انا وسلفتى حكايات رومانى مكرم
انا وسلفتى حكايات رومانى مكرم
متجوزه فى بيت عيله انا وسلفتى بنجهز الغداء بنتي عندها اربع سنين مدت ايدها على الاكل فى المطبخ راحت سلفتي ضربتها وقعت وشها جت على حرف الطربيزه رأسها ورمت بصتبها ومرضتش اتكلم معها ولا اتخانق منعا للمشىاكل
جات حماتي بتقولها مال البنت ردت سلفتي قالت ضىريتها وقعت على وشها حماتي قالت احسن تستاهل خليها تتخمد روحت لحماتي قولتلها متخليش مرات ابنك تضرب بنتي تاني الضىرب الصعب ده قالتلي تضىربها براحتها مرات عمها وليها الحق وفضلت تزعقلي وتردحلي
سكت ساعتها وطلعت شقتى اتصلت بجوزى بس مردتش اقوله علشان الغربه ومش يزعل وبعد اسبوعين حصل نفس الموقف وضربت بنتى خلتها وقعت على وشها بنتى صرخت
جريت علي سلفتى ومسكتها من شعرها وجبت راسها فى الارض وبقيت اعض فيها فى دراعها وفى وركها وفى التوته
مخلتش حته فى جسمها ال ما عضيتها وطلعت شعرها فى ايدى لم جوزها شاف جسمها خرب الدنيا
البداية.
يومها كنا في المطبخ الكبير بتاع الدور الأرضي، بنجهز غدا العيلة المحترم.. محاشي وبط وريحة التقلية قالية البيت. مريم بنتي كانت بتلعب جاري، ومن ريحة الأكل الحلوة، مدت إيدها الصغيرة تاخد صباع محشي من السرفيس قبل ما يطلع. مالمحتش غير إيد عبير وهي نازلة على وش البنت بـ”قلم” طرش، من قوته البنت لفت حوالين نفسها ورأسها اتخبطت في حرف الطربيزة الخشب الناشف.
البنت صرخت صرخة قطعت خلفي، شلتها والدموع في عيني، ولقيت رأسها ورمت في ثانية وعملت “بُزبُز” قد الليمونة. عبير وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت ببرود:
* «علشان تتعلم الأدب ومتمشي حافية وتمد إيدها على أكل الأكابر!»
أنا كتمت غيظي، ونزلت دموعي وحضنت بنتي وطلعت شقتي فوق. قلت يا بت بلاش مشاكل، جوزك غريب وشقيان مش ناقص وجع دماغ، والبيت ده لو قادت فيه نار، هو اللي هيتحرق في غربته من القلق.
المصيبة لما نزلت بالليل، لقيت الحاجة أم فاروق قاعدة على الكنبة بتشرب الشاي، ومريم ورمها باين. حماتي بصت للبنت وقالت لعبير بلؤم:
* «مالها البت وشها مالط كده ليه يا عبير؟»
ردت عبير وهي بتعدل طرحتها بتبجح:
* «أنا اللي ضربتها يا فوزية، كانت بتميل على الأكل ببرابيرها، وقعت على وشها.»
حماتي هزت رأسها وقالت بقلب حجر:
* «أحسن.. تستاهل! خليها تتخمد وتتعلم متمدش إيدها على حاجة مش بتاعتها.»
هنا دمي غلي، مكنتش قادرة أسكت أكتر من كده. مشيت خطوتين ووقفت قدام حماتي وقلت بصوت بيترعش من القهر:
* «جرى إيه يا حاجة؟ يرضي مين الكلام ده؟ مريم عيلة صغيرة، مش كده! قولي لمرات ابنك متمش إيدها على بنتي تاني بالمنظر الصعب ده، البنت كانت هتروح فيها!»
الحاجة أم فاروق قامت وقفت، وفجأة وشها اتقلب حريقة، وبدأت تزعق وتطوح بإيديها:
* «وتضربها ونص كمان! عبير مرات عمها، ومقامها من مقام أبوها، وتكسر رقبتها ورقبتك لو شافت غلط! إنتي هتعملي ست هانم علينا علشان جوزك باعتلك قرشين من بره؟ ده إنتي حتة عيلة لا رحتي ولا جيتي في البيت ده!»
وفضلت تردح وتجيب القديم والجديد، وصوتها جاب الجيران. أنا سكت، لمت بنتي في حضني وطلعت فوق وأنا حاسة بنار بتاكل في صدري. مسكت التليفون وطلعت نمرة محمود، رن رنتين.. ولما رد وقال: «ألو يا حبيبتي، عاملة إيه ومريم عاملة إيه؟»، صوته التعبان الشقيان كسر مقاديفي. خفت عليه، بلعت ريقي وقلتله: «الحمد لله يا حبيببي، كويسين، بس كنا بنطمن عليك.» وقفتلت وأنا مكسورة.
مر أسبوعين، والجو مشحون.. نظرات عبير كلها شماتة وفرد كتاف في الرايحة والجاية، كأنها خدت صك ملكية البيت.
وفي يوم مشؤوم، كنا برضه بنظف الطيور فوق السطح. مريم كانت بتلعب بكورة صغيرة، الكورة خبطت في رجيل عبير وهي واقفة بتغسل الستائر. عبير التفتت زي السلعوة، وبدل ما تزق الكورة، راحت لفت وضربت مريم في صدرها ووقعتها على وشها على الخرسانة بتاعة السطح. مريم صرخت صرخة مكتومة، ووشها اتجرح والدم نزف من مناخيرها.
في اللحظة دي، أنا مألتش إيه ولا شفت إيه.. الدنيا اسودت في عيني، والشر اللي في الدنيا كله اتجمع في راسي.
جريت عليها زي القضا المستعجل، مديت إيدي وجبتها من شعرها الخشن، لفيته على إيدي ونزلت برأسها في الأرض دبتها دبة ركلت السطح كله. عبير سيبت مية الستائر وصوتت، بس صوتها مطلعش من الصدمة. نزلت فوقيها، وبقيت أعض فيها بكل غلي وقهري بتاع السنتين.. عضيتها في دراعها حتة ورا حتة لغاية ما سناني علمت ودمها سال، ولفيتها وعضيتها في وركها، ومسبتش حتة في جسمها، حتى التوتة نالها نصيب من العض.
