جوزى مراهق كاملة أمانى سيد
جوزى مراهق كاملة
قصص وروايات أمانى سيد
“تقبيل يديكِ ليس خضوعاً، بل هو فرض عشق لم أذق طعمه من قبل
دى استورى منزلها جوزى لمراته الجديده وهو بيبوس اديها
بعد ١٥ سنه جواز جوزى طلقنى عشان يعيش شبابه مع بنت ٢٠ سنه طلقنى وسابنى ببنتى فى الثانوية العامة عشان يتجوز واحده من دور بناته ويعيش معاها مراهقه متاخره وطول الوقت ينزل صورهم واستوريهات
اتجوزنى وانا عندى ١٨ سنه خلفنا بنت وربنا ماردش بعدها عدت الأيام وجوزى مل من الروتين وقرر انه يتجوز بنت عندها ٢٠ سنه اصغر منى ب ١٢ سنه وعايش قصه حب وصورهم على الفيس بوك بقت ترند عن سفرهم وخروجاتهم وكلامه الرومانسى وهو بيتغزل فيها
كان ينزل صور إيديهم متشبكة في بعض بطريقة مستفزة، وإيدها ناعمة، صغيرة، مفيهاش علامات غسيل ولا طبيخ ولا شقا سنين زي إيدي. وفي صباعها خاتم دهب جديد، عيار ٢١ بيلعلع في الشمس، شبكة جديدة لعروسة جديدة، وأنا اللي قعدت ١٥ سنة ألمّ معاه القرش على القرش وباع صيغتي عشان يوقّف نفسه على رجليه! كاتب فوق الصورة أول حب .
تخيلي؟ بيشطب على ١٥ سنة بجرة قلم عشان حتة عيلة!
واللي كسرني بزيادة وبكل بجاحة.. صورة تانية بعدها بكام يوم، صورة قريبة جداً (Close-up) وهو ماسك إيدها، ومقربها من شفايفه وبيبوسها بنعومة وعينيه مقفولة بكُل هيام، وكأنه بيبوس حتة ألماظ خايف عليها تتجرح.. كاتب تحتها: “تقبيل يديكِ ليس خضوعاً، بل هو فرض عشق لم أذق طعمه من قبل”.
كلامه الرومانسي ده خلاني أبص لنفسي في المراية وأنا مذهولة.. هو ده الراجل اللي كان يدخل البيت مكشر؟ هو ده اللي كان لو طلبت منه كلمة حلوة يقولي “كبرنا على المراهقة دي، شوفي بنتك وراكِ إيه”؟ طلع مكنش كبر، طلع كان شايل المراهقة دي كلها والحب ده كله للوقت المناسب.. للبنت المناسب اللي اختارها على ملو عينه!
بقيت قاعدة في الصالة، الموبايل في إيدي منور بالصورة وهو بيبوس إيدها، وجوه الأوضة صوت عياط مكتوم.. بنتي كاتمة صوتها بالمخدة عشان متبانش ضعيفة قدامي وهي بتذاكر. أبوها اللي كان المفروض يطبطب عليها ويدلعها في أصعب سنة في حياتها، مقضيها دلع ومحن وبوس إيدين على الفيس بوك قدام القريب والغريب، والناس بتعمل “لاف” و”شير” وهما مش شايفين الدم اللي بينزف من بيتنا
بقيت باصة للشاشة ومش مصدقة.. الراجل اللي كان بيحسب القرش بالمليم ويدخل البيت شايل هموم الدنيا فوق كتافه، بقى فجأة كريم، وسخي، ورومانسية الدنيا كلها اتجمعت فيه!
نزل استوري جديدة وهما في مطعم فاخر على النيل، السفيرة عزيزة قاعدة فاردة ضهرها، وهو واقف وراها وبيلبسها عقد دهب جديد لايق على الخاتم.. الصورة كانت واضحة وهو بينحني عليها ويهمس في ودنها بكلمة خلتها تضحك من قلبها. وكاتب تحتها: *”الجمال ليه ناسه، وإنتي ناسه وأهله يا ست البنات”*.
ست البنات! اللي هي من دور بنته اللي قاعدة جوه مش طايلة منه مكالمة تليفون يسألها فيها عملت إيه في الامتحانات.
وفي وسط ما أنا غرقانة في وجعي، باب الأوضة اتفتح.. خرجت بنتي، عينيها حمرا ومنتفخة من كتر العياط، وفي إيدها موبايلها. بصت لي بنظرة كسرة عمري ما هنساها، وقالت بصوت مخنوق بالدموع: *”شفتي يا ماما؟ أصحابي في الدروس عمالين يبعتوا لي اللينكات ويسألوني.. هو ده باباكي فعلاً؟ أنا مش قادرة أرفع عيني في وش حد، مش قادرة أذاكر والناس كلها بتتفرج على فضيحتنا وبتسمي خيانة أبويا قصة حب!”*.
