سكريبت انتقام زوجة كاملة
انتقام زوجة – محمد نور
–
مع درجة حرارة بلغت أربعين مئوية، صبّ زوجي الماء المثلج عليّ وأمرني: “كفي عن الادعاء.. ونظفي البيت”. ثم أخذ والديه وسافر إلى شرم الشيخ…
كان أول ما سمعته “دنيا” حين ارتطم الماء المثلج بوجهها، هو ضحكات والدة زوجها.
لم تكن شهقة ذهول.
ولا سؤالاً عما إذا كانت لا تزال على قيد الحياة.
بل كانت ضحكة ساخرة.
تناثرت مكعبات الثلج على وجنتيها، وتشتتت على الأرضية الخشبية لتختفي تحت الأريكة السكرية التي دُفِعَ ثمنها من مالها الخاص. أخذ الماء الثالج طريقه إلى عينيها، ومنهما إلى ياقة المئزر المتسخ الذي كانت ترتديه منذ الساعة السادسة صباحاً.
كانت دنيا مستلقية، ملتفة على نفسها فوق أرضية الصالة في شقتها الفاخرة بحي “الزمالك”، تصارع لاستنشاق الهواء في رئتين شعرَت وكأن الملح والزجاج المكسور يملأهما.
كان مقياس الحرارة الرقمي ملقى بالقرب من يدها.
كانت القراءة: 40.2 درجة مئوية.
وقف زوجها “طارق” فوق رأسها ممسكاً بالكأس الفارغ.
قال لها بنبرة حادة: “أنتِ تحرجين نفسكِ وتحرجينني.. والداي يقفان هنا!”.
حاولت دنيا الرد، لكن سعلة عنيفة تمزقت في صدرها، أتبعتها حشرجة معدنية جافة. وضعت كفها على الأرض محاولة رفع جسدها، لكن ذراعها انهارت تحتها.
تنهد طارق بضجر وكأنها أسالت العصير على سجاد باهظ الثمن.
التفت إلى والديه وقال: “هي هكذا طوال اليوم، كلما أرادت التهرب من إتمام عمل ما، تظاهرت فجأة بأنها تحتضر”.
كانت دنيا قد طبخت لإحدى عشر شخصاً منذ الشروق.
طهت وليدتين من الديك الرومي لأن والدة طارق أصرت على أن واحدة فقط ستجعله يبدو “بخيراً”. أعدت أصناف المأكولات، والأنواع المتعددة من السلاطات، والمقبلات التي لم يمسسها أحد. احترق ظهر يدها وهي تسحب إحدى الصواني من الفرن، بينما كان طارق يشاهد مباراة القدم مع أقاربه.
والآن، رحل الضيوف.
والأطباق تراكمت في المطبخ.
ودنيا تكاد لا تتنفس.
كانت حمتها “فريدة” تقف بالقرب من طاولة الطعام ترتدي معطفها الجملي الجديد، وتعبئ ما تبقى من الطعام في علب بلاستيكية كانت دنيا قد اشترتها بمالها.
نظرت فريدة إلى الماء المتمدد على الخشب وزمّت شفتيها باستياء: “هذا الخشب سيبقع ويتلف”.
حدقت فيها دنيا بذهول.
لقد شاهدت فريدة ابنها يسكب الماء المثلج على كنزتها التي تحترق بالحمي، ولم يكن كل ما يعنيها سوى الأرضية!
خرج والد طارق، “عبد الجواد”، من غرفة الضيوف ممسكاً بحقيبة جليدية وساعة يده الفاخرة تحت إبطه.
قال بقلة صبر: “يجب أن نتحرك، الطريق إلى المطار قد يكون مزدحماً للغاية”.
رمشت دنيا بعينيها محاولة الاستيعاب.
كان الثلاثة يرتدون ملابس السفر.
وضع طارق جواز سفره في جيبه الداخلي.
استقرت الحقيقة في رأسها بألم أشد من جمر الفحم والماء المثلج.
همست دنيا: “أنتم مسافرون؟”.
نظر إليها طارق بضيق لأنها وجدت نفساً كافياً للتحدث.
“ألم أخبرك؟ سآخذ أمي وأبي إلى شرم الشيخ لمدة أربعة أيام”.
“قلتَ إن الأمر مجرد احتمال!”.
“أصبح مؤكداً الآن”.
أدارت دنيا رأسها نحو مقياس الحرارة: “المستشفى… خذني للمستشفى”. كان صوتها خافتاً يلتصق بحلقها.
تخَطّى طارق ساقيها المستلقيتين على الأرض.
“أمي وأبي جاءا من أقصى الصعيد من أجلكِ ولأجل هذه العطلة. وعدتهما بالشمس المشرقة والفندق الفاخر، ولن ألغي رحلتي لمجرد أنكِ أصبتِ بنزلة برد”.
“لا أستطيع التنفس…”.
“تتنفسين بظرف كافٍ للجدال!”.
عدّلت فريدة شالها الحريري حول عنقها وقالت بلؤم: “الزوجة التي تهتم ببيتها تنظفه قبل أن ترتاح، عندما كنت في سنكِ، كنت أستقبل عشرين ضيفاً وأنا مصابة بالأنفلونزا، وأستيقظ فجراً لإعداد الأفطار!”.
نظرت دنيا إلى طارق، منتظرة أن يدافع عنها.
كان هناك جزء أحمق في قلبها ينبض بالرجاء، يتوقع من الرجل الذي تزوجته أن يظهر الآن.
