القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


زوجي تزوج صديقة عمري – محمد نور



زوجي تزوج صديقة عمري وأنا تحت البنج – محمد نور


الفصل الأول: زوجته الجديدة وقّعت قرار موتي


عندما أفقتُ من الجراحة، أخبرتني الممرضة أن زوجي قد عقد قرانه على صديقة عمري في الطابق السفلي… وأن زوجته الجديدة وقعت قراراً بمنع إنعاشي!


لثوانٍ معدودة، توهمتُ أن البنج قد حرّف كلماتها في أذني.


كان سقف غرفة الإفاقة يمتد فوقي في مربعات باهتة، بينما تتصاعد صفارات الأجهزة من خلف رأسي، وكل نَفَس أتسحبه كان يمزق الأحشاء تحت أضلاعي ألمًا.


همستُ بصوت متهدج: “زوجي… أين طارق؟”


توقفت يد الممرضة وهي تتفقد أنبوب المغذي في وريدي.


كانت بطاقتها الاسمية تُظهر: سمر المنصور – ممرضة قانونية، لكنني لم أرَ وجهها من قبل. تطلعت نحو الباب الزجاجي وكأنها ترجو أن يدخل أحد ليتولى الإجابة بدلاً عنها.


– “مدام سارة…”


– “سارة، أرجوكِ، ناديني بسارة.”


انقبضت ملامح وجهها قائلة: “الأستاذ طارق في مصلى المستشفى.”


شعرتُ ببريق من الراحة أولاً؛ لابد أنه ذهب هناك ليدعو لي، فهذا دأبه حين يتملكه الخوف، رغم أنه لا يفعل ذلك غالباً إلا أمام أعين الناس.


لكن “سمر” أردفت: “لقد أتمَّ مراسم عقد القران هناك.”


حاولتُ رفع رأسي، فاجتاح ألمٌ حاد أحشائي: “أيُّ عقد قران؟!”


انفتح الباب قبل أن تجيب.


دخل رجل طويل القامة يرتدي زياً جراحياً أزرق داكناً، ويحمل ملفاً ورقياً رغم وجود جهاز لوحي تحت إبطه. كان الشيب يداعب الشَعر الداكن عند صبغيه، ووجهه يفيض بالصرامة، بينما علت كُمَّه قطراتٌ جافة من الدم.


قالت الممرضة بصوت خفيض: “دكتور رامي…”


تطلع إلى الشاشة المراقبة للعلامات الحيوية قبل أن ينظر إليّ:


– “سارة، أنا الدكتور رامي التميمي. أُستدعيتُ لمتابعة جراحتكِ عندما انخفض ضغط دمكِ بشكل حاد.”


– “أنت لست جراحي!”


– “صحيح.”


– “إذن، ما الذي تفعله هنا؟”


وضع ورقة على الطاولة المجاورة لفراشي.


في أعلاها، وبخط أسود عريض، كُتبت عبارة: عدم الإنعاش (DNR)


كان اسمي مدوناً تحتها… ومعه اسم داليا الشامي.


على مدى ثمانية عشر عاماً، كانت “داليا” هي الشخص الأول الذي أهرع إليه؛ اتصلتُ بها يوم توفي والدي، ويوم تقدّم “طارق” لخطبتي، ويوم ورثتُ “مؤسسة ومراكز السعد للتأهيل” دون أن أعرف كيف أديرها. كانت توأم روحي وصديقة عمري.


سألتُه بصوت لاهث: “هي من وقعت هذا؟”


– “بصفتها الوكيل الطبي المعتمد لكِ.”


– “هذا مستحيل! طارق هو زوجي والوليَّ عليّ!”


تحرك فك “رامي” بصلابة: “النظام الإلكتروني للمستشفى لم يعد يسجّله كزوج لكِ.”


بدأت الشاشة بجانبي تصدر صفارات متسارعة. عدلت “سمر” شيئاً في المصل، لكن “رامي” قاطعها:


– “لا مزيد من المهدئات.”


– “لكنها تحتاج إلى الهدوء!”


– “بل تحتاج إلى أن تظل بكامل وعيها.”


نظرتُ بينهما بضياع: “ما الذي حدث في غرفة العمليات؟”


لم يلطّف “رامي” إجابته بل قال بصراحة: “توقف قلبكِ لمدة اثنتين وخمسين ثانية.”


