القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 الطفلة والمليونير  محمد نور



الطفلة والمليونير كامله محمد نور كامله 


جاء المليونير لجمع الإيجار… فصُدم برؤية طفلة مرهقة تخيط الثياب


​أتى صاحب العقار المليونير وهو ممتلئ غضباً، مصمماً على طرد مستأجرة لم تدفع الإيجار منذ ثلاثة أشهر. لكن خلف باب الشقة، صُدم برؤية طفلة في السابعة من عمرها تخيط الثياب بحذر وأصابعها نازفة، بينما والدتها المريضة طريحة الفراش في الداخل. وبينما كان يكتشف السبب المفجع الذي يجعل كل درهم يمثل فارقاً بين الحياة والموت، وجد رجل الأعمال الثري نفسه مواجهاً لماضيه الأليم الذي قضى سنوات يحاول نسيانه… ولتغير هذه الطفلة الصغيرة إلى الأبد مفهوم النجاح والعائلة والرحمة في حياته.


​نزل نعمان من سيارته الفارهة دون أن يكلف نفسه حتى عناء إغلاق بابها. كان يشعر بضيق شديد؛ فقد كان يومه حافلاً بالاجتماعات المملة، وزاد على ذلك اضطراره للذهاب بنفسه لجباية الإيجار من مستأجرة تأخرت عن الدفع لثلاثة أشهر كاملة. لم يكن يستوعب كيف يعجز الناس عن التعامل مع أمر بسيط كهذا.


​سار في الممر الطويل للبناء القديم، وهو مبنى يصارع البقاء بأقل عمليات صيانة ممكنة. استقبلته أولاً رائحة الجبس الرطب، ومن مكان ما في الممر كان صوت خلاط قديم يعزف نغمته المزعجة في مطبخ أحدهم. وعندما وصل إلى الشقة رقم (4ب)، أخذ نفساً عميقاً وطرق الباب بقوة. لا إجابة. طرق مجدداً وبشدة أكبر. ثم سمع شيئاً… خطى صغيرة، حذرة ومترددة، تتقدم نحو الباب. انفتح الباب بضع سنتيمترات فقط.


​ما رآه جعله يتسمر في مكانه. طفلة صغيرة، ربما في السابعة من عمرها، بشعر بني مشعث وعينين واسعتين تبدوان أكبر من وجهها النحيل، كانت تنظر إليه من الأسفل. شفتاها المتشققتان وثيابها الملطخة بخيوط ملونة كانا ينطقان بالبؤس. لم تنطق بحرف، اكتفت بالنظر إليه بالطريقة التي ينظر بها الطفل إلى شخص بالغ يتوقع منه التوبيخ.


​جثا نعمان على ركبتيه، مأخوذاً بالموقف، وسألها عما إذا كانت والدتها في البيت. هزت الطفلة رأسها، لم تتكلم، بل اكتفت بنفي صامت. ظنّ أن الأم خرجت لشأن سريع، لكنه لاحظ خلف الطفلة ماكينة خياطة قديمة تعمل بالدواسة اليدوية، وعلى الطاولة بجوارها قصاصات قماش، وبكرات خيوط، وإبر. كانت الطفلة تخيط! لم تكن في المدرسة، ولا تلعب، ولا تشاهد أفلام الكرتون… كانت تخيط، وخزات الإبر تنتشر على يديها، وآثار الخيوط محفورة في أصابعها.


​سألها بصوت خرج منه، رغماً عنه، أكثر رقة من المعتاد: «هل أنتِ بمفردكِ هنا؟». مترددةً، نظرت الطفلة إلى الأسفل وفتحت الباب أكثر قليلاً. لم يشأ نعمان الدخول دون إذن، فاكتفى بالميل بجسده ليرى أفضل.