الرجل الذي حملها يوماً لثلاثة شوارع تحت المطر الغزير عندما التوت قدمها.. الرجل الذي قال لها يوماً إن فقدانها لوالديها في سن صغيرة لا يعني أنها ستظل وحيدة، لأنه سيكون كل عائلتها.
لكن الرجل الواقف فوقها الآن لم يكن قلقاً.
كان يبدو فقط… متضايقاً من تعطيل وقته.
وضع طارق الكأس الفارغ على الطاولة المجاورة للباب.
أمرها بقسوة: “قومي، جففي الأرض، اغسلي الأطباق، غيري مفرش غرفة الضيوف، وألقي بكل ما يمكن أن يفسد في الثلاجة”.
ارتجفت أصابع دنيا على الخشب.
انحنى طارق قليلاً، وخفض صوته مهدداً: “عندما نعود، أريد أن أجد هذا المكان يلمع. إن عدت ووجدتكِ مستلقية هكذا مجدداً، سيكون لنا حديث آخر مختلف تماماً”.
ابتسمت فريدة برضا تشفٍ.
فتح عبد الجواد الباب.
واندفعت برودة الممر إلى الداخل.
راقبت دنيا زوجها وهو يسحب حقيبة السفر التي اشترتها له من مكافأة عملها. تخطت فريدة بركة الماء دون أن تنظر لأسفل، بينما كان عبد الجواد يشتكي من احتمال تأخرهم عن استراحة رجال الأعمال في المطار.
ثم خرج طارق.
وأغلق الباب الإلكتروني خلفه بصوت “طق” جاف.
ابتلع الصمت الشقة.
ظلت دنيا على الأرض، مبللة، تحترق بالفحم والموت، تحدق في أضواء الثريا وهي تتلاشى وتتحول إلى دوائر بيضاء مشوشة.
لثوانٍ معدودة، تساءلت عما إذا كانت هذه هي الطريقة التي يموت بها البشر؛ ليس في حوادث مروعة أو عواصف عاتية، بل ببطء وسكون، تحت ثريا دفعت ثمنها من عرقها، ومتروكة من شخص وعدها يوماً بحمايتها.
كان هاتفها المباشر ملقى على طاولة القهوة.
كان يبعد عنها أقل من مترين.
لكنه كان يبدو وأنه في أقصى المدينة.
زحفت دنيا للأمام باستخدام مرفقيها، كل حركة كانت ترسل خنجراً من الألم في أضلعها. وعندما وصلت للطاولة، أسقطت الهاتف على الأرض.
أضاءت الشاشة تحت أصابعها المبتلة.
فشلت خاصية التعرف على الوجه مرتين.
مسحت الكاميرا بمئزرها واتصلت بالإسعاف.
سألها الموظف عما إذا كان هناك أحد معها في المنزل.
نظرت دنيا نحو الباب المغلق.
همست: “لا… لقد تركوا البيت ورحلوا”.
بحلول الوقت الذي وصل فيه رجال الإسعاف، كانت تفقد وعيها وتستعيده بصعوبة.
في المستشفى، شخص الأطباء حالتها بإصابة حادة برئتيها (التهاب رئوي حاد)، وجفاف شديد، وانخفاض خطير في نسبة الأكسجين. أخبرها أحد الأطباء أن تأخرها لبعض الوقت كان سيؤدي إلى توقف كامل في الجهاز التنفسي.
لم تتصل دنيا بطارق.
لقد أراها بالفعل كم تساوي حياتها عنده.
قبيل منتصف الليل، اهتز هاتفها بإشعار من كاميرا السيّارة الذكية المرتبطة بالتطبيق. كانت دنيا قد ثبّتتها في سيارة طارق قبل أشهر بعدما تكرر عودته للبيت ورائحة الخمر تفوح منه.
سجلت السيارة مقطعاً جديداً بمجرد اتصالها بالشبكة.
فتحت المقطع لمجرد التأكد من وصولهم المطار بسلام.
لكن صوت حمتها “فريدة” هو ما ملأ الغرفة:
“فعلتَ الصواب يا بني.. أمثال ‘دنيا’ يحتاجون للكسر أولاً قبل أن يفهموا معنى الأصول والزواج!”.
توقف نفس دنيا.
وعلى التسجيل، سمعت ضحكة طارق.
تابعت فريدة: “اتركها بمفردها بضعة أيام، لا اهتمام ولا شفقة، ستصاب بالرعب وتظن أنك ستطلقها، وعندها ستوقع على أي ورقة تضعها أمامه”.
سأل طارق: “وما الورقة التي سأضعها أمامها بالتحديد؟”.
“عقد الشقة، هذا أول شيء!”.
اشتدت قبضة دنيا على الهاتف.
قالت فريدة إن شقة الزمالك الفاخرة ما كان ينبغي أن تظل باسم دنيا وحدها، بينما اقترح عبد الجواد أن يضغط طارق على دنيا لتسحب أموالاً من حسابها الاستثماري لتمويل صالون التجميل الخاص بشقيقته.
ثم تحدث طارق.
كان صوته هادئاً.. مألوفاً.. وشديد القسوة:
“بمجرد أن تحمل دنيا، سيكون التصلب عليها أسهل.. ستترك عملها، وتعتمد علي كلياً، وتتنازل عن الشقة. هي مرعوبة من فكرة خسارة العائلة الوحيدة المتبقية لها”.
حدقت دنيا في أنبوب المغذي الموصول بيدها.
كانت الحمى لا تزال تنهك جسدها، لكن شيئاً أشد برودة وسماً جرى في عروقها.
لم يكن طارق قد ترك زوجته المريضة في لحظة غضب طارئة.