دارت بي الغرفة.


– “لكننا استعدنا النبض والدورة الدموية.”


– “رغم أن القرار المكتوب يمنع ذلك؟”


– “نعم.”


– “ولماذا لم تتتبع الأوامر؟”


– “لأن القرار أُدخل إلى النظام بعد أن كُنتِ تحت تأثير المخدر، ومن قِبَل وكيلة لم أتمكن من التحقق من صلاحيتها. رفضتُ أن تدع ورقة مجهولة الأسباب تحسم مسألة حياتكِ أو موتكِ.”


ترددت أصداء خطوات في الممر.


دخل “طارق” أولاً. كان لا يزال يرتدي بدلته الكحلية التي رأيتها صباحاً قبل أن يغيبني البنج، لكن ربطة عنقه تغيرت إلى اللون الفضي، ووردة بيضاء ثُبّتت على طية صدره.


وتبعته “داليا”. كانت ترتدي فستاناً عاجياً تحت معطفها… معطفي أنا! ذلك المعطف الذي استعارته مني منذ شهرين ولم ترجعه. وكان هناك خاتم ذهبي رفيع يتلألأ في بنصر يدها اليسرى.


تطلعتُ إليها حتى غشيت الدموع بصري.


اقترب “طارق” من سريري: “سارة، عليكِ أن تهدئي.”


– “هل تزوجتها؟”


لم يدم صمته أكثر من ثانية… لكنها كانت كافية.


انخرطت “داليا” في البكاء: “لم نكن نريد أن تعلمي بهذه الطريقة!”


– “أعلم؟!” خرج صوتي مكسوراً ومخنوقاً.


رمق “طارق” الدكتور “رامي” بنظرة وكأنه العقبة الوحيدة في الغرفة، ثم قال بنبرة هادئة: “لقد وقّعتِ على وثيقة الطلاق قبل ثلاثة أسابيع، وصدر الحكم النهائي وصار نافذاً هذا الصباح.”



– “أنا لم أوقّع أي شيء!”


– “كنتِ تحت ضغوطات نفسية هائلة، وقد لا تتذكرين كل التفاصيل.”


مدت “داليا” يدها لتلمسني، فابتعدتُ عنها بذعر: “وقّعتِ على أمر لتركي أموت!”


انهارت ملامح وجهها وقالت: “طارق قال إن هذه كانت رغبتكِ إذا حدث أي خطأ!”


رفع الدكتور “رامي” ورقة منع الإنعاش وسأل: “متى تم توثيق وإثبات التوقيع على الطلاق؟”


تصلبت عينا “طارق”: “هذه مسألة قانونية لا تخصك.”


فتح “رامي” السجل الإلكتروني على جهازه اللوحي وقال: “الوثائق المرفوعة تُظهر أن سارة أكّدت توقيعها بنفسها في الساعة 10:42 صباح اليوم.”


قال طارق بثقة: “هذا صحيح.”


أدار “رامي” الشاشة نحو وجه “طارق” وقال بنبرة قاطعة: “لقد خضعت سارة للتخدير الكلي في الساعة 10:05… ففسّر لي كيف وقّعت على طلاقها بعد سبع وثلاثين دقيقة من فقدانها للوعي؟!”


الفصل الثاني: عقد طلاق وقّعته وأنا فاقدة للوعي


كان “طارق” أول من استعاد رباطة جأشه، فقال بنبرة واثقة: “التوقيع تم إلكترونياً، وهي من أذنت به في وقت سابق.”


أبقى الدكتور “رامي” الجهاز اللوحي مواجهاً له وقال: “السجلات تُظهر إجراء التحقق عبر بصمة الوجه في تمام الساعة 10:42 صباحاً.”


التفتت أصابع “داليا” بتوتر حول الحلقة الذهبية في يدها، ونظرت إلى “طارق”.


تلك النظرة السريعة الخاطفة بينهما أرعبتني أكثر من أي إجابة أخرى؛ لم يكونا متفاجئين، بل كانا يقرران معاً أي رواية سيكذبان بها الآن!


