القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

كرامـة معروضـة للبيـع كامله حكـايات مني السيد حصري

 كرامـة معروضـة للبيـع كامله حكـايات مني السيد حصري



كرامـة معروضـة للبيـع ج 1 حكـايات مني السيد حصري

أنا بشتغل في محل، وظروفنا المادية كانت صعبة جدًا. أول ما صاحب الشغل عرف إن التلاجة عندنا باظت وإن البيت ناقصه حاجات أساسية، هو وأهله وقفوا جنبي، وجمعوا فلوس واشترولي تلاجة، وكمان وفرولنا شوية أثاث. عمري ما نسيت جميلهم، ولسه بدعيلهم لحد النهارده…

لكن مع الوقت، بدأت أحس إن كل مساعدة كان ليها تمن… تمن مكنتش متخيلة إني هفضل أدفعه كل يوم….

بـدايـة حكـايـة:

أنا اسمي سلمـى، عندي خمسة وعشرين سنة، وبشتغل في محل أدوات منزلية في وسط البلد. المرتب على قده، لكنه كان بالنسبة لبيتنا طوق نجاة…إحنا أسرة بسيطة جدًا.

بابا تعبان ومبقاش يقدر يشتغل زي زمان، وماما بتحاول تدبر مصاريف البيت بأي طريقة، وأخويا الصغير لسه بيدرس.

وكان عندنا مشكلة يمكن ناس كتير تشوفها بسيطة… لكنها بالنسبة لينا كانت كارثة.

التلاجة باظت…في عز الصيف…كل يوم ناكل اللي هنطبخه في نفس اليوم، ولو فضل أكل يبوظ…اللبن يحمض.

الخضار يذبل، واللحمة مبقيناش نعرف نجيبها أصلًا.

كنا حاسين إن البيت ناقصه أهم حاجة…ومع إن الصنايعي جه أكتر من مرة، إلا إنه قال إن إصلاحها هيكلف مبلغ كبير، ويمكن بعد كل ده تبوظ تاني…


يومها رجعت الشغل وأنا مخنوقة…مكنتش قادرة أخبي اللي جوايا…واضح إن وشي كان بيحكي كل حاجة.

صاحب المحل بصلي وقال: مالك يا سلمى؟

قلتله وأنا بحاول أبتسم: مفيش… شوية مشاكل في البيت.

فضل يسأل لحد ما حكيتله…مكنتش متوقعة إنه يهتم للدرجة دي.. حصري على صفحة روايات و اقتباسات

بعد كام يوم، لقيته بيناديني بعد الشغل…دخلت المكتب.

ابتسم وقال: متقلقيش… ربنا بيبعت لكل واحد رزقه.

وحط قدامي ظرف…فتحت الظرف وأنا مستغربة.

لقيت فيه مبلغ كبير…اتوترت وقلت بسرعة:

ـ لا يا أستاذ… أنا مقدرش آخد الفلوس دي.

ابتسم وقال: دي مش مني لوحدي… أنا وأهلي وجماعة من معارفنا حبينا نساعدكم.

فضلت أرفض…لكنه قال جملة عمري ما هنساهالوش.

ـ بكرة لما ربنا يوسعها عليكي… ساعدي غيرك.

رجعت البيت يومها وأنا بعيط…بس المرة دي من الفرحة.

وبعد أسبوع كانت عندنا تلاجة جديدة…يمكن مش أحدث موديل…لكن كانت بالنسبالنا كنز…وموضوع المساعدة مخلصش عند كده.

#حكايات_مني_السيـد

بعد فترة، مرات صاحب الشغل قالتلي إن عند قرايبها غرفة نوم وسفرة بحالة كويسة، وهما هيغيروا العفش.

قالتلي: لو محتاجينهم… خدوه.

وفعلًا جابوه لحد البيت..يومها ماما فضلت تدعيلهم بالساعات. حصري على صفحة روايات و اقتباسات

وقالتلي: الناس دي وشها خير علينا.

وأنا كنت مقتنعة بكلامها…كل يوم أدعيلهم…وأقول لنفسي…لسه الدنيا فيها خير…لكن…مع الوقت…

بدأت أحس إن في حاجة بتتغير…في الأول كانت طلبات بسيطة.

ـ يا سلمى… وإنتي نازلة هاتي عيش.

ـ يا سلمى… اعدي على السوبر ماركت.

ـ يا سلمى… هاتي شوية منظفات.

كنت بقول عادي…يمكن مستعجلين…يمكن مرة وهتعدي.

لكن المرة بقت اتنين…والاتنين بقوا عشرة، وبعدين بقيت كل يوم تقريبًا بسيب المحل في نص الشغل.

ألف على السوق، أجيب خضار، وأجيب فاكهة، وأشيل كراتين.

وأرجع، ولما أوصل…المدام تقولي:

ـ اطلعيهم فوق.

أبص على العمارة…خمسة أدوار…من غير أسانسير.

وأطلع….كيس في إيد…وكيس في الإيد التانية…وأوقات شنطة على كتفي، ولما أوصل آخر دور…أكون نفسي مقطوع.

وهي بكل بساطة تقول:

ـ تسلمي يا بنتي.

وأرجع أنزل تاني على المحل، ولا كأن حاجة حصلت.

وفي مرة…كنت واقفة بخدم زبونة…لقيت صاحب الشغل بينادي عليا…جريت افتكرت إن في حاجة مهمة.

قاللي: انزلي بسرعة افتحي باب الجراج… ابني داخل بالعربية.

جريت…فتحت الباب، وابنه دخل بالعربية. .حتى كلمة شكر مقالش…بعدها نزل من العربية، ورمى المفاتيح في إيدي وقال: اقفلي بقى.

