بعد ولادتي، جوزي معتز حدف في إيدي 200 جنيه، وشاورلي على موقف الميكروباصات اللي في أول الشارع، وقال لي خدي ابننا الجديد ده وروحي البيت لوحدك.
200 جنيه، حكايات رومانى مكرم كاملة
بعد ولادتي، جوزي معتز حدف في إيدي 200 جنيه، وشاورلي على موقف الميكروباصات اللي في أول الشارع، وقال لي خدي ابننا الجديد ده وروحي البيت لوحدك.
وورا ضهره بالظبط، كانت واقفة عربية كيا سبورتيدج زيرو، مكنتها دايرة وبتطلع ريحة الفابريقة.
بس العربية دي مكنتش عشاني..
ولا عشان ابنه اللي لسه حبل السُرّة بتاعه منشفش.
دي كانت عشان أمه وأخته.
كنت واقفة على بوابة المستشفى، شايلة الكاريكات والبيبي جواها، ومش قادرة أصلب طولي، كل خطوة بمشية كانت بتفكرني بوجع غرز القيصرية اللي لسه طرية.
أنسيال المستشفى البلاستيك كان لسه ملفوف حوالين معصم إيدي.
وشريط شيل الكيتوفان والمسكنات في شنطتي.
ومع كل ده، الباشا معتز كان واقف ينفخ ومتغاظ إني بمشي براحة وبجر في رجلي.
بص في ساعته وقال لي ببرود:
“إخلصي يا صابرين، الميكروباص مبيقفش وبيمشي بسرعة.”
بصيت له ودموعي محبوسة في عيني..
في الأول افتكرته بيهزر، يعني مين يعمل كده؟
لقيته بيطبق الفلوس ويحطها في جيب جلابيتي بالعافية، وقال:
“خدي بس ومتعمليش حوار.”
هنا بس الصدمة خبطت في دماغي.. ده بيتكلم جد!
على بعد خطوتين، كانت أمه، الحاجة صفية، بتركب في الكرسي القدامي وهي بتعدل عبايتها السيرما.
وأخته الصغرى شيريهان قاعدة ورا، مأنتخة وبتلعب في الآيفون بتاعها.
محدش فيهم حتى قال لي “هاتي أشيل عنك الواد”، ولا حد قال لي “حمد الله على سلامتك يا بنتي”.
كل اللي عملته أمه، إنها نزلت زجاج العربية وقالت بلوية بوز:
“يلا يا معتز، هنتأخر على حجز المحشي والبط في المطعم، الشوربة هتبرد.”
يعني حجز الغدا كان أهم بكتير من السِت اللي شالت ابنه تسع شهور في بطنها وتبهدلت في غرف العمليات.
عدلت الكوفرتة الشاش حوالين وش ابني وقلت له بصوت مخنوق:
“أنتوا بجد هتسيبونا هنا في الشارع وتمشوا؟”
معتز ضرب كف على كف وقال بزهق:
“هو أنتِ ليه دايماً غاوية نكد وبتصعبي الأمور؟”
بتصعب الأمور…
الكلمة رنت في ودني وزهقتني.
يعني مش الحمل اللي كان صعب؟
ولا الولادة وفتح البطن؟
ولا الليالي اللي مشفتش فيها النوم؟
لأ.. أنا اللي كنت “صعبة” وتقيلة على قلبهم.
أخته شيريهان ضحكت من ورا بخبث وقالت:
“سيبك منها يا أبيه، دي بتعمل شو كعادتها عشان تلوي دراعك.”
بصيت لها.. وبعدين بصيت له.. وبعدين بصيت للعربية الزيرو اللي واقفة على بعد مترين.
طول ثلاث سنين جواز، كنت بكدب على نفسي وأقول معلش، الكلمة التجرح دي طيش ولاد، الإهانة دي عشان مضغوط في الشغل، التطنيش ده قلة فهم منه.
بس وأنا واقفة في الشمس دي، شايلة حتة اللحمة الحمراء دي بين إيديا، الغشاوة شالت من على عيني وشفت الحقيقة واضحة زي الشمس.
ده مكنش يوم وحش.. ده أصلهم وطبعهم الندل.
قرب مني معتز وقال بقلة ذوق:
“روحي البيت بقى من سكات، أمي مش ناقصة طاقة سلبية ونكد على الغدا النهاردة.”
طاقة سلبية..
ده الوصف الجديد للأم اللي لسه قايمة من الولادة وبتنزف!
هزيت راسي براحة..
مش عشان موافقة، لأ، عشان الكلام مع اللي زي دول خسارة.
لفيت ضهري ومشيت قبل ما يشوفوا دموعي وهي بتغرق وشي.
دقيقتين والميكروباص جه، وسبحان الله، السواق – وكان راجل شهم وأصيل – شافني تعبانة، نزل بنفسه من على الدريكسيون، وأخد مني الكاريكات ووسع لي الكرسي القدامي وقال لي: “براحتك يا ست الكل، خطوة عزيزة”.
غريب وعابر سبيل..
أظهر لي في تلاتين ثانية من الجدعنة والرحمة، أكتر من اللي شفته من جوزي وعيلته في سنين.
والميكروباص بيتحرك، بصيت من الشباك..
كان معتز بيضحك على نكتة، وأمه متبسمة على الآخر، وأخته بتظبط الطرحة وبتتصور سيلفي.
محدش فيهم حتى كلف خاطره يبص ورا العربية يشوفني ركبت ولا اتكلفت.
فجأة موبايلي اتهز في إيدي..
إشعار من الفيس بوك.
أخته شيريهان نزلت صورة “ستوري”.
كاتبة عليها: “أحلى غدوة مع الناس اللي تهمنا وبتحبنا بجد 🤍✨”
الصورة فيها تلاتتهم رافعين كبايات العصير وبيضْحكوا من قلبهم.