قلتُ بصوت متهدج: “هل تزعمان أنني أثبتُّ التحقق قبل دخولي الجراحة؟”


رد “طارق” بهدوء مصطنع: “لقد كنا نناقش مسألة الطلاق منذ أسابيع يا سارة.”


– “هذا لم يحدث أبداً!”


أخرج هاتفه من جيبه وعرض سلسلة رسائل تحت اسمي:


> “لم أعد أستطيع التظاهر بأن هذا الزواج ناجح.”


> وتلتها رسالة أخرى:


> “فور انتهاء الجراحة، أريدك أنت وداليا أن تتوليا إدارة مراكز السعد.”


>


حدقتُ في الكلمات… كانت طريقة صياغتها تشبه أسلوبي تماماً؛ جمل قصيرة، وعلامات ترقيم دقيقة. لكنني لم أكتب تلك الرسائل قط!


قلتُ بحدة: “أعطني هاتفي!”


أعاد طارق هاتفه إلى جيبه قائلاً: “أغراضك الشخصية في أمان.”


– “في أمان معك أنت؟!”


– “أنتِ لستِ في حال تسمح لكِ بالتفكير بوضوح.”


تدخل الدكتور “رامي” قاطعاً المسافة بين “طارق” وسريري: “لقد نجت للتو من توقف في القلب، كُفّ عن استفزازها.”


– “أنا زوجها!”


– “وفقاً للوثائق التي تحملها، أنت لست كذلك.”


انفتح الباب، ودخلت المستشارة القانونية للمستشفى، الأستاذة “دانا العبدالله”، يرافقها اثنان من رجال الأمن.


قالت “دانا”: “سارة، أُبلغت المستشفى بتغير حالتكِ الاجتماعية هذا الصباح. وإلى أن تنظر المحكمة في هذا النزاع، تظل داليا الشامي هي الوكيل الطبي المعتمد لكِ.”


هتفتُ بقوة: “لا! أبعدوها عني!”


ألقى المستشارة نظرة على “داليا” وقالت: “الوثيقة التي تمنحها هذه الصلاحية تعود لتاريخ قديم يسبق زواجكِ.”


تذكرتُ فوراً… وقّعتُ تلك الوثيقة قبل اثني عشر عاماً، عندما كنا في العشرين من عمرنا ونعتقد أن الصداقة تدوم للأبد. وكان من المفترض أن تنتقل الوكالة إلى “طارق” بعد زواجنا، أو هكذا ظننت!


سألتُ بذهول: “لماذا لم تُعدَّل الوكالة؟”


كان صمت المستشارة كافياً لأفهم أن أحدهم حرص عمداً على إبقائها كما هي.


رن هاتف آخر… سحبت “داليا” هاتفي الشخصي من حقيبتها، وكانت صورة زفافي لا تزال تزين الشاشة الرئيسية.


صحتُ فيها: “هاتفي معكِ؟!”


ردت بتلعثم: “أعطيتِني إياه قبل العملية…”


– “أنا سلمته لطارق!”


تبادلا النظرات السريعة مجدداً. ومددتُ يدي: “أعيديه إليّ.” لكن “طارق” انتزع الهاتف منها بسرعة.


حنحنت المستشارة “دانا” وقالت: “هناك أمر آخر… لقد دعا مجلس إدارة ‘مؤسسة السعد’ إلى اجتماع طارئ.”


– “لماذا؟”


لطّف “طارق” نبرته: “سارة، قلبكِ توقف عن النبض، والمجلس لا يمكنه السماح لكِ بإدارة القرارات المالية بينما أهليتكِ الطبية غير مستقرة.”


– “أهليتي سليمة تماماً!”


تدخلت “دانا” بحذر: “لكنكِ تتهمين زوجكِ بتزوير عقد طلاقكِ.”


– “لأنه زوّره بالفعل!”


تنهد “طارق” باصطناع للأسى، وأطلع المستشارة على رسائل أخرى أدّعيتُ فيها أنني أعاني من مشاكل في الذاكرة وتشتت، وأخشى أن أُصاب بما أصاب أمي! رحمها الله، توفيت أمي بمرض الخرف المبكر… وكنت قد شاركتُ “طارق” هذا الخوف السري في ليلة دافئة، والآن يحول سرّي الأكثر إيلاماً إلى دليل يتهمني بالجنون!



