القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 اعتاد عمي أن يلمسني منذ كنت طفلة



اعتاد عمي



اعتاد عمي أن يلمسني منذ كنت طفلة. كان يظن أنني نائمة دائمًا… لكن الحقيقة أنني كنت أسمع كل شيء.


خطواته فوق البلاط.

صوت الباب وهو يُفتح ببطء.

أنفاسه الثقيلة قرب سريري.


ولسنوات… لم أتحرك.


ليس لأنني لم أكن خائفة.

بل لأن لا أحد سيصدقني، فالجميع في عائلتنا كانوا يرونه رجلًا لا يُخطئ.


اسمي مروة السالم. عمري أربعة وعشرون عامًا، ومنذ طفولتي علّمتني أمي ألا أعترض على عمي مازن.


كان رجلًا معروفًا في الرياض.

محامٍ ثري.

يصلي في الصف الأول دائمًا.

يتحدث بهدوء وثقة تجعل الجميع يحترمونه.


وكانوا يقولون لي دائمًا:

«عمك يحبك مثل ابنته.»


وأنا… كنت أبتسم فقط.


لكنني كنت أعرف شيئًا لا يعرفه أحد.


كنت أعرف موعد دخوله لغرفتي بالثانية.


الثانية وسبع عشرة دقيقة فجرًا.


دائمًا.


في البداية، ظننت أنه يأتي ليتفقدني بعد وفاة أبي.

لكنني مع الوقت بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.


كان يلمس الندبة الصغيرة أسفل عنقي كل مرة.


نفس المكان.

نفس اللمسة.


ندبة على شكل هلال… لا أتذكر أصلًا كيف حصلت عليها.


وحين أصيبت أمي بجلطة أفقدتها الكلام، أصرّ عمي أن أنتقل للعيش داخل قصره شمال الرياض.


قال يومها:

«لا يمكنكِ البقاء وحدك يا مروة… أنتِ بأمان هنا.»


الأمان.


حتى الكلمة كانت تخيفني.


كان المنزل ضخمًا بشكل مخيف.

هادئًا أكثر من اللازم.

كاميرات في كل زاوية.

وأبواب تُقفل من الخارج.


في أول ليلة، أحضر لي حليبًا ساخنًا بنفسه.


ابتسم وقال:

«اشربيه ونامي مبكرًا.


»


لكني سكبته في نبات الزينة بجوار النافذة.


وعند الثانية وسبع عشرة دقيقة… دخل.


كنت مستيقظة.


كتمت أنفاسي بصعوبة بينما اقترب مني ببطء، ثم رفع شعري ولمس الندبة بأصابعه وهمس:


ما زالت موجودة.


شعرت أن الدم تجمّد داخل عروقي.


لكن هذه المرة… لم أكن وحدي.


كنت قد أخفيت كاميرا صغيرة داخل دمية قديمة، وكانت تبث مباشرة إلى هاتف صديقتي سارة.


وفي الليالي التالية، عاد مرة بعد مرة.


كان يبحث عن شيء واحد فقط.


الندبة.


والسلسلة الذهبية التي علّقتها أمي حول عنقي منذ طفولتي.


وفي الليلة الرابعة، سمعته يهمس بصوت منخفض:


«كان يجب أن تسلّمها أمها منذ سنوات…»


حينها فقط أدركت أن الأمر أكبر من رجل مريض.


بدأت أفتش مكتبه سرًا.


وجدت صورًا قديمة لأمي… وملفات محترقة الأطراف… ومجلدًا يحمل اسمي.


لكن الاسم المكتوب لم يكن “مروة السالم”.


بل:


الطفلة الناجية — ملف حريق دار النور.


شعرت ببرودة تسري في جسدي كله.


بحثت حتى عرفت الحقيقة.


قبل عشرين عامًا، احترقت دار أيتام قديمة في جدة.


مات معظم الأطفال.


لكن طفلة صغيرة اختفت… ولم يُعثر على جثتها أبدًا.


وفي صورة قديمة نشرتها صحيفة… كانت هناك طفلة تحمل نفس ندبتي.


ذهبت إلى المستشفى فورًا.


أمي لم تكن قادرة على الكلام، لكنها فهمت كل شيء حين رأت الصورة.


دفعتُ لها دفترًا وقلمًا.


استغرقت دقائق طويلة حتى كتبت جملة واحدة فقط:


مازن ليس عمك.

الجزء الثاني..

يديها المرتجفتان كانت تمسكان القلم كأنه


سلاح، والجملة التي كتبتها كانت رصاصة الرحمة في جسد "الأمان" الزائف الذي عشته لسنوات.

