القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سلفتي سكر كاملة حكايات رومانى مكرم 



سلفتي سكر كاملة حكايات رومانى مكرم 


انا عندى سلفتي سكر من النوع الفرفوش اوي بتخلينا كلنا نموت من الضحك كل دقيقه مخليه البيت عباره عن بهجه في يوم كان فيه مناسبه في العيله قالتلي تعالي بدل ما انتي مقشفه كده اظبطك ورحنا الكوافيره ظبتنا من حنه لكله وهي دفعت الحساب وقالت وآلله ابدا علي حسابي


 



روحنا الفرح بقت ترقص وتتمايل عليا وعلي جوزي شويه وجوزها حتي حماها مسبتوش فى حاله وكلنا كنا بنضحك اخدت مني ابني الصغير وقالتلي قومي انتي وجوزك اتمشو كده واتصوري سلفي


حمايا مره حب يهزر راح زاققني وانا عملت اني وقعت وزعلت


زعلت من تصرفه واسبوع متكلموش وتقوله انت عمرك مكنت قليل القيمه تعامل ستات البيت كده


قالها وآلله بنهزر معلش حقك عليا


ولو حد اشترى اى حاجه فى البيت


تزغرط لولولولولولولولولوي حتى لو شفشق بلاستيك


انا اشتري عبايه تروح واخدها علي بؤقها وتزغرط دي طريقتها في قوله مبروك


هي اشترت تلاجه جديده انا روحت جبتلها خزين التلاجه ومنظمات تلاجه ودخلت رصتلها الفاكهه والجبن والمربات والخضار وعملتلها فيونكه كده علي التلاجه مع بنتها وابنها هما كبار ما شاء الله


ولما دخلت تفتح التلاجه لقيت المفاجاءه وكانت مبسوطه بيها وزغرطت برده


ولما عرفت اني انا اللي عملتها قالتلي اردهولك وانتي جايه من الحجاز وحضنتني


قولتلها ده نقطه من بحر خيرك


لغايه اليوم النحس الى سلفى الصغير اتجوز واحده وقعت بينا وخربت البيت


البدايه


كانت “سعاد” هي السكر الدايب في العيلة، من النوع الفرفوش اللي يقلب أي قاعدة حزن لضحك وفرفشة. مفيش حد يدخل البيت وهو متضايق إلا وتخرج منه ضحكته مسموعة للشارع. كانت تحب العمار والبهجة، ولو حد جاب أبسط حاجة في البيت—حتى لو شفشق بلاستيك أصفر بلمعة—تقف في نص الصالة وتطلق زغروطة ترج الحيطان: “لولولولولولولولولوي! مبروك يا حبيبتي، ربنا يجعله بعامر!”


في يوم مناسَبة العيلة، جاءتلي وغمزت بعينها: “تعالي يا بت بدال ما انتي مقشفة وقاعدالنا شبه العمة زبيدة كده، تعالي أما أظبطك!” أخدتني من إيدي ودخلنا الكوافير، عملتلي من الحنة للماسكات وللمكياج، ولما جيت أدفع، حطت إيدها على جيبها وحلفت: “والله أبدًا! على حسابي يا أختي، الفرح فرحنا واللمة تجمعنا.” وفي الفرح، كانت هي نجمة القاعة؛ ترقص وتتمايل شوية عليا وشوية على جوزي وشوية على جوزها، وحتى حمايا مسبتوش في حاله، شدته من إيده وقعدت تهزر معاه، والبيت كله كان متجمع وبيموت من الضحك. بل ومن كتر جدعنتها، طمعت في راحتي؛ أخدت مني ابني الصغير وقالتلي بصوت واطي: “قومي يا بت انتي وجوزك اتمشوا شوية وسيبولي الواد، خدي سيلفي نضيف كده وافتكري أيام الشقاوة!”


حتى لما حمايا مرة حب يهزر وزقني زقة خفيفة، وأنا عملت فيها زعلانة ووخداها بجد، سعاد مقبلتش. قاطعت حمايا أسبوع كامل متكلموش، ولما جاء يطيب خاطرها، قالتله بجدية متتغيرش فيها النخوة: “انت عمرك ما كنت قليل قيمة يا عمي عشان تعامل ستات البيت كده!” حمايا احترق دمه واعتذرلها قدامنا: “والله بنهزر يا سعاد، حقك عليا يا بنتي.”


ولما ربنا فتح عليها واشترت ثلاجة جديدة، قلت لازم أردلها ولو نقطة من بحر جدعنتها. نزلت السوق وجبت خزين الثلاجة كله، منظمات وألوان، ورصيت الخضار والجبن والمربى والفاكهة بطريقة تفتح النفس، وجبت بنتها وابنها—ما شاء الله كبار وعقلين—وعملنا فيونكة ستان حمراء كبييييرة على باب الثلاجة. لما دخلت المطبخ وفتحت الباب، عيونها وسعت من الفرحة ولفت البيت كله زغاريط! حضنتني جامد وقالتلي: “يا حبيبتي يا أختي! اردهالك وانتي جاية من الحجاز إن شاء الله!” ردت عليها وروحي في سماها: “ده نقطة من بحر خيرك يا سعاد.”


كانت العيلة زي السمن على العسل، لغاية ما جه اليوم اللي اتقلب فيه كل شيء.


“شريف”، سلفي الصغير، خطب ومشي في جوازة بسرعة. البنت كانت اسمها “نرمين”. من أول يوم قدمت فيه رجلها البيت، كانت نظراتها بتلف المكان بشر وغيرة مكتومة. سعاد أخذتها بالحضانة وزغرطت أول ما دخلت، لكن نرمين سحبت إيدها ببرود وقالت بتكشيرة: “معلش أصل الصوت العالي بيكركبلي دماغي.”


بدأت الحرب الباردة. نرمين كانت بتستغل فرفشة سعاد وطيبتها عشان تقلب المعاني. لو سعاد هزرت مع حمايا، تروح نرمين تتكلم مع سلفتها التانية في السلالم وتقول: “شفتي الدلع؟ هي الست دي ملهاش كبير؟ ازاي تتكلم مع حماها كده ومن غير حد حاسم؟” ولو سعاد أخدت معايا صورة أو هزرت مع جوزي في لمة العيلة، تنقل الكلام لشريف بالقطارة: “أخوك مراته ملهاش شخصية، وسعاد مسيطرة على البيت وبتمشي الكل على عجين ماليخبطهوش، حتى جوزك يا شريف ملهوش كلمة قصادها!”


سمعت نرمين بتشتل في النفوس يوم بعد يوم، والشرخ بدأ يتسع. شريف بدأ يبص لأخواته وحمايا بنظرات شك، وبدأت القعدة اللي كانت مليانة ضحك وزغاريط تحول لسكوت متوتر وحذر. سعاد كانت تحس بالغيرة والغل اللي طالع من عين نرمين، بس كانت تطنش وتقول: “معلش يا بت، بكره تتعود على طبعنا وتفك.”


لكن نرمين مكنش قصدها تتعود، كان قصدها تهد المعبد على اللي فيه.


