القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


خاتم مزيف



لما اتجوزت، حماتي ادتني خاتم على إنه دهب.


الخاتم ما لبستوش وفضل في علبته فترة، وبعد شوية روحت أبدله، واتصدمت لما عرفت إنه مطلي ومش دهب حقيقي.


سكت وما قولتلهاش إني عرفت، وعدّت الأيام عادي.


بعد فترة، حمايا اتزنق في فلوس، فطلعت الخاتم واديتهوله قدامها وقلتله يبيعه.وتهمونى انى بدلته


أول ما اتجوزت “محمود”، كنت حاسة إني داخلة بيت كبير كله هيبة وأصول.


حماتي، “الحاجة دولت”، كانت ست معروفة وسط العيلة إن كلامها ماينزلش الأرض، وكل الناس تعمل لها ألف حساب.


من أول يوم وهي بتعاملني ببرود غريب… لا هي قاسية بشكل مباشر، ولا حنينة.


دايمًا حاسة إنها بتراقبني وتستنى مني غلطة.


يوم الصباحية، بعد ما المعازيم مشيوا، دخلت أوضتي وهي شايلة علبة قطيفة حمرا.


ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: “ده خاتم دهب من عندي ليكي… عشان تبقي فاكرة إنك بقيتي بنتي.”


اتكسفت وشكرتها، والخاتم فعلًا شكله كان شيك جدًا، فلبسته دقيقة وبعدين حطيته في العلبة وسط دهبي، لأني أصلًا بخاف ألبس حاجة غالية في البيت.


عدّى شهر… واتنين… والحياة ماشية.


جوزي طيب، بس شخصيته ضعيفة قدام أمه بشكل يخوف.


لو قالت الأبيض أسود، يبقى أسود.


وفي يوم كنت نازلة أجيب شبكة أختي الصغيرة من الصاغة، فافتكرت الخاتم وقلت أبدله بحاجة ألبسها أحسن.


دخلت المحل وأنا عادي جدًا… لكن الصائغ قلب الخاتم في إيده كذا مرة، وبعدين بصلي باستغراب.


قال: “مين اللي قال لحضرتك إن ده دهب؟”


ضحكت تلقائي: “إيه؟! أكيد دهب.”


هز راسه وقال: “للأسف لا… ده مطلي بس.”


في اللحظة دي حسيت الأرض بتميد بيا.


وشي سخن، وقلبي بيدق بعنف.


أخدت الخاتم بسرعة وخرجت من المحل وأنا مش قادرة أستوعب.


فضلت طول الطريق أسأل نفسي: هي تعرف؟


ولا اتضحك عليها؟


ولو تعرف… يبقى ليه تعمل كده؟


رجعت البيت وسكت.


لا واجهتها، ولا قلت لجوزي.


قولت يمكن حصل سوء تفاهم… يمكن الخاتم قديم وهي نفسها ماتعرفش.


بس بعدها بدأت أربط حاجات كتير ببعض…


كل مرة حد يجيب سيرة دهبي قدامها كانت تبصلي بنظرات غريبة.


وكل ما ألبس حاجة حلوة تقول: “ربنا يديمها… أصل الزمن دوّار.”


مرة سمعتها بتقول لجارتها: “البنات اليومين دول مايملاش عينهم غير الدهب.”


الكلام كان عادي… بس طريقتها كانت تخوف.


عدّى حوالي سنة، وفجأة حصلت أزمة كبيرة في شغل حمايا.


ناس طالبت بفلوس، وشيكات اترفضت، والبيت كله بقى متوتر.


في ليلة، كنا قاعدين بنتعشى، وحمايا كان ساكت ومكسور بطريقة صعبانة على أي حد.


فجأة قال: “أنا محتاج أتصرف في أي دهب مؤقتًا لحد ما الأزمة تعدي.”



حماتي سكتت وبصت في الطبق.


وجوزي قال إنه ماعندوش سيولة.


ساعتها قمت من غير تفكير… دخلت أوضتي، وجبت علبة الخاتم.


حطيته قدام حمايا وقلت بابتسامة: “اتفضل يا بابا… ده خاتم الحاجة دولت، أكيد هيزعلني لو ماوقفناش جنب بعض.”