​كانت الشقة مظلمة، والستائر مسدولة، والهواء ثقيلاً. كرسي متهالك في الزاوية، وثلاجة يبدو أنها لم تُنظف منذ سنوات، وعلى الموقد قدر فيه بقايا طعام محترق. لكن ما صدمه بحق كان سريراً صغيراً في غرفة المعيشة، أغطية رقيقة، ولحاف ممزق، وبجواره علب أدوية فارغة. اتضحت الصورة أمامه دفعة واحدة. سألها دون أن يتحرك: «أمكِ مريضة؟». نظرت إليه الطفلة مجدداً، وأومأت برأسها، دون أن تزيد حرفاً.


​لم يدرِ نعمان ماذا يفعل. لم تكن هذه المرة الأولى التي يرى فيها الفقر؛ فقد نشأ هو نفسه في حي شعبي فقير منذ زمن طويل، قبل أن يؤسس شركته، وقبل أن يوضع اسمه على عقود العقارات… يوم كانت أمه تجمّع القروش على طاولة مطبخ لا تختلف كثيراً عن هذه الطفلة. غير أن سنوات طويلة مرت منذ أن وقف وجهًا لوجه أمام فقر بهذا الخلاء والوضوح، وفوجئ كيف سرعان ما عاد إليه ذلك الشعور القديم؛ قهر طفل يعيش في عالم يعوزه كل شيء.


​أخرج هاتفه متظاهراً بمراجعة أمر ما، وسأل الطفلة عن اسم والدتها. قالت بصوت خفيض: «سارة». ثم، وكأنها خجلت من الحديث، عادت إلى الخياطة بين يديها. سألها نعمان عن الإيجار، رغم أنه لم يعد يهمه في تلك اللحظة. قالت الطفلة إن والدتها تركت مظروفاً تحت الفراش، ثم ركضت دون أن تفلت الإبرة من يدها، وعادت بعد ثوانٍ بمظروف مجعد. فتحه نعمان… كان شبه فارغ، بضع ورقات نقدية صغيرة لا تتعدى بضعة دنانير. لم يقل شيئاً؛ فلم يكن هذا وقت الحديث عن المال.


 


​وعندما عادت الطفلة إلى ماكينة الخياطة، وقف مسمّراً عند الباب. لم يستطع أن يدير ظهره ويرحل، وفي الوقت نفسه لم يدرك كيف يمد يد العون دون أن يبدو الأمر وكأنه شفقة. أعادت الطفلة تشغيل الماكينة، فملأ صوت الدواسة الإيقاعي الصمت الثقيل. لم يغادر نعمان؛ ظل واقفاً يراقب قدميها الصغيرتين المرهقتين تضغطان على الدواسة، ورأسها يميل من التعب وهي تواصل العمل، وكأن لا خيار آخر أمامها.


​شيء ما انكسر داخله في تلك اللحظة. لم تكن شفقة، ولم يكن شعوراً بالذنب… كان شيئاً أقرب إلى الغضب، غضب لا يجد له مخرجاً؛ غضب من الأم، ومن الظروف، ومن نفسه لأنه لم ينتبه لشيء كهذا من قبل. رأى قطرة دم صغيرة تسيل من طرف إصبعها، فمسحتها بثوبها دون أن تتأفف أو تشتكي، وواصلت الخياطة.


​سألها أخيراً: «ما اسمكِ؟». ترددت قليلاً، ثم قالت: «ليان»، وعادت لاهتمامها بالقماش.


​مدّ نعمان يده إلى جيبه، وأخرج محفظته، ثم سحب منها حزمة من الأوراق النقدية ووضعها على الطاولة دون كلمة. لم تكلف ليان نفسها حتى عناء النظر إليها، واستمرت في الخياطة.


​خرج من الشقة دون أن يغلق الباب بالكامل خلفه، وكأنه بترك الباب موارباً يضع فارقاً بين أن يرحل للأبد، وبين أن يظل قريباً منها ولو قليلاً.