قبل الفرح بأيام، عملت نرمين الحركة اللي ولعت المطبخ والبيت كله. جابت غويشة دهب من حاجتها، وراحت خبيتها في المطبخ ورا منظمات الثلاجة اللي أنا وسعاد بنستخدمها، وخرجت تصرخ وتبكي في الصالة قدام حمايا ورجالة البيت كلهم: “دهبي اتسرق! محدش دخل المطبخ غير سعاد وفلانة!”


البيت اتقلب في ثانية. سعاد وقفت مصدومة والضحكة


#الكاتب__رومانى__مكرم__


اختفت من وشها لأول مرة، وشريف دخل زايغ العينين يزعق ويغلط في أخوه وفي سعاد، وحمايا واقف مش عارف يلم مين ولا مين. وقف سلفي الصغير وهو ماسك إيد نرمين وقرب من سعاد وقال بكلام زي السم: “البيت ده ميبقاش فيه عزيز من النهاردة، والضحك اللي بتضحكوه ده كان غطاء على القرف!”


سعاد بصتله والدموع اتجمعت في عينها لأول مرة من يوم ما دخلت البيت، والكل واقف مشدوه من الهول.. والشرارة اللي رماتها نرمين كانت خلاص ولعت في قلب العيلة.


وقف الجميع في الصالة كأن على رؤوسهم الطير، والصمت الذي حلّ في المكان كان أثقل وأبشع من أي صراخ. سعاد—التي لم يعرف البيت طوال سنوات عمرها فيه إلا ضحكتها الرنّانة وزغاريدها التي تملأ الأركان فرحًا ودعاءً بالعمار—كانت تقف مذهولة، تجمدت الدماء في عروقها، والدموع حبست نفسها في عينيها متسائلة عن الفجيعة التي هبطت عليها بغتة.


وقف شريف يتطاول وينفخ في نار الفتنة، ونرمين تقف خلفه تبتلع ابتسامة خبيثة، تتظاهر بالبكاء والانهيار وتضع يدها على قلبها كأنها الضحية البريئة التي أُكِل حقها. صاح شريف في وجه الجميع بصوت هز جدران البيت: “أنا دهب مراتي مش هيضيع! اللي خادته تطلعه بالذوق بدل ما أطلب الشرطة وأفضح اللي ما يتفضاحش في العيلة دي!”


هنا خرج حمايا عن صمته، ضرب بعصاه على الأرض بصوت كالهزيم، وجاءت نبرته صارمة تشق التوتر: “اثبت مكانك يا شريف! واعرف أنت بتهبّب إيه وبتقول إيه لمرات أخوك الكبير! البيت ده طول عمره بالحب والعز، عمر ما دخلته سرقة ولا مشيت فيه خيانة، والكلمة دي ما تتقالش هنا أبداً!”


ردت نرمين بصوت متهدج ومتمسكن، وهي تصطنع الذهول: “يا عمي أنا ما تبليتش على حد! الغويشة كانت في علبتها في الأوضة، ودخلت المطبخ أحضر عصير، ولميت عيني لقيت سعاد وفلانة بيتهامسوا عند التلاجة، ولما دخلت أوضتي بعد ما مشيوا ملقتش الغويشة! مين غيرهم يدخل ويخرج؟ ومين غير سعاد اللي مسيطرة على المطبخ وعارفة دخلة البيت وخرجته؟”


كلام نرمين كان كالبنزين المسكوب على النار. سعاد رفعت رأسها ببطء، والذهول بدأ يتحول في عينيها إلى جرح عميق وألم لا يوصف. سعاد التي كانت تشتري القلوب بطيبتها، وتدفع من جيبها في أفراحهم قبل أفراحها، تُتهم اليوم في أمانتها وشرفها! خطت سعاد خطوة للأمام، وكانت يدها ترتجف خفية، لكنها قالت بصوت ثابت يحمل وجعًا يفتت الصخر: “أنا يا شريف؟ أنا اللي أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي؟ أنا اللي البيت ده ياما شاف مني الفرحة والخير تتهموني في أمانتي؟ دا أنا لو شفت القشرة في الأرض بأشيلها وأحطها في عينيا لحد ما أصحابها يأخدوها!”


تدخلتُ أنا في التو واللحظة، ولم أستطع السكوت، فدمي كان يغلي من الظلم الفج. وقفت بين سعاد وبين شريف وزوجته وقلت بصوت عالٍ هز القاعة: “اتقي الله يا نرمين! اتقي الله في التهمة اللي ترميها دي! سعاد دي أطهر من الذهب اللي بتتكلمي عنه، وإحنا يدنا ما تمدتش على حاجة حد. التلاجة دي إحنا رصيناها ونضفناها بحب، وأنتِ دخلتي وخرجتي ميت مرة! بتتبلي على ستاير البيت اللي ساتراكي ليه؟”


لكن شريف، الذي كان قد تعبأ قلبه بالغل والشك طوال الأسابيع الماضية بتلقين مستمر من نرمين، لم يستمع لصوت العقل. دفع الموقف للهاوية وقال بقسوة: “الكلام ده ما يمشيش معايا! المطبخ يتفتش دلوقتي، ولو ملقتش الدهب، حسابكم معايا هيكون كبير، ولو لقيته.. مش هبقى أخو حد فيكم!”


نزل الكلام على زوج سعاد—سلفي الكبير—كالصفعة على الوجه. دخل الصالة وجهه يربدّ بالغضب من تطاول أخيه الصغير، وقرب من شريف وقبض على تليبابه: “أنت اتجننت يا شريف؟ بتفتش في أمانة مراتي وشرف بيتي عشان حتة ذهب؟ اقفل بقك بدل ما أعمل معاك تصرف ما يعجبكش!”


تعالت الأصوات، واختلط حابل العيلة بنابلها. الرجالة تصرخ، والحما يحاول السيطرة، ونرمين تبكي بتمثيل متقن. وفي وسط هذا العاصوف، رفعت سعاد يدها وفجأة سكت الجميع. كانت عيناها تطافان بوجوهنا جميعاً، ثم قالت بنبرة هادئة كهدوء السكون الذي يسبق الإعصار: “سيبهم يفتشوا يا أبو العيال. خليه يفتش المطبخ حتة حتة. اللي بطنه نظيفة ما يخافش من التفتيش، بس أعرف يا شريف.. لو فتشتم وما لقيتوش حاجة، أو لو طلعت الحركة دي ملعوبة، البيت ده مش هيجمعني بيك ولا بمراتك تحت سقف واحد تاني أبداً.”


تحرك الجميع نحو المطبخ كجنازة صامتة. نرمين كانت تمشي بثقة خبيثة، تتظاهر بالاضطراب لكن عينها كانت ترصد الزاوية خلف منظمات الثلاجة التي أعدَدناها أنا وسعاد بدموع الفرح من قبل. وقفت نرمين مدعية العفوية، ومدت يدها مباشرة نحو الرف الأخير خلف منظم الجبن والزيتون، وسحبت الغويشة بسرعة وهي تصيح بتمثيليتها الحقيرة: “أهو! أهو الدهب! أهو مستخبي ورا المنظمات اللي سعاد حطتها بنفسها!”


هبط الخبر كالصاعقة! شريف نظر لسعاد بنظرة تشفي وشماتة، وظن أن حقده قد تثبت بالدليل. أما أنا، فشهقت ووضعت يدي على فمي، وأحسست والأرض تدور بي. كيف وصلت الغويشة إلى هناك؟ سعاد لم تلمس شيئاً غريباً، ونحن كنا نرتب الثلاجة مع أولادها الكبار!