في اللحظة دي… شوفت لون حماتي اتغير فجأة.


إيديها اتشنجت حوالين المعلقة، وعينيها ثبتت على العلبة بشكل مرعب.


#الكاتب_رومانى_مكرم


حمايا فتحها وهو مبتسم: “ربنا يكرمك يا بنتي.”


لكن قبل ما يلمس الخاتم، حماتي صرخت فجأة: “استنى!”


الكل اتخض.


قامت بسرعة، وخطفت العلبة من إيده، وبصتلي بنظرات نار: “ده مش الخاتم اللي أنا اديتهولك.”


قالت بصوت عالي: “إنتي بدلتيه!”


الكل تجمّد في مكانه، وصوت صرخة حماتي “الحاجة دولت” لسه بيرن في الصالة. جوزي محمود بصلي بذهول، وحمايا فضل باصص للعلبة اللي اتخطفت من إيده ومش فاهم حاجة.


أنا من الصدمة مكنتش قادرة أنطق، وبصيت لحماتي اللي كان وشها أحمر وعروق رقبتها بارزة، وقالت وهي بتشاور عليا بصابعها: “الخاتم اللي أنا اديتهولك كان دهب صافي وعيار 21، ده خاتم عيلتي ومكتوب عليه من جوه.. إنتي بدلتيه وسرقتي الدهب الحقيقي وجايبة الخاتم الفالصو ده عشان تذلينا بيه في أزمتنا!”


وقفت مكاني ودموعي نزلت غصب عني، وبصيت لمحمود وقلت: “محمود.. أنا مبدلتش حاجة، والله العظيم هو ده الخاتم اللي مامتك إدتهوني يوم الصباحية في علبته، وملمستوش من ساعتها!”


لكن محمود، كالعادة، أول ما شاف أمه بتتكلم بالثقة والغل ده، شخصيته الضعيفة ظهرت. قام ووقف جنب أمه وبصلي بنظرة شك وكسرة وقال: “جرى إيه يا ندى؟ أمي مش هتتبلى عليكي.. ده خاتم عيلتها وهي أدرى بيه، إنتي إزاي تعملي كده؟ وإيه اللي وداكي الصاغة أصلاً بالخاتم ده قبل كده؟”


هنا فهمت إن حماتي كانت مراقباني، وعرفت بطريقتها إني روحت الصاغة من فترة، واستغلت الأزمة دي عشان تقلب التربيزة عليا وتداري فضيحتها، وتطلعني أنا الحرامية والكدابة قدام جوزي وحمايا.


حمايا حاول يهدّي الوضع وقال: “يا جماعة استهدوا بالله، يمكن في سوء تفاهم، ندى بنت أصول ومش هتعمل كده.”


لكن الحاجة دولت زعقت وقالت: “بنت أصول؟! بنت الأصول متبدلش دهب حماتها وتيجي تعمل علينا ست الشيخة اللي بتنقذ البيت! الخاتم ده هيروح لكذا صايغ ونعرف حقيقته، ولو طلع مش هو، يبقى مكانك مش في البيت ده.”


محمود أخد الخاتم من إيد أمه بغضب وقال: “أنا هاخده بنفسي بكره للـصاغة الكبار اللي في السوق، وهعرف الحقيقة.”


طول الليل مكنتش قادرة أنام، ومحمود رفض يتكلم معايا ونام في الصالة. كنت حاسة بنار قايدة في صدري.. إزاي الست دي بالخبث ده؟ وإزاي جوزي بالسهولة دي صدق إني ممكن أسرق؟


تاني يوم الصبح، محمود نزل من النجمة وأخد الخاتم معاه. فضلت قاعدة في أوضتي مستنية، وحماتي كانت بتتحرك في الصالة وتتكلم في التليفون بصوت عالي مع أختها وتقول: “مطلعش عيب فينا، طلع العيب في اللي دخل بيتنا وخد خيرنا وبدل دهبنا.” كل كلمة كانت بتدبحني.