بل كان مخططاً متكاملاً بينه وبين عائلته.
ظنوا أن حزنها لوفاة أهلها جعلها ضعيفة.
وظنوا أن حبها له جعلها استسلامية ومطيعة.
وظنوا أنها عندما يعودون من شرم الشيخ، ستكون لا تزال زاحفة على الأرض، مستعدة للاعتذار والرجاء.
حفظت دنيا التسجيل الصوتي في ثلاثة مجلدات سحابية مختلفة.
ثم فتحت قائمة الأسماء، واتصلت بالشخص الوحيد الذي يمكنه التأكد من أن طارق لن يطأ قدمه في بيتها مرة أخرى.
وقالت عندما رد سمسار العقارات: “يا أستاذ سمير… أريدك أن تبيع شقتي”.
“الآن؟ في منتصف الليل؟”.
“فوراً”.
“كيف يعني فوراً؟”.
نظرت دنيا إلى بقعة الماء والجفاف على ثوب المستشفى وقالت بصلابة:
“قبل أن يعود زوجي من السفر!”.
الجزء الثاني: البيت الذي ظنوا أنهم يملكونه
كان “سمير مرسي”، سمسار العقارات، هو من باع الشقة لـ “دنيا” قبل خمس سنوات، حتى قبل أن تتعرف على طارق.
كان يذكر يوم إتمام الصفقة جيداً؛ إذ حضرت دنيا بمفردها تحمل شيكاً مصدقاً ومجلداً يثبت مصدر كل جنيه. كانت الأموال قد ألت إليها من بوليصة تأمين والديها الراحلين، وبيع بيتهما الصغير في إحدى المحافظات، بالإضافة إلى مكافآت ست سنوات من عملها كمديرة مشاريع تشييد وبناء.
لا رهن عقاري.
لا شريك في الملكية.
ولا زوج.
كانت الشقة ملكاً خالصاً لـ دنيا قبل الزواج.
تحدث سمير بحذر عبر الهاتف:
“السوق ممتاز، لكن البيع والإغلاق السريع معقد يا دنيا.. عن أي سرعة تتحدثين؟”
“خلال ثمانٍ وأربعين ساعة.”
ساد الصمت على الطرف الآخر، فاستطردت دنيا قبل أن يجادلها:
“اعرض الشقة في نطاق خاص بأقل من سعر السوق بـ 15%. مشترون بنظام الدفع النقدي فقط، دون اشتراط تمويل بنكي أو معاينات ممتدة. سأوفر لك كل الأوراق والشهادات والسجلات الضريبية وفواتير التجديد الليلة.”
“قد تخسرين مئات الآلاف بهذه الطريقة!”
“أعلم ذلك.”
“دنيا.. هل أنتِ في خطر؟”
نظرت حولها في غرفة المستشفى، حيث كانت شاشة المراقبة تنبض بانتظام إلى جوار سريرها، ثم قالت:
“لقد كدت أموت على أرضية صالوني بينما كان زوجي يتخطى جثتي ليلحق بطائرته.”
تنفس سمير الصعداء وقال: “أرسلي لي المستندات.”
قضت دنيا بقية الليل في إنشاء مجلدين رقميين:
الأول احتوى على عقد الملكية المسجل، وما يثبت شراء الشقة قبل الزواج، والمسددات الضريبية.
والثاني أرسلته إلى “ريهام سليمان”، محامية الأحوال الشخصية التي استشارتها دنيا سرّاً قبل ثلاثة أشهر بعدما اكتشفت مسحوبات مالية غير مبررة من الحساب البنكي المالي المشترك مع طارق. لم تكن دنيا مستعدة للمغادرة حينها، أما الآن، فقد أصبحت على أتم الاستعداد.
أرسلت دنيا للمحامية تسجيل كاميرة السيارة، وتقارير المستشفى، وصور الحروق التي أصابت يدها أثناء الطبخ، ولقطات الشاشة لرسائل طارق النصية.
في الساعة 1:17 صباحاً، وبينما كانت دنيا تتلقى الأكسجين، أرسل لها طارق رسالة نصية من شرم الشيخ:
«أمي أعجبها الفندق كثيراً. تأكدي من تنظيف حمام الضيوف جيداً قبل عودتنا.»
وفي الساعة 1:42 صباحاً، أرسلت فريدة صورة لها بجوار حمام السباحة.
وفي الساعة 2:05 صباحاً، كتب طارق:
«وكفي عن التظاهر بالمرض، أنتِ دائماً تبالغين في أدوار الضحية.»
احتفظت دنيا بلقطات شاشة لكل هذه الرسائل.
وفي السابعة من صباح اليوم التالي، اتصل بها سمير:
“لديّ خياران جادان. إحداهما عائلة تحاول الشراء في بنايتكِ منذ أكثر من عام، ويمكنهم تحويل المبلغ بالكامل غداً.”
“حدد موعد المعاينة فوراً.”
“لكنكِ لا تزالين في المستشفى!”
“سأكون هناك.”
رفض الطبيب المعالج إعطاءها إذن الخروج، فوقّعت دنيا إقراراً بالخروج على مسؤوليتها الشخصية، ووعدت بالعودة إذا تساءت حالة تنفسها. صرفت وصفة الأدوية، وغادرت وهي ترتدي كمامة ومعطفاً ثقيلاً.
كانت ساقاها ترتجفان وهي تعبر صالة المستشفى، لكنها قضت سنوات في إدارة جداول زمنية لمشاريع مقاولات بملايين الجنيهات، وتعرف جيداً كيف تدير المواعيد المحددة، والعقود القانونية، والأشخاص الذين يظنون أن هناك ما هو مستحيل.
