها نحوه وهو يقول بخبث :

مابلاش التقل ده عليا.....

أصل مش ده اللي هيزود الفلوس اللي هتاخديها أنا بتبسط اوووي وبدفع أكتر للي بتدلعني مش اللي تتقل عليا افهمي سكتي صح عشان تعرفي تتعاملي معايا يا قمر


في لحظة انفجر كل الغضب الذي بداخلها

دفعته بعنف حتى ترنح للخلف ثم انحنت بسرعة والتقطت حذاءها الرياضي ذلك الحذاء الذي استلمته مع زي العمل ثم انهالت عليه ضربًا بلا رحمة

كان يحاول صد هجومها، لكنها كانت كالإعصار بل كالوحش الثائر صرخت وهي تضربه بلا توقف :

يا ابن ال......يا قليل الأدب يا زبالة فاكرني من إياهم


عرقلت قدمه بقدمها ليسقط أرضًا فانحنت فوقه تضربه بالحذاء بكل ما تملك من غضب وغل ولسانها لا يتوقف عن سبه بأقسى الشتائم


بينما عند الاستقبال كان إلياس يقف منذ فترة يتابع ما يحدث بصمت لم يتدخل فورًا بل راقبها أولًا وقد أعجبه ما فعلته بذلك الرجل شبيه الرجال لكن حين رأى راغب ينهض غاضبًا ينوي ضربها تحرك فورًا وجذبها خلفه إلا أنها حاولت تخطيه لتصل لذلك الحقير صارخة عليه بغضب :

فاكرني من إياهم يا راجل يا زبالة يا مهزق

يا شايب يا عايب روح شوف نفسك في المراية ده انت ما تسواش تلاتة تعريفة في سوق الرجالة عيب على

سنك والشعرتين البيض اللي في راسك يا راجل يا مهزق عامل صايع وعمال تشقط في البنات يا معفن


أفلتت نفسها من خلف إلياس وعادت تضرب راغب بعنف حتى فقد الأخير القدرة على الدفاع عن نفسه لكن إلياس جذبها بقوة هذه المرة هاتفًا بغضب :

اتهدي واقفي ساكتة مسمعش نفسك


على صوت الشجار خرجت غنوة مع بقية العاملين يتابعون المشهد بشماتة واضحة في راغب المعروف بسوء سمعته

اقتربت من حبيبة بقلق وسألتها :

مالك يا حبيبتي حصلك حاجة.....؟!


لكن حبيبة كانت في قمة انفعالها لا تكاد تسمع أحدًا

في تلك اللحظة ظهر هشام عم راغب وكان على وشك توبيخها إلا أن إلياس سبقه بصرامة حادة :

أستاذ هشام ابن أخوك هو اللي غلطان وانت أكتر واحد عارفه كويس فربيه أحسن ما المرة الجاية أربيه أنا بطريقتي والبنت تخصني وهترجع شغلها بعد ما ابن أخوك يعتذر منها على تطاوله عليها وتحرشه بيها أظن كلامي واضح


كان هشام يعلم جيدًا أن نفوذه لا يُقارن بنفوذ إلياس العمري ولا بمكانة عائلته لذا اضطر لتنفيذ ما طلبه فورًا وأجبر راغب على الاعتذار لها ثم فُض التجمع وعاد الجميع إلى أعمالهم

نظرت حبيبة نحو إلياس بعينين ممتنتين فبادلها إيماءة صامتة أما غنوة.....فكانت في عالم آخر تمامًا

عيناها توقفتا عليه لحظة دخول مروان للفندق برفقة فتاة شقراء جميلة ربما تفوقها جمالًا أيضًا !!


شعرت بقلبها ينقبض بعنف وامتلأت عيناها بالدموع وهي تحدق به في صمت موجوع التقت عيناهما ولم تحتمل أكثر

استدارت فجأة وركضت خارج الفندق بقهر

فقال مروان سريعًا للفتاة التي معه :

تالا اسبقيني على مكتب والدك وأنا هحصلك


أومأت له بهدوء وغادرت بينما اندفع هو خلف غنوة دون تردد !!