على العصر، الباب اتفتح ودخل محمود. وشه كان مخطوف، وعينيه مش قادرة تيجي في عيني. حماتي جريت عليه وقالتله بلهفة: “ها يا محمود؟ قولي الصايغ قالك إيه؟ مش قايلالك إنها بدلت الخاتم الدهب بـفالصو؟”


محمود بص لأمه، وبعدين بصلي، ونطق الصدمة اللي مكنتش متوقعاها..


محمود وقف في نص الصالة، وشه خالي من أي تعبير، وبص لأمه وقال بصوت مكتوم: “الصايغ قال الخاتم فالصو يا أمي.. مطلي بس وميسواش ميتين جنيه.”


حماتي سقفّت بإيدها وضلمت وشها وزعقت بكيد: “أهو! شوفت؟ عينك على حاجتي من أول يوم دخلت فيه البيت يا ندى! أهي حقيقتك بانت قدام الكل، سرقتي الخاتم الدهب وروحتي بيعتيه وجاية دلوقتي تعملي علينا الكرم والجود بالخاتم المضروب!”


محمود لف ليا وبصلي بعين كلها غضب وعتاب: “ليه يا ندى؟ قصرت معاكي في إيه عشان تمدي إيدك على حاجة أمي وتفضحيني قدام أبويا؟”


كنت واقفة مذهولة، الدموع جفت في عيني من كتر الصدمة، وبصيت لمحمود وقلتله بقوة مكنتش أعرف إنها فيا: “أنا ممدتش إيدي على حاجة، وأمك عارفة كويس إن الخاتم ده هو اللي هي إدتهوني.. إسألها كده يا محمود، إسألها هي جابته منين أصلاً؟!”


حماتي صرخت ولطمت على صدرها: “كمان بتتبلي عليا في بيتي وجنب جوزي وابني؟ يا محمود لو البت دي متطردتش دلوقتي حالا وأهلها يجوا يعرفوا سرقتها، أنا لا هبقى أمك ولا أعرفك!”


حمايا حاول يتدخل ويقول: “يا دولت اصبري البنت شكلها مظلوم”، لكن حماتي قاطعته بزعيق ونظرات نار، ومحمود كالعادة اتهز قدام كلام أمه، وبصلي وقالي بقسوة: “لمي هدومك يا ندى، وروحي بيت أبوكي لحد ما أشوف هعمل إيه في المصيبة دي.”


أخدت هدومي وخرجت من البيت وأنا حاسة إن الدنيا كلها اسودت في عيني. رجعت بيت أهلي وأنا مكسورة، وحكيت لأبويا وأخويا كل اللي حصل من أول يوم الصباحية لحد لحظة طردي.


أبويا راجل عاقل وصاحب سوق، هدى أخويا اللي كان قايد نار، وقال بصوت حكيم: “الست دي خبيثة، هي عارفة إن الخاتم فالصو من الأول، ولما ندى كشفتها قدام جوزها، لفت الحبل حوالين رقبة ندى عشان تحمي نفسها وتطلع بنتي هي الحرامية.. بس الحق مبيضيعش، وإحنا مش هنقعد نعيط.”


عدى يومين، وتليفون أخويا رن.. كان محمود. طلب يقابل أبويا وأخويا في كافيه بره البيت عشان يتكلموا. أبويا وافق، وخد أخويا وراحوا له.


في المقابلة، محمود كان قاعد وشكله متبهدل، وقال لأبويا: “يا عمي أنا شاري ندى، بس أمي متبهدلة وتعبانة، وأنا عاوز ندى ترجع بس بشرط.. ترجع الخاتم الدهب اللي بدلته، أو تدفع تمنه لأمي عشان نقفل السيرة دي والبيوت تتصلح.”


أبويا ابتسم ابتسامة سخرية وهز راسه وقال: “بنتي ممعهاش دهب يا محمود، بس أنا هحل الموضوع ده.. إحنا هنيجي بيتكوا بكره بالليل، وهنجيب معانا الصايغ اللي ندى راحتله أول مرة، والصايغ اللي إنت روحتله.. وهنقعد كلنا، والكل هياخد حقه.”


محمود اتفاجئ وخاف من المواجهة، بس أبويا صمم وقال: “يا كده يا القضية هتوصل للمحاكم وتشهير، وإنت عارف ندى بنت مين.”