رمت الموبايل على الكنبة وانفجرت في العياط.. اترمت في حضني وهي بتترعش، وأنا في اللحظة دي حسيت بنار بتاكل في صدري. النار مكنتش عشان سابني أنا.. النار كانت عشان حرق قلب بنتنا، عشان هان عليه لحمه ودمه في أهم مرحلة في حياتها عشان يرضي مراهقته وعينه الفارغة.
طبطبت عليها وأنا ببلع ريقي بمرار، وقولت لها بصوت حاولت أخليه قوي على قد ما أقدر: *”امسحي دموعك يا بنتي.. أبوكي اختار يعيش ورا الشاشات واللايكات المزيفة، وإحنا لينا الواقع.. مجموعك ومستقبلك هما الرد الوحيد اللي هيكسر عينه”*. بس جوايا؟ جوايا كان فيه بركان قهر وغيط وعايزة أصرخ في وشه وأقوله: “فوق.. فوق من الوهم اللي إنت عايش فيه على حساب سنين عمري!”
حسيت بـ بنتي وهي بتترعش في حضني زي العصفور اللي مبلول في المطر.. حضنتها بكل قوتي، كأني بحاول أدخلها جوايا تاني وأحميها من الدنيا ومن أبوها! كنت بطبطب عليها بـ إيد الخشونة مغطياها، إيد شقيت عشان تبني معاه البيت اللي هده في لحظة، بس في اللحظة دي بالذات، حسيت إن إيدي دي أقوى وأطهر بمليون مرة من كل النعومة الزائفة اللي بيتباهى بيها على الفيس بوك.
سكتّت دموعها بالعافية، ودخلتها أوضتها وقفلت عليها عشان تركز في كتابها، ورجعت قعدت في الصالة لوحدي.. الضلمة محاوطاني من كل ناحية، ومفيش غير نور الموبايل الغدّار اللي عمال ينور كل شوية بـ إشعار جديد.. “كومنت” من قريب بيجامل، أو “لاف” من غريب ميعرفش إن ورا الصورة دي خراب بيوت.
فتحت الموبايل تاني والغِل بياكل في قلبي.. شفت “الاستوري” اللي بعد كده.. كانوا نازلين من العربية، عربية جديدة خالص، مرسيدس سودا بتلمع، عمره ما فكر يشتريها وإحنا مع بعض، كان دايماً يقولي “المصاريف كتيرة والدروس غالية، خلينا نمشي على قدنا”. طلع المعلم كان بيحوّش لـ “ست البنات”! مطلع لها إيدها من الشباك وهي حاطة مناكير أحمر فاقع، وهو ماسك دريكسيون العربية بـ إيد، والإيد التانية ساندة على ركبتها، وكاتب فوق:
*”معاكي عرفت طعم الدنيا، السفر معاكي له لون تاني يا ضحكة عمري”*.
ضحكة عمره؟! وأنا وبنتي كنا إيه؟ كنا نكد؟ كنا المحطة اللي داس عليها عشان يوصل لضحكة عمره؟
افتكرت الأيام اللي كنت بقف فيها في المطبخ بالساعات في عز الحر وهو راجع من الشغل تعبان، أعمله الأكل اللي بيحبه، وأشيل من قدامه الهم عشان يركز في شغله ويكبّر نفسه. افتكرت لما كان يمرض وأفضل صاحية طول الليل بـ كمادات ومبنامش، ولما يصحى يقولي “تعبك راحة يا زينات”. طلع كله كلام! طلع كل ده اتمسح من ذاكرته كأنه محصلش!
وفجأة، لقيت الجروب بتاع العيلة منور.. عمتها باعتة لي رسالة على الخاص، كاتبة لي بـ نبرة كلها شماتة متغطية بـ ثوب النصيحة: *”معلش يا حبيبتي، النصيب كده، والراجل دايماً عينه تروح للحاجة الصغيرة اللي تجدد شبابه، إنتي بس اهتمي بنفسك ومتبينيش إنك مكسورة قدام الناس”*.
قفلت الرسالة وأنا هطق.. اهتم بنفسي؟ أنا كنت مهتمة ببيته وبنته وبأكله وشربه! أنا مأجرمتش عشان يتجازى صبري وغسيل سنينه بـ إنه يرميني رمية الكلاب عشان واحدة من دور بنته!