سعاد لم تتكلم. سقطت دمعة واحدة حارة على خدها، ثم نظرت لنرمين ونظرت لشريف وقالت بصوت مكسور لكنه مليء بالكبرياء: “حسبنا الله ونعم الوكيل.. حسبنا الله ونعم الوكيل في اللي يفتري على مظلوم.” ثم التفتت وغادرت المطبخ، ومشت بخطوات ثقيلة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بمفتاح.


في تلك الليلة، لم ينَم أحد في البيت. انقلب السمن والعسل إلى سم ذعاف. شريف أخذ زوجته وصعد إلى شقته وهو يهدد ويتوعد، وحمايا جلس في الصالة يضرب كفاً بكف، وعيناه ممتلئتان بالحزن على ما آلت إليه عيلته التي كانت مثلاً في الترابط.


أما أنا، فلم يهدأ لي بال. كانت هناك غصة في حلقي وتأكيد في قلبي أن سعاد بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب. كيف لامرأة تشتري الخاطر، وتدفع مهر الفرح من جيبها، وتزغرد لأبسط الأشياء، أن تدنس يدها بزرع غويشة في مطبخها؟



جلست مع ابنة سعاد الكبيرة—وكانت صبية عاقلة وذكية—في الشقة بالأسفل بعدما نام الجميع. كانت البنت تبكي على أمها التي رفضت الأكل والشرب وأغلقت على نفسها. قالت لي البنت وهي تمسح دموعها: “يا مرت عمي، أمي مظلومة. أنا كنت معاها في المطبخ لما كانت نرمين بتتحرك حوالين التلاجة قبل ما تصرخ بساعة. نرمين دخلت بحجة إنها بتشرب مية، وكانت واقفة عند التلاجة ومدت إيدها لجيب روبها وأنا شفتها بعيني بس ما حطيتش في بالي إنها بتعمل مصيبة!”


قفزت من مكاني وقلت لها: “أنتِ شفتيها يا بنتي؟”



ردت البنت: “أيوة، شفتها بتمد إيدها ورا المنظمات، ولما بصيت لها ارتبكت وقالتلي: ‘هو أنتوا حاطين المربى فين؟’ وسابت المطبخ وخرجت بسرعة.”


هنا أضاءت الشرارة في عقلي. الحق لا بد أن يظهر، والسكر الذي حلا حياتنا لا يجوز أن يتدنس بمرارة الغل. لكني كنت أعلم أن الكلام الشفهي لن يقنع شريف الذي أعمته نرمين. كان لا بد من دليل قاطع يقطع دابر هذه الفتنة من جذورها.


تذكرت شيئاً هاماً للغاية! حمايا، خوفاً على البيت وعلى مدخل العمارة والمطبخ الخارجي المطل على السلم، كان قد ترك كاميرا مراقبة صغيرة كان ابن عمي قد ركبها له فوق زاوية السقف القريبة من باب المطبخ لتأمين الشقة بعد حادثة سرقة قديمة في الشارع. لم يكن أحد يتذكر وجود هذه الكاميرا لأنها كانت صغيرة ومغطاة بفرع ديكور بلاستيكي زاهي، حتى نرمين نفسها لم تكن تعلم بوجودها!


ركضت فوراً إلى حمايا في ساعة متأخرة من الليل. وجدته قاعداً على سجادة الصلاة يدعو الله أن يظهر الحق ويؤلف بين القلوب. جلست عند قدميه وقلت له بنبرة محترقة: “يا عمي، سعاد مظلومة، والبيت ده هيتخرب لو سكتنا. افتكر معايا.. الكاميرا اللي فوق باب المطبخ الشغالة على تليفونك.. هي لسة شغال؟”


رفع حمايا رأسه وفجأة أضاءت في عينيه أمل حذر. مسك هاتفه بيدين ترتجفان، وظل يفتح التطبيق الخاص بالكاميرا المربوطة بالذاكرة الداخلية. كنا نقتطع الثواني والدقائق والوقت يمر كأنه دهر. فتح حمايا تسجيلات اليوم، وبدأنا نرجع الشريط إلى الساعة التي سبقت الصراخ.


وهناك.. ظهرت الحقيقة كاملة في مقطع فيديو واضح كالشمس!


ظهرت نرمين وهي تتسلل إلى المطبخ بخطوات خفيفة كالثعلب، تنظر حولها يميناً وشمالاً للتأكد من خلو المكان. أخرجت الغويشة الذهب من جيب روبها الداخلي، ودسّتها بانتفاء ودقة خلف منظمات الثلاجة التي وضعناها بحب، ثم نظرت إلى المكان برضا خبيث، وخرجت مسرعة لتستعد لإطلاق مسرحيتها الحقيرة أمام الجميع!


أجهش حمايا بالبكاء من هول ما رأى، ليس فقط فرحاً ببراءة سعاد، بل صدمة من حجم الغل والشر الذي دخل بيته في جلباب عروس جديدة. قال بصوت يرتجف من الغضب: “الله أكبر.. ظهر الحق وزهق الباطل. تعالي معايا يا بنتي.”


في الصباح الباكر، وقبل أن تشرق الشمس بضيائها الكامل، أمر حمايا بجمع العيلة كلها في الصالة الكبيرة. أرسل في طلب شريف ونرمين للنزول فوراً، ودعا سلفي الكبير وسعاد لتخرج من غرفتها. خرجت سعاد ووجهها شاحب، والدموع جفت على خديها، لكنها كانت تضع شالها على رأسها بعزة نفس وكبرياء.


جلس شريف بدلف وجفاوة، ونرمين بجانبه تتصنع الحزن والكسرة وتلعب بالغويشة في يدها. قال شريف بقلة صبر: “خير يا أبا؟ جمعنا على الصبح ليه؟ الموضوع وانتهى والدهب اتقبض عليه!”


وقف حمايا، ولم يقل كلمة واحدة. أخذ هاتفه المحمول، وربطه بشاشة التلفزيون الكبيرة في منتصف الصالة، وأعرض الفيديو أمام أعين الجميع.


انكشفت الشاشة، وظهر المطبخ.. وظهرت نرمين!


رأى الجميع—شريف، وسلفي الكبير، وسعاد، وأنا، والجميع—كيف أخرجت نرمين الغويشة من جيبها وكيف خبأتها بنفسها وراء منظمات الثلاجة، ثم كيف اصطنعت الخوف والدموع.


ساد القاعة صمت كصمت القبور.


نرمين تحول وجهها في ثوانٍ من اللون الأبيض إلى اللون الأصفر ثم الأسود، وتجمدت حركتها كأنها ضُرِبت بالكهرباء. الغويشة سقطت من يدها على السجادة بصوت رنان. أما شريف، فبدأت عيناه تتسعان بالهول والصدمة، ينظر إلى الشاشة ثم ينظر إلى زوجته التي وثق بها وباع لأجلها أهله وأخاه وسعاد.