كنت بغل، بطلع قهر بنتي المضروبة مرتين، وقهر الردح بتاع حماتي، وقهر الغربة اللي أنا فيها. عبير كانت بتفرش تحتي زي الفراخ، وأنا نازلة فيها خربشة وعض، وشعرها طلع في إيدي خصل خصل.
السطح اتقلب مجزرة، لغاية ما الجيران وحماتي طلعوا جري على الصويت، وفاروق جوزها كان لسه داخل من باب البيت، طلع السطح تالت خطوة. لما سلكوا عبير من تحت إيدي، كانت هدمتها مقطعة، وحتت من جسمها باينة كلها زرقان وعض بينز دم، وشعرها نصه في الأرض ونصه في إيدي.
فاروق لما شاف مراته بالمنظر ده، وعينيها مقفولة وجسمها متخرب مفيش فيه حتة سليمة، وشه حمر وعروقه برزت، وعلي صوته لغاية ما البيت كله اتهز:
* «يا نهار مش فايت! بقا حتة العيلة دي تعمل في مراتي كده في غياب أخويا؟ عليا الطلاق من ديني ما هعديها، والبيت ده الليلة مش هيبيت فيه حريم!»
وحماتي بدأت تصوت وتلطم على وشها وتقول: «الحقوني.. الحرباية كلت البت!»
وهنا بدأت الحكاية تاخد طريق تاني خالص..
الجزء الثاني:
وقف فاروق في وسط السطح وصوته يرعد، وعيونه بتطلع شرار وهو شايف عبير مراته مرمية في الأرض، هدومها ممزعة، وجسمها كله آثار عض وخربشة بتنز دم، وخصلات من شعرها متطيرة حواليها. كانت بتأن بصوت مكتوم ومش قادرة تقف على رجليها من الصدمة والوجع. حماتي لمت عبير في حضنها وقعدت تصرخ وتلطم بصوت عالي جاب أخر الشارع: «الحقوني يا ناس! الحرباية استفرت بالبت وعضتها وكلت لحمها! دي مش بني آدمة دي غولة!»
أنا كنت واقفة في الناحية التانية، نَفَسي عالي، وهدومي متبهدلة، وإيد الشغالة اللي كنت بنظف بيها الطيور لسه معلمة على إيديا، وفي إيدي التانية خصلة من شعر عبير رميتها في الأرض بكل قرف. مكنتش خايفة ولا ندمانة؛ نار القهر اللي كانت بتاكل في صدري من أسبوعين انطفت، وبصيت لمريم بنتي اللي كانت قاعدة في الركن بتعيط ومناخيرها بتنزل دم، جريت عليها واخدتها في حضني وحطيت كم جلبابي على مناخيرها عشان أكتم الدم، وبصيتلهم كلهم بعين قوية ومستعدة لأي حاجة.
فاروق قرب مني وهو رافع إيده وزاعق: «إنتي اتجننتي يا بت؟ بقا تعملي في مراتي كده وأخويا غايب ومش موجود؟ والله ما هسيبك، وأنا اللي هربيكي الليلة دي!»
قبل ما يمد إيده، طلعت جارتنا أم أحمد الكبيرة في السن من الشقة اللي جنبا، وقفت في وش فاروق وحجزت بيني وبينه وقالتله بصوت حازم: «إجرى يا فاروق! مفيش راجل يمد إيده على حريم في غياب جوزها! شوف البت الصغيرة وشها سايح في دمه إزاي الأول قبل ما تزعق لمراته! مراته مأكلتش مرتك شوقة، دي بتدافع عن ضناها اللي انضربت مرتين وفي وشها!»
حماتي قامت وقفت وسابت عبير بتصرخ، وبدأت تردح لأم أحمد: «وإنتي مالك إنتي يا أم أحمد؟ داخلة بحشرك في إيه؟ دي واحدة قليلة الأدب وجوزها سايبها هنا ومسافر يلقط الرزق وهي نازلة فينا ضرب وعض! دي متقعدش في البيت ده دقيقة واحدة! انزل يا فاروق كلم أخوك خليه يرمي عليها اليمين في تليفونه دلوقتي حالا!»
فاروق مسك تليفونه وهو بيغلي، ونزل جري على السلم وهو بيحلف ويتوعد، وورا حماتي وهي سانده عبير اللي مش قادرة تمشي من كتر العض في دراعها ووركها. السطح فِضي مفيش غيري أنا وأم أحمد ومريم بنتي.
أم أحمد بصتلي وقالتلي بطبطبة: «يا بنتي إنتي بردتي نارك، بس البيت ده مابقاش أمان ليكي الليلة دي لغاية ما محمود يعرف. انزلي شقتك واقفيلي بابك بالمفتاح والترباس، وم تفتحيش لأي حد واقعدي داوي البت.»
شلت مريم ونزلت شقتي، قلبي كان بيدق بسرعة مش خوفاً منهم، لكن خوفاً من اللحظة اللي محمود هيعرف فيها. دخلت الشقة، وقفت الباب بالترباس والمفتاح زي ما أم أحمد قالت. أخدت مريم في حضني، غسلتلها وشها بمية ساقعة، الجرح اللي في وشها من الخرسانة كان بسيط بس مناخيرها كانت ورمة. حطيتلها حتة تلج، والبنت نامت من كتر التعب والعياط وهي ماسكة في جلبابي جامد كأنها خايفة حد ياخدها مني.
قعدت على السرير في الضلمة، والنور مطفي عشان ميحسوش بيا. وتحت في الدور الأرضي، كنت سامعة صوت حماتي وعبير وهما بيصوتوا ويلموا الجرايب وعيلة أبو فاروق كلهم. الصوت كان طالع لغاية عندي، وسمعت صوت فاروق وهو بيتكلم في الصالة تحت وبيزعق في التليفون.. عرفت إنه بيكلم محمود.