تاني يوم بالليل، البيت عند حمايا كان مشحون. حماتي قاعدة وحاطة رجل على رجل وبتبصلي بقرف، ومحمود واقف متوتر، وحمايا قاعد ساكت وعينه في الأرض.


دخل أبويا وأخويا، ودخل وراهم راجلين.. الصايغ الأولاني اللي كشف الخاتم لندى، والصايغ التاني اللي محمود راحله.


حماتي أول ما شافت الصايغ التاني، لون وشها اتخطف فجأة، وحاولت تقوم وتزعق: “إيه السيرك اللي إنتوا عاملينه في بيتي ده؟”


أبويا وقف بكل هيبة وقال: “اقعدي يا حاجة دولت.. السيرك ده معمول عشان نعرف مين اللي بدل الخاتم بالظبط.. والصنايعية دول هما اللي هيقولوا الكلمة الأخيرة.”


أبويا أشار للصايغ التاني -اللي محمود راحله- وقال بصوت جهوري هز الصالة: “اتفضّل يا فنان، قول قدام الكل الخاتم اللي محمود جابهولك كان ماله؟”


الصايغ بص لحماتي اللي كانت بتفرك في إيدها ووشها بيجيب ألوان، وقال: “يا جماعة، الأستاذ محمود جالي بالخاتم ده فعلاً، وأنا أول ما شوفته عرفت إنه فالصو ومطلي، بس الغريبة إني أول ما قلبت الخاتم، لقيت دمغة قديمة وممسوحة، والدمغة دي تخص ورشة معينة أنا عارفها كويس.. الورشة دي مبتقفلش غير الشغل المضروب لزباين معينين بيطلبوا حاجة ترفع الراس في الشكل بسعر رخيص.”


حماتي وقفت وزعقت بصوت مرعوش: “وإحنا مالنا ومال الورش دي؟ إنت جاي تخرف تقول إيه في بيتي؟”


هنا اتدخل الصايغ الأولاني -اللي أنا روحتله في الصاغة بتاعة أختي- وطلع من جيبه دفتر صغير وقال ببرود: “الحاجة دولت نسياني تقريبًا، بس أنا منستهاش.. الست دي جاتلي المحل من حوالي سنة ونص، قبل جواز محمود بشهرين، وكانت جايبة الخاتم ده ومعاها غويشتين دهب كسر، وطلبت مني أسيّح الكسر وأعمل بيهم سبيكة، وأطلي لها الخاتم النحاس ده مية دهب نضيفة عشان يبان إنه تقيل وجديد.. ولما سألتها ليه، قالتلي عشان تديه هدية لعروسة ابنها وتوفر الدهب الحقيقي للأيام السودا!”


الدنيا لفّت بمحمود، وبص لأمه بذهول وهو مش مصدق إن الصايغ اللي واقف ده هو نفسه اللي أمه راحتله من وراه من سنة ونص. محمود صوت نفسه بقى عالي، وبلع ريقه وبص لأمه وقال بنبرة مكسورة ومصدمومة: “الكلام ده بجد يا أمي؟ إنتي عملتي كده؟”


حمايا وقف على رجليه، وبص لمراته بنظرة كفيلة تنهي كل حاجة، وقال بصوت يرعش من الغضب: “يعني البنت متبدلتش حاجة؟ يعني إنتي اللي غشيتيها من أول يوم دخلت فيه بيتنا، ولما اتزنقنا وجابت الخاتم بكل رضا نفس عشان تنقذني، لبستيها التهمة عشان تداري على عملتك؟”


حماتي حاولت تصرخ وتكابر كالعادة: “دول كدابين! دول متفقين مع أهل ندى عشان يلووا دراعنا ويفضحونا!”


لكن الصايغ الأولاني فتح تليفونه وورى حمايا ومحمود صورة من الدفتر القديم بوصل الاستلام اللي عليه إمضاء وبصمة الحاجة دولت بنفسها وهي بتستلم الخاتم المطلي والسبائك السيحة.


في اللحظة دي، حماتي وقعت على الكنبة وهي بتنهج ومش قادرة تنطق كلمة زيادة، القناع اللي عاشت بيه سنين قدام العيلة والناس إنه كلامها ماينزلش الأرض انهار في ثانية قدام جوزها وابنها والصنايعية.


