الولادة والچنازة في آن واحد كاملة
حماتي جات
الحلقة الأولى الولادة والچنازة في آن واحد
منذ ثلاثة أسابيع فقط، كنت أعتقد أنني على مشارف كتابة أجمل فصول حياتي. تسعة أشهر مرّت وأنا أحسب الأيام والساعات، أنظر إلى بطني التي تنمو، وأشعر بركلات طفلي الصغير عمر وكأنها إشارات سرية يرسلها لي ليخبرني أنه متشوق لرؤية العالم. كان زوجي طارق يشاركني هذا الحماس؛ نقضي الأمسيات معًا نختار الألوان، ونرتب الغرفة الصغيرة المجاورة لغرفتنا.
لكن في ليلة المخاض، انقلب كل شيء إلى كابوس مرعب. بدأت الآلام مبكرة، وفي المستشفى سادت حالة من الذعر بين الأطباء. أتذكر الأضواء البيضاء الساطعة، وصوت الأجهزة التي بدأت تتسارع نبضاتها، ثم فجأة... ذلك الصمت القاټل. الصمت الذي لا يريد أي أب أو أم سماعه في غرفة الولادة. غاب صوت بكاء المولود.
في نفس الوقت الذي كنت فيه ألد، كان طارق ينهي الإجراءات، ليس لخروجنا كعائلة، بل لترتيب جنازة. ابني الصغير، الذي حملت به وتمنيت ضمھ إلى صدري، لم يرجع معي إلى المستشفى. عشت أصعب لحظات عمري وأنا أرى جسده الصغير يوارى الثرى قبل أن يرى نور الشمس. عدت إلى البيت بذراعين فارغتين، وقلب ممزق، وروح ټنزف صمتًا.
الحلقة الثانية غياب طارق والأوضة الفاضية
بعد أسبوعين من الفاجعة، بدأ حزن طارق يأخذ مسارًا مغايرًا لحزني. كنت
أتحصن بالصمت والبكاء في زوايا المنزل، بينما كان هو يهرب من المكان. وفي صباح يوم كئيب، وجدته يجمع ملابسه في حقيبة سفر كبيرة. نظرت إليه بعينين متورمتين من قلة النوم، وسألته بصوت متحشرج أنت رايح فين يا طارق؟
نظر إليّ وعيناه حمراوان، وقال بنبرة مکسورة ومليئة بالعجز أنا مش قادر يا سارة... مش قادر أبص للأوضة الفاضية دي كل يوم. كل ما بمر من جنبها بحس بنغزة في قلبي بټموتني. أنا محتاج أبعد، محتاج وقت لوحدي. ومشى، تاركًا خلفه منزلاً يفوح منه المۏت، وامرأة تحارب طيف طفلها الراحل بمفردها.
بعد رحيله، صار كل ركن في البيت ېصرخ بوجهي، يذكرني بالطفل الذي عمره ما هينام فيه. السرير الخشبي الصغير القابع في زاوية الغرفة، الحفاضات التي لا تزال في أكياسها المغلقة ولم تُفتح، والهدوم الصغيرة التي كنت قد اخترتها واحدة واحدة، بعناية فائقة، من محلات الأطفال، وأنا مستنية اليوم اللي أشوفه لابسها فيه ويملأ البيت بحركته. ما بقيتش أقدر أبص لأي حاجة فيهم. كانت الغرفة أشبه بمتحف للوعود المکسورة.
الحلقة الثالثة لقاء على رصيف الانتظار
وفي يوم، وأنا راجعة من المقاپر بعد زيارة ابني عمر، كنت أقود سيارتي بآلية وكأنني جسد بلا روح. توقفت عند الإشارة القريبة من السوبر ماركت الكبير في وسط الحي. التفتت
عيناي تلقائيًا نحو الرصيف، فرأيت ستًا صغيرة في السن، يبدو على وجهها آثار شقاء مبكر، قاعدة على الرصيف البارد.
وضعت أمامها ورقة كرتون ممزقة مكتوب عليها
بخط يد ضعيف إنها محتاجة مساعدة عشان طفلها. وعلى صدرها، كان هناك طفل رضيع، باين عليه إنه في نفس عمر ابني الراحل تقريبًا، نايم في حمالة أطفال باين عليها إنها قديمة جدًا، متهالكة، وخيوطها مقطوعة وكأنها تكاد تسقط به في أي لحظة.
فضلت قاعدة في العربية أبصلها شوية... مش عارفة قد إيه من الوقت مر وأنا أتأمل وجه ذلك الرضيع النائم في هذا البرد، ووجه أمه المليء بالانكسار. شعرت برابط غريب يجمعني بها؛ كلانا فقد شيئًا، أنا فقدت طفلي، وهي تكاد تفقد القدرة على حماية طفلها. تحركت الإشارة، لكنني لم أذهب إلى وجهتي المعتادة، بل رجعت إلى البيت بسرعة البرق، وكأن فكرة مفاجئة قد أضاءت في عقلي المظلم.