قام شريف من مكانه كالكهرباء، ونظر إلى نرمين بنظرة مليئة بالاحتقار والذهول، وقال بصوت يرتجف: “أنتِ.. أنتِ تعملي كدة؟ تتبلي على مرات أخويا وتوسخي سمعة البيت عشان غلك وغيرتك؟”


بدأت نرمين تتلعثم وتصرخ بالبكاء الهستيري: “يا شريف أفهمك.. والله كنت بحس إنهم بيكرهوني.. كانوا بيعاملوني بقلة قيمة وسعاد مسيطرة..”


لم يدعها حمايا تكمل. وقف بعنف وقال بصوت هز أركان البيت: “اسكتي خالص! أنتِ دخلتي البيت ده بالخير والأصول، لكن طلعتي أفعى عاوزة تبخي سمك في السمن والعسل اللي كنا عايشين فيه! البيت ده الشريف المليان بالحب والعمار ما يشيلش واحدة خاينة ومفتريّة زيك!”


التفت شريف إلى سعاد، وجثا على ركبتيه أمامها وهو يبكي بدموع الندم والتقصير، ويداه ترتجفان: “سامحيني يا سعاد.. سامحيني يا أختي الكبيرة.. الشيطان أعمى عيني وصدقت الفتنة.. اركبي على راسي وحقك عليا قدام الكل!”


سعاد، التي كانت تحمل قلباً كالصفاء، نظرت إلى شريف، ثم نظرت إلى نرمين المنهارة، والدموع انهمرت من عينيها مجدداً، لكن هذه المرة كانت دموع الارتياح ورد الاعتبار. رفعت شريف من الأرض وقالت له بقلب الأم والأخت: “مسامحاك يا شريف.. أنت ابن البيت ده ومتربي فيه، بس اعرف إن الظلم ظلمات، وإن الفرفشة والضحك اللي كنا بنضحكهم كانوا بصفاء نية، مش بتغفيل لحد.”


أما نرمين، فقد صدر القرار الحاسم بشأنها في نفس اللحظة؛ أخذها شريف من يدها وردها إلى بيت أهلها مجرورة بالخيبة والعار، معلنين أن هذا البيت لا يدخله إلا صاحب النية الطيبة والقلب النظيف.


وبعد أيام قليلة، وبعدما زالت الغمة وتطهرت النفوس من السموم، رجع الهدوء لبيتنا. اجتمعنا كلنا في المطبخ من جديد حول التلاجة الكبيرة. أخرجت سعاد من جيبها زغرودة رجت حوائط الشارع كله: “لولولولولولولولولوي! ربنا يكفينا شر النفوس الخبيثة ويجعل بيتنا ديماً عامر بالضحك واللمة الحلوة!”


ضحك الجميع من قلوبهم، وعادت البهجة تملأ أركان البيت، وأيقن الجميع أن السكر الفرفوش لا يمكن لمرارة الغل أن تفسده، وأن الحق مهما أظلمت عليه الأيام، لا بد أن يشرق بنوره ليحمي القلوب الصافية.



سلفتي سكر حكايات رومانى مكرم 2


مرّت الأيام بعد تلك الليلة الفاصلة، وخرجت نرمين من البيت مجرورة بجريرة فعلتها، وظن الجميع أن الصفحة أُغلقت للأبد وأن العاصفة استكانت. لكن النفوس المتروسة بالغل لا تترك ساحة المعركة بسهولة، خاصة إذا كان كبرياؤها قدُحِق أمام عائلة كاملة.


 



بدأت الشائعات تتردد في الحي ومنطقة السكن. كانت نرمين وأهلها يبثون الكلام في كل مكان: “عائلة فلان طردوا بنتنا وافتروا عليها وعملوا لها فبركة فيديوهات عشان يأكلوا مؤخرها وحقها!” كان شريف يعود كل ليلة متكدر الوجه، يقع بين نارين: نار كرامته التي أُهينت بخدعة زوجته، ونار ضغوط أهلها والقضايا التي بدأوا يهددون برفعها في المحاكم (تبديد طلاق، وقائمة منقولات ومؤخر)، مما جعل شريف يسير في البيت كأنه ظل لرجل، متوترًا ومشتت الذهن.


كانت سعاد تلاحظ ذبول سلفها الصغير. ورغم كل ما حدث، لم تحمل في قلبها غلاً. كانت تقف في المطبخ، تضع صينية الشاي المعتادة وتستعد لإطلاق زغروطة لخروج ولدها نجاحًا في الامتحان، لكنها لما رأت شريف يدخل مكشّرًا ومهمومًا، سكتت وسحبت كرسياً وقعدت أمامه.


قالت له بنبرة دافئة تحمل حنان الأخت الكبيرة: “مالك يا شريف؟ وشك شايل هموم الدنيا ليه يا بني؟”


رد شريف بصوت مكسور: “تعبان يا سعاد.. أهل نرمين رافعين عليا قضايا بمبالغ خيالية، وطالبين القائمة والمؤخر المكتوب، وبيقولوا في المنطقة إننا ناس مفترين وظلَمنا بنتهم. أنا سمعتي وسمعة البيت بقت على كل لسان، ومش عارف أتصرف كيف ولا أدفع المبالغ دي منين، وأنا حاسس إني السبب في كل اللخبطة دي.”


طبطبت سعاد على كتفه وقالت بصوت قوي فيه نخوة أولاد البلد: “ولا تشيل هم حاجة! البيت ده طول عمره منصور بالحق، واللي يقصدنا بشر ربنا بيكشفه. أنت أخونا الصغير، ولو الدنيا كلها وقفت ضدك، إحنا ضهرك.”


في اليوم التالي، فاجأتنا سعاد بحركة لم تكن في الحسبان. أخرجت من صندوقها الخاص دفتر توفير قديم وبعض قطع الذهب البسيطة التي كانت تدخرها لزواج ابنتها الكبيرة، وقدمتها لحمايا وزوجها وقالت: “المحامي يترفع، والقضايا تتقفل بالكامل، والبت دي تأخد حاجتها بالقرش والمقاس عشان ما يبقاش لها عين تتكلم ولا تتبلى على سمعة البيت ثاني. حق شريف وكرامته من كرامتنا كلنا!”


وقف حمايا مشدوهًا من شهامة سعاد وجدعنتها التي لا تنتهي، أما زوجها فنظر إليها بفخر واعتزاز ورأس مرفوع. بالفعالية والسرعة، تكاتفت العائلة؛ تم توكيل محامٍ كفء، وأُرفق المقطع الموثق مع المحاضر الرسمية للرد على ادعاءات أهل نرمين ومحاولات الابتزاز المالية.


ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد؛ ففي جلسة الصلح والتفريغ التي حضرتها أطراف العائلتين في مقر كبير المنطقة ومحكمها العرفي، حاول والد نرمين التباهي والتطاول وادعاء مظلومية بنته. هنا قامت سعاد، بكل شموخ وهدوء، وأخرجت فلشّة مدمجة عليها الفيديو بدقة عالية، وتم عرض مقطع التسلل والافتراء أمام كبار العائلات والشهود!


سقطت أقنعة الزيف كليًا. خيم الخزي على والد نرمين وأقاربها، وتلعثموا ولم يجدوا حرفًا واحدًا يدافعون به عن فعلة ابنتهم. واضطروا تحت ضغط الحقيقة والشهود العرفيين إلى التنازل عن القضايا الكاذبة واستلام المنقولات الخاصة بها فقط دون أدنى افتراء أو زيادة، وخرج شريف من تلك الأزمة مرفوع الرأس دون أن يُظلم أو يُبتز.