مفيش أي سيرة ليا، ولا للبيبي اللي لسه واصل الدنيا.
مجرد غل وفرحة إنهم استقردوني.
بح لقت عيني في الشاشة لحد ما زغللت، وبعدين بصيت لابني اللي نايم زي الملاك على صدري ومطمن في حضني.
في اللحظة دي، حسيت بنار قايدة جوايا انطفت، وحل مكانها برود ويقين.
طول سنتين كنت بتهرب من مكالمة واحدة..
عشان المكالمة دي معناها إني هعترف قدام نفسي إن جوازتي طلعت فاشلة، ومعناها إني هقول لأبويا “حقك عليا، أنت كان عندك حق وأنا اللي مشيت ورا قلبي”، ومعناها إني بطلب النجدة.
الميكروباص وقف في إشارة العتبة.
فتحت الأسماء.. وجبت رقم مكلمتوش من شهور..
ودوست اتصال.
الخط رن أول مرة.. التانية.. التالتة..
“ألو.. إزيك يا صابرين يا بنتي؟”
أول ما سمعت بحة صوت أبويا الحنينة، السد اللي جوايا انهار، وعيطت بحرقة وهمست:
“أبويا.. ينفع تيجي تاخدني أنا وحفيدك؟”
#الكاتب_رومانى_مكرم
الدنيا سكتت ثانية.. وفجأة سمعت صوت كرسي أبويا الخشب وهو بيتهبد في الأرض من لفته السريعة، وقال بصوت هز الأرض:
“أنتِ فين بالظبط يا بت الصاوي؟”
وصفة له المكان، فرد عليا بكلمة واحدة ريحت قلبي:
“اقفي مكانك ومتتحركيش، مسافة السكة.” وقفل السكة.
في الوقت ده، كانت السماء فوق القاهرة بتغيم وهوا المغربية بيدخل من شباك الميكروباص.. ولأول مرة من يوم ما دخلت المستشفى، شميت ريحة حاجة كنت نسياها من زمان..
ريحة الأمان، وريحة إن ليا ضهر يتسند عليه.
وفجاء لقيت…
وفجأة لقيت عربية نص نقل قديمة، صوت مكنتها بيعافر مع زحمة الشارع، بتقف قصاد الميكروباص بالظبط. نزل منها أبويا، الحاج الصاوي، بجلبابه الصعيدي وشاله الأبيض اللي ريحته هيبة ودفا. أول ما عينه جت عليا وشاف كسرة نفسي وشيلتي للبيبي وأنا مش قادرة أقف، عينه احمرت وعروق جبهته برزت، لكنه كتم غيظه، وقرب مني بخطوات سريعة وفتح لي باب العربية النصف نقل، وأخد مني الكاريكات براحة كأنه بيشيل حتة من قلبه.
أبويا راجل على قد حاله، شغال أرزقي بيجري على أكل عيشه بيومه، وعربيته دي هي كل حيلته في الدنيا، بس في اللحظة دي.. كنت شيفاه راكب أعلى من أعلى عربية زيرو في العالم. ركبت جمبه، ومسك إيدي اللي فيها أنسيال المستشفى، وقال لي بكلمة واحدة هزت كياني:
“طول ما الصاوي عايش على وش الأرض، دموعك دي تمنها غالي أوي يا صابرين.. نامي يا بنتي وارتاحي، أنتِ في حمايا.”
وصلنا بيت أبويا، البيت البسيط اللي جدرانه ساندة بعضها بالعافية، بس مليان حنية وستر. دخلتني أمي بحضنها الواسع، وأبويا خرج يجيب لي العلاج والمسكنات من الصيدلية بفلوس استلفها من جاره وهو رافع راسه، ومخلانيش أحس بأي عجز.
مرت ساعات الليل وأنا نايمة مش مصدقة إني وسط أهلي، لحد ما النهار طلع، وصحيت على صوت موبايلي وهو بيرن برقم “معتز”.
رديت والبرود مالي قلبي، وكنت فاكرة إنه بيتصل يطمن أو يسأل دخلت البيت إزاي، لكن صوته جه من الناحية التانية كله غل وقسوة:
“أنتِ فاكرة نفسك روحتي فين يا صابرين؟ فاكرة لما تروحي لراجل ميت حيل مش لاقي ياكل، وتتحامي فيه، إنه هيقدر يقف قصادي؟”
ضحكت بوجع، وقلت له: “أبويا الصاوي، اللي بتقول عليه مش لاقي ياكل، سواه الهوا بالناس، ومسبنيش في الشارع زي ما أنت عملت.”
معتز صوته علي أكتر وبدأ يهددني بكل ثقة، مستغل فقر أهلي:
“اسمعي يا بت الناس.. أنتِ هترجعي بيتك ورجلك فوق رقبتك، والواد ده أنا هاخده منك بالقانون وبالعافية لو فكرتي تلاعبي بي حوار الطلاق. أبوكِ آخره يشتغل يوم ويقعد عشرة، مش هيقدر على مصاريف محامين، ولا هيقدر يصرف عليكِ وعلى ابنك. أنا معايا الفلوس والعربية والضهر، وأبوكِ لو فكر يقف قصادي، هحبسهولك بـ وصل أمانة من بتوع زمان، أو هخليه يلف حوالين نفسه في المحاكم لحد ما يشحت. قدامك ٢٤ ساعة تلمي هدمك وترجعي، وإلا قسماً بالله هحرمك من ابنك طول عمرك، وأخلي أبوكِ يندم على اليوم اللي فكر يرفع راسه فيه قصادي!”