ساعة كاملة مرت كأنها سنة، لغاية ما تليفوني أنا رن في ضلمة الأوضة. شفت الشاشة.. كان “محمود”.
قلبي سقط في رجليا. بلعت ريقي وفتحت الخط وأنا بحاول أجمع ثباتي.
صوت محمود كان مخنوق، ومليان صدمة وزعل، قال بصوت هادي وبطيء يرعب: «جرى إيه يا بنت الناس؟ أنا شقيان في الغربة وطافح الدم عشان أأمن ليكم قرشين، أقوم من النوم على صوت أخويا وأمي بيبكوا وبيقولولي مراتك قطعت لحم البت وعضتها ووقعتها من على السطح وشوهت وشها؟ إيه اللي حصل عندك؟»
دموعي نزلت غصب عني، بس مكنش صوت عياط ضعف، كان صوت قهر مخنوق. قلتله: «يا محمود، أخوك وأمك قالولك إني ضربت مراته، بس مقالولكش مراته عملت إيه في بنتك؟ مقالولكش إن من أسبوعين ضربت مريم قلم طرش وقعتها على حرف الطربيزة ورأسها ورمت وبقت قد الليمونة ولمّا اشتكيت لأمك وقفت في صفها وقالتلي تضربها وتكسر رقبتها كمان؟ مقالولكش إن النهاردة مرتك ضربت بنتك في صدرها ووقعتها على خرسانة السطح لغاية ما مناخيرها جابت دم ووشها اتجرح؟ أنا سكت المرة الأولى عشان غيبتك وشقاك، بس المرة دي شوفت دم بنتي ومألتش إيه في عقلي، وعملت فيها اللي هما حكوهولك وأكتر كمان، ولو رجع بيا الزمن هقطعها بأسنانى تاني عشان دي ضنايا اللي إنت سايبها أمانة في رقبتي!»
محمود سكت تماماً على الناحية التانية من الخط. السكوت كان تقيل ومخيف. فضلت ثواني مش سامعة غير صوت نَفَسه السريع. وفجأة، قفل السكة في وشي من غير ما ينطق ولا كلمة.
الدنيا اسودت في وشي أكتر. هل محمود صدقهم؟ هل هيطلقني عشان خاطر أمه وأخوه؟
وفجأة، سمعت خبط رزع برجلين على باب شقتي تحت.. وصوت فاروق بيزعق بره: «افتحي يا بت! افتحي اطلعي بره البيت ده بالمعروف بدل ما نكسر الباب عليكي ونرميكي في الشارع إنتي وبنتك! البيت ده ميباتش فيه حريم ليلتنا دي!»
انا وسلفتى حكايات رومانى مكرم 2
الجزء الثالث (سيناريو بديل):
الرزع على الباب كان بيهز الحيطان، وصوت فاروق بره كان زي الرعد وهو بيشتم ويحلف بالطلاق ليتلعني بره البيت بهدوم البيت اللي عليا. مريم صحيت من النوم تصرخ من الخوف وتترعش، حضنتها جامد وأنا حاطة إيدي على بوقها عشان أكتم صرختها، وفجأة، الرزع قلب لضرب بكتف فاروق في الباب الخشب القديم، لغاية ما لسان القفل والترباس اتخلعوا من الحيطة بفرقعة عالية، والباب اترفد لجوه.
دخل فاروق وعيونه حمرا وعروق رقبته ناطة، ووراه حماتي فوزية ماسكة في إيدها عصاية مقشة خشب ناشفة. قبل ما أطق بنطق، فاروق هجم عليا في الصالة زي الطور الهيج، مد إيده وقبض على طوق جلبابي ورفعني لفوق وهو بيزعق: «بقى بتمدي إيدك على مراتي وتنهشي في لحمها يا بت؟ والله لأخليكي عبرة للبلد كلها!»
وزقني زقة قوية، وقعت على ضهري في الأرض، ودماغي خبطت في دلف النيش الصغير اللي في الصالة، وحماتي نازلة فوقيا بالعصاية على كتافي وظهري بكل غل.
الضرب خلاني مش شايفة قدامي، والوجع حرق جسمي، بس الغل والقهر والدم اللي شفته من بنتي خلاني أقوم زي القضا المستعجل. سندت على الأرض وقمت وقفت وأنا كلي بتعفرت، إيدي طالت “كوباية” إزاز من كبابي الشاي التقيلة اللي كانت محطوطة على طربيزة الصالة. ملمحتش قدامي غير وش فاروق وهو بيمد إيده يضربني تاني، رحت لافة إيدي وبكل عزمي خبطته بالكوباية الإزاز في نص رأسه.
الكوباية اتدشدت ميت حتة، وصوت الفرقعة ملا الشقة. فاروق بربر في مكانه، وحط إيده على رأسه اللي اتفتحت فتحة كبيرة، والدم شلّال نزل غرق وشه وعينه وجلبابه في ثواني. صرخ صرخة مكتومة وهو بيرجع لورا ومش مصدق: «دماغي! فتحت دماغي يا فوزية!»
حماتي لما شفت ابنها غرقان في دمه، اتجننت وسابت العصاية وهجمت عليا بأوافرها وعايزة تخربش وشي وهي بتصوت: «يا مري! موتي الواد يا فاجرة! يا خرابي يا فاروق!»
أنا ما سيبتهاش تقرب، لفت دراعي حوالين رقبتها وكتفتها، ومن كتر الغل، رحت غارسة سناني في وشها، عضيتها في خذها عضّة الموت، عضّة طلعت فيها قهر السنين كله لغاية ما سناني علمت في لحم وشها ودمها سال وصوتت صويت جاب أخر الشارع: «آآآه.. وشي! الحقوني يا ناس الغولة كلت وشي!»
فاروق كان ساند على الحيطة والدم مغمي عينه، وأمه بتصرخ ووشها بينز دم، والشقة اتقلبت مجزرة في ثواني معدودة، والجيران وأعمام محمود بدأوا يندفعوا على السلم من كتر الصويت اللي طالع..