وقفل باب العمارة وطلع، وقفت مكاني مستغربة.

أنا بعمل إيه؟…..هو ده شغلي؟

لكن سكت…وبرضه قلت لنفسي…يمكن عشان اللي عملوه معايا. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…

مرة تانية…ابنه رجع من السفر…العربية مليانة شنط.

صاحب الشغل نده عليا.

ـ يا سلمى… ساعديه.

افتكرت هينزل يشيل معايا…لقيته طلع السلم قدامي وهو ماسك موبايله، وسابني أشيل شنطتين كبار.

كل طلعة سلم كنت بحس ضهري بيتكسر، ولما وصلت فوق…

لقيته قاعد بيشرب عصير، ولا حتى قال: تعبتي.

وبدأت الطلبات تكبر…مرة أكنس الرصيف…مرة أمسح مدخل العمارة…مرة أوصل ظرف لحد…مرة أجيب دوا…مرة أروح أدفع فاتورة.

كل ده…في وقت الشغل، وأرجع ألاقي الزباين مشيوا.

ولما المبيعات تقل…يتقال إن المحل بقى واقف.

وفي يوم…عديت قدام محل جنبنا…لقيت بنت في سني واقفة بتبيع.

دخل زبون…باعِتله الحاجة…حاسبته. وخلصت.

بس….لا حد قالها روحي السوق، ولا اطلعي شيلّي شنط.

ولا افتحي جراج، ولا اكنسي شارع، وقفت أبصلها وأنا حاسة إن في غصة في قلبي.

هو أنا اللي مكبرة الموضوع؟

ولا فعلًا في حاجة غلط؟

#حكايات_مني_السيـد

كل ما أرجع البيت وأقول لماما…

تقولي: يا بنتي استحملي… الناس دي ليها فضل علينا.

وأقنع نفسي بكلامها…لكن جوايا كان في صوت بيكبر كل يوم.

صوت بيقول: الجميل عمره ما كان معناه إن كرامتك تبقى تمنه.

وفي كل صباح…وأنا ماشية ناحية المحل…كنت بحس إن رجلي تقيلة…مش بسبب الشغل…لكن بسبب الإحساس إني رايحة لمكان مش عارفة أنا فيه موظفة…

ولا حاجة تانية…لحد ما جه اليوم…

اللي خلاني أفهم إن اللي كنت فاكرة إنه مجرد طلبات زيادة…

كان لسه مجرد البداية.

اليوم ده…لما صاحب الشغل وقف قدام كل الزباين، وبصلي وقال بصوت عالي: سيبي اللي في إيدك… واطلعي اغسلي مواعين الغدا عند المدام، الضيوف خلصوا أكل…

وساعتها…كل اللي في المحل سكت…أما أنا…

فاتجمدت مكاني، وحسيت إن كرامتي كلها بتتفرش قدام الناس… ومكنتش أعرف إن القرار اللي هاخده بعد اللحظة دي، هيقلب حياتي كلها ووو……!!!!!

#حكايات_مني_السيـد

## الفصل الثاني

نزلت الكلمة عليا زي المية الساقعة في عز طوبة. حسيت إن النفس اتكتم في صدري، والرجلين اللي كانت شايلاني مبقتش قادرة تسندني ثانية واحدة. المحل كله سكت، الزباين اللي كانوا واقفين بينقوا أطباق وكوبايات سكتوا وبقوا يبصوا عليا… نظراتهم كانت حامية، مكسوفة ليّ ومشفقين عليا، وفي نفس الوقت مستغربين.

أستاذ مدحت، صاحب المحل، كان واقف وحاطط إيده في جيبه بكل برود، وكأنه مقالش حاجة غريبة، وكأنه بيطلب مني أجيب دفتر الفواتير مش أطلع أغسل مواعين!

حسيت بدموعي بتتحوش في عيني، بس حلفت مسبهاش تنزل قدام حد. بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت حشرج من كتر الصدمة:

ـ أستاذ مدحت… أنا هنا بشتغل في المحل… ببيع وبحاسب الزباين. شغل البيت ده مش بتاعي.

وش أستاذ مدحت اتغير في ثانية، الابتسامة المزيّفة اختفت، وحواجبة اتضموا بغضب وهو بيبصلي من فوق لتحت وقال بصوت واطي بس كله سم:

ـ جرى إيه يا سلمى؟ رجليكي شالتك خلاص؟ بقيتي بتعرفي تقولي لاء؟ وإيه شغل البيت مش بتاعك دي؟ إحنا أهل يا بنتي… ولا إنتي نسيتي؟

كلمة “نسيتي” دي كانت بتدبحني في كل مرة بتتقال. كانت السكينة اللي بيمشوا بيها على رقبتي عشان أوافق على أي حاجة. الزباين بدأوا يوشوشوا، وأنا حسيت إني لو قعدت ثانية واحدة كمان في المكان ده، كرامتي مش هعرف ألمها تاني من على الأرض.

سيبت علبة المعالق اللي كانت في إيدي على المكتب، وأخدت شنتطي من ورا الفاترينة. إيدي كانت بترتعش وأنا بلم حاجتي. بصيتله وقلت وعيني في عينه:

ـ لأ منسيتش يا أستاذ مدحت… بس الجميل مش معناه استعباد. أنا ماشية.