قفل السكة في وشي، وساب التهديد بياكل في عقلي. بصيت لأبويا اللي كان واقف ورا الباب وسامع كل كلمة، ولقيت في عينه نظرة تانية خالص.. نظرة راجل فقير جيباً، بس غني كرامة، وعنده استعداد يهد الدنيا عشان خاطر بنته.
وفجأة لقيت عربية نص نقل قديمة، صوت مكنتها بيعافر مع زحمة الشارع، بتقف قصاد الميكروباص بالظبط. نزل منها أبويا، الحاج الصاوي، بجلبابه الصعيدي وشاله الأبيض اللي ريحته هيبة ودفا. أول ما عينه جت عليا وشاف كسرة نفسي وشيلتي للبيبي وأنا مش قادرة أقف، عينه احمرت وعروق جبهته برزت، لكنه كتم غيظه، وقرب مني بخطوات سريعة وفتح لي باب العربية النصف نقل، وأخد مني الكاريكات براحة كأنه بيشيل حتة من قلبه.
أبويا راجل على قد حاله، شغال أرزقي بيجري على أكل عيشه بيومه، وعربيته دي هي كل حيلته في الدنيا، بس في اللحظة دي.. كنت شيفاه راكب أعلى من أعلى عربية زيرو في العالم. ركبت جمبه، ومسك إيدي اللي فيها أنسيال المستشفى، وقال لي بكلمة واحدة هزت كياني:
“طول ما الصاوي عايش على وش الأرض، دموعك دي تمنها غالي أوي يا صابرين.. نامي يا بنتي وارتاحي، أنتِ في حمايا.”
وصلنا بيت أبويا، البيت البسيط اللي جدرانه ساندة بعضها بالعافية، بس مليان حنية وستر. دخلتني أمي بحضنها الواسع، وأبويا خرج يجيب لي العلاج والمسكنات من الصيدلية بفلوس استلفها من جاره وهو رافع راسه، ومخلانيش أحس بأي عجز.
مرت ساعات الليل وأنا نايمة مش مصدقة إني وسط أهلي، لحد ما النهار طلع، وصحيت على صوت موبايلي وهو بيرن برقم “معتز”.
رديت والبرود مالي قلبي، وكنت فاكرة إنه بيتصل يطمن أو يسأل دخلت البيت إزاي، لكن صوته جه من الناحية التانية كله غل وقسوة:
“أنتِ فاكرة نفسك روحتي فين يا صابرين؟ فاكرة لما تروحي لراجل ميت حيل مش لاقي ياكل، وتتحامي فيه، إنه هيقدر يقف قصادي؟”
ضحكت بوجع، وقلت له: “أبويا الصاوي، اللي بتقول عليه مش لاقي ياكل، سواه الهوا بالناس، ومسبنيش في الشارع زي ما أنت عملت.”
معتز صوته علي أكتر وبدأ يهددني بكل ثقة، مستغل فقر أهلي:
“اسمعي يا بت الناس.. أنتِ هترجعي بيتك ورجلك فوق رقبتك، والواد ده أنا هاخده منك بالقانون وبالعافية لو فكرتي تلاعبي بي حوار الطلاق. أبوكِ آخره يشتغل يوم ويقعد عشرة، مش هيقدر على مصاريف محامين، ولا هيقدر يصرف عليكِ وعلى ابنك. أنا معايا الفلوس والعربية والضهر، وأبوكِ لو فكر يقف قصادي، هحبسهولك بـ وصل أمانة من بتوع زمان، أو هخليه يلف حوالين نفسه في المحاكم لحد ما يشحت. قدامك ٢٤ ساعة تلمي هدمك وترجعي، وإلا قسماً بالله هحرمك من ابنك طول عمرك، وأخلي أبوكِ يندم على اليوم اللي فكر يرفع راسه فيه قصادي!”
قفل السكة في وشي، وساب التهديد بياكل في عقلي. بصيت لأبويا اللي كان واقف ورا الباب وسامع كل كلمة، ولقيت في عينه نظرة تانية خالص.. نظرة راجل فقير جيباً، بس غني كرامة، وعنده استعداد يهد الدنيا عشان خاطر بنته.
**- يتبع في الجزء الثالث -**
دخل أبويا الأوضة وخطواته بتهز البلاط القديم، وشه اللي كان مرسوم عليه التعب والشقاء اتحول لكتلة من الغضب المكتوم. بص للبيبي اللي نايم في سريره، وبعدين بصلي وقال بصوت هادي بس قوي زي الرعد:
“امسحي دموعك يا صابرين.. اللي يهدد بفقر الناس يبقى هو اللي عريان من الرجولة، والصاوي مبينحنيش لفلوس حد.”
مكملناش ساعة، وسمعنا صوت كلاكيت عربية “كيا سبورتيدج” عالي ومستفز تحت البيت، وبعدها رزع باب عالي على السلم وصوت خطوات تقيلة بتقتحم المكان. الباب اتفتح تلت فتحة ودخل معتز وهو لابس نضارته الشمسية، وحاطط إيده في جيبه، وباصص لسقف الشقة المقشر بقرف.. وورا منه كانت واقفة أخته شيريهان، بتبص للحوائط وتلوي بوزها وهي ماسكة الآيفون بتاعها كأنها خايفة تلمس حاجة في البيت.
معتز قال بنبرة كلها تكبر وقسوة:
“جرى إيه يا حاج صاوي؟ سيبناكم كام ساعة تفكوا عن نفسكم، قولتوا نعمل حوار؟ يلا يا صابرين لمي هدمك وهاتي الواد، مش فاضيين للمشاوير دي، ورانا حجز في النادي بالليل.”