وقافزاً في سيارته، جلس نعمان لبرهة ينظر إلى عجلة القيادة دون أن يدير المحرك. كان خفقان قلبه سريعاً وثقيلاً. لم تجاربه مع الصفقات الكبرى ولا حساباته البنكية الضخمة بقادرة على تمحيص الصورة التي انطبعت في ذهنه: أصابع ليان الصغيرة المليئة بوخزات الإبر، وقطرة الدم التي مسحتها بطرف ثوبها دون أن تشاكي أو تتوقف.


​لم يستطع القيادة بعيداً. ترجل من السيارة من جديد، لكنه هذه المرة لم يتجه نحو الشقة، بل سار عبر الممر المظلم نحو الشقة المجاورة لـ (4ب). طرق الباب، وبعد لحظات فتحت امرأة متقدمة في السن، ترتدي ثوباً بسيطاً وتسترق النظر بحذر.


​«نعم؟ من أنت؟» سألت بعينين مليئتين بالارتياب.


​«أنا نعمان، صاحب هذا المبنى»، أجابها بنبرة خالية من الاستعلاء لأول مرة منذ سنوات. «أردت فقط أن أسألك عن جارتك في الشقة (4ب)… عن سارة وابنتها».


​تغيرت ملامح المرأة فوراً، وتلاشت قسوتها ليحل محلها حزن عميق. زفرت بحسرة وقالت: «آه… مسكينة تلك المرأة. سارة تعمل ليلاً ونهاراً في خياطة الملابس لحساب أحد المشاغل، لكنها أصيبت بحمى شديدة وسعال حاد منذ أسابيع. يزداد وضعها سوءاً كل يوم، ولا تملك ثمن العلاج أو الذهاب إلى المستشفى. أما الصغيرة ليان… فهي تحاول إنهاء الطلبيات بدلاً عن أمها حتى لا يخسروا القوت القليل الذي يبقيهم على قيد الحياة، وحتى لا يطردهم صاحب الملك…».


​توقفت المرأة فجأة وتبادلت النظر معه، وكأنها أدركت للتو أنه هو نفسه ذلك «صاحب الملك» الذي يخشونه.


​شعر نعمان بغصة في حلقه. لم يقل شيئاً، بل أخرج هاتفه فوراً واستدعى طبيباً خاصاً من معارفه، وأمره بالتوجه فوراً إلى الشقة رقم (4ب) مع كل ما يلزم من أدوية ورعاية طبية، مشدداً على أن يتكفل هو بكل المصاريف.


​عاد نعمان بخطوات حثيثة نحو الشقة. فتح الباب الموارب ببطء. كانت ليان لا تزال جالسًة عند ماكينة الخياطة، يدها الصغيرة تدير العجلة بإصرار يسبق سنها بكثير.


​اقترب منها وجثا على ركبتيه مجدداً حتى صار في مستوى نظرها. جلس يتأملها، وفي تلك اللحظة، استرجع صورة أمه وهي تجلس في عتمة الليل تطرز الثياب لكي تؤمن له ولأخوته ثمن الخبز… كم نسى هذا الماضي؟ كم شغله جمع المال عن تفقد آلام الناس؟


​«ليان…»، قال بصوت دافئ ومطمئن. «توقفي عن الخياطة الآن. الطبيب في طريقه إلى هنا ليفحص أمكِ ويساعدها على الشفاء».


​رفعت ليان عينين ملأتهما الدهشة والدهشة، واستقرت نظراتها على وجهه. ولأول مرة، لمح في عينيها بريق أمل صغير يتسلل من بين التعب والبؤس.


الفصل الثاني


​في تلك الليلة، لم يذق نعمان طعماً للنوم. ظلت مشاهد اليوم تتردد في ذهنه ك شريط سينمائي: طفلة صغيرة تخيط الملابس بمفردها، وتحمل على كاهليها عبء العالم، في مبنى قديم كاد أن يتهدم.