بحلول الساعة العاشرة صباحاً، كان فريق شركة النقل يقف في مدخل الشقة.
نظر رئيس العمال، “عم جابر”، إلى وجه دنيا الشاحب ثم إلى قائمة الممتلكات المطبوعة في يدها.
قالت دنيا: “كل ما في هذه القائمة يذهب إلى المخازن المكيّفة والمؤمنة: الأجهزة، التلفزيونات، طاولة الطعام، اللوحات الفنية، الأثاث، والمكتب.”
“وماذا عن الباقي؟”
أشارت دنيا نحو غرفة الضيوف، حيث تركت حمتها فريدة نصف خزانة ملابسها خلال زيارتها:
“أكياس القمامة السوداء الكبيرة.”
رفع العاطف حاجبه: “قمامة؟”
“قمامة.”
امتلأت الشقة بأصوات المثاقب، وأشرطة التغليف، وعربات النقل.
حزمت دنيا ما يهمها فقط: ملابسها، حاسوب عملها، أوراقها القانونية، صندوقاً خشبياً يضم خاتمي زفاف والديها الراحلين، وألبوم صور لعائلتها التي طالما استغل طارق يتمها للضغط عليها.
أما كل شيء آخر، فقد تحول إلى مجرد أرقام وحسابات.
الثلاجة التي اشترتها ذهبت للمخزن..
التلفاز ضخم الشاشة الذي كان طارق يتفاخر به ذهب للمخزن..
ماكينة القهوة الإيطالية التي كان يستعملها ويسخر من ثمنها ذهبت للمخزن..
أما أحذيته المتسخة، وبدله، فقد أُلقي بها في أكياس القمامة السوداء.
وحتى مضارب الجولف التي ادعى أنها كانت هدية من عميل — وثبت من كشف حساب بطاقة دنيا الائتمانية أنها هي من دفع ثمنها — فقد صودرت للمخزن لحين حسم ملكيتها قانونياً.
وشال فريدة، وزجاجة العصير الفارغة، والأطباق المتسخة التي تركها والد طارق، كلها أُلقيت في القمامة.
صورت دنيا كل شيء: الأكياس قبل إغلاقها، الفواتير، الأرقام التسلسلية، وسجلت بالفيديو العمال وهم يحملون كل قطعة. كان بإمكان طارق أن ينعتها بالعاطفية أو الانتقامية، لكنه لن يستطيع أبداً أن ينعتها بالمغفلة أو المهملة.
عند الظهيرة، وصل المشتريان؛ “عادل” وزوجته “نور”، بصحبة ابنتهما الصغرى “سلمى”. كانا يستأجران شقة بالقرب من المنطقة منذ أربع سنوات ويدخران للشراء في البناية.
نظرت نور بحرج بينما كان العمال ينقلون الأثاث: “لماذا تبيعين بهذه السرعة؟”
أعطتها دنيا الحقيقة دون التفاصيل: “لأنني اكتشفت أن هذا لم يكن بيتاً مشاركاً، بل كان مكاناً ينتظر فيه أشخاص وثقت بهم ليستولوا على ما أملك.”
تأملت نور عيني دنيا، ثم أومأت برأسها متفهمة.
راجع سمير الشروط: سيحول المشتري العربون هذا بعد الظهر، وينجز الاستعلام العقاري السريع، ويوقع العقود صباح الغد، لتسلم دنيا الشقة خاوية تماماً.
نظر عادل إلى السعر مجدداً: “هل أنتِ متأكدة؟ يمكنكِ الحصول على مبلغ أكبر بكثير إذا انتظرتِ.”
قالت دنيا: “أنا لا أبيع أمتاراً خشبية أو إسمنتية.. أنا أشتري حريتي.”
مع غروب الشمس، كان صدى الصوت يتردد في الشقة الخاوية. جدران عارية، وأثاث اختفى. أما أمتعة طارق فقد ملأت ثلاثة وعشرين كيساً أسوداً كبيراً في انتظار سيارة القمامة.
وقفت دنيا في المكان ذاته الذي سقطت فيه بالأمس. كان الخشب قد جف، ولم يعد هناك أثر للماء المثلج.. أدركت أن القسوة قد تختفي آثارها ظاهرياً عن الأسطح المصقولة، لكن الجسد يظل يتذكرها طويلاً.
اهتز هاتفها: “طارق”.
تركته يرن حتى ينتهي. أتبع ذلك برسالة نصية:
«مطعم الفندق باهظ الثمن. حولي 20 ألف جنيه للحساب المشترك.»
فتحت دنيا التطبيق البنكي، ولم تحول شيئاً. بدلاً من ذلك، ونزولاً عند نصيحة محاميتها، نقلت رصيدها الشخصي إلى حساب فردي خاص بها، مع توثيق كل خطوة، وألغت طارق كَمُستخدم مجاز لبطاقاتها الائتمانية.
بعد ثلاثين ثانية، ظهرت رسالة أخرى:
«لماذا رفُضت بطاقتي الائتمانية؟»
ابتسمت دنيا للمرة الأولى منذ سكب الماء على وجهها.
اتصل بها سمير من شركة التوثيق العقاري: “الاستعلام نظيف تماماً، والمشترون مستعدون لتحويل المبلغ صباح الغد.. لكن هناك أمر آخر، تلقت أمن البناية اتصالاً من طارق يستفسر عن سبب وجود سيارة نقل أثاث مسجلة باسم شقتكِ.”