أبويا كان قاعد على الكرسي الخشب، مقامش من مكانه، ولا حتى اتزحزح. فض العِمامة بتاعته براحة وهو باصص للأرض، وقال ببرود قاتل:
“أنت داخل بيت الصاوي ومفكر نفسك داخل زريبة يا معتز؟ فين خطوة السلام؟ وفين الأصول اللي أهلك معلمهالكش؟”
معتز ضحك بسخرية وبص لأخته وقال:
“أصول إيه يا حاج؟ الأصول دي لما نكون بنتكلم مع حد من مقامنا.. أنا جيت هنا عشان متبهدلش في المحاكم وأنا راجل أعمال وعندي براند، وأنت راجل على قد حالك ومش حمل مصاريف ولا محامين، فـ قصر الكلام وخلّي بنتك تقوم تلم حاجتها بدل ما أزعلكم.”
هنا.. شيريهان أخته اتدخلت وقالت بلوية بوز:
“وبعدين يا أبيه المكان هنا يكتم النفس، خلينا نمشي، وماما مستنيانا في العربية تحت مش راضية تنزل عشان السلم مش نضيف.”
في اللحظة دي، أبويا وقف.. وطوله كان هيبة زي النخلة. قرب من معتز بخطوات خلت معتز يرجع خطوة لورا من الخضة. بص في عينه وقال بصوت جهوري هز جدران البيت:
“المكان اللي مش عاجبك وعاجب أختك وأمك ده، طلع ستات ورجالة بجد.. الست اللي رمتها في الشارع وهي بنزيفها ووجعها، دي ضفرها برقبتك ورقبة عيلتك اللي متعرفش يعني إيه شرف الأصول.”
معتز وشه احمر وحاول يعلي صوته:
“أنت بتغلط فيا وفي أهلي يا راجل يا…”
قبل ما يكمل كلمته، أبويا رفع إيده وصوب صباعه في وش معتز وقال بحسم يقطع النفس:
“اخرس خالص.. صوتك ميعلاش في بيتي.. أنت جاي هنا تظأطط بفلوسك وعربيتك الزيرو؟ الفلوس دي تشتري بيها ناس شبهك، لكن متشتريش بيها ضفر بت الصاوي. بنتي مش راجعة معاك، وابنها في حضنها، وأعلى ما في خيلك وخيل عيلتك اركبه.. المحاكم اللي بتهددني بيها أنا هسبقك ليها، ولو هبيع عربيتي النص نقل اللي باكل منها عيش عشان أصرف على القضية، مش هسيب حق بنتي.”
معتز اتراجع لورا وهو بيحاول يداري كسفته قدام أخته، وقال بغل:
“ماشي يا صاوي.. أنت اللي اخترت، وهتشوف هعمل فيك إيه بالوصلات اللي معايا.”
أبويا فتح باب الشقة على الآخر، وشاور بإيده لبرة وقال بكل عزة وجبروت:
“براااا.. اخرج برة بيتي أنت واللاضية اللي معاك دي.. ومشوفش وشك في الشارع ده تاني، وإلا وقسمًا بالله هنسى سني وشيبتي وهعلمك الأصول اللي معرفتش تتعلمها في بيتك.. اطلّع برة!”
شيريهان شهقت من الخوف وشدت أخوها من كم قميصه وهي بتقول: “يلا يا أبيه ده راجل مجنون وهيتبلى علينا”، ومعتز خرج وهو بيبرطم ويهدد وصوته جايب آخر الشارع، ورزع الباب وراه.
أول ما مشيوا، النفس رجع لي تاني.. بصيت لأبويا ودموعي نازلة، بس المرة دي دموع فخر.. قومت وبست إيده ورأسه، وهو طبطب عليا وقال: “م تخافيش يا صابرين، طول ما فيا نفس، مفيش كلب هيلمسك.”
لكن وأنا قاعدة، كان قلبي مقبوض.. معتز مش هيسكت، والتهديد بالوصلات والمحاكم كان حقيقي، والجرام والمكر اللي في عيلته هيبدأ يظهر في الأيام الجاية..
بعد ما معتز وأخته نزلوا وصوت عربيتهم اختفى من الشارع، ساد السكون في البيت، بس كان سكون مليان قلق. قعد أبويا على الكرسي وهو بيلهث من العصبية، حاطط إيده على جبهته بيفكر. أنا كنت عارفة إن معتز نِدل، والندل لما يتزنق في كرامته بيعض، وتهديده بالوصلات والمحاكم مكنش كدب، هو فعلاً كان ماضي أبويا على وصل أمانة كـ “ضمان” وقت تجهيز الجواز، وأبويا على نياته مكنش يتخيل إن الندالة هتوصل بيه لدرجة يلوى دراع راجل شيبته في السوق.
أمي قربت من أبويا وهي بتفرك في إيديها بخوف:
“وهنعمل إيه يا صاوي؟ معتز واصل، وعيلته ناس مريشة ومعاهم فلوس المحامين، وإحنا غلابة ومحيلتناش غير الستر، لو عمل بالوصل ده حاجة، أنت هتروح مني يا أبو صابرين!”
أبويا رفع راسه، وعينه كان فيها لمعة غريبة.. لمعة راجل افتكر إن الدنيا لسه فيها سند وضهر. سكت شوية، وبعدين مد إيده في جيب جلبابه وطلع تليفونه الزراير القديم، وبدأ يقلب في الأسماء لحد ما وقف عند اسم “ابن عمي، الحاج مرسي”.
مرسي ده كان ابن عم أبويا اللزم، من كبارات العيلة في الصعيد، وربنا فتحها عليه وعلى أولاده. ابنه الكبير “طارق” شاب زي الورد، متعلم في أعلى المدارس وناجح في مجال المقاولات والشركات، وكلمته مسموعة وليها وزنها في البلد وعند الأكابر، وراجل واصل وضهره محمي باسم عيلته وشغله النضيف.
أبويا داس اتصال، وحط التليفون على ودنه، ووداننا كلنا كانت مع الرنة..