مستحملتش، دخلت على صفحته، لقيت الناس عمالة تكتب له: “ربنا يسعدكم”، “لايقين على بعض أوي”، “الحب باين في عيونكم”.. مفيش حد واحد فكر يقوله “فين بنتك اللي في ثانوية عامة؟ فين مراتك اللي صانتك؟”. الناس بتمشي ورا المظاهر، ورا الألوان والفلتر اللي في الصور.. ميعرفوش إن الضحكة دي مدفوع ثمنها من دموع بنته، وإن الدهب اللي بيلعلع في إيدها ده كان ممكن يبقى مصاريف جامعة لبنته اللي شايلة هم بكرا.
بصيت لـ إيدي تاني في الضلمة.. الدموع نزلت مغرقة وشي.. الوجع مكنش وجع غيرة، الوجع كان وجع قهر، وجع صدمة في بني آدم أمنّتيه على عمرك وعرضك وشرفك، وفي الآخر باعك بـ “شير” و”لايك” وكام كلمة غزل رخيصة على السوشيال ميديا.
قمت وقفت ودخلت المطبخ، غسلت وشي بـ مية ساقعة عشان أفوق.. قولت لنفسي: “لأ.. مش هقعد أعيط وهو مقضيها فسح.. البركان اللي جوايا ده لازم يبقى طاقة لبنتي”. رحت وقفت ورا باب أوضتها، سمعت صوت القلم وهو بيتحرك على الورق، وصوت تقليب الصفحات.. كانت بتذاكر بـ غِل، بتذاكر وهي بتعيط.. عرفت إن بنتي بتكبر قبل أوانها، وإن الكسرة اللي أبوها كسرها لها هتعمل منها ست بـ مية راجل.
مسكت موبايلي، وعملت له “بلوك” من كل حتة.. قفلت الباب اللي كان بيجيب لي منه الهوا المسموم.. قولت في بالي: *”عيش مراهقتك يا أبو البنات، عيش ورا الشاشات واشبع باللايكات.. بكرا الشمس تطلع، والمظاهر دي كلها تروح، والعروسة الصغيرة تكبر وتطلب أكتر، وساعتها مش هتلاقي الإيد الدافية اللي بتشيلك من غير مقابل.. ساعتها بس هتفتكر إيدين غسيل الشقا، بس هيكون الفأس وقع في الرأس، وإحنا بقينا فوق.. فوق خالص بعيد عن قرفك”*.
جوزى مراهق ٢
قصص وروايات أمانى سيد
مسحت دموعي بطرف الطرحة، وأخدت نفس طويل كأني بجمع فيه كل ما بقا فيا من حيل. مش وقت ضعف خالص.. البنت دي ملهاش غيري دلوقتي، ولو شافتني مهدودة، هتتهد هي كمان.
رحت على أوضتها، خبطت بالراحة ودخلت. كانت قاعدة على المكتب، حاطة راسها بين الكتب والملازم، وكتافها لسه بتهتز من العياط. قعدت على السرير جنبها، ومديت إيدي طبطبت على ضهرها لحد ما هديت شوية ورفعت راسها بـ عيون حمرا ومكسورة.
سحبت كرسي المكتب وقعدت قصادها بالظبط، مسكت إيديها الاتنين وقولت لها بـ صوت فيه حازم بس كله حنية: *”بصي لي هنا يا حبيبتي.. بصي في عيني. اللي حصل ده مش ذنبك، ولا هو عيب فيكي ولا فيا.. ده نقص فيه هو وعينه الفارغة. ومن النهاردة، إحنا مش هنبقى مادة للتفرّج ولا لشفقة حد”*.
طلعت موبايلي ومسكت موبايلها وقولت لها: *”أول حاجة هنعملها دلوقتي.. البلوك. مش بس من عندي، من عندك أنتِ كمان.. الفيس بوك، الواتساب، الإنستجرام.. كل حتة. الباب اللي يجيلك منه النكد سدّيه واستريحي. مش هنقعد نتابع استوريات وصور المحن والمراهقة المتأخرة دي ونحرق في دمنا”*.
بصت لي والدموع في عينيها وقالت: *”والبنات في الدروس يا ماما؟ اللي عمالين يلمحوا ويبعتوا؟”*
رديت عليها علطول ومن غير تردد: *”الينات في الدروس، أول ما حد فيهم يفتح بقه أو يلمح بسيرة، تقفلي الكلام في وشهم بـ كلمة واحدة: (أنا هنا عشان أذاكر ومستقبلي أهم من أي كلام فاضي).. اللي يسألك قولي له دي حياته وهو حر فيها، أنا ليا حياتي ومستقبلي. حطي حدود يا بنتي، وماتسمحيش لمخلوق يشمت فيكي أو يحسسني إنك مكسورة.. ارفعي راسك، أنتِ بنت زينات، وزينات بنتها مابتتكسرش”*.