أغلقت المستشارة ملفها وقالت: “إلى أن ينتهي التقييم المستقل، قرر المجلس تعيين الأستاذ طارق قائماً بأعمال التنفيذي.”


لقد خططا لكل شيء: “طارق” يسيطر على شركتي، و”داليا” تتحكم في قراراتي الطبية، وهاتفي بحوزتهما!


التفت الدكتور “رامي” إلى المستشارة وقال: “أريد نسخاً من الأشعة المقطعية التي أُجريت قبل الجراحة.”


اتجه نحو الحاسوب وفتح الأشعة. كانت الصورة تُظهر انتفاخاً خطيراً في شريان البطن. كبّر الصورة ودقق في الشريط التعريفي المكتوب على حافتها، فجأة… توقفت يده!


سألتُه بفزع: “ماذا هناك؟”


فتح صورة أخرى أُخذت أثنـاء الجراحة وقال: “التشريح لا يتطابق… الأشعة التي أُدخلتِ بسببها إلى جراحة عاجلة لا تعود لكِ مطلقاً!”


ساد الصمت الغرفة، وتطلعتُ إلى “طارق”… وللمرة الأولى، رأيتُ علامات الخوف الحقيقي تعلو وجهه!


نظر “رامي” إلى المستشارة القانونية وقال بثقة قاطعة: “لقد وضع أحدهم أشعة مريض آخر في ملف سارة، وأجريتم جراحة لامرأة سليمة تماماً!”


الفصل الثالث: العملية التي لم أكن بحاجة إليها


أمرت المستشارة القانونية الجميع بالخروج من الغرفة باستثناء الدكتور “رامي”، لكن “طارق” رفض الخروج قائلاً: “أنا المسؤول عن رعايتها!”


التفت إليه “رامي” بنبرة حادة: “فقدتَ هذا الحق في اللحظة التي وقّعت فيها زوجتك الجديدة أمراً بتركها تموت!”


تدخل رجل أمن ليحول بينهما، وأغلقت “دانا” الباب خلف “طارق” و”داليا”. ومن خلال الزجاج، رأيتُ “طارق” يرفع هاتفه فوراً إلى أذنه… لم يكن يتصل بمحامٍ، بل كان يحذر شريكاً له!


عاد “رامي” إلى الشاشة وقارن الصور: “الأشعة الأولى لامرأة ذات قفص صدري أضيق وانحناء مختلف في العمود الفقري. الأشعة زُوّرت باسمكِ وتاريخ ميلادكِ ورقم ملفكِ.”


– “ولماذا لم يلاحظ أحد ذلك قبل شق بطني؟!”


– “في الحالات الطارئة، يعتمد الفريق الطبي على البيانات المرفقة بالملف.”


– “وأنت اعتمدت عليها أيضاً!”


خرجت كلماتي بألم وقسوة لم أقصدها، لكن “رامي” تقبّلها دون دفاع عن نفسه: “نعم… للأسف.”


واصلتُ بغضب: “أتيتُ إلى هنا لأن طارق قال إن هذا المستشفى يضم أفضل طاقم للأوعية الدموية، وداليا هي التي رتّبت كل شيء!”


تطلع “رامي” إلى الضمادة التي تلف أحشائي وقال: “عندما فتحنا موضع الجراحة، لم نجد أي انتفاخ في الشريان!”


– “إذن… لماذا توقف قلبي؟!”


تغيرت ملامح وجهه وساد الصمت، فسألته بفزع: “ما الذي حُقنتُ به؟!”


– “نحن نفحص السجلات الآن.”


في المساء، أُبعد الدكتور “رامي” عن متابعة حالتي، وجاء رئيس الأطباء ليبلغنا بقرارات الإدارة: إيقاف “رامي” عن العمل لإجرائه إنعاشاً لمريضة لديها أمر بـ “عدم الإنعاش”، ولتوجيهه اتهامات غير مثبتة بتزوير الأشعة!


قلتُ بغضب: “أنتم تعاقبون الطبيب الذي أنقذ حياتي!”


رد رئيس الأطباء ببرود: “نحن نحمي النزاهة الإجرائية للتحقيق.”