“ألو.. السلام عليكم، إزيك يا ابن عمي يا مرسي؟”
جه صوت الحاج مرسي من الناحية التانية، صوت كله أصالة وترحاب:
“وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته! يا مرحب ب ريحة الغاليين، إزيك يا صاوي يا ابن عمي؟ عامل إيه وأخبارك إيه في البندر؟”
أبويا مِسك التليفون بإيدين الاتنين، وصوته لأول مرة يتهز ويطلع فيه نبرة رجاء ووجع:
“الحقني يا ابن عمي.. الحقني يا مرسي، دمي مستباح في الغربة، وفي نِدل استضعفني عشان طالع لوحدي في القاهرة، وعاوز يكسرني في بنتي ويحبسني بفلوسه.”
الدنيا سكتت على الخط ثانية واحدة، وفجأة سمعنا صوت الحركة عند الحاج مرسي، وصوته اتحول لجدية وصارمة:
“جرى إيه يا صاوي؟! مين ده اللي عاش ولا كان اللي يكسر ابن عمي أو ييجي على حُرمة بيته؟ قولي في إيه والدموع دي سببها إيه؟”
أبويا حكى له حكاية صابرين من أول يوم الولادة ورميتها في الشارع، لحد تهديد معتز بالوصل والمحاكم واقتحامه للبيت وقِلة أدبه. وأنا واقفة وسامعة أبويا وهو بيحكي وبيمسح دموعه بطرف شاله، قلبي كان بيتقطع.
الحاج مرسي مكملش الحكاية، وقال لأبويا بالحرف:
“اقفل يا صاوي.. اقفل، خطك مش هيفصل، دقيقة واحدة وهتلاقي طارق ابني بيكلمك.. طارق في القاهرة وعنده مكاتبه هناك، وهو اللي هيتولى الحوار ده، ووريني بقى المحاكم والفلوس دي هتعمل إيه مع شركات الصاوي للمقاولات.”
فعلاً، مفيش دقيقتين، وتليفون أبويا رن برقم غريب.. أبويا فتح الخط وجاله صوت شاب، بس صوت فيه هيبة وثقة تزلزل جبال، صوت “طارق” ابن عمه:
“يا مرحب يا عمي صاوي.. حمد الله على سلامة بنت عمي صابرين، وألف مبروك للمولود الجديد، يتربى في عزكم وعز عيلة الصاوي.”
أبويا صوته اتهدج وقال: “الله يبارك فيك يا ابني، بس يا طارق..”
طارق قاطعه بأدب جم وفي نفس الوقت بحسم شديد:
“عمي.. أنا سمعت من أبويا كل حاجة. ارفع راسك فوق ومتشيلش للدنيا هم. الفلوس اللي معتز ده فاكر نفسه بيها راجل، أنا هعرفه إنها متشتريش حتى تمن حبر القلم اللي هيمضي بيه على نهايته. الوصل اللي بيهددك بيه؟ اعتبره اتحرق. والمحاكم؟ أنا معايا جيش مستشارين وقانونيين تحت إيدي، ومن بكرة الصبح هقلب التربيزة فوق دماغه ودماغ عيلته. عاوزك ترتاح، وتطمن بنت عمي، وتقول لها إن ضهرها بكرة هيكون واقف قصاد الكل.”
طارق سكت ثانية، ونبرة صوته بقت حادة ومرعبة:
“أنا هعرفه إزاي يدخل بيوت الأحرار ويهدد.. مسافة السكة يا عمي، وأنا هكون عندك في البيت عشان ننزل سوا نعلّمه الأصول على مية بيضا.”
ط
قفل طارق السكة، ولأول مرة من تلات سنين، حسيت إن النفس بيدخل صدري بجد.. الغرور والفلوس اللي كان معتز وأهله بيذلوني بيهم، ظهر قصادهم جبل حقيقي من الهيبة والجاه والرجولة.
بس معتز مكنش يعرف إن اللعبة اتغيرت، وكان لسه بيجهز ضربته الأولى…
في نفس اليوم بالليل، الشارع بتاعنا اللي كان هادي، فجأة اتقلب حاله. صوت كلاكيت عربيات فخمة وضخمة هزت جدران البيوت القديمة. من الشباك، شفت عربيتين دفع رباعي سود، نزل منهم شباب ببدل شيك جداً، ووراهم نزل “طارق” ابن عمي.
طارق مكنش مجرد شاب ناجح وخلاص، ده كان لابس بدلة تفصيل، ساعته بتلمع، وفي عينه نظرة ذكاء حاد وثقة تخلي أي حد يقف له انتباه. ملامحه فيها من سماره الصعيدي، بس هيبته هيبة رجل أعمال واصل وليه كلمة مسموعة في وسط الحيتان.
طلع طارق السلم، وأول ما دخل الشقة، قرب من أبويا وباس راسه وإيده بكل أدب وقال:
“يا مرحب يا عمي.. نورت القاهرة بأهلها، وطول ما طارق الصاوي فيه نفس، مفيش كلب يقدر يوطي راسك الأرض.”
قعد طارق، وطلب مني أحكي له كل تفاصيل الجوازة، وعن الوصل اللي معتز بيلوي بيه دراعنا. حكيت له وأنا حاطة البيبي في حضني، وطارق كان بيسمع وهو بيهز راسه وراسم ابتسامة باردة على وشه، ابتسامة تخوف أكتر من الغضب.
التفت طارق للمستشار القانوني اللي معاه وقال له:
“سمعت يا متر؟ الباشا بايع براند على الفيس بوك وعامل فيها رجل أعمال، ومزور وصل أمانة على راجل طيب عشان يبتزه.. بكرة الصبح، ترفع ق/ضية تبديد منقولات، وبلاغ رسمي بابتزاز، وتجهّز لي ملف كامل عن شركته والضرائب بتاعتها.. أنا عايز الباشا يصحي الصبح يلاقي نفسه محاصر من كل حتة.”