قفز نبض دنيا: “ماذا قالوا له؟”
“لا شيء حتى الآن.”
أطلت دنيا من النافذة وقالت: “أخبروهم بالحقيقة.”
“أنكِ تنتقلين؟”
“لا.. أخبروهم أن المالكة تقوم بتنظيف البيت!”
الجزء الثالث: تنظيف البيت الأخير
تم إغلاق الصفقة وتوقيع العقود في التاسعة من صباح اليوم التالي.
ارتدت دنيا بدلة سوداء وكمامة طبية. خفت حمّت أخيرًا، لكن كل نفس عميق كان يسحب ألمًا خفيفًا في صدرها.
أكد موظف الشهر العقاري ما كانت دنيا تعلمه بالفعل: هي المالكة القانونية الوحيدة، والشقة اشتُريت قبل الزواج، ولم يظهر اسم طارق في أي وثيقة، كما لم يسهم راتبه في ثمنها أو صيانتها.
بمجرد تأكيد التحويل البنكي، وقّعت دنيا.
كان القلم يبدو ثقيلاً في يدها. لخمس سنوات، مثلت هذه الشقة ملاذ أمانها بعدما دفنت والديها، والآن تسلمها لعائلة ستصونها بدلاً من عائلة طارق التي تعاملت مع أمانها كإرث ينتظرون النهب منه.
بحلول الظهيرة، غيّر قفل الباب الإلكتروني، وتسلم المشتري الجديد البطاقات والرموز الجديدة. تركت دنيا بطاقاتها القديمة على طاولة المطبخ، واستقلت سيارة أجرة إلى فندق حجزت فيه المحامية جناحاً باسم دنيا قبل الزواج.
من هناك، رفعت دنيا كل الوثائق إلى البوابة الإلكترونية للمحامية: تسجيل السيارة، اتصال الإسعاف، تقارير المستشفى، صور الحروق، عقد البيع، وتفريغ حركة الحسابات.
كما أرفقت مجلداً خاصاً بعنوان: «مصاريف الشركة».
فخلال السنة الماضية، كان طارق يلقي بفواتير مطوية على مكتب دنيا ليطلب منها تنظيم تقارير الاسترداد المالي لشركته، حيث يعمل مديراً إقليمياً للمبيعات في شركة أجهزة طبية.
ولاحظت دنيا حينها مخالفات جسيمة: حقيبة يد فاخرة بقيمة 100 ألف جنيه مصنفة كـ “هدية لكبار العملاء”، ومستحضرات تجميل باهظة كـ “عينات دعاية”، وعطلات في منتجعات كـ “مؤتمرات مبيعات”.. وكل العناوين المسجلة للمستلمين كانت تؤدي إلى منزل والدته فريدة!
كان طارق يفترض أن دنيا لا تدقق، لأنها كانت تنهي المعاملات الورقية دون جدال.
كان واهماً.
اتصلت دنيا بالمحامية: “لا أريد تهديده بهذه الفواتير.”
قالت المحامية: “حسنًا، لأن التهديد قد يفسر كابتزاز.”
“أريد أرسالها لشركة عمله بشكل جهة مجهولة.”
“هل أنتِ مستعدة لما قد يحدث؟”
“لقد سكب الماء المثلج على امرأة تحترق بـ 40 درجة مئوية وتركها تصارع الالتهاب الرئوي بمفردها.”
“أنا جاهزة.”
في ذلك بعد الظهر، رفعت المحامية دعوى طلاق للضرر وشقاق، وطلبت أمر حماية مستعجل استناداً إلى الإهمال في حالة طبية حرجة، والرسائل التهديدية، والابتزاز المالي الموثق بالتسجيل.
نامت دنيا اثنتي عشرة ساعة متواصلة. وعندما استيقظت، وجدت 31 رسالة من طارق:
الأولى تطالب بالمال..
ثم اتهامات بإحراجه لجميد بطاقته..
ثم تغيرت النبرة:
«هل أنتِ حقاً في المستشفى؟ لماذا لم تخبريني بأنه أمر خطير؟ أمي تقول إنكِ تتلاعبين بي.. اتصلي بي الآن، أنتِ زوجتي ولا تتخذين قرارات مالية دوني!»
والرسالة الأخيرة عند 3:11 صباحاً:
«أياً كانت اللعبة التي تلعبينها، فستنتهي فور عودتي للمنزل.»
احتفظت دنيا بكل شيء.
بعد ثلاثة أيام من البيع، هبط طارق ووالداه في مطار القاهرة، محروقين من الشمس، ومتعبين ومستائين من رسوم الأمتعة الإضافية.
كانت فريدة تتذمر طول الطريق لأن دنيا لم ترسل سيارة خاصة لاستقبالهم، بينما طمأنها طارق بأن زوجته لابد أنها تعلمت الدرس: “هي تعلم أنها بالغت، وفور وصولنا للبيت ستعتذر.”
في مصعد البناية بالزمالك، التقت بهم إحدى الجارات. نظرت إلى حقائبهم وقالت: “عدتم من السفر؟”
قالت فريدة بتفاخر: “من شرم الشيخ! ابننا يدللنا.”
نظرت الجارة لطارق بغرابة: “ألم تتحدث إلى دنيا؟”
قطم طارق حاجبيه: “هي في البيت.”
تغيرت تعابير وجه الجارة، لكن أبواب المصعد فتحت قبل أن تجيب.
سحب طارق حقيبته نحو الشقة وادخل الرمز..
أضاء القفل باللون الأحمر.
حاول مجدداً.. أحمر!
في المحاولة الثالثة، انطلق صوت إنذار مبهم.