اندفع مروان خلفها بأنفاسٍ متلاحقة وصوته المرتجف يطارد خطواتها الهاربة :

غنوة استني…اسمعيني!!!


لكنها لم تكن تسمعه أو لعلها كانت تسمعه أكثر مما ينبغي لذلك ركضت أسرع والدموع تحجب عنها الطريق حتى تعثرت قدمها بحجرٍ بارز فسقطت أرضًا بعنفٍ جعل شهقتها تخرج ممزقة....


تجمد مكانه لحظة رؤيتها تسقط ثم هرع إليها بجنون ثم جثا أمامها وأمسك يدها محاولًا رفعها لكنها انتفضت بعنف وكأن لمسته أحرقتها


دفعت صدره بعيدًا عنها وهي تبكي بقهر بينما هو كان يحاول رغم مقاومتها أن يساعدها على الجلوس انحنى نحو قدمها ليرى موضع إصابتها لكن ما إن لامست أصابعه جلدها حتى ارتعش جسدها بقسوة وأبعدته عنها سريعًا ثم أخذت تفرك مكان لمسته بعنفٍ موجوع كأنها تحاول محو أثره من فوق جلدها ومن داخل روحها !!


ذلك النفور لم يكن من لمسته وحدها بل من الذكرى التي تسكنها من تلك الليلة واستسلامها المغزي له...


اقترب منها ببطء وصوته يفيض قلقًا رغم الألم الذي ينهش صدره وهو يرى نفورها منه :

انتي كويسة رجلك بتوجعك ؟؟


رفعت عينيها إليه كانت نظراتها محملة بالوجع ثم صرخت بصوتٍ مختنق بالبكاء :

توجع فيا وتكسر قلبي وتيجي تسألني أنتي كويسة؟!

انت عاوز مني إيه تاني؟!

ما خلاص خدت كل حاجة حلوة كانت فاضلالي

ليه بتجري ورايا إيه اللي لسه عندي وما أخدتوش


أغمض عينيه لحظة وكلماتها تنغرس في قلبه كالسكاكين ثم قال بصوتٍ متعب :

الموضوع مش زي ما انتي فاهمة يا غنوة…

حكايتي أنا وانتي من الأول ماكنتش تنفع بأي شكل


ضحكت بمرارةٍ موجعة، ثم صرخت فيه بانهيار :

وأنت لسه عارف إنها ما تنفعش

أنا مقربتش منك خطوة غير لما شوفتك إنت اللي بتقرب

أنا كنت مجرد رد فعل لحب إنت زرعته جوايا

إنت اللي قولتلي بحبك إنت اللي قربت ولمستني وأنا بغبائي صدقتك


ارتجف صوتها وهي تكمل ودموعها تنهمر بغزارة :

أنت اللي بدأت بكل حاجة وأنا مشيت وراك عشان كنت

غبية وصدقتك


تنفست بصعوبة، ثم أردفت بصوتٍ مكسور :

أنا دخلت بيتكم وأنا فيا اللي مكفيني موجوعة ومهدودة ولما شوفت حبك أو اللي كنت فاكرة إنه حبك قلت يمكن ده عوض ربنا ليا....اتاريك كنت وجع جديد وأنا معرفش


طأطأ رأسه عاجزًا بينما كانت كلماتها تسحق ما تبقى داخله :

كنت عارف اللي فيا ومع ذلك وجعتني

استكترت عليا أعيش بالحتة الصغيرة اللي باقيالي من نفسي مبسوطة


اقترب منها أكث، وأمسك يديها المرتجفتين يقبلهما بندمٍ صادق وصوته يكاد ينهار :

سامحيني.....سامحيني.....أنا آسف


نزعت يديها منه بعنف وكأن اعتذاره إهانة جديدة ثم قالت بمرارة :

أسامحك دي تتقال لو خبطتني بالغلط مش لما تكسر قلبي


شهقت باكية، ثم أكملت بصوتٍ يمزق الروح :

أنا عمري ما هنسى الإهانة اللي شوفتها منك

عمري ما هنسى كسرة نفسي وأنا واقفة مستنية منك تقول اسمي لأبوك عشان تتجوزني وفجأة ألاقيك رايح تخطب غيري....