وفي عز ما طارق بيتكلم، موبايل أبويا رن تاني.. كان معتز.
طارق شاور لأبويا يفتح الخط ويفتح الإسباكر.. صرخوا صوت معتز من السماعة وهو صوته كله غل وجبروت:
“ها يا حاج صاوي؟ فكرت في كلامي؟ أنا بعت لك صورة الوصل على الواتساب بتاع بنتك عشان تتأكد إني مش بهزر.. قدامك لحد بكرة الصبح، يا إما هرفع الوصل والقوة الجبرية هتيجي تاخد بنتك والواد، وأنت هتقضي بقية عمرك ورا السلك!”
أبويا كان لسه هيتكلم، بس طارق مد إيده وأخد التليفون براحة، وحطه على ودنه وقال بنبرة هادية جداً بس تقطع المية:
“ألو.. معتز معايا؟”
معتز استغرب الصوت وقال بقلق: “مين معايا؟ وفين الراجل العجوز؟”
طارق ضحك ضحكة خفيفة ورجع ضهره لورا وقال:
“العجوز اللي بتتكلم عنه ده يبقى عمي، الحاج الصاوي.. وأنا طارق الصاوي، صاحب شركات الصاوي للمقاولات والاستثمار. سمعت إنك بتهدد بالوصلات والمحاكم؟ تمام يا معتز، أنا بقى بحب المحاكم أوي، وبحب اللعب على كبير.. الوصل اللي في إيدك ده بليته واشرب ميته، لأن بكرة الصبح، حسابات شركتك في البنوك والبراند بتاعك اللي فرحان بيه، هيتحجز عليهم.. وبلاغ الابتزاز والتزوير هيكون على مكتب النائب العام.”
معتز صوته اتهز للحظة، بس حاول يرجع لغشوميته وفلوسه:
“أنت فاكر نفسك مين عشان تهددني؟ أنا معايا فلوس ومحامين يهدوا جبال!”
طارق رد عليه بصوت حاسم زي السيف:
“فلوسك دي تشتري بيها محشي وبط من المطعم يا معتز.. لكن متشتريش بيها كرامة عيلة الصاوي. من اللحظة دي، الكلام مش معاك، الكلام هيكون مع الأكابر اللي بيشغلو لك البراند بتاعك.. اجهز يا ابن الحلال، عشان اللي جاي عليك سواد، والأيام بيننا.”
قفل طارق السكة في وش معتز من غير ما يستنى رده، وبص لأبويا وليا وقال:
“ارتاحوا خالص.. اللعبة بدأت، ومعتز وعيلته هيدفعوا تمن كل دمعة نزلت من عين صابرين.. وغرز القيصرية اللي وجعتها في الشارع، هخليهم ينزفوا قصادها ندم.”
في الوقت ده، في شقة معتز.. كان واقف في الصالة ووشه أصفر زي الليمونة، والتليفون اتهز في إيده.. أمه وأخته شيريهان كانوا قاعدين بيشربوا عصير، وأمه قالت بلوية بوز: “في إيه يا معتز؟ مالك اتخضيت كده ليه من كلام حتة صايع مأجرينه؟”
لكن معتز مكنش قادر يرد.. لأنه كان عارف اسم “طارق الصاوي” كويس في السوق، وعارف إن الاسم ده معناه الخراب المستعجل لو حطه في دماغه.
ثاني يوم الصبح، كانت شقة معتز قايدة فيها النار، بس مش نار خناق.. نار رعب.
معتز كان قاعد في الصالة، شعره منكوش، ووشه باهت، والآيفون في إيده مبيفصلش رن. كل دقيقة يجيله إشعار أو مكالمة تهد حيله أكتر من اللي قبلها.
أمه، الحاجة صفية، نزلت من غرفتها وهي بتعدل عبايتها وقالت بزهق:
“جرى إيه يا واد يا معتز؟ من النجمة تليفوناتك مابتسكتش ليه؟ قلقت منامنا!”
معتز رفع راسه، وعينه كانت حمرا من قلة النوم، وقال بصوت مرعوب ومخنوق:
“الشركات وقفت يا أمه.. الشغل كله اتقفل! المصنع اللي بنتعامل معاه في الملابس ومصدر البراند بتاعنا، لسه مكلمني وبيقول لي الحسابات جمدوها، وفي قض*ية تزوير وابتزاز مرفوعة عليا من مستشاريين شركات الصاوي.. ومش بس كده، ده مصلحة الضرائب باعتين كبسّة على المخازن بتقرير رسمي! أنا بتهد يا أمه، بتهد بجد!”
شيريهان أخته خرجت من أوضتها وهي ماسكة الآيفون، وشها كان جايب ألوان، وقالت بصوت مرعوش:
“أبيه.. الحق! صفحة البراند الكبيرة اللي عليها الشغل كله اتقفلت، وجالي إشعار إن عليها بلاغات بانتهاك حقوق وسرقة.. الكومنتات تحت البوستات القديمة كلها اتقلبت شتيمة فينا وفي طبعنا الندل.. الناس عرفت بطريقة ما بلي عملناه في صابرين يوم الولادة!”
الحاجة صفية لوحت بإيدها وقالت بكبرياء زايف:
“يجمدوا إيه ويقفلوا إيه؟! روح لأي محامي كبير واديله قرشين يخلص لك الحوار ده.. دول ناس جربوعين، وأبوها صاوي حتة أرزقي، والواد اللي كلمك ده تلاقيه بيعمل لقطة عشان يخوفك!”