عادت المياه إلى مجاريها بشكل أعمق وأقوى مما كانت عليه. شريف عرف قيمة أهله وادرك أن “الضحك والفرفشة” في هذا البيت لم تكن مجرد قشور، بل كانت غطاءً لقلوب نبتت على الجدعنة، والشهامة، والأصل الطيب.


وفي ليلة جمعة مباركة، تجمعت العائلة كلها في الصالة الكبيرة. حمايا يجلس في الصدارة، وأبناء سعاد يضحكون، وأنا وزوجي نشاركهم الجلسة، وشريف يجلس بيننا مبتسمًا بعد أن زالت عن كاهله الغمة.


دخلت سعاد من المطبخ وهي تحمل صينية كيكة كبيرة صنعتها بنفسها، وقفت في منتصف الصالة، ونظرت إلينا جميعًا بعيون تلمع بالحب والأمل، ثم رفعت يدها وأطلقت زغروطة مدوية هزت أركان الشارع كله:


“لولولولولولولولوي! مبروك علينا رجوع الحق، ومبروك علينا اللمة التي ما يكسرهاش غل ولا ينغصها حسود!”


ضحك الجميع من أعماق قلوبهم، وسادت حالة من البهجة والارتياح، لكن النظرات في عيون الجميع كانت تقول إن رحلة هذه العائلة مع أزمات الحياة ومفاجآتها لم تنتهِ بعد، وأن الأيام ما زالت تخبئ الكثير تحت سقف هذا البيت العامر.


مرّت شهور على انتهاء أزمة نرمين، وبدا أن البيت استرد أنفاسه وأمانه. عادت الضحكة تصدح في الصالة، وسعاد كعادتها تنشر البهجة في كل ركن، تزغرد لأصغر المناسبات وتملأ القعدة بالدفء والجدعنة. غير أن الأيام، كما هي عادتها في البيوت الكبيرة، لا تستقر على حال واحد لزمن طويل.


في صباح يوم جمعة، وبينما كنا نعد الفطور الجماعي في المطبخ وسعاد تتغنى بأمثالها الشعبية الطريفة وتوزع أطباق الفول والعمية، دخل شريف الصالة بخطوات ثقيلة ووجه شاحب، يمسك في يده مظروفاً أصفر رسمياً. جلس على أقرب كرسي ودون أن يتكلم كلمة واحدة، وضع المظروف على الطاولة أمام حمايا.


ساد الصمت المطبخ فجأة. خرجت سعاد وأنا خلفها واستفسر حمايا بنبرة قلقة وهو يضع نظارته القراءة: “خير يا شريف؟ المظروف ده فيه إيه يا بني؟”



رد شريف بصوت خافت ومجهد: “طلب استدعاء من النيابة يا أبا.. بلاغ مقدم ضد الورشة والمحل بتوعنا.. اتهام بالنصب والتزوير في عقود التوريد اللي دخلنا فيها مع الشركة الجديدة.”


هبط الكلام كالصاعقة على مسامع الجميع. ورشة العيلة ومحل الأدوات الكهربائية هما مصدر رزق البيت كله، وشريان الحياة الذي يعيش منه حمايا وسلفي الكبير وشريف. التفت سلفي الكبير لأخيه وقال بذهول: “تزوير إيه ونصب إيه؟ العقود كلها سليمة وأنت اللي مخلص أوراقها بنفسك مع محامي الشركة!”



هنا ظهرت الحقيقة البشعة التي كانت تطبخ في الخفاء. ابن عم نرمين، وكان يعمل مديراً للحسابات في الشركة التي تعاقدت معها الورشة، استغل علمه بالتفاصيل القانونية وحالة الانفصال بين شريف ونرمين، وقام بالتلاعب في البنود والتوقيعات بعد تسليم البضائع، ليرفع قضية كيدية تهدف إلى إفلاس ورشة العيلة والزج بشريف وحمايا في السجن، انتقاماً لرد نرمين وفضح مخططها السابق!


في تلك الليلة، انقلب البيت إلى خلية نحل من القلق والتوتر. حمايا ارتفع ضغطه وظل طريح الفراش، وسلفي الكبير وشريف يلفان على المحامين دون جدوى؛ فالأوراق الخبيثة كانت مصممة بدقة محكمة جعلت موقف الورشة ضعيفاً جداً أمام القانون، والمبالغ المطلوبة للتعويض كانت كفيلة ببيع البيت والورشة معاً.


جلست في المطبخ أردد أذكاري والدموع في عيني، ولما دخلت سعاد، توقعت أن أراها منكسرة أو حزينة. لكن سعاد التي خاضت معارك الحياة بطيبتها وجدعنتها، كانت تقف ورأسها مرفوع، وعيناها تلمعان بإصرار عجيب.


قالت لي وهي تربط شالها على رأسها بقوة: “جرت إيه يا بت؟ هتنكسروا من أول قلم؟ البيت ده ما يقعش طول ما فيه نفس يتردد! الحق معانا، واللي نجانا من كيد نرمين هينجينا من غل ابن عمها.”


بدأت سعاد تتحرك كالقائد في ميدان المعركة. لم تنتظر الرجال حتى يجدوا حلاً، بل أخذت ابنتها الكبيرة وابنها، وبدأت تتراجع في دفاتر الورشة القديمة وفواتير الشراء التي كانت تحتفظ بها في الصناديق الخشبية أعلى الشقة. ظلت تسهر الليالي، تقلب الورقة تلو الورقة، تقارن التواريخ والأختام وأرقام الشحنات التي خرجت من الورشة إلى الشركة.


وفي الفجر، وبعد ثلاثة أيام من البحث المجهد وسط الأوراق والأتربة، صرخت ابنة سعاد بصوت هز الشقة: “يا أمي! تعالي شوف البوصلة دي!”


وجدت سعاد أصل وصل استلام البضاعة المكتوب بخط يد ابن عم نرمين نفسه، ومختوماً بختم الشركة القديم قبل التعديل، وفيه إقرار واضح يستلم البضائع كاملة وبالمواصفات المطلوبة ودون أي شروط جزائية! كان هذا الوصل هو القشة التي ستكسر ظهر التزوير والبلاغ الكيدي بالكامل.


في صباح اليوم التالي، يوم الجلسة الفاصلة في النيابة، أصرت سعاد على الذهاب مع حمايا والرجال. وقفت أمام القاعة بشموخ وهي تمسك حقيبتها التي تضم المستند القاطع. وعندما خرج المحامي يبشرهم بصدور قرار النيابة بحفظ البلاغ الكيدي وتحويل ابن عم نرمين للتحقيق بتهمة التزوير والبلاغ الكاذب، انهارت سنوات التهديد في لحظة واحدة.


عادت العائلة إلى البيت يتقدمها حمايا وهو يمشي بمشية مرفوعة الرأس، وسلفي الكبير وشريف يحملان سعاد على الأعناق في مدخل العمارة.


أخذت سعاد الشال من على رأسها، وقفت في نص الصالة، ولفت حول نفسها وهي تضحك من أعماق قلبها، ثم أطلقت زغروطة زلزلت الحي كله:


“لولولولولولولولولوي! يترد الكيد في نحر صاحبه، ويفضل بيتنا عامر بعزنا وضحكتنا اللي ملهاش مثيل!”