الجزء الرابع:
الدم كان مغرق الصالة؛ فاروق ساند على الحيطة بيصرخ وإيده على رأسه اللي بتنز من خبطة الكوباية، وحماتي فوزية حاطة إيدها على خذها اللي عضيتها فيه وهي بتصوت وتلطم باليد التانية: «الحقوني يا ناس! قتلتني وقتلت ابني! هربت من بيت أبوها عشان تموتنا في بيتنا!»
أنا كنت واقفة ونَفَسي طالع نازل زي المكنة، مريم بنتي شافت منظر الدم اتعبت وبقت تصرخ بهستيريا وصرختها هزت طوبة في قلبي. فاروق لما سمع صوت الجيران طالعين على السلم، حب يستعرض رجوليته تانى ويمسح غسيل وشه بالدم، راح واخد نَفَس مغلول وهجم عليا وهو بيطوح بإيديه والدم مغمي عينيه ويقول: «ورب الكعبة ما هطلع من هنا عايشة يا بنت (…)! ليلة أبوكي سودا!»
المرة دي مكنش فيه ثانية للتفكير، الغل عَمى عيني. جريت لِجوه الأوضة، ومريم بتصرخ، مديت إيدي تحت مرتبة السرير وبكل قوتي وسحبت “مِلّة السرير” الخشب الزان العريضة الناشفة. طلعت بيها الصالة زي العاصفة، وفاروق كان لسه داخل ورا الأوضة وعينه وعروقه بارزة.
قبل ما يرفع إيده، رحت لافة بمِلّة السرير وبكل عزمي ونزلت بيها على دماغه وكتفه. الخشبة عملت صوت رن في الشقة كلها، فاروق لَف حوالين نفسه ووقع في الأرض زي الشوال لدرجة إن الأرض اتهزت تحته.
حماتي شافت ابنها اترمى في الأرض، هجمت عليا وهي بتصوت ورافعة ضوافرها، رحت لافة بالخشبة ونازلة بيها على دراعاتها وجنابها، الخشبة علمت في عضمها، خليتها تصرخ وتتلوى وتترمي فوق ابنها وهي مش قادرة تنطق من كتر الوجع.
نزلت فوقيهم هما الاتنين ضرب جامد بالمِلّة، مخلتش حتة في جسم فاروق ولا أمه إلا وكسرتها بالخشب الناشف. كنت بضرب وبقول بأعلى صوتي: «عشان تمدوا إيدكم على بنتي تاني! عشان تكسروا باب شقتي في غياب جوزي! البيت ده ملوش أسياد غير كرامتي وكرامة بنتي!»
فاروق بقى يتمرغ في الأرض ويحمي رأسه بإيديه وهو بيصوت: «بس! كفاية يا مجنونة هتموتينا!» وحماتي انكمشت في الركن وهي بتصرخ بصوت مبحوح: «الحقونا يا ناس.. الغولة هتقتلنا!»
في اللحظة دي، الباب المكسور اتزق والناس دخلت جري.. الجيران، والحاج عبد الستار عم محمود الكبير، والرجالة بتوع الشارع. كلهم دخلوا مذهولين من المنظر؛ الصالة مقلوبة، فاروق وأمه في الأرض غرقانين دم وبيرتعشوا من الرعب والوجع، وأنا واقفة في وسط الصالة ماسكة مِلّة السرير بإيدين بتترعش من الغضب، والشرر بيطلع من عيني، ومريم بنتي مستخبية ورا ضهري وماسكة في جلبابي.
الحاج عبد الستار جِري عليا ومسك الخشبة من إيدي وقال بصوت جهوري: «إجرى يا بنتي! استهدي بالله! هتموتي الناس في إيدك وتودي نفسك في داهية!»
أنا سبت الخشبة من إيدي ووقعت في الأرض وأنا بلهث، وبصيت لفاروق وأمه وقلت والكل سامع: «البيت ده اتقفل عليا أنا وبنتي، واللّي هيعتب باب الشقة دي تاني، مِلّة السرير دي هتتكسر على دماغه، واللّي عنده راجل يوريني نفسه!»
فاروق شالوه من الأرض وهو مش قادر يقف على رجليه، ورأسه مفتوحة وجسمه كله كدمات زرقا، وأمه فوزية سانداه وهما طالعين بيهم بره الشقة والجيران بيبصوا عليهم بذهول.
الحاج عبد الستار بصلي وضرب كف بكف وقال: «والله يا بنت الناس إنتي ليكي حق في كرامتك، بس اللي عملتيه الليلة دي هيخلي الدم يوصل للركب لما محمود يعرف كسر كرامة أمه وأخوه بالمنظر ده.. اجهزي عشان اللّي جاي سواد!»
الجزء الخامس:
البيت هدي فجأة بعد ما الرجالة خدوا فاروق وأمه ونزلوا بيهم، الشقة كانت زي أرض المعركة؛ الباب مكسور ومخلوع من مكانه، فتافيت الإزاز بتاعة الكوباية منورة الأرض ومخلوطة بالدم، ومِلّة السرير مرمية في وسط الصالة وشاهدة على اللي حصل.
دخلت الأوضة، قعدت على السرير وأنا جسمي كله بيترعش من كتر الأدرينالين والغضب، أخدت مريم في حضني وبقيت أطبطب عليها وأبوس رأسها لغاية ما هديت ونامت من كتر الرعب والتعب. بصيت لنفسي في المراية، وشي كان متبهدل وهدومي مقطوعة، والغل لسه قايد في قلبي. قلت لنفسي: «محمود قفل السكة في وشي وساب فاروق وأمه عليا، والبيت ده مابقاش فيه أمان، واللّي كسر الباب مرة هيكسره تانية.»
مسكت تليفوني، وضغطت على رقم أخويا الكبير “أحمد”. أول ما رد وقال: «أيوة يا خيتي، عاملة إيه؟»، مأستنيتش، ولقيت صوتي طالع حاد وقوي: «الحقني يا أحمد.. فاروق وأمه كسروا عليا باب شقتي في غياب جوزي وضربوني أنا وبنتي، وأنا طاحنة الدنيا هنا ومستنياكم.»