شهقت فريدة: “غيرت الرمز؟!”
طرق طارق الباب بقوة: “دنيا!”
لا إجابة.
دفعت فريدة ابنها وضربت الباب بكلتا يديها: ” يا قليلة الأصل! افتحي الباب فوراً!”
فتح الباب، لكن من كان يقف لم يكن دنيا.. بل كان المشتري الجديد “عادل”، يقف بسروال رياضي ممسكاً بهاتفه، وخلفه حقيبة ابنته الوردية، وصور عائلية على الطاولة.
صرح طارق: “من أنت؟!”
نظر عادل إلى الحقائب وإلى يد فريدة المرفوعة: “كنت على وشك سؤالكم السؤال نفسه.”
“هذه شقتي!”
رد عادل بهدوء: “لا، إنها شقتي أنا.”
ضحك طارق بسخرية: “زوجتي هي من تملك هذا المكان.”
“أنا وزوجتي اشتريناه منها بصفة رسمية.”
حاولت فريدة دفع عادل واقتحام المكان، فمنعها بصرامة: “إن لمستِني مجدداً سأطلب الشرطة فوراً.”
أخرج طارق هاتفه، فصرفت فريدة: “اتصل بهذه الحرامية فوراً!”
رفع عادل هاتفه: “أنا من سيتصل بالشرطة.”
بعد عشر دقائق، وصل شرطيان.
ركض طارق نحوهما: “هذا الرجل اقتحم بيتي!”
عرض عادل ببرود العقد المسجل، وشهادة التصرفات العقارية، وإثبات الشخصية.
تأكد الضابط وقال لطارق: “العقار ملك السيد والسيدة الجدد.”
“هذا مستحيل! أنا زوج المالكة!”
رد الضابط: “المالكة السابقة.. السجلات تؤكد أن الشقة ملكية خاصة مسجلة باسمها وقامت ببيعها ونقل ملكيتها بصفة قانونية.”
صرخت فريدة بأن الزواج يعطي ابنها النصف في كل شيء، فهز الضابط رأسه: ” ليس في الملكيات الخاصة السابقة للزواج. الأوراق رسمية وسليمة.”
سأل طارق بذهول: “أين أمتعتي وأغراضي؟”
خرج مدير أمن البناية من المصعد وقال: “المالكة السابقة استأجرت شركة نقل؛ أغراضها الثمينة ذهبت للمخازن المخصصة، أما باقي المتروكات والمهملات فقد تم التخلص منها كنفايات.”
“أي نفايات؟!”
نظر المدير إلى الأكياس التي تحملها فريدة: “ملابس، أحذية، كراكيب شخصية.. تم جمعها في ثلاثة وعشرين كيساً أسوداً كبيراً وتم إلقاؤها.”
سمعت ضحكة مكتومة من خلف باب أحد الجيران.
التفت طارق ببطء نحو المصعد، وحينها رن هاتفه.. كانت “دنيا”.
أجاب ويداه ترتجفان: “أين أنتِ؟!”
كانت دنيا تجلس بجوار نافذة الجناح الفندقي وتشرَب شايها: “ألم تطلب مني تنظيف البيت قبل عودتكم؟”
تطلع طارق بذهول إلى العائلة الجديدة الواقفة في الشقة التي ظن أنه يسيطر عليها: “ماذا فعلتِ؟!”
“لقد نظفته.”
الجزء الرابع: الباب الذي لم يعد يفتح لأجله
ضغط طارق الهاتف على أذنه: “بِعتِ بيتي؟!”
ردت دنيا: “لم يكن بيتك يوماً.”
حاولت فريدة سحب الهاتف وهي تصرخ، فقال طارق لدنيا: “قولي لها أن تلغي البيع!”
سمعت دنيا الصراخ وقالت بثبات: “البيع نهائي، والمبلغ في حسابي الفردي، والعقد تسجل، والأقفال أصبحت ملك المالك الجديد.”
“لا يمكنكِ فعل ذلك دون إذن مني!”
“بل أستطيع، وقد فعلت.”
“وملابسي وبدلي؟!”
“أنت من طلب مني إزالة القمامة.. وقدمت مستندات بكل شيء للمحامية.”
أخذت فريدة الهاتف وتعدت بالدعاء والشتائم: “يا أفعى! ابني وضع روحه في هذا البيت!”
ردت دنيا بنبرة جافة: “ابنك لم يدفع جنيهاً واحداً في شرائه.. وبسبب تفكيركم هذا أنتِ تقفين الآن في الممر.”
ثم أضافت: “يا مدام فريدة، تم رفع دعوى طلاق، وهناك أمر بعدم التعرض لي أو الاقتراب من مقر عملي أو سكني.”
أخذ طارق الهاتف مجدداً بذهول: “دعوى طلاق؟ لن تطلقي مني بسبب شجار واحد!”
ردت دنيا: “لقد سكبت عليّ الماء المثلج وأنا مصابة بالتهاب رئوي حاد، وتخطيت جثتي لتسافر إلى شرم الشيخ، ثم جلستم تتآمرون على تجويعي وإذلالي لتستولوا على الشقة.”
ساد صمت ذهول في الممر، وتوسعت عينا طارق: “كيف عرفتِ بذلك؟!”
ابتسمت دنيا: “كاميرا السيارة الذكية.. التسجيل كامل لدي؛ مخططكم للاستيلاء على الشقة، ومخطط والدك لتمويل مشروع ابنتكم من حسابي الاستثماري، ونيتك استخدام الحمل للسيطرة علي.”