هزت راسها وهي بتبلع غصتها، فـ قربت منها أكتر وضغطت على إيديها وقولت لها السر اللي هيجيب حقنا تالت ومتلت: *”اسمعيني كويس يا قلب أمك.. الراجل ده دلوقتي فاكر نفسه انتصر، وفاكر إنه عايش الجنة على الأرض باللايكات والمنظرة الكدابة. عارفة إيه أكتر حاجة هتخليه يندم بجد؟ إيه الحاجة اللي هتكسر عينه وتخليه يلف حوالين نفسه؟”*
بحلقّت فيا وهي مستنية الإجابة، فـ كملت بـ ثقة ويقين: *”نجاحك.. مجموعك في الثانوية العامة. لما تنجحي وتتفوقي وتبقى حاجة كبيرة وتشرف.. لما يدخل يتفشخر بيكي قدام الناس ويقول (بنتي بقت دكتورة ولا مهندسة)، ساعتها الواقع هيضربه في وشه، وهيفتكر إنه ساب البنت اللي رفعت راسه عشان يعيش وهم. نجاحك هو القلم اللي هينزل على وشه من غير ما نمد إيدينا.. هو ده الرد الوحيد اللي هيموتهم بالغيظ، وهيخليه يعرف قيمتك وقيمة الأيام اللي ربيتك فيها”*.
شفت لمعة غريبة في عينيها.. لمعة تحدي كانت غايبة من الصبح. مسحت دموعها بـ إيدها بـ عزم، وقالت لي: *”حاضر يا ماما.. هعمل له بلوك، ومحدش في الدرس هيعرف يفتح بقه معايا تاني.. أنا هقعد على الكتاب ده ومش هقوم غير وأنا جايبة المجموع اللي يرفع راسك أنتِ بالدنيا كلها”*.
بستها من راسها وقمت، وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على كتافي خف شوية. سيبتها ورجعت الصالة، الموبايل كان مطفي ومظلم بعد البلوك.. الهدوء رجع للبيت، بس المرة دي مكنش هدوء حزن، كان الهدوء اللي بيسبق العاصفة.. العاصفة اللي هتعلم أبوها إن الله حق، وإن شقا زينات مش هيروح الأرض أبداً.
فاتت الأيام والأسابيع، والبيت اللي كان كله عياط وخوف، اتقلب لـ معسكر حرب. مفيش صوت بيطلع منه غير خروشة تقليب ورق الملازم، وتكة القلم وهو بيحل المسائل، وصوت كباية الشاي وهي نازلة على المكتب في نص الليل عشان تصحصحها.
بنتي كانت بتقعد بالـ ١٢ ساعة مبتشيلش عينها من على الكتاب.. ساعات كنت أدخل عليها ألاقي عينيها مغرقة وشها من التعب والضغط، بس دايماً كانت تمسح دموعها بسرعة قبل ما ألمحها، وتبتسم لي نص ابتسامة وتقول: “أنا كويسة يا ماما.. متخافيش، هانت”.. كنت بشوف في عينيها غِل وتحدي عمره ما كان لبنت في سنها، غِل مخلّيها بتاكل الكتب أكل عشان تثبت لنفسها وللدنيا كلها إننا مش قليلين.
أما أبوها.. فـ البلوك اللي عملناه كان زي السد العالي اللي حمانا من قرفه. بس طبعاً، الكلام كان بيوصلني غصب عني من طوب الأرض.. الناس مبترحمش! جارتنا أم محمد لمتني في السوق وقالت لي بنبرة حشرية: “شفتي يا زينات؟ جوزك نزل صور جديدة وهو مسفرها شرم الشيخ وجايب لها طقم دهب لوز اللوز، والناس كلها مقلوبين عليهم”.. بصيت لها ببرود من فوق لتحت وقولت لها: “يسافر ولا يولع.. المطرح اللي يروح ميرجعش، إحنا ورانا ثانوية عامة ومستقبل بنتي بالدنيا وما فيها، سيبك من الكلام الفاضي ده وشوفي وراكِ إيه”.
سبتها ومشيت وأنا راسي في السماء، بس جوايا كنت بقول: “اشبع بيها يا خويا.. بكرا الفلوس تخلص والمظاهر تروح، وتعرف مين اللي شالتك ومين اللي جاية تتبغدد بقرشك”.
وفي يوم.. الباب خبط. فتحت لقيت حماتي واقفة، بقالها شهور مأعتبتش البيت ولا سألت على بنتها في ثانوية عامة. دخلت ولفت وشها في الصالة وقالت بـ نبرة متجبرة: “أبو بنتك باعت المصاريف والشهرية مع السواق تحت، وبيقولك بلاش حركات البلوك دي عشان يعرف يتابع بنته ويسألها على الامتحانات”.