محمود لف ليا، ودموعه نزلت، وقرب مني وهو بيترجاني: “ندى.. أنا أسف، أنا غبي إني صدقت، أنا كنت عميان.. حقك عليا وعلى راسي.”



أبويا مسك محمود من إيده وبعده عني وقال بجمود: “لحد هنا والكلام يخلص يا محمود.. بنتي مش هتقعد في بيت اتهان شرفها وأمانتها فيه، وإنت مش راجل لبيتك عشان تحميها، صباعك كان بيشاور عليها مع أمك قبل ما تتبين الحقيقة.”


أبويا شدني من إيدي عشان نخرج من الشقة، ومحمود فضل يجري ورايا ويبكي ويحلف إنه مش هيسيبني، وحمايا صوته كان بيعلى في الصالة وهو بيحاسب حماتي حساب السنين.


خرجنا من باب البيت وأنا حاسة إن جبل انشال من على صدري، بس الحكاية مخلصتش هنا.. لأن اللي حصل بعد ما رجعت بيت أهلي، والمفاجأة اللي محمود عملها عشان يرجعني، قلبت كل الموازين.


#الكاتب_رومانى_مكرم


مرّ أسبوع كامل وأنا في بيت أهلي، تليفوني مبيفصلش رن من محمود، وبابا رافض تماماً يخليني أرد عليه. بابا كان بيقولي: “اللي ميعرفش قيمتك في أول قلمين تدقهم الدنيا، مأمنش عليكي معاه في الباقي يا بنتي.”


في الأسبوع ده، عرفنا من ناس قرايبنا إن البيت هناك اتقلب جحيم؛ حمايا أصر يبيع نصيب حماتي في دكان قديم عشان يسدد ديونه ويرد اعتباري، ورفض يتكلم معاها تماماً، ومحمود عايش في عزلة تامة، حابس نفسه في شقته ومش طايق يشوف أمه ولا يسمع صوتها بعد ما حطت راسه في الطين قدام أهلي.


وفي يوم جمعة، بعد الصلاة، الباب خبط. فتح أخويا الكبير، ولقينا محمود واقف، بس مكنش لوحده.. كان معاه حمايا، ووراهم اتنين من كبار عيلة محمود اللي ليهم كلمة مسموعة في البلد كلها.


دخلوا الصالة وبابا استقبلهم بترحيب جاف وفيه هيبة. قعدوا، وحمايا اتكلم الأول ونبرة صوته كلها خجل: “يا حاج أحمد.. إحنا جايين وجايبين معانا كبار عيلتنا عشان عارفين إننا غلطنا في حقكوا، واللي حصل من دولت ميرضيش ربنا، وإحنا بريئين من عملتها لحد يوم الدين.”


واحد من كبار العيلة اتكلم وقال: “يا حاج أحمد، الست ندى بنتك هي بنت أصول وست الستات، ومحمود شاريها، والولد غلط لما اتسرع، بس هو جاي وطالب السماح، وإحنا ضامنين ليه ولها إن مفيش مخلوق في البيت هناك هيقدر يبص لها نظرة وحشة بعد النهارده.”


أبويا بص لمحمود وقال برزانة: “والله يا جماعة إنتوا على راسي من فوق، وحما ندى راجل أصيل، بس أنا بنتي اتهربت من بيتها بتهمة سرقة، وجوزها مرفعش عنها الضيم بل كسر خاطرها.. الضمان كلام، والكلام بيمسحه الهوا.”


هنا محمود وقف، ونزل على ركبه قدام بابا، وطلع من جيبه علبة قطيفة زرقا، وفتحها.. وكان جواه طقم دهب كامل، غوايش وكوليه وخاتم، شكلهم يخطَف العين.


محمود دموعه نزلت وقال بصوت مخنوق: “يا عمي.. ده طقم دهب عيار 21، أنا بعت عربيتي اللي حيلتي وروحت الصاغة واشتريته لندى، ومش بس كده..” محمود طلع من جيبه التاني ورقة تانية وحطها في إيد بابا، وكمل: “وده تنازل رسمي وموثق عن الشقة اللي فوق أمي لندى.. الشقة بقت ملكها، ومحدش له كلمة عليها، وأمي مش هتشوف وش ندى تاني ولا ندى هتنزل لها.. أنا شاري مراتي وبطلب رضاها ورضاك.”