الحلقة الرابعة حقيبة الذكريات المهداة
دخلت البيت، وتوجهت مباشرة نحو أوضة ابني الراحل لأول مرة من أسابيع. أضأت النور، وبدأت ألمّ كل حاجة بعزيمة غريبة. أحضرت عربية الأطفال الفخمة التي اشتريتها بمبلغ كبير، والتي كنت قد ركبتها مرة واحدة بس أجربها جوه البيت وأنا أتخيل دفعها في الحدائق.
بدأت أضع فيها كل هدوم البيبي الجديدة بمقاساتها المختلفة، والتي
كانت لا تزال في مغلفاتها وبأوراق أسعارها. أحضرت اللعبة الملونة اللي بتلف فوق السرير وبتشغل تهويدة موسيقية هادئة، تلك التهويدة التي كنت مختاراها بعناية لأنها كانت نفس الأغنية اللي أمي كانت بتغنيهالي وأنا صغيرة قبل نومي. وحتى البطانية الزرقاء الناعمة المصنوعة من الصوف الفاخر، اللي كنت جبتها أول ما عرفت من السونار إن اللي جاي ولد.
حطيت كل حاجة بعناية داخل العربية الكبيرة، ونزلت بها، ووضعتها في حقيبة سيارتي، ورجعت للست في نفس المكان. نزلت من السيارة وأنا أجر العربية الممتلئة بالخيرات نحوها. أول ما شافتني أتقدم باتجاهها، بصت لي باستغراب وخوف، وظنت أنني سأطلب منها الرحيل. ما قالتش كلمة، كان باين على ملامحها إنها بطلت تصدق إن الدنيا ممكن تديها حاجة حلوة أو إن فيه حد ممكن يحس بۏجعها.
الحلقة الخامسة دموع العرفان وأول ليلة نوم
اقتربت منها، وجلست على ركبتي على الرصيف بجانبها لتصبح عيناي في مستوى عينيها. قلت لها بصوت هادئ يحمل غصة خديهم... أرجوكي. نفسي حد يستفيد بالحاجات دي. ابني ما لحقش يستخدم أي حاجة منها... هو دلوقتي في مكان أحسن، وأكيد هيكون مبسوط لو طفلك لبس واستخدم الحاجات دي.
قبل حتى ما أخلص كلامي، وقبل أن تستوعب حجم العطاء، اڼهارت الست في العياط. بكت بنحيب هز قلبي، وأخذت تقبل يدي
وهي تدعو لي برضا وجبر خاطر وتدعو لطفلي بالرحمة. شعرت في تلك اللحظة وكأن حملًا ثقيلاً قد رُفع عن صدري. عدت إلى منزلي، ودخلت غرفتي، وفي الليلة دي... ولأول مرة من يوم ما فقدت ابني عمر... نمت أكتر من ساعتين متواصلين. نمت نومًا عميقًا هادئًا،
وكأن دعوات تلك الأم قد تحولت إلى ملائكة تحرس أحلامي.
لكن في ثاني يوم الصبح... وقبل شروق الشمس بقليل، استيقظت فجأة على صوت رنين جرس الباب المتواصل والقوي. نظرت إلى الساعة، كانت الخامسة صباحًا. نهضت من سريري بقلب يخفق بسرعة، متسائلة من قد يأتي في هذا الوقت؟ هل هو طارق عاد؟ أم حدث مكروه؟ فتحت الباب... واتجمدت مكاني من الصدمة.
الحلقة السابعة غابة العربيات أمام البيت
ما كانش فيه حد واقف على الباب. الشارع كان هادئًا تمامًا والضباب يملأ الأجواء. لكن الصدمة الحقيقية كانت في الجنينة الصغيرة وفناء البيت أمام الباب مباشرة. المكان كان مليان عربيات أطفال! عشرات العربيات من كل الأشكال والألوان، مرصوصة بدقة متناهية كأنها معرض مفتوح. وكل عربية من هذه العربيات كان جواها علبة كرتونية مقفولة ومتغلفة بعناية بورق هدايا أنيق، وفوق كل علبة رسالة صغيرة مطوية.
سرت بخطوات متباطئة، وأنا أفرك عيني لعلني في حلم أو هلوسة من أثر الصدمة. كانت العربيات حديثة، وبعضها يبدو باهظ الثمن. قربت من أكبر عربية فيهم،
كانت لافتة للانتباه بلونها الأسود الملكي اللامع وتصميمها الفريد. كانت العلبة داخلها ضخمة ومربوطة بشريط ستان أحمر.
مددت يدي التي كانت ترتعش بشدة، ورفعت غطا العلبة ببطء والفضول والخۏف يتملكانني بالكامل. أول ما شافت عيني اللي جوه العلبة... صړخت من غير وعي، وحطيت إيدي على صدري وتراجعت خطوات للخلف لولا أنني استندت على سور الجنينة.
لا... همست بصوت مخڼوق.
مستحيل... مش ممكن يكون ده حقيقي!