تعالت الضحكات واختلطت دموع الفرح بالدعوات، وعادت البهجة ترقص في زوايا البيت، غير أن نظرات حمايا نحو الباب الخارجي كانت تشير إلى أن هدير العواصف لم ينتهِ بعد، وأن الأيام ما زالت تحتفظ بأحداث أخرى لهذه العائلة.


بعد انقشاع غمة القضية الكيدية وبرء ساحة الورشة، ساد البيت هدوء حذر تشوبه فرحة منقوصة. شريف، رغم استرداد كرامته وتبرئة اسمه، كان يسير بيننا كالجثة الهامدة؛ كسرة النفس والخذلان من تجربة زواجه السابقة تركت في قلبه جرحاً غائراً جعلته ينطوي على نفسه، يقضي يومه بين الورشة وغرفته المغلقة، رافضاً الحديث أو المشاركة في أي لمة عائلية.


سعاد، بقلبها الكبير وحسّها الفطري، لم تحتمل رؤية شريف يتآكل من الداخل. كانت تقول لي وهي تعد صينية بسبوسة بالمكسرات: “البيت ده ما يكملش فيه الضحك وشريف زعلان يا بت. الجدع صغر في عين نفسه، ولازم نرجّع له هيبته وفرحته، والداوي ما يجيش إلا من جنس الداء!”


بدأت سعاد خطتها بعيداً عن أعين الرجال. كانت تعرف “أم أمل”، وهي سيدة فاضلة من أصل طيب تعيش في الحي المباعد، ولديها ابنة اسمها “رضوى”—بنت أصول، خريجة دار علوم، هادئة الطباع، وعفيفة النفس، تعمل في مكتبة وأحوال أهلها معروفة بالستر والطيبة.


في يوم عطلة، أخذتني سعاد من إيدي وقالت بحماسها المعهود: “لبس نضيف يا حلوة، طالعين مشوار يجيب الأمل للبيت.” ذهبنا لزيارة أم أمل بحجة شراء كتب مستعملة والمجاملة. هناك، رأينا رضوى؛ كانت كالنسيم العليل، شتان بينها وبين غل نرمين وشرها. دخلت القهوة بكل أدب، ورحبت بنا بابتسامة صادقة أثلجت صدر سعاد.


غمزت لي سعاد وقالت بصوت خافت: “هي دي! دي اللي هترجع الضحكة لقلب شريف وتطرد نحس نرمين من الشارعة كلها!”


لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورد. عندما طرحت سعاد الفكرة على شريف في لمة العيلة، قوبل طلبها برفض قاطع وصراخ من شريف: “أنا قفلت الباب ده للأبد يا سعاد! مش هتدبس في جوازة تاني ولا عاوز وجع دماغ ولا حريم تدخل بيتنا تهدّه!”


هنا وقفت سعاد أمامه ووضعت يديها في خصرها، ونظرت له بعين مليئة بالتحدي والحب: “جرى إيه يا شريف؟ بقى حتة بت خاينة تخليك تخاف من الدنيا كلها؟ هو أنت علشان اتكويت من نار تسيب البرد يموتك؟ البت دي بنت أصول، ولو ما جيتش معايا تشوفها، مش هدخل لك البيت ده تاني ولا هتشوف زغروطة مني طول ما أنا حية!”


تحت ضغط سعاد وحكم حمايا الذي بارك الخطوة، وافق شريف على الذهاب للرؤية الشرعية وهو مكره. ودخل البيت والكسرة تعلو وجهه، لكن ما إن جلس ورأى أدب رضوى وهدوءها، ورأى كيف تتحدث بعقل ووقار دون تصنع أو تملق، حتى بدأت جبال الثلج في قلبه تذوب شيئاً فشيئاً.


سبحان من يغير الأحوال؛ انشرح صدر شريف، ووافقت العائلتان، وتمت الخطبة في أجواء مليئة بالدموع والفرح. وكانت سعاد هي الدينامو الذي يحرك كل شيء؛ اشترت الجهاز مع العروس، ونظمت كل صغيرة وكبيرة في الشقة الجديدة لتتأكد أنها تخلو من أي ذكرى قديمة.


وفي ليلة الحناء، ارتدت سعاد ثوباً زاهياً، ومسكت الدف بنفسها، وقادت أغاني الفرح في الصالة وسط جارات الحي، وكان صوت زغاريدها يملأ الشارع حتى ظن الناس أن الفرح فرح ابنها البكر.


يوم الزفاف، وعندما دخل شريف يد زوجته الجديدة “رضوى” إلى صالة الشقة، وقف حمايا يبتسم وسلفي الكبير يحتضن أخاه، بينما سحبتني سعاد من إيدي ووقفت في المنتصف، وأطلقت زغروطة طويلة هزت الأركان حتى اهتزت معها النجفات:


“لولولولولولولولولوي! مبروك يا عريسنا، ربنا يجعله بيت مبارك بالخير وعامر بالنية الصافية والقلوب البيضا!”


احتضنت رضوى سعاد بكاءً من شدة التأثر، وقالت لها: “ربنا يخليكي ليا يا أختي الكبيرة، أنتِ اللي جمعتي بيننا بالخير.”


ضحكت سعاد ضحكتها الرنّانة وقالت: “ده واجب علينا يا عروسة، المهم تفضلي مفرفشة وزي الفل!”


عادت البهجة ترفرف على البيت من جديد، وبدت الحياة وكأنها ابتسمت للعيلة أخيراً، غير أن نظرة مريبة من أحد الضيوف الغرباء في أواخر الفرح عند باب العمارة كانت تشير إلى أن هناك حسابات قديمة لم تُغلق بعد مع أطراف أخرى.



سلفتي سكر حكايات رومانى مكرم 3


استقرت حياة العيلة لأسابيع قليلة بعد زفاف شريف ورضوى، وعادت الشقة ضاحكة كعادتها. رضوى دخلت البيت بنفس راضية وقلب أبيض، اندمجت مع سعاد ومعي في المطبخ واللمات، وكانت سعاد تتعامل معها كأخت صغيرة، تُعلّمها وتدللها وتطلق الزغاريد لكل وجبة تُتقنها العروس الجديدة. غير أن تلك النظرة المريبة التي التقطتُها عند باب العمارة ليلة الفرح لم تكن مجرد وهم، بل كانت رأس الخيط لمؤامرة جديدة تُنسج في الخفاء.


 



في ليلة شديدة البرودة، كان حمايا ورجال البيت يجلسون في الصالة يتسامرون بعد يوم عمل شاق في الورشة، وسعاد تطوف عليهم بصينية السحلب الدافيء والضحكة لا تفارق شفتيها. فجأة، تعالي صوت جرس الباب بدقات متسارعة ومرتبكة. فتح سلفي الكبير الباب، ليجد أمامه سيد—أحد العمال القدامى في الورشة، والذي كان قد اختفى منذ فترة بعد أن أغراه ابن عم نرمين بالمال لشهادة الزور في قضية التزوير الفاشلة.