معتز صرخ في أمه لأول مرة في حياته وقال بعصبية:
“لقطة إيه يا أمه؟! ده طارق الصاوي! الحوت اللي ماسك مقاولات واستثمارات نص البلد! ده بكلمة منه يرميني ورا الشمس.. الوصل اللي كنت مهدد بيه أبوها، المحامي بتاعه قدم فيه بلاغ رسمي للنائب العام بإن التوقيع مزور وتحت الابتزاز، والشرطة دلوقتي بتدور عليا عشان أمر ضبط وإحضار!”
في نفس اللحظة، في بيت أبويا الحاج الصاوي.. الأجواء كانت مختلفة تماماً.
كنت قاعدة في الصالة، شربت مغات دافي عملتهولي أمي، والبيبي كان نايم في حضني ومطمن. طارق ابن عمي كان قاعد على الكرسي، بيبص في تليفونه الشيك وبيهز راسه برضا، وأبويا قاعد جمبه وعينه مليانة فخر.
طارق قفل التليفون وبص لأبويا وقال بابتسامة نصر:
“عمي الصاوي.. الباشا معتز دلوقتي بيلف حوالين نفسه زي الديك المذبوح. شغله وقف، صفحته اللي بيكسب منها اتقفلت، والأمر بالقبض عليه صدر.. دلوقتي هو وعيلته عرفوا إن الله حق، وإن فلوسهم متسواش تمن الحبر اللي داسوا بيه على كرامة بنتك.”
أبويا تنهد تنهيدة طويلة طلعت من نغاشيش قلبه، وقال:
“الحمد لله يا ابني، ربنا سخرك لينا عشان تنصر الغلبان.. أنا مش عاوز أئذيه يا طارق، أنا كل اللي عاوزه حق بنتي وكرامتها، والواد يتربى في حضن أمه معزز مكرم.”
طارق رد بحسم: “حقها هيجي تالت ومتلت يا عمي، وصابرين هتاخد كل مليم وكل ورقة تخصها وهي قاعدة حاطة رجل على رجل.. والندل ده مش هسيبه غير وهو جاي لحد هنا، يوطي على إيدك ويبوسها عشان تسامحه.”
وفجأة.. تليفون طارق رن.
بص على الشاشة ولقى رقم معتز.. طارق فتح الخط وفتح الإسباكر من غير ما يتكلم.
جه صوت معتز من الناحية التانية، بس المرة دي مكنش صوت الباشا المغرور اللي راكب الكيا سبورتيدج.. كان صوت واحد مكسور، صوته بيريّق من الخوف، وقال بنبرة ذليلة:
“طارق بيه.. أنا أسف.. حقك عليا وعلى راسي، أنا مكنتش أعرف إن صابرين تخصك.. أنا مستعد لأي حاجة تطلبها، بس ابوس إيدك ارفع الحجز وفك البلاغات، أنا بيتي بيتخرب وبموت في الدقيقة مية مرة!”
طارق بصلنا وابتسم بسخرية، ورد بصوت بارد زي التلج:
“الكلام ده ميتلقش ليا أنا يا معتز.. الكلام ده تقوله للحاج الصاوي ولصابرين.. اجهز يا شاطر، لأنك بكرة الصبح هتيجي بنفسك، وأمك وأختك معاك، وتدخلوا الحارة من أولها على رجليكم.. ومن غير عربيات زيرو.. عشان تشوفوا الأصول بتتكتب إزاي.”
قفل طارق السكة، والتفت ليا وقال:
“بكرة يا صابرين.. يوم الحساب.”
وجاء صباح يوم الحساب، الشمس كانت طالعة وحامية على حارتنا، والناس كلها من أول الشارع لآخره كانت واقفة على السطوح وفي البلكونات مستنية تشوف نهاية الندالة. طارق ابن عمي كان منبه على رجالته يوقفوا عربيات الدفع الرباعي في أول الشارع ويقفلوا المداخل، مش عشان يمنعوا حد، عشان معتز وعيلته يدخلوا الحارة على رجليهم زي ما طارق شرط عليهم.
من شباك الأوضة، شفت المنظر اللي يبرد القلب..
معتز كان جاي، وشه في الأرض، لابس قميص مكرمش وبنطلون مبهدل، وجنبه أمه الحاجة صفية اللي كانت من كام يوم بتلوي بوزها وراكبة الكرسي القدامي، جاية دلوقتي بتجر في رجليها والعباية السيرما متبهدلة من تراب الشارع، ووراهم شيريهان اللي كانت بتتصور سيلفي وكاتبة “أحلى غدوة مع الناس اللي تهمنا”، جاية دلوقتي وموبايلها الآيفون مستخبي في شنطتها ودموع الخوف والكسرة في عينيها.
دخلوا بيت أبويا الحاج الصاوي بخطوات مرعوشة.
في الصالة، كان قاعد أبويا في صدر المكان، وجنبه طارق بيه الصاوي، وحواليهم كبارات العيلة والمستشار القانوني، وأنا كنت واقفة ورا باب الأوضة، شايلة ابني ومستنية أشوف حقي وهو بيرجع.
أول ما معتز دخل، عينه جت في عين طارق، فرجعت خطوة لورا وبلع ريقه بصعوبة. قرب من أبويا ومد إيده وهو بيترعش وقال بصوت واطي ومكسور:
“السلام عليكم.. حقك عليا يا حاج صاوي، أنا غلِطت في حقك وفي حق بنتك، واليطان عمى عيني.. أبوس إيدك سامحني وشيل البلاغات، أنا مستقبلي بيضيع.”
أبويا مبصلوش ولا مد إيده يسلم، فضل باصص للأرض بوقار وصمت يق*تل، وساب طارق هو اللي يرد. طارق وقف وخطى خطوتين لحد ما بقى قدام معتز بالظبط، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة حادة زي الموس:
“الصلح والمسامحة دي ليها شروط يا معتز.. وإحنا هنا مش بنهزر. المتر معاه كل الأوراق.”