الصالة كلها سكتت، وبابا بص للورقة وبص للطقم، وبعدين بصلي وسألني بعينيه: “رأيك إيه يا ندى؟”


جوايا كان فيه صراع رهيب.. محمود أثبت إنه شاري، وباع عربية شغله عشان يراضيني ويكسر مناخير أمه اللي كانت بتعايرني بالدهب، بس الجرح اللي في قلبي من حماتي ونظراتها لسه معلم.


بصيت لمحمود وقلتله: “الدهب والشقة مش هما اللي هيرجعوني يا محمود.. أنا ليا شرط واحد وأخير عشان خطوة رجلي تعتب باب بيتك تاني، والشرط ده لو متنفذش، كل اللي عملته ده ملوش قيمة عندي.”


محمود بصلي بلهفة وقال: “اشرطي اللي إنتي عايزاه يا ندى، لو عايزة عيوني هديهالك!”


الكل سكت ومستني يسمع الشرط اللي هيحدد مصير البيتين..


#الكاتب_رومانى_مكرم


الكل حبس أنفاسه في الصالة، وبابا وحمايا وكبار العيلة بقوا باصين لي ومستنيين الكلمة اللي هتطلع من بوقي.


بصيت لمحمود بكل جمود وقلت: “شرطي يا محمود.. إن الحاجة دولت تجيلي هنا، بيت أبويا، وقدام كبار عيلتك اللي قاعدين دول، وتعتذر لي وتطلب مني السماح وتِقر وتِعترف قدام الكل إنها هي اللي غشتني ويومها اتبلت عليا وظلمتني.. زي ما فضحتني واتهمتني بالسرقة في وسط بيتكوا، ترد لي اعتباري في وسط ناسي.”


محمود وشه اتخطف، وبص لكبار عيلته وبص لحمايا وهو محتار.. هو عارف إن أمه “الحاجة دولت” ست بنبرة ناشفة وكبرياءها واصل للسما، ومستحيل تقبل تكسر نفسها وتيجي تعتذر لمرات ابنها.


لكن حمايا خبط كف بكف ووقف وقال بقوة: “حقك يا بنتي.. والشرط ده هينفذ ورقبتها مشحونة، الست اللي تغش وتتبلى عشان تداري خيبتها، لازم تدفع تمن كبرها.. قوم يا محمود، بكره بالليل أمك هتبقى هنا، ورجليها فوق رقبتها.”


وبالفعل، تاني يوم بالليل، الباب خبط. دخل حمايا ومحمود، ووراهم الحاجة دولت.. كانت داخلة وراسها في الأرض، وشها مكسور وعينيها متدارية من الخجل، مكنتش دي الست اللي كلامها ماينزلش الأرض، كانت ست انفضحت حقيقتها قدام القريب والغريب.


قعدت وهي بتفرك في إيدها، وبابا أشار لي أخرج من الأوضة. وقفت قدامها، وبصت لي ونطقت بصوت مرعوش ومكتوم: “سامحيني يا بنتي.. أنا غلطت في حقك، والخاتم كان مطلي وأنا اللي عملت كده.. وإنتي بنت أصول ومبتمديش إيدك على حاجة مش بتاعتك.”


بصيت لها وقلت براحة ونفس عميق: “المسامح ربنا يا حاجة.. بس عشان تعرفي إن الدينا دوّارة زي ما كنتي بتقولي لي، وإن البنات اليومين دول بيملا عينهم الأصول والكرامة.. مش الدهب الفالصو.”


أبويا بابتسامة نصر، طبطب على كتفي وقال لمحمود: “خد مرتك يا ابني، وروحوا على بيتكوا.. والشرط نور.”


رجعت بيتي وشقتي اللي بقت باسمي، مع جوز عِرف قيمتي وعِرف إن الله حق، وحماتي من يومها مبقتش تقدر ترفع عينها في عيني، وعرفت إن حبل الكدب والغش، مهما طال.. آخره لازم يقع على دماغ صاحبه.


تعليقات

التنقل السريع
    close