كان سيد يرتجف، ليس من البرد فحسب، بل من الخوف والتأنيب. أصر على الدخول والانكباب على يد حمايا يقبلها وهو يبكي: “سامحني يا حاج! سامحني يا سي شريف! أنا جيت أطهر ذمتي قبل ما أقف قدام ربنا، أنا اتضحك عليا وبعت ضميري بعرض من الدنيا، بس الأفاعي لسة ما ماتتش وراويين لكم على مصيبة جديدة!”


اجتمع الرجال حوله، وسكتت سعاد وأمسكت إيدي ونحن نستمع برعب لما يقوله سيد. اتضح أن نرمين وابن عمها، بعد خسارتهما للقضايا وتشوّه سمعتهما في المنطقة، لم يستسلما. كان غلّهما قد تحول إلى انتقام أعمى. اتفقا مع بلطجية خارجين عن القانون لتدبير حادث “حريق مفتعل” في ورشة العيلة ومخزن الأدوات الكهربائية في منتصف الليل، لدمار مصدر رزق العائلة بالكامل، مع وضع مواد خطرة ومحظورة داخل المخزن قبل إشعال النار ليتهموا حمايا وسلفي الكبير بالتجارة غير المشروعة والإهمال الجسيم!


نزل الخبر كالصاعقة على الرجال. شريف وقف غاضباً يريد الخروج بالسلاح لمواجهتهم، وسلفي الكبير شحب وجهه، وحمايا وضع يده على صدره متألماً من هول الغدر. لكن سعاد—التي لم تعرف الخوف يوماً ولم تسمح للشر أن يهزم بيتها—تقدمت خطوة بثبات كأنه الجبل.


أمسكت يد شريف وقالت بصوت كالرعد يحمل القوة والنخوة: “اهدأ يا شريف! القوة مش بالعافية والدم، القوة بالعقل والتدبير! طالما ربنا كشفهم لنا ونور بصائرنا بسيد، يبقى الحق هيركبهم ويتمحوا من الدنيا!”


التفتت سعاد لحمايا وقالت: “يا عمي، الشرطة لازم تدبر لهم كمين على حق. مش هنستناهم لما يحرقوا شقانا، إحنا هنوقعهم في الشباك اللي حفروها بإيديهم.”


تواصل حمايا وشريف مع المباحث فوراً وقدموا شهادة سيد الموثقة بالصوت والصورة، إلى جانب الاتصالات المسجلة التي حاول ابن عم نرمين بها توجيه سيد لتسهيل دخول البلطجية للمخزن. أعدت الشرطة خطة محكمة للقبض عليهم متلبسين في نفس الليلة التي تم تحديدها لتنفيذ الجريمة.


في الليلة الموعودة، كانت أعصاب البيت كله على المحك. جلسنا في الصالة ننتظر والوقت يمر كأنه دهر. سعاد كانت تتنقل بيننا، تصلي وتدعو وتطمئن رضوى المرتعبة، ولم تفقد ثقتها بالله لحظة واحدة. وقبل الفجر بساعة، اتصل شريف من أمام الورشة، ونقل الخبر السعيد: “تم القبض على البلطجية وابن عم نرمين وهم يقتحمون المخزن ومعهم جاليونات البنزين والمواد المحظورة! ونرمين تم استدعاؤها كمحرضة رئيسية والجريمة ثابتة عليهم بالصوت والصورة والتلبس!”


عندما عاد رجال البيت رفقة الشرطة بعد استكمال المحاضر وضمان حظرهم خلف الأسوار لسنوات طويلة، أشرقت الشمس على وجه البيت معلنة نهاية حقبة الرعب والغل إلى غير رجعة.


وقفت سعاد في منتصف الصالة، والشمس تداعب وجهها، ونظرت إلينا جميعاً بابتسامة النصر والعزة، ثم رفعت رأسها وأطلقت زغروطة هزت جدران البناية والشارع كله:


“لولولولولولولولولوي! يترد الكيد في نحر صاحبه، ويفضل بيتنا عامر بعزنا وضحكتنا وستر ربنا اللي ما بيتسحبش أبداً!”


احتضن الجميع بعضهم البعض بدموع الفرحة، وعادت البهجة الصافية تملأ الأركان، غير أن سعاد التفتت إليّ فجأة بابتسامة خبيثة ومبهجة وقالت: “استعدي يا بت.. الدور عليكي إنتي وجوزك، مشوار الحجاز قرب والفيزا طلعت!”


سادت حالة من الفرحة العارمة بين جدران البيت بعد أن انكشفت الغمة الأخيرة وضُبِط الجناة متلبسين بشر أعمالهم. لم تكن الفرحة هذه المرة مجرد ارتياح من أذى زائل، بل كانت نصرًا عزيزًا ورضاً كاملاً ألقى بظلاله على كل شبر في المكان. بدأت العائلة تستعيد طمأنينتها الأسرية، وعادت اللمات اليومية حول مائدة الطعام مليئة بالضحك والأحاديث الطيبة التي لا تخلو من تعليقات سعاد الفرفوشة وزغاريدها المبشرة كلما حدث أمر يسر الخاطر.


وفي صباح يوم مشرق، وبينما كنا نعد المشروبات في المطبخ ونتقاسم المهام اليومية بروح أسرية دافئة، دخل زوجي الصالة ووجهه يفيض بالبشر والسرور، يحمل في يده مظروفًا أنيقًا. ألقى السلام بنبرة حنونة مليئة بالشكر، واقترب مني أمام الجميع وهو يبتسم ابتسامة عريضة لم أرها على وجهه منذ فترة طويلة.


سأله حمايا باهتمام: “خير يا بني؟ إيه المظروف اللي في إيدك ده؟ شايف وشك منور ومبتهج على الصبح!”


فتح زوجي المظروف وأخرج منه الأوراق وهو ينظر إليّ بعيون مليئة بالمودة والامتنان: “الحمد لله يا أبا.. ربنا فتحها علينا بعد الصبر والدعاء، وأخيرًا تأشيرات الحج وأوراق زيارة بيت الله الحرام طلعت كاملة ومكتملة لي ولزوجتي! ده الفضل بعد ربنا يرجع لدعواتكم ولجدعنة سعاد اللي كانت دايماً تتفاءل وتدعي بالحجاز!”


هبط الخبر على قلبي كشلال من النور والدفء، وتجمدت حركتي لحظات من شدة المفاجأة والتأثر. كان حلم زيارة بيت الله الحرام يراودني منذ سنوات طويلة، وكنت أترقبه بلهفة ورجاء. دمعت عيناي خشوعًا وشكرًا لله، وقام حمايا من مكانه يحتضن زوجي ويدعو لنا بالقبول والسلامة.


في هذه اللحظة بالذات، نفضت سعاد يديها من العجين وقفت في وسط الصالة والسرور يملأ وجهها كأنه شمس أشرقت فجأة. انطلقت منها زغروطة مدوية هزت أركان البيت والشارع، زغروطة أطول وأقوى من كل ما سبق، تبعتها بدعوات حارة تخرج من أعمق نقطة في قلبها الطيب:


“لولولولولولولولولوي! ألف مبروك يا أختي يا حبيبتي! عقبال ما تطوفي حوالين الكعبة وتدعي لنا كلنا بالستر والعمار! يا بختك برضا ربنا وزيارة نبيه، ترجعي لنا بالف سلامة وغنيمة!”