خرجت من المحل وأنا بجر رجلي جر، الشارع كله كان بيلف بيا. وسط البلد وزحمتها ودوشتها، كل ده كان بيخبط في دماغي. كنت بمشي وأنا مش شايفة قدامي، الدموع اللي حبستها بدأت تنزل وتغرق وشي. كنت حاسة بقهر… قهر شديد قوي. هو عشان الغلب والفقر، الناس تفتكر إنها امتلكتنا؟ عشان تلاجة وعفش قديم نلغي كرامتنا ونبقى خدامين؟

وصلت البيت وأنا منهارة. دخلت رميت الشنطة، وماما أول ما شافت منظري وعيني المنفوخة من العياط تخضت وجريت عليا:

ـ في إيه يا سلمى؟ ماله وشك؟ حصل إيه في الشغل يا بنتي؟

قعدت على الكنبة وأنا بترعش وحكيتلها كل اللي حصل… من أول نظرات الزباين لحد كلمة أستاذ مدحت وطلبه إني أطلع أغسل المواعين، وقولتلها إني سيبت الشغل ومش هعتب المحل ده تاني.

توقعت إن ماما تاخدني في حضنها وتقولي فداكي الشغل وفداكي أي حاجة، لكن لقيتها لطمت على صدرها وقعدت تعيط وتقول:

ـ يخرب بيتك يا سلمى! عملتي إيه؟ سيبتي الشغل؟ وقولتيله لاء؟ يا بنتي دول ليهم جمايل مغرقانا! التلاجة اللي شايلة أكلنا، والسرير اللي بنام عليه ده من خيرهم! هتقولي للناس إيه لما يعرفوا إنك طردتي نعمتهم؟ وبعدين المرتب اللي عايشين منه ده هنعوضه منين؟ أبوكي علاجه غالي، وأخوكي مصاريف دراسته مابتخلصش!

كلام ماما كان زي السكاكين بتغرز في قلبي. بصيت للتلاجة الجديدة اللي في الصالة، حسيت فجأة إنها مبقتش جهاز منزلي، دي بقت قفص حديد محبوسين جواه.

ـ يعني إيه يا ماما؟ ـ قلتها بصوت مخنوق من العياط ـ أروح أغسلهم المواعين؟ أكنس الشارع وأمسح السلم عشان التلاجة؟ الكرامة ملهاش تمن عندك؟

ماما عيطت وقالت بضعف وقهر:

ـ الكرامة للغلابة اللي زينا يا بنتي بتبقى رفاهية مش قادرين على تمنها… روحي اعتذريله، وبكره المية ترجع لمجاريها.

قفلت على نفسي باب الأوضة، ومقدرتش أنام طول الليل. كلام ماما بيلف في دماغي، وصوت أستاذ مدحت وهو بيذلني قدام الناس بيتعاد في ودني زي الأسطوانة المشروخة. كنت حاسة إني بين نارين… نار كرامتي اللي اتداست، ونار بيتنا اللي محتاج كل جنيه عشان يمشي.

تاني يوم الصبح، مصحيتش في معادي. سيبت الوقت يعدي، وكنت باصة للسقف وبفكر هعمل إيه. على الساعة حداشر الظهر، لقيت تليفوني بيرن. بصيت في الشاشة، لقيت الرقم بتاع المدام… مرات أستاذ مدحت.

قلبي انقبض، بس رديت.

ـ أيوة يا مدام.

صوتها جه حاد وجاف، مفيش فيه النبرة الحنينة اللي كانت بتكلمني بيها زمان:

ـ إيه يا سلمى؟ منزلتش الشغل ليه؟ وأستاذ مدحت بيقول إنك اتعصبتي عليه امبارح ومشيتي؟ جرى إيه يا بنتي، إحنا قصرنا معاكي في حاجة؟ ده إحنا شيلناكي وشيلنا بيتك لما كنتوا مش لاقيين تاكلوا!

نفس الكلام… نفس الذل.

قلت بصوت حاولت أخليه قوي:

ـ يا مدام أنا بشكركم على وقفتكم جمبنا، بس أستاذ مدحت طلب مني أغسل المواعين قدام الزباين، وده مش شغلي.

ضحكت بتهكم وقالت:

ـ وفيها إيه؟ يعني إحنا لما نطلب منك مساعدة بسيطة في البيت يبقى عيب؟ ده إنتي زي بنتنا، والعشم بينا كبير… على العموم، أستاذ مدحت بيقولك لو منزلتش الشغل انهارده واعتذرتيله، اعتبري نفسك مطرودة، والمبلغ اللي دفعناه في التلاجة والمساعدة اللي فاتت دي كلها، هتبقى دين عليكي ولازم تسدديها، وإلا بقى هضطر أكلم قرايبي ييجوا ياخدوا العفش بتاعهم لأنهم أولى بيه!

الخط قطع. قعدت على السرير وأنا مذهولة. دين؟ وعايزين ياخدوا العفش؟ يعني الموضوع مكنش لله ولا مساعدة، ده كان فخ وإحنا وقعنا فيه بكامل إرادتنا.

نزلت الصالة، لقيت ماما واقفه ووشها أصفر، باين عليها سمعت مكالمتي. بصتلي بقلة حيلة وقالت:

ـ شوفتي؟ شوفتي آخرة العند؟ هنجيب منين فلوس التلاجة لو طالبونا بيها؟ والعفش لو خدوه هنقعد على الأرض؟ غطي على قش الحلة يا سلمى، وانزلي اعتذري وخلي الأيام تعدي.

حسيت بطاقة غضب مكنتش اعرف إنها جوايا. قولت لأ… مش هسكت، ومش هبقى ضحية لجميل مسموم.

ـ مش هعتذر يا ماما، والفلوس دي هتدفع، والعفش ده ييجوا ياخدوه غار في داهية، بس كرامتي مش هتداس تاني.