ارتعشت شفتاها وهي تتابع.:

عمري ما هنسى نظرات الكل ليا وأنا صعبانة عليهم

نظرات الشفقة اللي كانت بتقتلني ولا عمري هنسى انك قولت عليا خدامة وان انا اللي سلمتلك نفسي بإرادتي رغم انك عارف ان يومها انا قاومتك وحاولت ابعد بس انت مسمحتش بده واستغليت ضعفي من اللي حصل قبلها انت عشان تطلع نفسك بريء اتهمتني أنا وطلعتني رخيصة قدام اهلك

اهلك اللي كانوا احن عليا منك انت

عمري ما هسامحك ولا هنسى الوجع اللي عيشته بسببك


هنا فقط سقطت دموعه هو الآخر بلا مقاومة بلا كبرياء

لكنها لم تتوقف بل تابعت بهذيان :

أنا كنت ببررلك كل حاجة غيابك، هروبك مني بعد اللي حصل بينا وأقول معلش، أكيد مضغوط أكيد أهله رافضني

كنت بخلقلك أعذار بإيديا عشان أفضل شايفة صورتك حلوة


رفعت عينيها إليه، وكانت نظراتها مليئة بانكسارٍ مرعب :

بس الحقيقة إنك إنت اللي ماكنتش عاوزني

إنت اللي اتخليت عني


أحس كأن الأرض تُسحب من تحت قدميه بينما كانت تكمل بصوتٍ يرتجف من شدة القهر :

خلتني أشك في كل حاجة عشتها معاك

خلتني أحس إني واحدة غبية عشان ما شوفتش

كدبك وخداعك ليا

كل كلمة كل لمسة كل حاجة حلوة بينا طلعت كدب في كدب 


ثم همست بجملةٍ خرجت كأنها نزيف روح :

أنا بقيت شايفة نفسي واحدة رخيصة واحد اتسلى

بيها ورماها.....بقيت أقرف من نفسي بسببك


انفجرت بعدها في بكاءٍ مرير تبكي بصوتٍ مرتفع كأن قلبها أخيرًا قرر أن ينهار أمامه دون رحمة

أما هو فظل واقفًا أمامها عاجزًا لا يملك كلمة واحدة تستطيع تضميد كل هذا الخراب الذي صنعه بيده 

ثم انحنى أمامها على ركبتيه ونظر إليها بعينين غارقتين بالندم :

بس أنا فعلًا بحبك يا غنوة والله كل حاجة بينا كانت حقيقية


نظرت إليه طويلًا لكن الثقة حين تُكسر لا يعيدها الحب وحده

نزعت يدها من بين يديه ونهضت ببطء وهي تهز رأسها بعدم تصديق وفي اللحظة التي فتح فمه ليتحدث جاء صوتٌ ناعم من خلفهما :

مروان بابي مستنيك في مكتبه من بدري عشان تتفقوا على ميعاد خطوبتنا !!


تجمد كل شيء التفت مروان بصدمة بينما وقفت غنوة كأن أحدهم غرس خنجرًا جديدًا في صدرها للتو.....

كانت تالا تقف هناك هادئة مبتسمة لا تعلم أن كلماتها وحدها كانت كفيلة بأن تُسقط آخر جزءٍ حي داخل قلب غنوة !!


يتبع.........

مستنية رأيكم يا حلوووووين ♥️🔥

توقعاتكم اي للقادم......؟!

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كاملة الجزء الاول1 من هناااااااااا

الرواية كاملة الجزء الثاني2 من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

 مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا

تعليقات

التنقل السريع
    close