تراجع طارق وسند ظهره على الجدار، ولم يعد الشرطيان أو الجيران يبدون كجمهور يمكنه التلاعب به، بل كشهود على خزيـه.
قال بصوت خافت: “لم أكن أعلم أنكِ مريضة لهذه الدرجة..”
“لأنك لم تكلف نفسك عناء الاطمئنان علي.. الطبيب قال إنني كنت سأموت لو تأخرت بضع ساعات.”
“تعالي لنلتقي ونحل الأمر..”
“الشيء الوحيد الذي عليك حله هو ردك على إعلان الطلاق.”
وأغلقت الخط وحظرته.
اضطرت عائلة طارق لقضاء الليلة في لوكاندة رخيصة بجوار المطار، رائحتها منظفات صلبة ومكيفها يصدر ضجيجاً. صبت فريدة جام غضبها على دنيا، بينما ألقى والد طارق باللوم على ابنه لأنه لم يسجل اسمه في عقد الشقة مبكراً، أما طارق فقد ألقى باللوم على الجميع.
لكن الأمور أخذت منحنى أشد خطورة في الساعة 8:12 من صباح اليوم التالي؛ حيث استلم طارق بريداً إلكترونياً من الشؤون القانونية والموارد البشرية في شركته:
«مراجعة أمنية وإدارية عاجلة — الساعة 9:00 صباحاً».
حضر طارق بقميص الأمس. في الغرفة، واجهه مدير الأمن المالي بالفواتير:
حقيبة اليد الفاخرة ذات الـ 100 ألف جنيه الموجهة لعنوان فريدة..
ومستحضرات التجميل المسجلة باسم فريدة..
وفاتورة رحلة شرم الشيخ لثلاثة أفراد مع تذاكر الطيران وجلسات المساج التي صنفها كـ “مؤتمر مبيعات”!
حاول طارق إلقاء اللوم على دنيا: “زوجتي هي من كانت تعد التقارير المالية!”
رد مدير الموارد البشرية بصرامة: “لكنك أنت من وقعت عليها واعتمدتها وقدمتها للحسابات.. هل دفاعك هو أنك أمرت زوجتك بتزوير المستندات؟”
أدرك طارق أنه وقع في الفخ الذي حفره بنفسه.
في الساعة 9:47 صباحاً، تم إيقافه عن العمل دون راتب.
وفي الساعة 10:03، سلم بطاقة الدخول وحاسوب الشركة.
وفُتح تحقيق جنائي داخلي للمطالبة برد الأموال تحت تهديد الإحالة للنيابة العامة.
خرج طارق يحمل كرتونة أمتعته، يحرسه رجل الأمن، بينما تجنب زملاؤه النظر في عينيه.
حين عاد للوكاندة وسألته أمه عما حدث، ألقى الكرتونة على الأرض وقال: “طُرِدت من العمل.”
صرخت فريدة: “ماذا قالت لهم تلك الشريرة؟!”
قال والد طارق من على السرير: “هي لم تقل شيئاً.. أنت من سرقت الشركة يا فالح!”
انكشفت الحقيقة، وطالبت الشركة بالرد الفوري للمبالغ.
حضر محضر المحكمة ليعلن طارق بدعوى الطلاق وأمر عدم التعرض.
نظر طارق إلى الغلاف القانوني، ثم إلى حقيبة أمه الفاخرة.. لم يكن بيع الشقة هو ما دمر حياته، بل كشف فقط عن الحقيقة العارية لما كانت عليه حياته بالفعل.
الجزء الخامس: المرأة التي رفضت أن تظل صامتة
عادت دنيا لعملها بعد أسبوعين. لم تتعافَ رئتاها بالكامل، لكنها انتقلت لعيش في شقة مفروشة ومؤمنة تطل على النيل، وغيّرت كل كلمات المرور للحسابات والبطاقات.
حصلت المحامية على أمر حماية نهائي بعد تقديم التقارير الطبية وتعديات فريدة.
حاولت فريدة تحدي القرار والحضور لمقر شركة دنيا وهي تحمل الحقيبة الفاخرة وتصرخ في البهو: “سَرقت بيت ابني!”
نزلت دنيا برفقة أمن المبنى والشرطة، وأمام الجمع الغفير من الموظفين والمارة، قالت دنيا بأعلى صوت:
“هذه الحقيبة التي تحملينها هي الأموال التي سرقها ابنكِ من شركته واشترها لكِ تحت بند هدايا عملاء، ورحلة شرم الشيخ كانت من أموال اختلاسه!”
تجمهر الناس، وصور الموظفون مقاطع فيديو للواقعة وهي تُقتاد مكلبشة إلى سيارة الشرطة بتهمة خرق أمر قضائي والسب والقذف. انتشار الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي كشف المستور أمام أقارب طارق وعائلته، لتنهار الصورة الزائفة التي رسمتها فريدة لابنها طوال سنوات.
في جلسة التسوية القانونية للطلاق، حضر طارق ببدلة مستعارة وشاحبة، وقد فقد الكثير من وزنه. بينما حضرت دنيا ببدلة سوداء أنيقة، تتضح عليها القوة والتعافي.
طلب طارق التنازل، فشغلت دنيا التسجيل الصوتي لسرقة الشركة، وتسجيلات كاميرا السيارة، وصوت تساقط مكعبات الثلج وأمره القاسي لها وهي تحتضر.
ساد الصمت الغرفة، وابتلت عينا طارق بالدموع: “كنت غاضباً..”
ردت دنيا: “كنت منظمًا وتخطط.. الغضب لحظة، أما أنت فكانت لديك استراتيجية لإذلالي وتجريدي من ملكيتي.”