​في الصباح التالي، استيقظ مبكراً على غير عادته، وهو أمرٌ لا يفعله إلا إذا كان هناك عمل طارئ في الشركة. وبدلاً من أن يتجه مباشرة إلى مكتبه، عرّج على دكان في الحي واشترى بعض الخبز والمواد الغذائية الأساسية.


عندما طرق باب الشقة (4ب)، وكان طرقه هذه المرة رقيقاً وهادئاً، فتحت ليان الباب بسرعة أكبر من المرة الأولى. رفع نعمان أكياس البقالة قائلاً: «أحضرت لكِ بعض الأشياء». وضع الأكياس جانباً، ثم جثا على ركبتيه ليكون في مستوى نظرها وسألها: «هل أستطيع الدخول لدقيقة؟». لم تجب بالرفض، بل تنحت جانباً لفسح المجال له.


سألها إن كانت قد تناولت طعامها، فهزت كتفيها وقالت بصوت خفيض: «خبز قليل مع بعض الملح».


جلس نعمان على الكرسي الوحيد الذي بدا متماسكاً في الغرفة وسألها: «هل أمكِ ما زالت في المستشفى؟». أومأت برأسها وهي تنظر إلى الأرض.


«منذ متى؟»


«منذ ثلاثة أيام.»


«ومن يعتني بكِ الآن؟»


«لا أحد… أنا بخير.»


انعصر قلبه ألمًا، وسألها: «لماذا كنتِ تخيطين بالأمس؟».


رفعت ليان رأسها، وللمرة الأولى بدت مستعدة للحديث: «عليّ أن أسلّم بعض أغطية الوسائد. السيدة أم سمير تعطيني بضع دراهم إذا أنهيتها بسرعة وبشكل جيد».


«ومن هي السيدة أم سمير؟»


«تسكن في الطابق الثالث، هي من علمتني الخياطة عندما مرضت أمي».


«وما الذي تعاني منه أمكِ؟»


صمتت ليان قليلاً، وعضت على شفتها وهي تسترق النظر نحو الباب كأنها تريد الهرب، ثم قالت بصوت خافت كأنه همس: «سرطان الدم (اللوكيميا)».


«وماذا يقول الأطباء؟»


«تقول إنها بحاجة إلى أدوية ونقل دم وعملية جراحية».


«هل لديكما تأمين صحي؟»


«لا».


مرر نعمان يده على وجهه وهو يزفر بضيق. كان رجل أعمال يدير الصفقات الكبرى من مكتبه المكيّف الفاخر، وها هو الآن في غرفة مظلمة كادت الستائر تمنع عنها نور الشمس، يستمع لطفلة في السابعة تشرح له كيف تحارع الموت الخفي في جسد أمها، وكيف تخيط لتأمين لقمتها.


«لماذا لم تخبريني بهذا بالأمس؟» سألها.


هزت ليان كتفيها: «ظننت أنك لو عرفت الحقيقة فستطردنا من الشقة أو تستدعي دار الرعاية للقبض عليّ».


وقعت كلماتها عليه كالصاعقة؛ لم تكن ليان خائفة من الغرباء، بل كانت خائفة من النظام، خائفة من الكبار الذين يتخذون القرارات دون علم الصغار، وخائفة من أن تُبعد عن أمها.


قال لها بنبرة حازمة ومطمئنة: «لن أفعل ذلك أبداً. لن أأخذكِ إلى أي مكان دون موافقتكِ. كل ما أريده هو المساعدة».


وللمرة الأولى، نظرت إليه ليان بشيء يشبه الثقة، وسألته: «من أنت أساساً؟».


ابتسم نعمان ابتسامة خفيفة وقال: «لنقل إنني صاحب هذا المبنى… لكن اليوم، أنا لست هنا بصفتي صاحب الملك؛ اليوم أنا فقط نعمان».


أومأت برأسها ببطء، ثم صبت له كوباً من الماء في كاس بلاستيكي.