سندت إيدي على وسطى وضحكت بـ سخرية هزت البيت: “المصاريف دي حق بنته بالقانون يا طنط، مش جميلة منه.. والامتحانات؟ قولي له بنتك ميتسألش عليها في التليفون ولا على الفيس بوك.. بنتك كان يتوقف معاها ويطبطب عليها وهي بتموت من الرعب كل يوم، مش يتساب لها المصاريف مع السواق كأنها شحاتة وهو مقضيها فساح ولعب عيال.. قولي له بنتك قفلت الباب، ومبتقرأش غير في كتبها، وبكرا النتيجة تطلع والكل يعرف مقامه”.
حماتي اتعصبت وقامت وقفت: “بقا كدا يا زينات؟ طيب بكرا تندمي لما تلاقيه نسيكي خالص ومبقاش فاكر ليكي أي حاجة”.
فتحت لها الباب وقولت لها بـ كل قوة وثبات: “أنا اللي عاوزاه ينسى.. وأنا مبندمش على رخيص باع عشرة ١٥ سنة عشان حتة عيلة.. مع السلامة يا طنط”.
قفلت الباب وراها وأنا حاسة بـ نار جوايا بس نار قوة مش نار ضعف. رحت وقفت عند باب أوضتها، لقيتها باصة لي وعينيها بتلمع، وقالت لي بصوت واثق: “جدعة يا ماما.. والله لـ أخليه يندم على كل لحظة سابنا فيها، بكرا النتيجة تطلع وهتشوفي بنتك هتعمل إيه”.
قربت منها وحضنتها، وكنت بدعي في سري: “يا رب.. اذكر كسر خاطرنا وجبر بخاطر البنت الغلبانة دي.. اقسم لنا الفرحة اللي تكسر عين كل من شمت فينا”.
وجت أيام الامتحانات.. الأيام اللي كنا بنعد فيها الساعات بالدقيقة. كنت بنزل معاها من وش الفجر، واقفه قدام باب اللجنة في الحر والشمس، في إيدي زجاجة المية والمصحف الصغير، شفايفي مابتوقفش عن الدعاء وقلبي بيتنفض مع كل ثانية بتعدي. كنت ببص حواليا على الأمهات والآباء اللي واقفين يطبطبوا على أولادهم قبل ما يدخلوا، وأرجع أبص لبنتي وأقول في بالي: “معلش يا قلب أمك.. أنا ليكي الأب والأم والضهر، ومش هسيبك لوحدك أبداً”.
كانت تخرج لي من اللجنة، وشها باهت من التعب بس أول ما تشوفني تفرد ضهرها وتيجي تترمي في حضني وتقولي: *”حليت يا ماما.. حليت بـ غِل، كنت بفتكر كسرتنا وبكتب الإجابة وكأني باخد حقي من الدنيا كلها”*. كنت أخدها من إيدها ونرجع البيت، ولا نفتح كتاب فات ولا نراجع مادة عدت، عينينا دايماً كانت على اللي جاي.
وخلصت الامتحانات، وبدأ كابوس الانتظار.. أصعب أيام مرت عليا وعلى بنتي. البيت رجع هادي بس هدوء مرعب، هدوء مستني كلمة واحدة تحدد مصير سنين شقايا. وفي وسط القلق ده، كانت بتوصلي طراطيش كلام.. السنيورة مراته الجديدة منزلة صور ليهم من الساحل، وفيديو وهو ماسك إيدها على البحر وبيجري وراها زي المراهقين وكاتب: *”الحياة بدأت معاكي أنتِ وبس”*. كنت بقفل وداني وبقول: “سيبهم في وهمهم.. الأيام دوارة والضحك في الآخر”.
وفي يوم النتيجة.. اليوم اللي عمري ما هنسى تفاصيله طول ما أنا عايشة.
كنا قاعدين في الصالة، الموبايل في إيد بنتي، صوابعها بترتعش وهي بتدخل رقم الجلوس على الموقع. الموقع كان تقيل، وكل ما يهنّج، قلبنا يقف معاه. فجأة، لقيت بنتي سكتت خالص.. دموعها نزلت شلالات على خدودها من غير ولا صوت. أنا ركبي سابت، ومبقتش قادرة أنطق، سألتها بـ صوت مخنوق: *”إيه يا بنتي؟ طمنيني يا قلب أمك؟”*.
لفت الموبايل ليا وهي بتشهق من الفرحة، وبأعلى صوت عندها صرخت: *”٩٧.٥٪ يا ماما! أنا جبت ٩٧.٥٪! دخلت طب يا ماما.. بقيت دكتورة!”*.
رمت الموبايل واترمت في حضني، الصالة اللي شهدت على عياطها وقهرتها من كام شهر، اتقلبت لـ ساحة فرح بكينا فيها لدرجة إن صدمة الفرحة خلتنا مش قادريين نقف على رجلينا. زغروطة واحدة طلعت من صدري هزت جدران البيت، زغروطة شالت مع الهم والقهر والتعب اللي عشتهم لوحدي.