كان “رامي” يقف عند الباب بملابسه المدنية وقال بثبات: “لقد احتفظتُ بنسخ من كافة البيانات قبل أن يحجبوا وصولي للنظام.”


في الصباح التالي، عاد “طارق” بمفرده يحمل باقة زهور، وقال: “لقد صوّت المجلس على منحكِ إجازة مرضية مؤقتة من إدارة المؤسسة.”


– “تقصد أنك أنت من صوّت!”


– “أنا امتنعت عن التصويت.”


ابتسمتُ بمرارة، فجلس بجانبي وقال: “سارة، عليكِ أن تفهمي كيف يبدو الأمر للعلانية… تدعين أن زوجكِ زوّر طلاقكِ، وأن صديقتكِ حاولت قت/لكِ، وأن المستشفى اخترع لكِ جراحة وهمية! تبدين غير متزنة إطلاقاً.”


أمسك بيدي، فسحبتها من تحت الغطاء: “لقد خططت لكل هذا!”


تغيرت نبرته: “قضيتُ ست سنوات أساعدكِ في الحفاظ على تلك الشركة!”


– “إنها شركة والدي!”


– “وها أنتِ تعودين لنفس النغمة! ورثتِ كل شيء وتتصرفين وكأن كل نجاح هو بفضلكِ وحدكِ!”


رن هاتفي في جيب معطفه، أخرجه وأسكت الصوت ورحل.


بعد خروجه، دخلت الممرضة “سمر” ومعها أوراق الخروج، وسلّمتني ظرفاً مغلقاً: “الدكتور رامي طلب مني إعطاءكِ هذا.”


داخل الظرف، كانت هناك نسخة من وصيتي القديمة التي كتبتُها قبل زواجي بـ “طارق”: في حال وفاتي وأنا غير متزوجة، تؤول أسهِمي الحاكمة في مراكز السعد إلى داليا الشامي.



وكانت هناك ملاحظة بخط يد “رامي”:


> “الطلاق لم يلغِ صفة طارق كزوج فحسب، بل أعاد تفعيل هذه الوصية القديمة!”


>


اهتزت يداي… لو أنني توفيت أثنـاء الجراحة، لورثت “داليا” 51% من أسهم المؤسسة، ولأصبح “طارق” بصفته زوجها الجديد المسيطر الفعلي عليها!


أردفت “سمر” بصوت خفيض: “وهناك شيء آخر…”


أرتني إشعاراً موجهاً لقسم الفواتير: لقد تم تقديم طلب مطالبة على وثيقة تأمين على حياتي بقيمة 8 ملايين دولار… قُدّم الطلب قبل 11 دقيقة من استعادة “رامي” لضربات قلبي! لقد طالب “طارق” بأموال التأمين وأنا لا أزال على قيد الحياة!


الفصل الرابع: كل ما أعدّوه لموتي


كان “رامي” ينتظر في سيارته السوداء خارج المستشفى عندما خرجتُ على كرسي متحرك مع “سمر”.


قال وهو يفتح الباب بحذر: “تبدين كمن تعرضت للاختطاف.”


أجبتُه: “وأنت تبدو كمن يعلم أن زوجي يسيطر على بيتي وحساباتي وسجلاتي.”


أخذني رامي إلى شقته الهادئة المطلة على النهر. ساعدني على الجلوس وقدم لي ملفاً: “لقد تتبعتُ الأشعة… إنها تعود لامرأة تُدعى إلهام، توفيت قبل ستة أشهر في المستشفى ذاته.”


– “ومن أدخلها في ملفي؟”


– “تقني أشعة يُدعى بدر. تلقى تحويلاً بقيمة 75 ألف دولار من شركة استشارية تدعى ‘المريديان’.”


تعرفتُ على الاسم فوراً: “مؤسستنا حولت لهذه الشركة أكثر من مليوني ريال العام الماضي تحت بند استشارات!”


تواصلتُ فوراً مع الخبيرة المالية “بريا”، التي استطاعت كشف تحويلات بقيمة 12 مليون دولار مرت عبر خمس شركات وهمية تحمل العنوان ذاته، وكل العقود حملت موافقتي الإلكترونية المزورة!


وقالت بريا عبر الاتصال: “لم يكونوا يجهزون لموتكِ فحسب، بل كانوا يجهزون لتحميلكِ مسؤولية اختلاس الأموال بعد موتكِ!”