أحمد مكملش الكلمة وقفل السكة. مفيش ساعة زمن، وسمعت صوت عربيات ربع نقل بتقف تحت البيت برزع فرامل، وصوت رجالة وصعيد كامل طالعين على السلم بيهزوا الأرض. دخل الشقة أخواتي أحمد ومصطفى، ومعاهم تلاتة من أولاد عمي الكبار، داخلين وعيونهم بتطلع نار وشومهم في إيديهم.
لكن أول ما خطوا عتبة الشقة، وقفوا كلهم مذهولين، وبصوا حواليهم بصدمة. أحمد بص للباب المخلوع، وللدم اللي مغرق السجاد، ولمِلّة السرير اللي مكسورة نصين من قوة الضرب.
مصطفى أخويا الصغير بربش بعينه وبصلي وقال بذهول: «جرى إيه يا خيتي؟ إيه الدم ده كله؟ هما عملوا فيكي إيه؟»
أنا وقفت على رجلي بكل ثبات، ورغم التعب صباعي كان بيشاور على الأرض وقلت بثقة: «الدم ده مش دمي.. ده دم فاروق اللي فتحت رأسه بالكوباية، ودم أمه اللي عضيتها في وشها، والاتنين كسرت عضمهم بمِلّة السرير دي لما فكروا يستفردوا بيا وبنتي وجوزي في الغربة.»
أولاد عمي ب those بعضهم، وفجأة أحمد أخويا الكبير وشه انفرج بضحكة فخر عالية رنت في الشقة كلها، وخبط كف بكف وهو بيقول: «عفارم عليكي! بنت أبوكي صحيح! ورب العرش ما خيبتي تربية الحاج ليكي! وقفوا ليكي رجالة وجاية تشتكي، وأنتي منيمة البيت كله مغمي عليه في الأرض!»
ابن عمي الكبير، الحاج خلف، قرب مني وحط إيده على راسي وقال بصوت جهوري سمّع البيت كله والدور الأرضي: «والله وبنت راجل يا خيتي، رفعتي راسنا ومخلتيش كلاب سكك تستوطى حيطتك عشان جوزك مسافر. اسمعي يا بت عمي.. إحنا قاعدين معاكي الليلة دي في الشقة، والمرة الجاية لو حد في البيت ده، صغير ولا كبير، لمس طرف جلبابك أو كلمك كلمة تزعلك.. إحنا اللّي هننزل نكسر البيت ده فوق دماغهم ونساويه بالأرض، واللّي عنده راجل فيهم يورينا طوله!»
صوت أولاد عمي وأخواتي وهو بيهز الحيطان وصل للدور الأرضي، وحماتي وعبير وفاروق اللي كانوا قاعدين يأنوا تحت، سكتوا تماماً ومبقاش يسمعلهم حس، وعرفوا إن الظَهر اللّي ساندني وصل، وإن الحكاية مابقتش حُرمة لوحدها.. دي بقت وراها عيلة مابتسمّيش.
انا وسلفتى حكايات رومانى مكرم 3
الليلة مرت والبيت كله كأنه قايد نار تحت الرماد. أخواتي وأولاد عمي نزلوا قعدوا في مدخل البيت تحت، ماليين المكان بهيبتهم وشومهم وسلاحهم، وصوت ضحكهم وكلامهم مسمّع في حارة عيلة أبو فاروق كلها. محدش من الدور الأرضي قدر يورّي وشه بره عتبة شقته، ولا حتى حماتي فوزية قدرت تفتح بوقها بكلمة ردح، الكل انكمش وعرفوا إن اللعب مع بنت الأصول وراها عيلة تقطم الرقبة.
أنا قعدت في شقتي فوق، نظفت أثر المعركة وغسلت الدم من الأرض، وفرشت مِلّة سرير تانية مكان اللي اتكسرت. مريم بنتي كانت نايمة في حضني بأمان لأول مرة من أسبوعين، دقات قلبها هديت وهي عارفة إن خوالها بره حاميين ضهرها. كنت قاعدة باصة للتليفون ومستنية.. مستنية رد فعل محمود بعد السواد اللي حصل.
على الفجر، تليفوني رن. كان محمود برضه.
فتحت الخط من غير ما أتكلم، سبته هو اللي ينطق. صوته المرة دي كان متغير ١٨٠ درجة؛ مكنش فيه العصبية ولا الغضب بتاع المرة اللي فاتت، صوته كان مليان انكسار وصدمة بعد ما أعمامه والجيران اتصلوا بيه وحكوا له الحقيقة كاملة.. حكوا له إن أخوه وأمه كسروا باب شقتي وهجموا عليا بـ غل.
محمود قال بصوت حزين ومخلوط بالدموع: «أنا آسف يا بنت الناس.. أنا قفلت السكة في وشك المرة اللي فاتت لأني مكنتش متخيل إن أمي وأخويا يوصلوا للندالة دي! الجيران حكوا لي كُل حاجة.. حكوا لي إن فاروق مد إيده عليكي في غيابي وأمي ضربتك بالعصاية. أنا بريء من اللي عملوه ده، وكبرتي في نظري لمّا خدتي حقك وحق بنتك بإيدك ومستنيتيش حد يحميكي.»
بلعت ريقي وقلتله بنبرة حاسمة وقوية: «كلامك ده على راسي يا محمود، بس الاعتذار مش هيصلح الباب اللي اتكسر ولا الدموع اللي بنتك نزلتها من الخوف. أخواتي وأولاد عمي نايمين في مدخل بيتك تحت، والحق اللّي هيتاخد دلوقتي مش حقي أنا لوحدي.. ده حق عيلتي اللي اتكسرت حرمة بنتهم في غياب جوزها.»
محمود رد بسرعة وخوف: «أنا نازل مصر يا خيتي.. أنا حجزت على أول طيارة وخلال ساعات هكون عندك في Assiut. أرجوكي قولي لأخواتك يستنوني ومحدش يعمل حاجة لغاية ما آجي، واللّي هتقولي عليه هيمشي، لو عايزة بيت لوحدك هعملهولك، بس بلاش الدم يوصل للركب بين أخواتك وأخويا.»