أخدت شنتطي ونزلت الشارع. كنت محتاجة ألاقي حل، محتاجة شغل جديد وبسرعة جداً. مشيت في المحلات، بسأل في كل مكان… محلات لبس، محلات أحذية، صيدليات، سوبر ماركت… كل ما أدخل مكان، يا إما يقولوا مش محتاجين، يا إما يعرضوا مرتبات متكفيش تمن مواصلاتي.

الشمس كانت حامية، ورجلي ورمت من كتر المشي. قعدت على رصيف في شارع جانبي، وحطيت راسي بين إيديا. كنت حاسة بالعجز. الفقر وحش… وحش قوي بيكسر الضهر ويخلي الواحد يحس إنه قليل.

وأنا قاعدة، لقيت ظل واقف قدامي. رفعت راسي، لقيتها “سحر”… البنت اللي كنت شوفتها واقفة في المحل اللي جمبنا امبارح. بصتلي باستغراب وقالت بابتسامة بشوشة:

ـ إنتي سلمى صح؟ اللي كنتي شغال في محل الأدوات المنزلية؟

وقفت بسرعة ومسحت وشي:

ـ أيوة… أنا.

سحر قعدت جمبي على الرصيف وقالتلي:

ـ أنا شوفت اللي حصل امبارح… وشوفتك وأنتي ماشية. بصراحة، أنتي بطلة إنك وقفتي في وشه وسيبتيله المكان. أستاذ مدحت ده الناس كلها عارفة إنه بيستغل غلب الشغالين عنده.

اتنهدت بوجع وقلت:

ـ بس التمن غالي قوي يا سحر… أنا قاعدة في الشارع بقالي ساعات مش لاقية شغل، وبيتي محتاج ومصاريفنا كتير، وغير كده بيلووا دراعي بجميل عملوه معايا زمان.

سحر سكتت شوية وفكرت، وبعدين ضربت كف بكف وقالت:

ـ طب بقولك إيه… المحل اللي أنا شغالة فيه، صاحب الشغل بيدور على بنت تانية تقف معايا، لأن الرجل زادت علينا والمحل كبر. الشغل عبارة عن لبس حريمي، وصاحب الشغل راجل محترم جداً وبيعاملنا بما يرضي الله، والمرتب أحسن من اللي كنتي بتاخديه بكتير.

لمعت عيني من الأمل:

ـ بجد يا سحر؟ تفتكري يوافق يشغلني؟

سحر قامت وشدتني من إيدي:

ـ تعالي معايا دلوقتي حالا ونكلمه، هو موجود في المحل.

مشينا مع بعض، وكنت بدعي في سري إن ربنا يفتحها في وشي. وصلنا المحل، كان مكانه نضيف وواسع. دخلنا لقيت راجل كبير في السن، وقور ووشه مريح، اسمه الحاج عبد الرحيم. سحر دخلت وكلمته عليا، وحكتله باختصار إني كنت شغالة في المحل اللي جمبهم وسيبته.

الحاج عبد الرحيم بصلي بنظرة أبوية وقال:

ـ أهلاً بيكي يا بنتي… سحر بتشكر فيكي وفي أمانتك. أنا فعلاً محتاج حد يساعدها، بس أهم حاجة عندي الالتزام والأمانة مع الزباين.

قلت بسرعة ولهفة:

ـ والله يا حاج هشيل الشغل في عيني، ومش هقصر في أي حاجة تطلبها مني تخص المحل.

ابتسم وقال:

ـ على بركة الله… هتبدأي من بكره، والمرتب هيبقى كذا… ـ وقال رقم كان ضعف اللي كنت باخده من أستاذ مدحت! ـ

مكنتش مصدقة وداني. حسيت إن طوق النجاة بجد جالي من عند ربنا. شكرت الحاج عبد الرحيم وسحر، وخرجت من المحل وأنا حاسة إن الهوا بقيت قادرة أتنفسه من تاني.

رجعت البيت والفرحة مش سيعاني، دخلت قولت لماما على الشغل الجديد والمرتب. ماما فرحت بس برضه كان باين عليها الخوف:

ـ طيب وفلوس التلاجة والعفش يا بنتي؟ لو أستاذ مدحت جه وطالب بيهم هنعمل إيه؟

بصيتلها بثقة وقلت:

ـ أول مرتب هاخده، هحوش منه، وكل شهر هندفعله جزء من الفلوس كأنه قسط، لحد ما نخلص من جمايله دي خالص ونرمي فلوسه في وشه. أما العفش، لو قرايب مراته جم ياخدوه، يتفضلوا… بيت فخور بكرامتنا ومن غير عفش، أحسن من بيت مليان عفش وصاحبه بيذلنا بيه.

مرت الأيام، وبدأت شغلي الجديد مع سحر والحاج عبد الرحيم. المكان كان جنة بالنسبالي. معاملة محترمة، تقدير، لا حد بيقولي انزلي الجراج ولا اطلعي اغسلي مواعين. كنت بشتغل بضمير وبكل طاقتي عشان أثبت نفسي.

وبعد حوالي أسبوعين، وأنا واقفة في المحل ببيع لزبونة، لقيت حد بيدخل من الباب. بصيت واتصدمت… كانت مرات أستاذ مدحت، ووراها اتنين رجالة من بتوع النقل، وشكلها كان جاي وفي عينيها شر كبير… وبصتلي وقالت بصوت عالي سمعه كل اللي في المحل:

ـ بقا بتهربي وتشتغلي هنا يا سلمى؟ طب وتلايرنا وعفشنا اللي واكلاهم علينا؟ أنا جاية أخد حاجتي دلوقتي حالا يا إما هعملك فضيحة في وسط البلد كلها!