في المساء، وأنا أنظر إلى الخريطة المالية، لاحظتُ صورة معلقة على الحائط لامرأة وشابة صغيرة بجانب رامي.


سألتُه: “زوجتك؟”


أجاب بصوت خفيض: “توفيت قبل أربع سنوات… ممرضة أعطتها دواءً من محقنة خاطئة، وقامت المستشفى بتغيير السجلات قبل التحقيق.”


– “لهذا السبب شككت في قرار عدم الإنعاش الخاص بي؟”


– “لهذا السبب أشك في أي وثيقة تصل في التوقيت المناسب جداً لأحد الأطراف.”


نظر في عينيّ وقال: “في البداية أنقذتكِ لأنني لم أستطع إنقاذها… لكن بعد ذلك، أصبحتِ أكثر من مجرد خطأ أحاول منعه.”


قبل أن ننطق بشيء، رن هاتفي الاستثنائي… وظهر اسم “داليا”!


أجبتُ، فسمعتُ صوت بكائها: “سارة… يجب أن أخبركِ بما فعله طارق! أنا في سيارتي وهو يظن أنني بالمستشفى.”


– “تعالي إلى هنا فوراً!”


– “لم أكن أعلم أن الأشعة مزورة! قال لي إنكِ تموتين على أي حال وأن قرار عدم الإنعاش هو رغبتكِ!”


– “لكنكِ وقّعتِ عليه!”


– “أعلم… وأنا نادمة!” ثم أردفت: “لدي نسخ من الحسابات، طارق حول الأموال وقال إننا سنصلح كل شيء بعد أن ورثت شركتكِ…”


فجأة، سُمع صوت بوق سيارة عالي، وصرخت داليا: “لقد وجدني!”


– “داليا توقفي!”


سُمع صوت اصطدام مروع عبر الهاتف… ثم ساد الصمت!


بعد عشر دقائق، أبلغتنا الشرطة أن سيارة داليا انحرفت عن الطريق. كانت حية لكنها فاقدة للوعي، وعُثر في حقيبتها على ذاكرة فلاش تحتوي على سجلات المؤسسة المالية، إضافة إلى عبوة مهدئ جراحي… المهدئ ذاته الذي أثبت رامي وجوده في دمي أثناء توقف قلبي!


الفصل الخامس: كان المقرب هو التالي


نجت “داليا” من الحادث… كان ذلك هو الخبر السار الوحيد.


أُصيبت بكسر في عظمة الترقوة، ونزيف داخلي، وإصابة بالغة في الرأس. وعندما وصلنا أنا والدكتور “رامي” إلى المستشفى، كانت في غرفة العمليات.


كان “طارق” ينتظر في الخارج بالملامح ذاتها: الزوج المكسور، والرجل الخائف!


لكن ما إن رآني حتى قال: “لا ينبغي أن تكوني هنا!”


– “اتصلت بي داليا قبل الحادث.”


اتجهت عيناه نحو رامي: “وماذا قالت؟”


– “أخبرتني أنها تمتلك السجلات المالية.”


قال طارق بسرعة: “لقد كانت تحت ضغط هائل، وكل ما قالت لا يمكن الاعتماد عليه.”


اقترب رامي منه: “مثلما أدعيت عن سارة؟”


ابتسم طارق: “أنت لم تعد تعمل هنا يا دكتور.”


رد رامي: “صحيح… وهذا يعني أنني لم أعد مضطراً للتظاهر بأنني أصدق كذبك.”



اقترب شرطيان من طارق وطلبا منه مرافقتهما فوراً للتحقيق.


وصلت الخبيرة المالية “بريا” وسحبت ملفات ذاكرة الفلاش التي عُثر عليها مع داليا. احتوت الملفات على تسجيلات صوتية بين طارق وداليا.


في التسجيل الأول، داليا تسأل متوترة: “ماذا لو نجت سارة من الجراحة؟”


طارق ببرود: “لن تنجو… تأكدنا من أن المستشفى يمتلك قرار عدم الإنعاش.”