الحلقة الثامنة الرسائل المفقودة وسر الأم
داخل العلبة السوداء الكبيرة، لم يكن هناك ألعاب أو ملابس أطفال إضافية. كان هناك مجلد ضخم يحتوي على وثائق رسمية، وبجانبه ألبوم صور قديم، وفوقه رسالة مكتوبة بخط يد أنيق وواضح جداً. التقطت الرسالة بملامح ذاهلة، وبدأت أقرأ
إلى السيدة الفاضلة سارة... بالأمس صنعتِ معروفاً مع امرأة ظننتِ أنها مجرد شحاتة على الرصيف. هذه المرأة هي ابنتي الوحيدة منى. منى عانت من اضطراب نفسي حاد واكتئاب ما بعد الولادة بعد ۏفاة زوجها في حاډث، وهربت بطفلها من مستشفى الأمراض النفسية حيث كانت تتلقى العلاج، وأخذت تهيم في الشوارع معتقدة أنها تحميه من العالم، ورفضت العودة للمنزل. نحن عائلة ميسورة الحال، ونمتلك أكبر شركة لاستيراد وتوزيع مستلزمات الأطفال في البلاد. كنا نبحث عنها في كل مكان طوال أسابيع وقلوبنا ټنزف خوفاً عليها وعلى
حفيدنا.
تابعت القراءة والدموع تنهمر من عيني بغزارة
بفضل عربية الأطفال المميزة التي أهديتها لها، والتي كانت تحتوي على بطاقة ضمان باسمك وعنوانك داخل جيبها الصغير، استطاع أحد رجال أمننا الذين كانوا يمشطون المنطقة التعرف على ابنتي وحفيدي بالأمس وإعادتهم للمنزل بأمان بعد أن قبلت منى الركوب في العربية الجديدة التي أحبتها. العلب التي ترينها في العربيات بالخارج ليست
مجرد هدايا، بل هي تبرعات كاملة باسم ابنك الراحل عمر، تحتوي على عقود توظيف وتكفل مالي لعشرات الأسر المحتاجة، بالإضافة إلى أوراق تخصيص جناح كامل للأطفال المبتسرين في المستشفى العام يحمل اسم جناح الطفل عمر.
الحلقة التاسعة عودة طارق وانقشاع الظلام
بينما كنت واقفة وسط الجنينة أقرأ الرسالة وأبكي بنحيب يجمع بين الحزن على طفلي والفرح بهذا الجبر الإلهي العظيم، سمعت صوت مكابح سيارة تتوقف أمام البيت. التفتُّ لأجد طارق ينزل من السيارة وعلامات الذهول والتعجب ترتسم على وجهه وهو يرى الجنينة مليئة بعربيات الأطفال والعلب المغلفة.
ركض نحوي وضمني إلى صدره بقوة وهو يبكي قائلاً سامحيني يا سارة... سامحيني إني سبتك لوحدك. أنا كنت ضعيف وهربت، بس لما بعدت عرفت إن ماليش مكان غير جنبك، وإننا لازم نواجه الۏجع ده سوا. أريته الرسالة وقرأناها معاً، ونظرنا إلى غابة العربيات التي تحولت
من رمز للحزن إلى منارة للأمل والحياة لآلاف الأطفال الآخرين.
أدركنا في تلك اللحظة أن عمر لم يمت هباءً، وأن روحه الصغيرة قد تركت أثراً في هذا العالم أكبر مما كنا نتخيل. المعروف البسيط الذي قدمته بدافع الرحمة لامرأة مکسورة، عاد ليحيي عائلات كاملة، ويعيد ابنة مفقودة لأحضان عائلتها، ويخلد اسم ابني في قلوب الناس.
الحلقة العاشرة بزوغ الفجر الجديد والنهاية المطلقة
بعد مرور عام كامل على تلك الأحداث، لم تعد تلك الغرفة المجاورة لغرفتنا أوضة فاضية تثير الړعب والحزن. لقد قمنا بتحويلها إلى مكتب لإدارة مؤسسة عمر الخيرية للأمومة والطفولة، والتي أنشأناها بالتعاون مع عائلة منى التي شُفيت تماماً وعادت لحياتها الطبيعية، وأصبحت صديقة مقربة لي.
المؤسسة أصبحت تدعم آلاف الأمهات غير القادرات، وتوفر لهن الرعاية الطبية والنفسية والمستلزمات مجاناً. طارق عاد ليكون السند والأب الذي طالما تمنيته، وتجاوزنا معاً محڼة الفقد بالعمل والعطاء.
وفي صباح يوم مشرق، كنت أقف في نفس الجنينة، أنظر إلى الشمس وهي تشرق وتملأ المكان دفئاً. التفتُّ إليّ طارق وهو يحمل بين يديه طفلتنا الجديدة أمل، التي ولدت منذ أيام قليلة لتملأ حياتنا بنبض جديد. نظرت إلى السماء وابتسمت، وكنت أعلم يقيناً أن الخير لا يضيع أبداً، وأن أشد
الليالي ظلمة هي التي تسبق الفجر، وأن رحمة الله تولد دائماً من رحم المعاناة.


تعليقات
إرسال تعليق