وقفت مكاني، وقلبي بدأ يدق بسرعة، بس المرة دي مكنتش خايفة… المرة دي كنت جاهزة للرد، ومكنتش أعرف إن المواجهة دي هتغير مسار الحكاية كلها وتكشف مستور مكنتش أتخيله… ووو……!!!!!


كرامـة معروضـة للبيـع ج 2 والاخـير حكايات مني السيد

## الفصل الثالث

دخلتها دي وصوتها العالي خلوا المحل كله يلتفت. الزباين وقفوا، والحاج عبد الرحيم خرج من مكتبه على الصوت وهو عاقد حواجبه ومستغرب من الهجوم ده. سحر جرت وقفت جمبي وهي بتبص لمرات أستاذ مدحت بنظرات كلها ضيق.

أنا في اللحظة دي، حسيت بنبضة خوف خطفت قلبي، بس سرعان ما افتكرت إني مبقتش سلمى بتاعة زمان اللي بتسكت وتطاطي راسها عشان “الجميل”. أخدت نفس طويل، وربعت إيدي وبصيتلها بثبات وقلت بصوت مسموع ونبرة هادية بس قوية:

ـ أهلاً يا مدام… نورتي المحل. بس المكان هنا ليه احترامه وليه صاحب شغل واقف، وصوتك العالي ده ملوش مكان هنا. لو ليكي حق، اتفضلي اطلبي بالأصول، لكن شغل الفضايح ده ميمشيش معايا.

مرات أستاذ مدحت، واسمها مدام إجلال، وشها احمر وعينيها برقت من الصدمة. مكنتش متوقعة الرد ده مني، كانت فاكرة إني هعيط وأترجاها تستر عليا قدام الناس. بصت للحاج عبد الرحيم وقالت بشرشحة:

ـ شوف البت وقوة عينها يا حاج! واقفة تتبغدد وتتكلم وتعمل فيها ست الستات، وهي وأهلها عايشين من خيرنا! واكلين حقنا وفلوسنا، وجاية تشتغل عندك عشان تداري على عملتها!

الحاج عبد الرحيم مشي بخطوات وقورة لحد ما وقف بيني وبينها. رفع إيده وقال بهدوء حازم:

ـ جرى إيه يا مدام؟ إحنا في سوق ولينّا اسمنا، والمحل هنا يدخله الزبون يشتري ويمشي، مش مكان للمشاكل. البنت دي شغالة عندي، وبقيت أنا المسؤول عنها في مكاني. قوليلي بالراحة وبأدب، إيه الحكاية؟ وليكي إيه عندها عشان تيجي بـ “فقا سين” وعمال نقل؟

مدام إجلال حطت إيدها في وسطها وقالت:

ـ ليّ عندها تمن تلاجة جديدة يا حاج، وعفش أوضة نوم وسفرة كاملين قرايبي مدهملهاش لله، دول كانوا سايبينهم أمانة لحد ما يرجعوا من السفر، والهانم وأمها افتكروها ورث! وأهو قرايبي رجعوا وعايزين حاجتهم، يا إما تدفع تمنهم كاش دلوقتي حالا، يا إما تلاجة أستاذ مدحت ترجع، والرجالة دول يطلعوا يلموا العفش من بيتها!

الرجالة بتوع النقل كانوا واقفين وراها وباصين للرصيف ومحرجين، باين عليهم ولاد حلال وملهمش في شغل القطيعة ده.

أنا ضحكت بسخرية، ضحكة وجع وقرف وقلت:

ـ أمانة؟ دلوقتي بقوا أمانة وقرايبك عايزينهم؟ مش إنتي اللي جيتيلي لحد المحل وقولتيلي قرايبي بيجددوا ومش محتاجين العفش وخلوه ليكم وشوفوا الثواب؟ ودلوقتي لما قولت لأستاذ مدحت لأ على الذل والاستعباد، بقيتوا عايزين تمنهم؟

بصيت للحاج عبد الرحيم وتابعت:

ـ يا حاج عبد الرحيم، الناس دي اشتروا تلاجة لبيتنا لما تلاجتنا باظت، وأنا منكرتش ده، وعمري ما نسيت جميلهم. بس التمن كان إني أبقى خدامة ليهم ولأولادهم، أكنس الشارع، وأمسح السلم، وأشيل شيل مش شيلتي، وفي الآخر أستاذ مدحت طلب مني أغسل مواعين الغدا بتاعتهم قدام الزباين في المحل! ولما رفضت، جايين يلووا دراعي بالفلوس والعفش.

الحاج عبد الرحيم بص لمدام إجلال ونظراته اتغيرت تماماً، بقيت كلها استهجان وضيق. الراجل ده أصيل وبيفهم في الأصول، وبص لمدام إجلال وقالها:

ـ الكلام ده حقيقي يا مدام؟ يعني إنتوا بتعايروا البنت بلقمة ولا بمساعدة قدمتوها؟ ده الرسول عليه الصلاة والسلام قال “لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى”. إنتوا كده ضيعتوا ثوابكم، وكمان بتتبلوا عليها في دكانة ناس تانية؟

مدام إجلال زعقت:

ـ ثواب إيه وبتاع إيه يا حاج! إحنا ناس بتوع تجارة وبنفهم في القرش. البنت دي سابت الشغل ووقفت حال المحل عندنا، وإحنا عايزين حقنا. تمن التلاجة والعفش ميت ألف جنيه! تدفعهم دلوقتي حالا يا إما قسماً بالله لأعملها محضر تبديد عمارة وعفش وأحبسها!

أول ما قالت ميت ألف جنيه، الدنيا اسودت في عيني. ميت ألف؟ منين؟ العفش كله كان قديم ومستعمل، والتلاجة كانت عادية جداً متكملش ربع المبلغ ده! دي بتتبلى عليا وعايزة تخرب بيتنا وتذلنا بجد.