وفي تسجيل آخر قبل ليلة من الحادث، قالت له داليا: “لقد قلت إننا سنقود المؤسسة معاً… ماذا سيحدث لي بعد البيع؟”


ضحك طارق ضحكة خبيثة: “عليكِ أن تتوقفي عن طرح أسئلة ستؤذيكِ إجاباتها!”


أغلقت بريا الجهاز، وقلت بصوت مكسور: “أدركت داليا أنها لم تكن شريكته… بل كانت الضحية التالية!”


بصفتها زوجته الجديدة، كانت داليا هي المالك القانوني للأسهم، وإذا توفيت هي الأخرى بعدي، فسيحق لطارق المطالبة بكل تركتها!


خرج رامي وقال: “حالتها مستقرة لكنها فاقدة للوعي.”


سألته: “لماذا لا تزال هنا معي؟”


– “أنتِ تعرفين السبب.”


– “أريد أن أسمعك تقولها.”


تراجع رامي خطوة وقال بثبات: “أنتِ تتعافين من جراحة، ونصف من حولكِ استغلوا ضعفكِ. لن أكون رجلاً آخر يستغل لحظة ضعفكِ ليلتقط شيئاً لنفسه.”


فجأة، تلقت بريا إشعاراً: لقد أصدر مجلس إدارة “مؤسسة السعد” بياناً رسمياً؛ حيث قام طارق ببيع المؤسسة لشركة استثمارية، على أن تُغلق الصفقة خلال 48 ساعة! ولكي يبرر البيع السريع، نشر طارق بياناً يزعم فيه أنني قمت بتحويلات طائشة ومشبوهة قبل أزمتي الصحية!


الفصل السادس: الزوج الذي صدقه الجميع


بحلول الصباح، كان وجهي يملأ الشاشات وتحته عنوان: “أزمة صحية لمسؤولة تنفيذي تكشف عن تحويلات مالية مشبوهة!”


ظهر طارق أمام الصحفيين ليصرح بنبرة حزينة: “تدهورت قدراتها العقلية منذ أشهر، وحاولتُ حمايتها وحماية الشركة.” ثم أفرج عن مقاطع فيديو تسريبية يظهرني فيها ناسية لمفاتحي أو باكية أخشى الخرف!


لكن رامي حصل على عينة دم سابقة أثبتت وجود مهدئ خفيف كان يدسه لي طارق في الشاي دون علمي ليجعلني بليدة الذاكرة وعاطفية وسهلة التصوير!


في عصر اليوم نفسه، عقدت إدارة المستشفى جلسة استماع تأديبية للدكتور رامي.


حضر طارق في الصف الأول ومعه صحفيون.


عندما اتهمت المستشارة رامي بتجاهل قرار عدم الإنعاش، عرض رامي الأشعة المزورة أمام الجميع وقال بصلابة: “سارة لم تكن بحاجة إلى عملية جراحية من الأساس! استُبدل ملفها بملف مريضة متوفاة، والمهدئ أُعطي لها عمداً!”


وقف طارق محاولاً التغطية: “هذا الطبيب يرتبط بعلاقة عاطفية مع زوجتي السابقة!”


التفت إليه رامي: “أنا مرتبط بالإنسانية بما يكفي لأرفض الوقوف ومشاهدتك تق/تل امرأة أخرى!”


قدمت محاميتي سجلات التحويلات المالية، وقدمت أنا شهادتي. وانقلبت طاولة الاستماع على طارق!


وفجأة… ركضت ممرضة وهتفت: “داليا استيقظت!”


وصلنا لغرفتها، واعترفت داليا باكية: “طارق هو من عدّل الأشعة ودس المهدئ!”


وقبلت الشهادة رسمياً لحماية أختها الصغرى.


وفي تلك اللحظة، انطلقت أجهزة الإنذار؛ لقد فرّ طارق من المستشفى وحاول التحول الإلكتروني لـ 80 مليون دولار!


وصلتني رسالة منه على هاتف داليا:


> “قولي لسارة أن تقابلني في مصلى المستشفى بمفردها… أو سأقوم بمسح أموال المؤسسة وتبديدها قبل منتصف الليل!”


>


الفصل السابع: اعتراف في المصلى


ثبّتت بريا جهاز إرسال صغير مخفي تحت لياقة قميصي، وانتظر رجال الشرطة في الممر الخارجي.