مفيش نص ساعة، والبيت اتقلب.. الجيران طالعين يباركوا، والتليفون مابيفصلش رن، والكل بيتكلم عن “بنت زينات” الشاطرة اللي رفعت راس أمها.
وفي وسط الهيصة دي كلها، لقيت رقم غريب بيرن على موبايل بنتي.. بنتي بصت للرقم، وبصت لي، وكأن قلبها حس. فتحت الخط وفتحت السبيكر من غير ما تتكلم.
جه صوته من الناحية التانية، صوت أبوها.. بس مكنش الصوت المتكبر بتاع زمان، صوته كان مهزوز، فيه نبرة غريبة بين الفخر المكسور والندم: *”مبروك يا دكتورة.. مبروك يا بنتي، أنا شفت اسمك في لوحة الشرف.. رفعتي راسي قدام الدنيا كلها، أنا جاي لك في السكة دلوقتي عشان نصلح كل حاجة ونحتفل سوى”*.
بنتي بصت لي بـ نظرة كلها قوة، نظرة الست اللي بـ مية راجل اللي ربيتها تكونها. أخدت الموبايل من إيدها، ورديت عليه بـ صوت ثابت، أبرد من التلج:
*”رأسك مرفوعة بـ مين يا أبو البنات؟ أنت رأسك نزلت الأرض من يوم ما هان عليك لحمك ودمك عشان شهوتك ومراهقتك.. بنتي مأرفعتش رأسك أنت، بنتي رفعت رأسي أنا.. أنا (زينات) اللي شقيت وغسلت وطبخت واستحملت القهر لوحدي.. بنتك بقت دكتورة بـ دعائي وسهرنا، ومفيش مكان ليك في احتفالنا.. لف وارجع تاني لـ ست البنات بتاعتك، خليها تنفعك، واشبع باللايكات والشاشات.. إحنا خلاص بقينا في حتة تانية خالص، بعيد عنك وعن وهمك”*.
ومن غير ما أستنى يسمع حرف زيادة، قفلت السكة في وشه.. وبلوك تاني للرقم الغريب.
بصيت لـ بنتي، وضميتها لـ صدري بكل قوتي، وأنا حاسة إن البركان اللي جوايا هدي خالص، والنار انطفت.. بصيت لـ إيدي الخشنة اللي شقيت، وبستها.. وبست إيد بنتي الصغيرة الناعمة اللي مفيهاش علامات غسيل، بس فيها علامات نجاح ومستقبل هينور الدنيا.. وقولت في بالي: *”الحمد لله يا رب.. كسروا خاطرنا فـ جبرتنا بس سبحان الله لما الايام تدور واللى حصل بعد كده كان فعلا هو الجبر
جوزى مراهق ٣
قصص وروايات أمانى سيد
الزمن دار، والفلتر اللي كان مغطي الحقيقة اتمسح.
بعد ست شهور من يوم النتيجة، وفي ليلة شتا باردة، كنت قاعدة أنا والدكتورة بنتي في الصالة، بنشرب شاي وبنتكلم في مصاريف الكلية والكتب، وموبايلها كان محطوط على الترابيزة. فجأة، وبدون مقدمات، لقيت بنت خالتها باعتة لي “سكرين شوت” على الواتساب.. فتحتها وأنا قلبي مشحون بالفضول، ولقيتها من صفحته هو!
أبو البنات اللي كان قالب الفيس بوك محن وسفر وخروجات، منزل بوست طويل عريض، ومقفل الكومنتات عشان متبقاش ساحة للتريقة عليه. كاتب وفوق البوست صورة قديمة أوي.. صورتنا في شقتنا القديمة يوم سبوع بنتنا، صورة باهتة مفيهاش فلاتر ولا فنادق على النيل، بس كان فيها ضحكة من القلب.
كان كاتب تحتها:
> “الأيام أثبتت لي إن في ناس بتبني معاك، وناس جاية تعيش في اللي أنت بنيته.. العِشرة مش كلمة بتتقال، العِشرة إيدين خشنة شالت الهم معاك ومطلبتش مقابل، مش إيدين ناعمة أول ما الجيب يفضى والروتين يدخل، تسيبك وتمشي. أنا غلطت في حق نفسي وفي حق بيتي اللي هديته بإيديا عشان وهم عشته وسميته شباب.. زينات وبنتي.. أنتوا الأمان اللي ضيعته، والندم بياكل في قلبي كل ثانية، وياريت الأيام ترجع ومكنتش خرجت من الباب ده أبداً.”