قفلت السكة مع محمود، ونزلت على السلم لأخواتي تحت، بلغتهم إن محمود على وصول وراجع من السفر.
أحمد أخويا الكبير وقف وعدل عمامته وقال وعينه بتلمع بشرر: «يوصل بالسلامة يا خيتي، جوزك على راسنا من فوق وهو راجل شقيان ومالوش ذنب في قلة أصل أهله. بس برضه، البيت ده لازم يتأدب، وإحنا مش هنمشي من هنا إلا ولمّا عيلة أبو فاروق كلها تقف في وسط الحارة وتعتذر ليكي ولبنتك، ويردوا اعتبارنا قدام البلد كلها، وإلا قسمًا بالله العظيم نهد البيت ده على اللي فيه!»
النهار بدأ يشقشق، والشمس طلعت على بيت عيلة أبو فاروق وهو محاصر برجالة الصعيد. عبير كانت بتطل من ورا الشيش وعينيها ورمة ومقفولة من كتر الخربشة، وحماتي فوزية قاعدة جوه صالتها حاطة شاش على وشها المفروم من العض وبتدعي في سرها إن الأزمة دي تعدي على خير، وفاروق رأسه ملفوفة بالشاش الأبيض وقاعد زي الحريم مش قادر ينطق بكلمة وخايف من لحظة وصول أخوه محمود، ولحظة الحساب الكبيرة اللي جاية في الطريق..
الجزء السابع:
العربيات الربع نقل كانت لسه واقفة بره، ورجالة عيلتي ماليين الشارع ومدخل البيت، الشوم مسنود على الحيطان والنار اللي قايدة في الصدور مبردتش. مع دقات الساعة تنشر الظهر، ظهرت عربية تاكسي من أول الحارة، وقفت و نزل منها محمود.. هدومه مبهدلة من كتر شقى السفر وعلامات الغُربة والهم مغطية وشه، وفي إيده الشنطة بتاعته.
أول ما شاف أخواتي وأولاد عمي واقفين بطولهم، رمى الشنطة من إيده وجري عليهم، سلّم على أحمد ومصطفى وباس رأس ابن عمي الكبير خلف وهو بيقول بنَفَس مقطوع: «حقكم عليا.. دمي ولحمي غلطوا في غيبتي، والبيت بيتكوا، وأنا بريء من كُل اللي حصل الليلة اللي فاتت.»
أحمد مسكه من كتفه وقاله بصوت ناشف: «ادخل شوف بنتك ومرتك الأول يا محمود، وبعدها الحساب يجمع.»
محمود طلع السلم تالت خطوة، أول ما دخل الشقة وشاف الباب المخلوع والحيطان اللي لسه معلم فيها ضرب مِلّة السرير، وعيني الورمة ومريم بنتي اللي وشها متجرح، الدموع نزلت من عينيه. أخد بنته في حضنه وبقى يبوس إيدها ورأسها وهو بيعتذر لي ويقول: «والله ما كنت أعرف إنهم بالحقد ده كله، كتر خيرك إنك وقفتي راجل في غيابي.»
في اللحظة دي، حماتي فوزية وعبير سيلفتي كانوا بيسمعوا من ورا الباب تحت.. الرعب كان واكل قلوبهم. عبير كانت واقفة ورا الشيش وجسمها كله بيترعش، دراعها ووركها معلم فيهم العض وزرقان، ووشها مخربش، ولمّا شافت منظر رجالة الصعيد بره ومحمود اللي دخل وعيونه بتطق شرار، حطت إيدها على بوقها وقالت لحماتي بصوت بيترعش من الخوف: «يا ليلتنا السودة يا حاجة فوزية! محمود وصل والكلاب اللّي بره دول مش هيمشوا إلا بدمنا! دي الغولة مسبتش حتة فيا سليمة، وأخوكي فاروق دماغه مفتوحة تمن غرز.. هنعمل إيه لو محمود قلب علينا؟»
حماتي فوزية اللي كانت دايماً بتردح وتطوح بإيديها، كانت قاعدة على الكنبة زي الفرخة المبلولة، حاطة لزقة طبية كبيرة على خذها مكان العضة اللّي هرت لحمها، وصوتها مكنش طالع. بصت لعبير بقلة حيلة وقالتلها: «اسكتي يا بت واكتمي نَفَسك! البت طلعت مش سهلة ووراها سباع بتاكل اللحم! أنا كُنت فاكراها حتة عيلة هنكسر عينها بكلمتين، طلعت غولة وعضاضة وكسرت عضمنا بمِلّة السرير.. داري وشك المخروم ده لغاية ما نشوف الواد محمود هيعمل إيه مع أخوه.»
فاروق كان قاعد جنبهم رأسه ملفوفة بالشاش الأبيض، وعينه الشمال مقفولة وورمة من كتر الضرب، باصص في الأرض ومش قادر ينطق بكلمة، هيبته كراجل اتكسرت قدام الجيران والبلد كلها بعد ما انضرب بالخشب واتفتحت رأسه بالكوباية.
فجأة، الشارع كله اتهز على صوت زعيق محمود وهو نازل من على السلم زي العاصفة، وصوته بيجر الحارة كلها وراه: «انزل يا فاروق! اطلعي يا أم فاروق! الليلة دي حساب القديم والجديد هيتصفى، واللّي مد إيده على أمانتي في غيبتي ملوش قعاد في البيت ده ثانية واحدة!»
عبير أول ما سمعت صوت محمود وزعيقه، جِريت استخبت ورا الدولاب في أوضتها وقفلت على نفسها من كتر الرعب، وحماتي فوزية لمت شالها على وشها المفروم وهي بتترعش ومش عارفة تخرج تواجه إزاي البنت اللّي كانت بتستوطى حيطتها، وبقت دلوقتي هي وأهلها هما كابوس البيت كله..
الجزء الثامن:
خرج محمود في وسط الحوش الكبير بتاع البيت، وصوته كان بيهز الجدران، ووراه أخواتي وأولاد عمي نازلين بثقلهم وشومهم في إيديهم. الجيران كلهم وقفوا في البلكونات والشبابيك يتابعوا اللحظة دي.