قال لي رامي عند المصعد: “إن تغير أي شيء، اخرجي فوراً.”


– “اجعليه يعتقد أنه انتصر بالفعل.”


دخلت المصلى، وكان طارق يقف قرب المحراب بجانبه اللابتوب وجهاز التوثيق.


قال لي بشراسة: “وقّعي على إقرار بأن رامي زوّر سجلاتكِ الطبية، وسألغي التحويلات.”


– “ولتُعيدني إلى منصبي كمديرة؟”


ضحك بسخرية: “الأمر كان يتعلق بالمال… وبارتداء عباءة الظل! أنا من أدار المؤسسة بينما كنتِ تلقين الخطابات!”


استدرجته للكلام: “أنت من أنشأت الشركات الوهمية؟ ودَفعت لتقني الأشعة ليُزوّر ملفي؟”


ابتسم وقال بثقة: “الأشعة أوصلتكِ للعمليات، والمهدئات أقنعت المجلس بأهليتكِ، والطلاق أعاد تفعيل وصيتكِ… كل شيء كان محبوكاً! ولو أطاع رامي الورقة لمتِ بمضاعفات طبيعية وورثت داليا ثم أخذتُ كل شيء منها!”



فجأة… تصاعد صوت بريا عبر مكبرات الصوت للمصلى: “هذا يكفي جداً يا طارق!”


تجمد طارق عندما أدرك أن كل كلمة بُثت وسُجلت!


حاول إغلاق اللابتوب، لكنني وقفتُ بينه وبين الباب. سحبني بقوة، لكن أبواب المصلى انفتحت ودخل رامي ورجال الشرطة!


انقض الضباط عليه وقيدوه في المكان ذاته الذي عقد فيه قرانه للغدر بي.


خارجاً في الممر، قال رامي بنبرة دافئة: “لم تعد هناك حاجة لحمايتكِ… كل ما فعلتُه كان خياراً أردته بملء إرادتي.”


وهذه المرة… عندما قبلني، لم يبتعد أي منا!


الفصل الثامن: الحياة التي لم يستطيعوا سلبها


بعد مرور عام كامل، افتتحت “مؤسسة السعد” مركزاً جديداً لحماية حقوق المرضى والأمان المالي باسم والدي: “مركز السعد لحقوق المرضى والسلامة المالية”.


استردت الرقابة المالية كافة الأموال المنهوبة، وأعادني المجلس إلى منصبي كرئيسة تنفيذية بشروط صارمة تمنع استغلال السلطة أو المحسوبية الزوجية.


أُدين طارق بتهم محاولة الق/تل العمد، والتزوير، والاحتيال، وحُكم عليه بالسجن لمدة ثمانية وعشرين عاماً.


أما داليا، فقد تعاونت مع النيابة، وحُكم عليها بسجن مخفف مع سحب رخصتها المهنية نهائياً. زرتُها مرة واحدة قبل دخولها السجن، وقالت لي بدموع: “كنتُ أظن أن لديكِ كل شيء… وكنت أريد ما تملكين!”


قلتُ لها: “أنا لا أكرهكِ يا داليا… لكننا لن نكون صديقتين بعد اليوم أبداً.”


عاد الدكتور رامي إلى عمله، وأنشأ برنامجاً رقابياً يفرض مراجعة مستقلة لأي قرار يُدخل لمنع الإنعاش بعد التخدير.


وبعد حفل افتتاح المركز الجديد، أخذني رامي إلى مصلى المستشفى… كان الضوء يتسلل هادئاً، ولا يوجد شرطة ولا محامون.


سألتُه: “لماذا أحضرتني إلى هنا؟”


أجاب بابتسامة: “لأن وعداً سيئاً واحداً لا ينبغي أن يسيطر على ذاكرة المكان للأبد.”


عزفت الموسيقى بهدوء، ومد رامي يده لي، ورقصنا في المصلى الذي حاول فيه طارق يوماً إنهاء حياتي…


كان زوجي يتوقع أن أموت ليشرع في حياة جديدة في الطابق السفلي… لكنني نجوتُ لأتعلم أن خسارة الأشخاص الخطأ كانت هي الطريق الوحيد الذي قادني لإيجاد الشخص الصحيح في النهاية!


تمت


تعليقات

التنقل السريع
    close