>
بصيت للبوست بـ برود تام، متهزتش فيا شعرة واحدة. مفيش نار قهر، ومفيش حتى تشفي.. كان جوايا راحة غريبة، الراحة اللي بتحس بيها لما تلاقي العدل اتقلب على اللي ظلمك من غير ما ترفع إيدك.
بنتي سحبت الموبايل من إيدي وقرأت البوست. ملامحها متغرتش، ولا عيطت ولا اتكسرت زي زمان.. بصت لي وقالت بـ ابتسامة هادية: *”شفتي يا ماما؟ السنيورة سابته لما لقاها بتصرف وتطلب وهو مبقاش معاه يكفي منظرتها.. وعرفت كمان من أصحابي إنها سابته وراحت تتجوز واحد تاني من سنها، وهو دلوقتي قاعد بطوله في شقة إيجار بعد ما باع اللي وراه واللي قدامه عشان يرضيها”*.
ضحكت بـ مرار وقولت لها: *”ربك مبيرضاش بالظلم يا بنتي.. اللي يبيع عيلته عشان شهوة ومراهقة متأخرة، دايماً نهايته بتبقى كده.. يقعد على البلاط لا طال العروسة الصغيرة، ولا حافظ على الست الأصيلة اللي صانته.. هو دلوقتي بينزل البوستات دي مش حباً فينا، هو ندمان على العز والأمان والخدمة اللي كان عايش فيها ومكنش مقدرها.. ندمان على شكل بيته وضهر بنته الدكتورة اللي كان زمانه بيتفشخر بيها وسط الناس”*.
بنتي هزت راسها وقالت بـ منتهى القوة: *”هو افتكر إن بـ بوست وكلمتين ندم على الفيس بوك هننسى الدموع والكسرة اللي عيشهالنا في أصعب سنة في حياتي؟ السوشيال ميديا اللي خربت بيته، جاي دلوقتي يستعطفنا عليها! أنا خلاص قفلت الصفحة دي من يوم ما قفل باب بيته ورانا”*.
مسكت الموبايل، وعملت “دليت” للصورة والبوست من عندي ومن عندها، ورجعت الموبايل مكانه على الترابيزة بـ إيد ثابتة. بصيت لـ زينات اللي في المراية.. الست اللي شافت الشقا والكسرة، بس خرجت من المعركة دي كسبانة، راسها في السماء، وبنتها دكتورة والكل بيحلف بـ أدبها وشطارتها.
ربطت على كتف بنتي وقولت لها: *”سيبك منه ومن بوستاته يا دكتورة.. عيش مراهقتك في الندم يا أبو البنات، واشبع باللايكات والتعاطف المزيف من ورا الشاشات.. إحنا خلاص قفلنا الكتاب ده، ولينا الواقع اللي بنبنيه بـ إيدينا.. ومفيش رجوع لـ ورا أبداً”*.
الندم لما بيأخر، بيبقى زي قلة القيمة.. ملوش أي تمن.
فاتت كمان كام أسبوع، وأبو البنات الحزن أكل قلبه وعقله، وبدل ما يلم نفسه، حول صفحته لـ سرادق عزاء مفتوح. مبقاش وراه غير بوستات الفراق، والأغاني الحزينة، وكلام عن “البيت القديم” و”الضحكة الصافية اللي مش هترجع”. نزل صورة لـ طبق كشري كان كاتب فوقيها: *”عمر الفنادق والمطاعم الفاخرة ما تعوض لقمة هنيّة معمولة بـ إيدين أصيلة في بيتك وسط عيالك، أنا ضيعت الجنة بإيديا”*.
الناس اللي كانت بتعمل “لاف” و”شير” على صور السفر والخروجات مع السنيورة، اتقلبت فجأة وبقت تعمل “ساد” وتكتب له كومنتات مواساة! والموضوع مأوقفش لحد هنا.. طوب الأرض بدأ يتدخل.
لقيت تليفوني وتليفون بنتي مبيفصلش. خالاته وعماته، وحتى أصحابه القدام اللي مكنش ليهم صوت، بقوا يكلموني ويقولوا لي بـ نبرة استعطاف: *”يا زينات، المسامح كريم، الراجل هيموت من ندمه.. شوفي البوستات اللي كاتبها في حقك، ده مبقاش ينزل صورة غير ويدعي لك فيها.. ارجعي له عشان خاطر بنتك الدكتورة، لموا الشمل والراجل عرف غلطه خلاص بعد ما البنت الصغيرة سرقته ورمته”*.
حتى بنتي، أصحابها في الكلية بقوا يبعتوا لها ويقولوا لها: *”باباكي ندمان أوي يا دكتورة، كاتب بوست بيتحسر فيه على اليوم اللي سابك فيه.. حرّام، ده لحمك ودمك برضه ومهما كان اسمه أبوكي”*.