سحر صرخت فيها:

ـ ميت ألف جنيه إيه يا ست إنتي؟ حرام عليكي! اتقي الله، ده أنتوا جايبين حاجات مستعملة والتلاجة نوعها قديم! أنتوا عايزين تسرقوا البنت وعينك عينك كده؟

وفي وسط الهيصة دي، لقيت الحاج عبد الرحيم بيمد إيده في جيبه، وطلع دفتر الشيكات بتاعه وبص لمدام إجلال بكل برود وثقة، وقالها:

ـ الميت ألف جنيه بتوعك أهو… هكتبلك بيهم شيك يصرف بكره الصبح من البنك. بس بشرط… تكتبيلي إقرار هنا، وبشهادة الرجالة اللي معاكي والناس اللي في الشارع، إن ملوش عند سلمى ولا عند أهلها لا تلاجة، ولا عفش، ولا قشاية واحدة، وإنكم استلمتوا تمن كل حاجة كاش وبزيادة كمان!

أنا اتسمرت مكاني. دموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي من الصدمة والذهول. الحاج عبد الرحيم؟ الراجل اللي ميعرفنيش غير من أسبوعين بس، يدفع ميت ألف جنيه عشان يحميني من الفضيحة ويفك كربي؟

جريت عليه وقلت وصوتي بيرتعش:

ـ لأ يا حاج… أرجوك لأ! أنا مقدرش أخليك تدفع مبلغ زي ده عشاني… أنا ماليش حق عندك لكل ده!

الحاج عبد الرحيم طبطب على كتفي بنظرة حنينة أوي وقال:

ـ اسكني يا سلمى… يا بنتي أنا بشتري بنت أصول وبحمي كرامة واحدة شغالة في مكاني. والفلوس دي مش ببلاش، دي هتبقى دين عليكي ليّ، هتتخصم من مرتبك كل شهر جزء بسيط مش هتحسي بيه، بس تخرجي من المحل ده وراسك مرفوعة ومحدش يجرؤ يلويلك دراعك تاني.

مدام إجلال طمعت أول ما شافت دفتر الشيكات، وعينيها لمعت بالجشع. وافقت بسرعة وقالت:

ـ وأنا موافقة يا حاج… اكتب الشيك وأنا أكتبلك الإقرار اللي إنت عايزه، وإحنا ملناش دعوة بيها تاني، تاخد عفشها تاخد تلاجتها، غارت في داهية.

وفعلاً، الحاج عبد الرحيم كتب الشيك، وخلاها تمضي على ورقة إقرار وتنازل كامل عن أي مطالبات تخصني أو تخص بيتنا، وأخدت الشيك وأخدت الرجالة ومشيت وهي بتبصلي بنظرة تشفي، كأنها كسبت الحرب. لكنها مكنتش تعرف إنها خسرت أخر حتة ستر كانت مدارية جشعهم.

أول ما مشيت، المحل فضي والزباين بدأوا يرجعوا لحالهم. أنا قعدت على الكرسي ومش قادرة أوقف عياط. سحر جابتلي مية، والحاج عبد الرحيم قعد قدامي وقال:

ـ بتعيطي ليه دلوقتي يا سلمى؟ المفروض تفرحي إنك خلصتي من الناس دي.

وقفت ووطيت على إيده عشان أبوسها من كتر الامتنان، بس هو سحب إيده بسرعة وقال بعتاب:

ـ إيه اللي بتعمليه ده يا بنتي؟ استغفري الله. أنا معملتش غير الواجب اللي أي راجل مكان يلاقيكي في الموقف ده يعمله. إنتي بنت بمليون راجل لأنك وقفتي للي بيستغلك، والقرش بيروح وييجي بس الكرامة لو راحت مابتتعوضش.

قلتله وأنا بمسح دموعي:

ـ أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا حاج عبد الرحيم… ربنا يجعله في ميزان حسناتك. أنا هشتغل ليل نهار عشان أردلك الفلوس دي، ومش هسيب المحل لحد ما أخر قرش يرجعلك.

ابتسم وقال:

ـ الشغل شغل يا سلمى، وإنتي شاطرة وأمينة وأنا عارف إني مش هخسر معاكي. يالّا يا بنتي، اغسلي وشك وشوفي الزباين، ورجعي بيتك انهارده وراسك في السماء وقولي لوالدتك إن الهم انزاح.

رجعت البيت يومها وأنا حاسة إن الأرض مش سايعاني من الفرحة والفخر. دخلت على ماما ورميت في حجرها ورقة الإقرار والتنازل وقعدت أحكيلها كل اللي حصل بالتفصيل. ماما فضلت تبكي وتدعي للحاج عبد الرحيم، وتقول:

ـ سبحان الله يا بنتي… ربنا سد عننا باب ظلم، وفتح لنا باب كرم. أنا كنت خايفة عليكي من البهدلة، بس طلعتي أنتي الصح… اللي يبيع كرامته عشان لقمة، بيفضل طول عمره جعان.

عدى شهر ورا شهر، وبقيت حريصة جداً في شغلي. كنت باخد مرتبة المحترم، ويتخصم منه الجزء المتفق عليه للحاج عبد الرحيم، والباقي كان بيكفينا ويفيض، وقدرنا نمشي أمورنا والبركة دخلت بيتنا بجد لأن القرش كان حلال ومن غير ذل. أستاذ مدحت ومحله بقوا بالنسبالي مجرد كابوس قديم وصحيت منه.