الحاج عبد الستار، عم محمود الكبير، دخل في وسط الحوش ورفع إيده وقال بصوت جهوري: «استهدى بالله يا محمود، واقعدوا يا رجالة.. إحنا عيلة واحدة والدم ميبقاش مية، والصلح خير بس بشرط، الأصول تاخد مجراها وبنت الناس يترد لها اعتبارها قدام الحارة كلها.»
أحمد أخويا الكبير بص لمحمود وقاله بحسم: «إحنا وافقنا نقعد للصلح كرامة ليك ولشقاك يا محمود، لأنك راجل صنت الأصول، لكن أهل بيتك لازم يعرفوا إن الله حق.»
نزلت حماتي فوزية من شقتها خطوة بخطوة، شالها مغطي نص وشها المفروم من العضة، وعين مكسورة لأول مرة في حياتها. ووراها خرج فاروق وهو ساند على كتف عمه ورأسه الملفوفة بالشاش الأبيض باصة في الأرض، وعبير سيلفتي واقفة وراهم عند عتبة الباب، ميتة في جلدها من الرعب، كتافها مفرودة اللي كانت بتتباها بيها اتهدت، ووشها كله لزق وخربشة.
أنا نزلت ووقفت في وسط الحوش، عيني قوية، رافعة راسي، ومريم بنتي ماسكة في جلبابي. بصيت لهم كلهم والنظرة اللي في عيني خلت عبير ترجع خطوة لورا وتستخبى ورا كتف حماتها.
قعد كبار العيلتين، ومحمود وقف ووشه حزين وقال: «أنا قدام أعمامي وأخوات مراتي، بقولها هدمة عبير وفاروق اللّي اتقطعت والدم اللّي نزف منهم ده حق بنتي ومراتي اللّي اتهانت في غيابي، والصلح مش هيتم إلا بشروط مراتي.»
أنا مشيت خطوتين ووقفت في النص، وبصيت لحماتي وعبير وفاروق، وقلت بصوت حاد وقوي سمّع الحارة كلها:
«اسمعوا وعوا الكلام ده كويس عشان مش هعيده تاني.. أنا من ساعة ما دخلت البيت ده عروسة وأنا شايلاكم فوق راسي، وبحترم الكبير والصغير، وبخدمكم بعيونيا، وانتوا افتكرتوا احترامي ليكم خيبة وقلة حيلة! استوطيتوا حيطتي لمّا جوزي سافر، وضربتوا بنتي اللّي عندها أربع سنين مرتين لغاية ما دمها سال، وكسرتوا باب شقتي عليا!»
التفتّ لعبير وحماتي بالذات، وشاورت بصباعي في وشهم وقلت بنبرة خلت جسمهم يقشعر:
«من هنا ورايح، الأصول هتمشي على الكبير والصغير. فيه احترام.. هحطكم فوق راسي وأشيلكم في عيوني زي الأول وأكتر. مفيش احترام، وقسماً بالله العظيم لأكلكم بأسنانى، والمرة دي أنا أكلت حتة من دراعك ووركك يا عبير وفرمت خدك يا حاجة فوزية، المرة الجاية مش هسيب فيكم حتة سليمة ومِلّة السرير لسه موجودة والشقة ليها مئة باب وباب!»
عبير بلعت ريقها برعب وهزت رأسها بسرعة من غير ما تنطق، وحماتي فوزية حطت إيدها على خدها المفروم وقالت بصوت واطي ومكسور: «خلاص يا بنتي.. حقك علينا، والبت مريم من هنا ورايح في عيوننا ومحدش هيقدر يمس طرفها، إحنا أهل برضه والمسامح كريم.»
فاروق بص لأخواتي وقال بصوت مخنوق: «حقكم عليا يا رجالة، الشيطان دخل بينا والصلح خير، ومحمود أخويا الكبير والبيت بيته.»
الحاج عبد الستار قام وقف وقال: «على بركة الله، نفتح صفحة جديدة، وفاروق وهيصلح باب شقة أخوه ويرد اعتبار مراته بـ دبيحة تتذبح على عتبة البيت والكل ياكل منها، وبنت الأصول حقها وصلها.»
أخواتي وأولاد عمي سلموا على محمود وأعمامه، وأحمد أخويا طبطب على كتفي وقالي: «رفعنا راسنا بيكي يا خيتي، والبيت ده خلاص بقيتِ سِتّه.»
لكن وأنا طالعة السلم ورافعة راسي، ولمحت النظرة المخفية في عين عبير وهي بتبص لحماتي، عرفت إن الصلح ده مجرد هُدنة، وإن النفوس الشايلة مش بتصفى في يوم وليلة.. واللّي جاي لسه فيه كلام تاني.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو
الجزء التاسع (قبل الأخير):
مرت الأيام بعد قعدة الصلح الكبيرة، والبيت هدي تماماً، بس الهداوة المرة دي مكنتش خوف ورعب وبس، كانت بداية لـ نبتة جديدة من المحبة والندم الحقيقي. الكبار لما مشيوا، والباب الجديد لشقفتي ركب، وفاروق دبح الذبيحة وفّق شروط الصلح ووزعها على الغلابة وبأيده طلع لينا نصيبنا لغاية فوق، النفوس بدأت تلين، والدم الحامي بدأ يبرد ويفوق لأصله.
في يوم، كُنت قاعدة في شقتي بحضر عشا خفيف لمحمود اللي قعد معايا أسبوعين أجازة عشان يطمن علينا قبل ما يسافر تاني. سمِعت خبطة خفيفة وودية جداً على الباب، خبطة مفيهاش الرعب بتاع زمان. فتحت الباب، لقيت عبير واقفة، وشها لسه فيه علامات خفيفة بس عينيها كانت مليانة كسوف وندم. كانت شايلة في إيدها صينية عليها فطير مشلتت سخن وعسل ونحل، وبصت في الأرض وقالت بصوت واطي ومخنوق بالدموع:
* «تسمحي لي أدخل يا أم مريم؟»
وسعت لها الباب ودخلت. عبير حطت الصينية على الطربيزة، وفجأة لفت ومسكت إيديا والدموع نزلت على خدها وقالت:
* «والله العظيم أنا ندمانة يا خيتي.. الشيطان عَمى عيني، والغيرة والحقد كانوا ماليين قلبي عشان محمود ربنا كارمه بره. أنا كُنت قاسية على البت مريم وهي ملهاش ذنب، ولمّا جيتي خدي حقك مني، أنا استاهل كُل اللي جرى لي.. بس وحياة غلاوة محمود عندك سامحيني، أنا مش عايزة نعيش في نكد وخوف من بعض، إحنا ملناش غير بعض في البيت ده لما الرجالة بتغيب.»