بنتي جت لي المطبخ في يوم، وشها كان مضايق ومخنوق، رمت الموبايل على الرخامة وقالت لي: *”أنا تعبت يا ماما.. الناس مش سايبانا في حالنا، كل شوية حد يدخل يستعطفني ويقولي (أبوكي ندمان وبيموت).. هو فاكر إن السوشيال ميديا لعبة؟ لما حب يغيظنا ويهيننا استخدمها، ولما حب يشحت عطف الناس ويجبرنا نرجع له استخدمها برضه!”*.
بصيت للموبايل المنور، وحسيت بـ بركان زينات اللي كان خامد بيبدأ يغلي تاني.. بس المرة دي مكنش غليان قهر، كان غليان رد شرف.
وقفت وقولت لها بـ صوت كُله عزم: *”هو فاكر نفسه ذكي؟ فاكر إنه لما يقعد يعيط ورا الشاشات ويخلي الناس تضغط علينا، إحنا هنخاف من كلامهم ونرجع؟ طيب.. هو اختار يلعب على الفيس بوك وقدام الناس كلها؟ يبقى الرد هيكون في نفس المكان، وقدام نفس الناس اللي كان بيتفشخر قدامهم بـ خيانته!”*.
أخدت موبايلي، وفتحت صفحتي اللي بقالها سنين مقفولة ومفيهاش غير قرايبنا القريبين.. قعدت في الصالة، وفردت ضهري، وبدأت أكتب.. كتبت بـ حبر من دمي وشقايا وسنين عمري.. كتبت البوست اللي هيحط النقط فوق الحروف وينهي المهزلة دي للآبد.
كتبت وقولت:
> “بقالي شهور بتابع من بعيد، وبسمع كلام الناس اللي داخلة تتوسط لراجل ندمان وبيموت في اليوم ميت مرة عشان ساب بيته وعشرة ١٥ سنة. كُله عمال يقولي (المسامح كريم وشوفي بوستات الندم اللي بينزلها).
> أحب أقول للناس دي كلها.. البيوت مبتتبنيش بـ بوستات الفيس بوك، والكسرة مابتتداواش بـ (لايك) و(شير). الراجل اللي أنتوا شفقانين عليه دلوقتي، هو نفسه الراجل اللي من كام شهر كان بينزل صور إيدين ناعمة مفيهاش علامات غسيل ولا شقا، ويقول (أول حب)، وبيشطب على ١٥ سنة شلنا معاه فيها القرش على القرش وباع صيغتي عشان يقف على رجليه!
> الراجل الندمان ده، ساب بنته في أصعب سنة في حياتها (الثانوية العامة)، وهي كاتمة عياطها بالمخدة عشان متبانش ضعيفة، وهو مقضيها محن وبوس إيدين وعقد دهب وسفر لشركته الجديدة اللي من دور بناته!
> إحنا مأرجعناش بـ بوستات الحزن بتاعته.. إحنا رجعنا بـ فضل ربنا وبـ سهرنا وشقانا، لما بنتي جابت ٩٧.٥٪ ودخلت كلية الطب ورفعت رأسي في السماء.. بنتي بقت دكتورة بـ دعائي أنا وبـ إيدي الخشنة اللي شقيت، مش بـ أوهامه ومراهقته المتأخرة.
> هو مش ندمان عليا ولا على بنته.. هو ندمان على (العز والأمان) اللي ضيعه بـ إيده، ندمان لما السنيورة سابته وراحت لغيره لما فلوسه خلصت وباع اللي وراه واللي قدامه.
> صفحته اتقفلت من زمان، ومفيش رجوع لـ ورا.. إحنا عايشين واقعنا الناجح المشرف، وهو خلوه يعيش ورا الشاشات واللايكات المزيفة اللي اختارها بنفسه.. ويا ريت محدش يتدخل في حياتنا تاني.”
>
دوست “نشر”.. وبصيت لبنتي اللي كانت واقفة ورايا، وعينيها بتلمع بـ فخر ملوش أول من آخر.
في أقل من ساعة، البوست اتقلب لـ ترند في منطقتنا وعيلتنا.. الكومنتات انفجرت، والناس اللي كانت بتتعاطف معاه، بقت تكتب: “الله ينور عليكي يا أم الدكتورة”، “الأصيلة تكسب في الآخر”، “حقك رجع لك تالت ومتلت”.
قفلت الموبايل وحطيته على الترابيزة بـ كبرياء.. وبصيت لـ بنتي وقولت لها: *”كده الحكاية خلصت بجد يا دكتورة.. سيبناه للناس تاكله بـ كلامها، وإحنا قفلنا الباب بالضبة والمفتاح”*.


تعليقات
إرسال تعليق