المستشار القانوني فتح الشنطة وطلع دفاتر وأوراق وحطها على الطربيزة وقال بصوت جهوري:
“أولاً: ورقة المؤخر والنفقة والمتعة تيمضي عليها بـ أرقام تخليك تلف حوالين نفسك طول عمرك لو فكرت تضايق صابرين تاني.
ثانياً: شقة الزوجية تتنازل عنها بالكامل لصابرين وابنها تمكين مطلق وبدون رجوع ليك.
ثالثاً: العربية الكيا سبورتيدج الزيرو اللي وقفتها قدام المستشفى وقولت دي لأمك وأختك؟ تيتنازل عنها بكرة في الشهر العقاري باسم ابنك الجديد، وصابرين تكون الواصية عليها.”
سمعت الحاجة صفية الكلام ده، فـ نسيت الكسرة للحظة وقالت بصوت مكتوم: “العربية؟! دي شقى عمري وشقى ابني! تاخدها دي ليه؟!”
طارق التفت ليها بنظرة عينه اللي زي الصقر، وقال لها ببرود يرعب:
“تاخدها تمن الوجع والنزيف اللي بنتك صابرين مشيت بيه في الشارع وأنتِ رايحة تاكلي بط ومحشي والشمس حامية عليها.. تاخدها عشان لما ابنها يكبر، يعرف إن أبوه وعيلته سابوه في الشارع، وجده وأهله ركبوه أعلى عربية.. ولو مش عاجبك يا حاجة، اتفضلي خدي ابنك من إيده، والبوكس واقف برة الحارة مستني أمر الضبط والإحضار في قضية التزوير والابتزاز، والشركات والمخازن بتاعتكم بكرة هتتباع في المزاد العلني!”
معتز اترمى على ركبته قدام أبويا، وبكى بدموع ذل حقيقية وقال:
“موافق.. موافق على كل الشروط! همضي على كل حاجة، بس ارفعوا الحجز وفكوا البلاغات، أنا هموت!”
طارق شاور للمتر، ومعتز مسك القلم وبدأ يمضي على التنازلات والوصولات وشهادات الحق وهو إيده بتتراعد، وأمه وأخته واقفين يتفرجوا عليه وهم بيموتوا من القهرة والكسرة، بعد ما كانوا فاكرين إن فلوسهم والبراند بتاعهم هيخليهم يدوسوا على بنات الأحرار.
بعد ما معتز خلص إمضاء، طارق أخد الأوراق وراجعها، وبعدين بص لمعتز وقال له: “فاضل شرط واحد.. وأهم شرط.”
معتز رفع راسه وقال بلهفة: “إيه هو يا طارق بيه؟ مستعد لأي حاجة!”
طارق شاور على باب الأوضة اللي أنا واقفة وراها، وقال بصوت هز البيت كله…
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
شاور طارق على باب الأوضة اللي أنا واقفة وراها، وقال بصوت هز البيت كله:
“توطي على إيد وعمامة الحاج الصاوي تبوسها وتعتذر له قدام الحارة كلها، وتدخل لبت الصاوي تبوس رأسها وتطلب سماحها، ورجلك فوق رقبتك.”
معتز مكنش قدامه بديل، انحنى وهو مكسور العين والقلب، وباس إيد أبويا ورأسه وهو بيعيط وبيقنع نفسه إن ده تمن نيرانه اللي قادت. دخل الأوضة، وأنا واقفة بطولي، شموخ الدنيا كله في عيني، والبيبي في حضني مالي عليا الكون. قرب مني ودموعه نازلة وقال: “سامحيني يا صابرين.. الشيطان عمى عيني.”
بصيت له ببرود وقلت له: “الشيطان مبيعميش غير اللي قلبه أسود وندل يا معتز.. أنت وعيلتك مكنش في قلوبكم رحمة، وأنا مبسمحش، أنا باخد حقي وبس.. اخرج برة حياتنا.”
خرج معتز وأمه وأخته من الحارة، والمرة دي مش في كيا سبورتيدج ولا معاهم آيفون بيتباهوا بيه، خرجوا على رجليهم والناس بتبص عليهم بنظرات تشفي ودرس مش هينسوه طول عمرهم. طارق بيه أخد الأوراق وخلص كل الإجراءات القانونية، والشقة والعربية بقوا باسم ابني، وبقيت قاعدة في بيت أبويا معززة مكرمة، وسط أهلي اللي بجد.
تمر الأيام، وابني كبر وبقى مالي عليا الدنيا، وأبويا الحاج الصاوي ربنا بارك في صحته وشاف حفيظة وهو بيكبر قدام عينه وهو رافع راسه وسط الدنيا كلها، وطارق ابن عمي فضل هو الظهر والسند لينا في كل خطوة.
### 💡 الحكمة من القصة:
* **الأصول والرجولة لا تُباع ولا تُشترى بالمال:** الفلوس ممكن تشتري عربية زيرو، وتشتري براند ومظاهر كدابة، بس عمرها ما تشتري “أصل طيب” أو “رحمة” في قلوب البشر.
* **الظلم ظلمات.. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب:** معتز وعيلته افتكروا إن فقر الحاج الصاوي هيخليهم يستقووا على بنته، ونسيوا إن ربنا سبحانه وتعالى بيسخر للغلبان ظهر وسند يقلب الترابيزة في لحظة.
* **بيت الأب هو الحصن والأمان الباقي:** البنت مهما مشيت ورا قلبها، بيفضل أبوها وأهلها هما السند الحقيقي اللي بيلحقها وقت الكسرة، وطول ما الأصول موجودة، الحق مبيضعش.
**- تمت بحمد الله -**
#الكاتب_رومانى_مكرم


تعليقات
إرسال تعليق