وقع طارق على عقد التسوية والطلاق وهو يرتجف، متنازلاً عن أي ادعاءات، ومجبراً على بيع سيارته لرد أموال الشركة لتجنب السجن.
سألها بصوت مكسور: “هل تكرهينني يا دنيا؟”
فكرت دنيا ملياً ثم قالت: “لا.. أنا فقط لم أعد أشعر بأي مسؤولية تجاهك.”
وكانت هذه الإجابة أشد إيلاماً له من الكراهية.
الجزء السادس: الفاتورة وصلت أخيراً
أصبح الطلاق رسمياً بعد أربعة أشهر.
باع طارق سيارته ليرد جزءاً من أموال الشركة، واضطرت فريدة للتخلي عن الحقيبة والمجوهرات الفاخرة لبيعها وسداد باقي المبالغ تحت جدول مالي صارم يُستقطع من أي دخل مستقبلي لطارق.
عادت عائلة طارق إلى منزلهم القديم المتهالك في إحدى القرى الصعيدية. واضطر طارق للعمل كعامل شحن وتفريغ في أحد المخازن العمومية.. عمل شاق وجسدي، بعيد كل البعد عن الصورة التنفيذية البراقة التي كان يدعيها.
في المقابل، أعادت دنيا بناء حياتها بذكاء. لم تشترِ شقة فوراً، بل استأجرت شقة في برج حديث بحراسة أمنية على مدار الساعة وتطل على النيل. اختارت كل قطعة أثاث بنفسها؛ لا غرفة ضيوف لفريدة، ولا تلفاز ضخم لطارق.
وضعت صورة والديها على رف بجوار النافذة، وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن النظر إليهما يشعرها بالوحدة، بل يذكرها بأنها نَجت.
في العمل، ترقت دنيا لتصبح مديرة لتطوير المشاريع العمرانية. وفي إحدى جلسات الدعم النفسي للنساء اللاتي يتعرضن للابتزاز والسيطرة المالية، كانت دنيا تعلمهن خطوات عملية: احتفظن بنسخ العقود، اعرفن الحسابات الخاصة، وثقن التهديدات، ولا تخلطن بين السرية لحماية أنفسكن وبين الخيانة.
سألتها إحدى الفتيات: “هل ندمتِ على بيع الشقة بأقل من سعرها؟”
أجابت دنيا بصدق: “الـ 15% التي خسرتها في السعر… كانت الثمن الذي اشتريت به السرعة، والسرعة هي ما منحتني المسافة، والمسافة هي ما أنقذت مستقبلي.”
بعد ستة أشهر، تلقت دنيا بطاقة معايدة من المشتري الجديد “عادل” وزوجته، بها صورة لابنتهما تبتسم في الصالون المشرق، وكتبا خلفها:
«هذا البيت أصبح ممتلئاً بالضحك والدفء.. شكراً لأنكِ اخترتِنا.»
ابتسمت دنيا؛ فالبيوت لا تحمل القسوة في جدرانها، بل البشر هم من يدخلونها عبر الأبواب، والبشر الصالحون قادرون على ملئها بالدفء مجدداً.
الخاتمة: الشخص الوحيد الذي يملك الرموز
مر عام كامل..
في ليلة رأس السنة، كانت دنيا في مطبخ شقتها أعدت العشاء لأربعة من أصدقائها المخلصين والداعمين.. لا أسر مستغلة، ولا نقد لا يرحم.
عند منتصف الليل، أضاءت الألعاب النارية سماء النيل.
رفع أصدقاؤها كؤوس العصير، وقال سمير: “إلى البيوت النظيفة!”
وقالت المحامية: “وإلى العقود النظيفة!”
ورفعت دنيا كوبها وقالت: “وإلى معرفة متى يكون الشيء غير قابل للتنظيف.. فيجب التخلص منه فوراً.”
بعدما غادر الأصدقاء، مشت دنيا في أرجاء الشقة الهادئة.
أخرجت من صندوقها الخشبي إيصال شراء أكياس القمامة السوداء الذي احتفظت به طوال فترة الطلاق، وقامت بتمريره في آلة تقطيع الأوراق، لتمزقه إلى أشرطة بيضاء صغيرة وهي تبتسم.
تلقت رسالة على هاتفها من رئيس مجلس إدارة شركتها، يبلغها بأنه تم اختيارها لقيادة مشروع إقليمي ضخم لإنشاء مجمع طبي في دبي، بمتطلبات قيادية عليا.
قال لها: “نحتاج إجابتكِ بحلول يوم الجمعة.”
نظرت دنيا إلى أضواء المدينة الممتدة أمامها وقالت: “لا داعي للانتظار لليوم الجمعة.. أنا موافقة.”
أغلقت المكالمة وبدأت تخطط لمستقبلها الواعد.
وقفت عند الباب الرئيسي لشقتها؛ القفل الإلكتروني الذكي ينتظر بصمتها.
لقد ظن طارق يوماً أن الزواج يعطيه الحق في كل غرفة، وكل حساب، وكل تضحية، وكل مستقبل تبنيه.. وظن أن خوفها من الوحدة سيجعل الباب مفتوحاً له للأبد.
كان واهماً.
وضعت دنيا إصبعها على اللوحة، ففتح القفل في التو واللحظة.
خرجت إلى الممر وأغلقت الباب خلفها..
ولم يكن الصوت هذه المرة إيذاناً بالنهاية، بل كان إذناً بالبدء من جديد.
– تمت –


تعليقات
إرسال تعليق