اقتربت مني سعاد واحتضنتني بقوة، ودموع الفرح المتبادلة تملأ أعيننا. تذكرت على الفور يوم أن رتبت لها الثلاجة واحتضنتني قائلة إنها سترد لي الجميل حين أعود من الحجاز. رددت عليها ونفسي مليئة بالحب: “دا كله بفضل ربنا ثم نيتك الصافية يا سعاد، دعواتك وفرحتك هي اللي كانت فاتحة خير على البيت ده كله.”


خلال الأيام التي سبقت السفر، تحول البيت إلى شعلة من النشاط والبهجة استعدادًا لهذه الرحلة المباركة. كانت سعاد تتولى كل التفاصيل بنفسها؛ تشتري مستلزمات السفر، وتساعدني في تجهيز الحقائب، وتوصي الجميع بدعوات محددة أمام الروضة الشريفة. لم تترك شيئاً للصدفة، وكانت تبتكر الأفكار وتوزع الهدايا البسيطة على الجيران والمقربين لطلب العفو والدعاء.


وفي ليلة السفر، اجتمعت العائلة بأكملها في شقة حمايا؛ سلفي الكبير، وشريف وزوجته رضوى، والأبناء الكبار الذين تزينت وجوههم بالابتسامات. أقام حمايا جلسة ذكر ودعاء، وتناوب الجميع على إبداء المشاعر الطيبة وطلب الدعوات عند المشاعر المقدسة. كانت الشقة تضوع برائحة البخور والمسك، والجميع يعيش حالة من السكينة التي لم نذقها منذ زمن.



ولما حانت لحظة الخروج والتوجّه إلى المطار، وقفت سعاد عند الباب، ترتدي أجمل ثيابها، وتمسك في يدها قارورة ماء ورد رشّت منها على أيدينا وهي تقول بابتسامتها المعهودة: “مودعين برعاية الله وحفظه، لا تنسونا من صالح دعائكم هناك عند الملتزم وفي طوافكُم! وترجعوا تملوا علينا البيت بركة ونور!”


خرجنا من باب العمارة وسط دعوات الأهل والجيران، بينما كانت أصوات الزغاريد والتهاني تتردد في الشارع كله. انطلقت بنا السيارة ونحن ننظر إلى خلفنا نرى سعاد وحمايا وبقية العائلة يقفون صفاً واحدًا، يلوحون بأيديهم ووجوههم تفيض بالمحبة والرضا.



كانت هذه الرحلة بداية لفصل جديد كلياً، فصل ملؤه الإيمان والسكينة بعد طول ابتلاء وتماسك أسري ثاقب، غير أن العودة من الحجاز كانت تخبئ مفاجأة سارة أخرى لم تكن يخطر على بال أحد في العائلة.


مرّت الأيام المباركة في رحاب مكة والمدينة كأنها لحظات خاطفة من النعيم. طُفنا بالبيت العتيق، ووقفنا بجمال الرحمات على أرض عرفات، ورأينا الأنوار في الروضة الشريفة. لم تغب “سعاد” والبيت العتيق عن بالي ودعائي في كل سجدة وعند كل شوط؛ كنت أدعو الله أن يديم علينا هذا الستر، وأن يجزي سعاد عن صفاء نيتها وطيبة قلبها خير الجزاء، وأن يجعل هذا البيت حصناً منيعاً بالحب والود لا تطاله أيدي العابثين مجدداً.


وعندما حان موعد العودة، كانت قلوبنا تسبق أجسادنا إلى الشارع والبيت الذي غادرناه وهو ينبض بالسلام.


وما إن توقفت السيارة أمام باب العمارة في ساعة عصر مشمسة، حتى وجدنا الشارع قد تغيرت ملامحه؛ زينة معلقة، ورائحة البخور تملأ المكان، وأصوات التكبير والتناشيد تتردد من مكبرات الصوت. خرج حمايا يتقدم الرجال بابتسامته المهيبة، وشريف ورضوى وسلفي الكبير يرحبون بنا بأحضان دافئة ودموع الفرح تملأ الأعين.


أما سعاد.. فقد كانت تقف في منتصف الصالة، ترتدي عباءة بيضاء جديدة، وتضع على وجهها تلك الابتسامة الصافية التي أضاءت البيت لسنوات. وما إن وطأت قدمي الشقة، حتى رفعت يديها وأطلقت زغروطة طويلة، مبهجة، واهتزت لها جدران الشقة وأركانها:


“لولولولولولولولولوي! حمداً لله على سلامتكم يا حجاج بيت الله! نورتوا بيتكم ورجعتوا لنا بالبركة والنور والسرور!”


ارتفعت الأصوات بالتهليل، وجاءت سعاد ونفذت وعدها القديم؛ احتضنتني جامدًا وقالت وهي تضحك ضحكتها الرنانة: “رديتها لك أهو زي ما وعدتك وأكتر! نورتي بيتك يا أختي يا حبيبتي!”


جلسنا جميعاً في الصالة الكبيرة، وحولنا هدايا الحجاز والمياه المباركة، وسادت المكان حالة من السكينة والارتياح اللامحدود. لم يكن هناك أثر لغل، ولا حسد، ولا حقد؛ لقد طهر الله هذا البيت تماماً، وخرج منه كل من يحمل في قلبه شراً، واستقر فيه من يملك النية الصافية فقط.


نظر حمايا إلينا جميعاً، وكان وجهه يفيض بالرضا والوقار، وقصّ علينا المفاجأة السارة التي كانت تنتظرنا؛ فالورشة توسعت وفتحت فرعاً جديداً باسم العيلة، وشريف ورضوى رزقهما الله بالحمل المبارك، وسعاد افتتحت مشروعها الصغير للمأكولات المنزلية لتوزع منه على الفقراء والمحتاجين قبل أن تبيع منه للمقربين.


تبسمت سعاد وقالت بنبرتها الفرفوشة المعتادة: “أصل يا جماعة البيت ده مبني على الفرفشة والنية الطيبة، والنية الطيبة دي زي البذرة الصالحة، لو اتسقت بماء الود والجدعنة تطرح خير وما تموتش أبداً!”


أمّن الجميع على كلامها، وتأملت في كل ما مررنا به من محن وأزمات؛ من غيرة نرمين ومكرها، إلى المحاكم والقضايا والكيد الخبيث. وعرفت حينها الحكمة الكبرى التي يتلخص فيها سر هذه العائلة:


الحكمة:


إن القلوب الصافية والنيات الطيبة قد تُبتلى بالشرور والفتن، وقد تحاول النفوس المريضة كسر فرحتها أو تلويث ناصيتها، لكن المعدن الأصيل لا يصدأ، والبيت المعمور بالذكر والشهامة لا تهدمه أفاعي الغل. الفرفشة والضحك والجدعنة ليست مجرد قشور، بل هي قوة ورضا بالقدر وثقة مطلقة بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. والظلم مهما أظلم ليله، فإن فجر الحق لا بد أن يشرق ليجعل كيد الخائنين في نحورهم، ويبقى أهل الود والصفاء هم الفائزين في النهاية.


عاشت العائلة في رغد وأمان، وظلت زغاريد سعاد تتردد في جنبات البيت، تذكرنا دائماً بأن السعادة قرار، وأن الحب هو المحرك الأقوى الذي يحمي بيوتنا من كل سوء.


“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”





تعليقات

التنقل السريع
    close