لحد ما جه يوم، بعد حوالي ست شهور من الموضوع ده. كنت واقفة في المحل بنظم البضاعة الجديدة اللي وصلت، وسحر كانت واقفة على الكاشير. لقيت راجل غريب دخل المحل، لابس بدلة شيك جداً ومعاه شنطة ملفات، وبص في المحل وقال:

ـ السلام عليكم… أنا بدور على الأنسة سلمى اللي شغال هنا.

وقفت وبصيتله باستغراب وقلت:

ـ وعليكم السلام… أيوة أنا سلمى، تحت أمرك؟

الراجل قرب مني، وطلع كارت شخصي وقدمهولي، وقالي بنبرة جادة جداً:

ـ أنا الأستاذ مجدي، محامي… وجايلك بخصوص قضية تركة وورث تخص والدك، الأستاذ مصطفى!

أنا وماما وسحر اتصدمنا. ورث إيه وتركة إيه؟ إحنا طول عمرنا غلابة ومحيلتناش اللضا، وبابا راجل بسيط ومبروك وعمره ما جاب سيرة إن ليه ورث أو أهل أصحاب ملايين!

بصيت للمحامي وقلت بتعجب:

ـ ورث إيه يا أستاذ؟ إنت أكيد غلطان في الاسم… إحنا أسرة على قد حالنا وبابا ملوش أملاك.

المحامي ابتسم وفتح الملف اللي في إيده، وطلع منه أوراق وصورة قديمة جداً، وبصلي وقال كلمتين خلوا الدم يتجمد في عروقي:

ـ لأ مش غلطان يا آنسة سلمى… والدك يبقى الوريث الوحيد لأرض ومحلات في وسط البلد هنا، كانت متأجرة من سنين طويلة لجد أستاذ مدحت… صاحب المحل اللي كنتي شغالة فيه! وأستاذ مدحت وعيلته كانوا عارفين الحقيقة دي وعاميين عيونكم عنها عشان يفضلوا واكلين حقكم ويدوكم فتافيت على إنها جمايل ومساعدات! ووو……!!!!!

## الفصل الأخير

المحامي قال الكلمتين دول من هنا، وأنا حسيت إن المحل كله بيلف بيا. سحر شهقت وحطت إيدها على بقها مش مصدقة، والحاج عبد الرحيم اللي كان لسه خارج من مكتبه وقف مكانه مذهول. بصيت للورق اللي في إيد المحامي وأنا مش قادرة أستوعب… أستاذ مدحت؟ عيلته؟ المحل اللي كنت بمسح رصيفه وبتبهدل فيه، والأرض اللي واقفة عليها المحلات دي كلها ملك أبويا؟

الحاج عبد الرحيم قرب بسرعة وقال بوقار:

ـ اتفضل يا أستاذ مجدي، اطلبي جوه في المكتب وفهمنا الحكاية دي بالراحة… الكلام ده كبير وجدير بالاهتمام.

دخلنا المكتب كلنا، وإيدي كانت بترتعش وأنا بمسك كباية المية اللي سحر جابتهالي. المحامي قعد وفرد الأوراق قدامنا على المكتب، وبدأ يشرح وعينيه فيها نظرة ثقة:

ـ الحكاية يا آنسة سلمى بتبدأ من جِدك الله يرحمه. كان صاحب أراضي ومحلات كتيرة هنا في وسط البلد في وقت كانت المنطقة دي لسه بتبدأ. جِد أستاذ مدحت أمم لنفسه عقد إيجار قديم طويل الأجل للمحلات دي بتراب الفلوس. لما جِدك توفى، والدك كان لسه صغير ومبيفهمش في التجارة ولا الأوراق، ووالدته أخدته وسافرت بيه المحافظة تانية، وانقطعت أخبارهم. مع الوقت، العقد القديم ده انتهى قانونياً بموت المستأجر الأصلي، وكان المفروض المحلات والأرض ترجع لورثة صاحبها الأصلي… اللي هو والدك، عم مصطفى.

سألت وصوتي طالع بالعافية:

ـ طب وأستاذ مدحت عرف إزاي؟ وليه بابا ميعرفش؟

المحامي اتنهد وقال:

ـ أستاذ مدحت لما لقى القانون الجديد هيخرجه من المحلات وهيضيع عليه الإيجار القديم، بدأ يدور ورا الأوراق لحد ما وصل لعنوانكم وعرف إن عم مصطفى راجل طيب وعلى قده، وميعرفش قيمة الأوراق اللي معاه. بدل ما يديله حقه، قرر يشغلك عنده عشان يفضل عينيه عليكي وعلى عيلتكم، ويبقى عارف كل خطوة بتخطوها. ولما عرف إن ظروفكم صعبة، جه وعمل حكاية التلاجة والعفش والمساعدات دي… مكنش بيساعدكم لله يا بنتي، ده كان بيسكت ضميره بفتات من فلوسكم إنتوا، وكان خايف في أي لحظة تكتشفوا الحقيقة وتطالبوا بحقكم، فكان بيذلك ويصغركم عشان تفضلوا دايماً حاسين بقلة الحيلة وتفضلوا تحت ضرسة!

الحاج عبد الرحيم ضرب كف بكف وقال بغضب:

ـ يا لطيف يا رب! ياكلوا مال اليتيم والغلابة ويوهموهم بالفضل والمنة؟ دي تجارة بالدين وبالإنسانية في أبشع صورها! طب وإنت عرفت طريقنا إزاي يا أستاذ مجدي؟

المحامي ابتسم وبصلي:

ـ أنا كنت المحامي اللي ماسك قضية تصفية تركة قديمة لشركاء جِد سلمى، ولقيت الأوراق الأصلية وعقود الملكية وصور إعلام الوراثة. فضلت شهور بدور على عم مصطفى لحد ما عرفت عنوان بيته، ولما روحت هناك، والدتك قالتلي إنك شغال هنا عند الحاج عبد الرحيم، وجيت عليكي فوراً. يا آنسة سلمى، إنتوا ليكم إيجارات متأخرة وتعويضات ومحلات تسوى ملايين في السوق انهارده!