أنا قلبي رق، وبصيت في عينيها لقيت الندم صادق مفيش فيه لؤم. مسحت دموعها وقلت لها:
* «أنا قلبي مش أسود يا عبير، وأنا قولتلك زمان أنا دخلت البيت ده بالمعروف وبحبكم.. إنتي خيتي الكبيرة، وعفا الله عما سلف، والمسامح كريم.»
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت حماتي فوزية، كانت شايلة في إيدها غوايش دهب صغيرة، ولمّا شافت إيدنا في إيد بعض، وشها انفرج بضحكة وفرحة حقيقية. قربت من مريم بنتي، وشالتها على حجرها وبستها وبقت تبكي وتقول:
* «سامحيني يا فلفلة البيت.. سامحيني يا أم مريم يا بنتي، أنا اللي كُنت حامية وقاسية، بس لمّا شوفتك واقفة تدافعي عن ضناكي بالغل ده، عرفت إنك بنت أصول وصاينة عرضك وضناكي في غياب جوزك. الغوايش دي لمريم حبيبة ستي، والبيت ده من غير مَحبتنا لبعض ميسواش بصلة.»
قُمت وحضنت حماتي، وعبير حطت إيدها علينا، والضحكة رجعت لبيت عيلة أبو فاروق بس المرة دي ضحكة صافية طالعة من القلوب. محمود دخل الصالة وشافنا متجمعين وبنضحك والدموع في عيوننا، وشه نَوّر وفرحته مكنتش سايعاه وهو شايف مراته وأمه وأخوه وعيلته بقوا إيد واحدة بجد، والمحبة ملأت الأركان بعد كُل السواد اللّي فات.
لكن محمود كان لسه شايل في قلبه خطوة أخيرة ومفاجأة كبيرة هيقلب بيها موازين البيت كله في الجزء الأخير..
الجزء العاشر والأخير:
قبل سفر محمود بيومين، لم العيلة كلها في شقة حماتي تحت؛ أنا ومريم، وفاروق وعبير وحماتي فوزية. قعدنا كلنا حوالين طربيزة واحدة بنشرب الشاي وبنضحك، وعبير كانت بتأكل مريم بـ إيدها وبتدلعها، والود والمحبة ماليين المكان كأن النّار اللي قادت زمان مكنتش غير كابوس وفوقنا منه.
محمود حط كباية الشاي، وبص لنا كُلنا وقال بابتسامة صافية:
* «يا جماعة، أنا شقيت في الغربة سنين، ومكنتش بشيل هم الشقى طول ما أنا عارف إن ظهري محمي وأهلي صاينين بيتي وعرضي. الأزمة اللي عدت دي، رغم قسوتها، عرفتني كنز غالي.. عرفتني إن مراتي بنت أصول وبمية راجل وتعرف تصون بيتها وبنتها، وعرفتني إن أمي وأخويا وسلفتي لما بيفوقوا لأصلهم، مفيش أحن منهم.»
طلع محمود من جيبه مغلفين كبار، حط الأول قدام فاروق وعبير وقالهم:
* «ده قرشين يا فاروق إنت وعبير، عشان توسع تجارتك في الدكان، وعشان عبير تجيب اللي كان نفسها فيه.. البيت ده واحد، وخيرنا لبعض.»
وبعدين لف وبصلي أنا، وحط المغلف التاني في إيدي وقال وعينه بتلمع بالفخر:
* «وده يا أم مريم، مقدم شقة ملك لينا باسمك وباسم بنتك في وسط البلد هنا في Assiut.. مش عشان تبعدي عن أهلنا، لأ.. إحنا عمرنا ما هنستغنى عن بيت العيلة ولمّته، بس عشان يبقالك سكنك الخاص اللّي تملكي فيه حريتك، وتنزلي هنا لستي ولعمتك عبير في الأعياد والمواسم حبايب وأعز أصحاب.»
حماتي فوزية دمعت وقامت حطت إيدها على راسي وقالت:
* «تستاهل.. تستاهل بنت الأصول، ومبروك عليكي يا بنتي، والبيت بيتك في أي وقت، مطرحك في قلوبنا خلاص اتغمر بالمحبة.»
وعبير قامت حضنتني وهي بتبكي وبتقول: «ألف مبروك يا خيتي، والله هتوحشينا بس إحنا جيران وأهل واللّي بينا مابقاش يقطعه شيء.»
### الحكمة من حكايات رومانى مكرم
> **إن الكرامة والضنا خط أحمر، والأصول لا تتجزأ.**
> الصمت في المرة الأولى ليس ضعيفاً، بل هو “حكمة وتغاضٍ” لإبقاء حبال الود وحماية لقمة العيش الشقية في الغربة. ولكن.. إذا عُدم الاحترام، وتجرأ القريب قبل الغريب على كسر الحُرمات وإهانة الضنا، يصبح الرد الحازم فرضاً، وتتحول حُرية بنت الأصول إلى قسوة أسد يدافع عن عرينه.
> والبيت اللّي بيتبني على “استعراض القوة” في غياب الراجل، بيتهد فوق دماغ أصحابه.. والصلح الحقيقي مش بيعيش بالخوف، لكن بيعيش لما كُل واحد يعرف مقامه وحدوده، ويقفل بابه على مَحبة واحترام، لأن الندم الصادق هو اللّي بيغسل القلوب، ومحبة الأهل الحقيقية هي اللّي بتدوم في الآخر.
>
تمت بحمد الله.


تعليقات
إرسال تعليق