​«مازن ليس عمك.. هو الذي قتلهم جميعاً.»

​سقط الدفتر من يدي. نظرتُ إلى أمي، أو المرأة التي ظننتها أمي طوال أربعة وعشرين عاماً. كانت الدموع في عينيها تقول ما عجز لسانها عن وصفه؛ لم تكن شريكة في الجريمة، بل كانت سجينة مثلها مثلي، رهينة لذنب لا أعرفه.

​ليلة السقوط

​عدتُ إلى القصر قبل الفجر. كنتُ أمشي في الردهات المظلمة وأنا أشعر أن الجدران تراقبني. دخلتُ غرفته، "مكتب المحامي النزيه". بدأتُ أفتش في الخزنة التي ترك مفتاحها معلقاً في سلسلة ساعته التي يخلعها قبل النوم.

​فتحتُ الملف الأسود المخبأ خلف كتب القانون. هناك وجدتها: شهادة وفاة "مروة السالم" الحقيقية.

ابنة شقيق مازن توفيت في نفس العام الذي احترقت فيه الدار. أما أنا؟ فقد كنتُ "الوديعة" التي سرقها ليغطي بها فراغ عائلته ويستولي على ورث أبيها الحقيقي، رجل الأعمال الذي قضى في ذلك الحريق "المفتعل".

​الندبة التي كان يلمسها كل ليلة لم تكن هوساً بي، بل كانت كابوسه. كان يتأكد كل ليلة أن العلامة التي قد تفضحه وتثبت أنني "الطفلة الناجية" لا تزال محصورة تحت سقف منزله.

​الساعة 2:17 فجراً

​توقفت عقارب الساعة. سمعتُ صوت الباب يُفتح.

لم أكن في السرير هذه المرة. كنتُ واقفة في زاوية الغرفة، والظلام يغطيني.

​دخل بخطواته الرتيبة. اقترب من الفراش، مد يده ليتحسس "الندبة"، لكنه لم يجد إلا الوسائد المحشوة.



تجمد مكانه. همستُ من خلفه بصوت لم أعرف قوته من قبل:

«هل تبحث عن الطفلة الناجية يا عمي؟ أم تبحث عن القاتل الذي يختبئ في ثياب محامٍ؟»

​التفت بسرعة مرعبة، وجهه الذي كان دائماً هادئاً تحول إلى قناع من الشر الصرف. لم يعتذر، لم ينكر. سحب من جيبه سكيناً صغيراً وقال بهدوء مخيف:

«كان يجب أن تموتي في الدار مع الآخرين.. السلسلة التي حول عنقك ليست ذهباً، هي مفتاح لصندوق أمانات في سويسرا، صندوق لا يُفتح إلا ببصمة الحمض النووي لتلك الندبة.»

​المواجهة الأخيرة

​تقدم نحوي، لكنني لم أتراجع. رفعتُ هاتفي عالياً.

«أنت محامٍ بارع يا مازن، لكنك نسيت أن التكنولوجيا أسرع من القانون.»

​في تلك اللحظة، دوّت أصوات صافرات الشرطة تحاصر القصر. لم تكن سارة تراقب البث وحدها؛ بل كانت قد أرسلت الرابط لضابط في مكافحة الجرائم المنظمة كنت قد تواصلت معه قبل ساعات.

​حاول الهجوم، لكن الباب انخلع من مكانه. رجال الأمن ملأوا الغرفة.

سقطت السكين من يده، وسقط معها قناع الوقار.

​النهاية.. بداية جديدة

​بعد أشهر من التحقيقات، كُشف المستور. حريق "دار النور" لم يكن حادثاً، بل كان تصفية حسابات لإخفاء جريمة اختلاس كبرى لموكليه، وكنتُ أنا الدليل الحي الوحيد الذي قرر "تبنيه" ليراقبه حتى الموت.

​أمي -التي تبنتني في الأوراق- استعادت قدرتها على الهمس بعد علاج مكثف. أخبرتني أن أبي الحقيقي كان صديق مازن، وأنه اؤتمن عليه فخانه.

​وقفتُ أمام مرآتي، لمستُ الندبة التي على شكل هلال. لم تعد تؤلمني. لم تعد ذكرى لخوف، بل أصبحت وشماً للنجاة.

​أنا مروة.. لستُ ابنة السالم، ولستُ ضحية مازن.

أنا الناجية الوحيدة، والآن.. أنا حرة.


تعليقات

التنقل السريع
    close