خرجت من المحل يومها وأنا مش قادرة أمشي من كتر الزلزال اللي جوايا. روحت البيت جري، لقيت ماما قاعدة جمب بابا وهو تعبان وبيكح. دخلت رميت الأوراق في حضنهم والدموع مغرقة وشي، وقعدت على ركبي قدام بابا وحكيتلهم كل حاجة.

بابا بكى بكاء مرير، بكاء راجل عاش طول عمره شايل الهم ومستحمل الغُلب، ولقى فجأة إن كرم ربنا ملوش حدود. وماما كانت بتلطم على وشها وبتقول:

ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مدحت أنت وأهلك! بقى تذل بنتي وتخليها تشيل كراتين وتمسح سلالم بفلوس أبوها؟ بقى التلاجة والعفش القديم اللي كنتوا هتعملوا بيهم علينا أسياد، هما تمن حقنا اللي واكلينه؟

المحامي مخيبش رجانا. في خلال أسبوعين، رفع القضية وقدم الأوراق والمستندات الرسمية للمحكمة. أستاذ مدحت جاله المحضر لحد المحل، وعرف إن اللعبة انتهت، وإن السحر انقلب على الساحر.

في يوم من الأيام، وأنا واقفة مع الحاج عبد الرحيم في المحل، لقيت أستاذ مدحت داخل، بس المرة دي مكنش الراجل المتكبر اللي حاطط إيده في جيبه وبيمشي بالسم في كلامه. كان وشه أصفر، وظهره محني، وعينيه مكسورة ومليانة رجاء.

قرب مني ودموعه في عينيه وقال بصوت مرعش:

ـ سلمى… يا بنتي… أنا جاي وطمعان في كرمكم. أنا عارف إني غلطت، وعارف إن الشيطان عماني، بس أرجوكي بلاش المحاكم وبلاش الفضايح وطردنا من المحلات. إحنا هنعوضكم وهنديكم اللي تطلبوه، بس بلاش تخربوا بيتي.

بصيتله وأنا حاسة بنظرة عزة وفخر عمري ما حستها قبل كده. مكنتش شمتانة، بس كنت حاسة إن العدالة الإلهية نزلت من السماء مخصوص عشان تطيب خاطري وخاطر أبويا وأمي.

قلتله بهدوء شديد:

ـ أستاذ مدحت… إحنا مش هنخرب بيتك، لأن إحنا ناس بنعرف الأصول ومبناكلش حرام ولا بنحب الأذى. بس الحق حق. المحلات دي هترجع لأبويا، والإيجار هيبقى بالقيمة العادلة بتاعة انهارده، وكل مليم أخدتوه من ورا ضهرنا هيرجع. وإطمن… الشيك اللي مرتك أخدته من الحاج عبد الرحيم الميت ألف جنيه، ده أول حاجة هتتخصم من حسابك وترجع للحاج، لأن الراجل ده اشترى كرامتي في وقت إنت وعيلتك كنتوا بتبيعوا وتشتروا فيها.

أستاذ مدحت وطى راسه في الأرض ومش قادر ينطق بكلمة واحدة، ومشي وهو مكسور البال، بعد ما عاش سنين فاكر إن القرش والفهلوة يقدروا يغطوا على الظلم.

مرت الشهور، والمحكمة حكمت لنا بكل حقوقنا. استلمنا المحلات والأرض، وحياتنا اتغيرت تماماً. نقلنا بابا لمستشفى كبيرة واتعالج وبقى صحته بوم الحمد لله، وأخويا الصغير دخل الجامعة اللي كان بيحلم بيها وهو مطمن إن مصاريفه متأمنة.

لكن أهم حاجة عملتها، إني روحت للحاج عبد الرحيم في مكتبه. حطيت قدامه شنطة فيها فلوس الشيك بالكامل، وفوقيها عقد شراكة في المحل الجديد اللي كنا بنفتحه.

بصيتله وقلت وعيني مليانة امتنان:

ـ الحاج عبد الرحيم… الفلوس دي تمن الشيك اللي فكيت بيه كربي ورفعت بيه راسي قدام الناس. وعقد الشراكة ده، تمن إنك علمتني إن الدنيا لسه فيها خير، وإن كرامة البني آدم متتقدرش بمال.

الحاج عبد الرحيم ابتسم والدموع في عينيه وقال:

ـ أنا كسبت بنت يا سلمى، والتجارة مع أولاد الأصول دايماً كسبانة.

النهارده، وأنا واقفة في محلي الكبير في وسط البلد، وببص لنفسي في المراية، بفتكر الأيام الصعبة… بفتكر طفية النفس وأنا شايلة الشنط على كتفي وطالعة الخمس أدوار، وبفتكر اللحظة اللي أستاذ مدحت قالي فيها “اطلعي اغسلي المواعين”.

ببتسم وبقول لنفسي: الحمد لله. الجميل عمره ما كان استعباد، والفقر مش عيب، بس العيب هو إن الواحد يرضى بالذل. ربنا لما بياخد حاجة، بيعوض بأحسن منها بكتير، بس المهم إن البني آدم يفضل محافظ على كرامته ونفسه عزيزة… لأن الكرامة هي الحاجة الوحيدة اللي لو راحت، مفيش مال في الدنيا يقدر يرجعها.



تعليقات

التنقل السريع
    close