وبينما كانت تطلع على أغطية الوسائد التي تعمل عليها، لاحظ نعمان دفتر رسم في الزاوية مليئاً بالرسومات: رسمة لـ ليان وامرأة مستلقية وتتصل بها أنابيب طبية، وابتسامة حزينة ترسم وجههما، وبينهم قلب كبير، وتحت الرسمة كُتب بخط يد طفولي متعرج: «كل شيء سيكون بخير يا أمي».


في تلك اللحظة بالذات، أدرك نعمان أن عليه التصرف فوراً، مهما تطلب الأمر.


خرج من الشقة وهو يشعر بألم يعصر صدره. وقبل أن يغادر البناء، توقف عند الشقة (3أ)، حيث تسكن العجوز أم سمير، الجارة التي ترى كل شيء من نافذتها ولا تخفي الحقيقة.


قالت أم سمير وهي تدعوه للدخول قبل أن يسألها حتى: «تلك المسكينة سارة، تصارع هذا المرض الخبيث منذ أشهر. والصغيرة ليان، يرحمها الله، تحاربت مع الدنيا بمفردها منذ أن عادت أمها للمستشفى. ليس لديهم أي عائلة أعرفها. تستيقظ الطفلة مبكراً، تشتري الخبز، تنظف البيت، تغسل الملابس بيدها، وتخيط فوق كل ذلك! أسمعها تبكي أحياناً في الليل، ولكن ماذا عسى عجوزاً مثلي أن تفعل؟».


شعر نعمان بغصة تخنقه، فسألها: «هل تعرفين في أي مستشفى هي الآن؟».


«في المستشفى الحكومي الكبير وسط المدينة، في قسم الأورام. أخذت لها بطانية مرة لأن الليالي هناك باردة جداً. لا أحد يزورها، سوى ابنتها عندما تستطيع».


شكرها نعمان وغادر مسرعاً. اتصل بمديرة مكتبه لتلغي اجتماعاته المهمة لهذا اليوم، وقاد سيارته مباشرة نحو المستشفى، متوقفاً في الطريق لشراء بعض الفواكه والعصائر وبطانية ثقيلة.


وجد سارة في الطابق الثالث؛ كانت نحيلة، شاحبة الوجه، وشعرها مقصوص بشكل قصير.


جلس بجانبها وقال بصوت هادئ: «أهلاً يا سارة… أنا نعمان، صاحب العقار. أردت فقط أن تعلمي أن ابنتكِ بطلة حقيقية وتُحارب بشجاعة».


لم تستطع سارة الرد، لكن شفتيها تحركتا ببطء بكلمات لم تُسمع.


غادر نعمان المستشفى وهو يشعر وكأن العالم صار أكثر قسوة وحزناً. وفي تلك الليلة، اتخذ قراراً حاسماً: لن يكتفي بالمساعدة من بعيد عبر الشيكات والمساعدات العابرة… بل سيتكفل بالجميع بنفسه، حتى لو كلفه ذلك خوض مواجهات مع أقرب الناس إليه أو زملائه في الشركة.


الفصل الثالث


عاد نعمان يوم السبت التالي قبل شروق الشمس، ودون أن يطرق الباب هذه المرة. كان قد ملأ سيارته بالبقالة والمستلزمات، وركنها على بعد شارع من المبنى، ثم وضع الأكياس أمام باب الشقة (4ب)، مدساً مظروفاً فيه مبلغ نقدي داخل أحد أكياس الخبز لكي تكتشفه ليان بالصدفة.


وفي اليوم التالي، زارهما بشكل رسمي. كانت ليان قد مشطت شعرها وارتدت ثوباً نظيفاً، وبدت لأول مرة مرتاحة ومستريحة. وقالت له وهي تجاريه في الحديث وكأن الجيران هم من تركوا الأكياس: «هناك من ترك هذه الأكياس أمام الباب». ثم قدمت له قطعة بسكويت بالفانيليا.


وقبل أن يغادر، قدمت له قطعة قماشية صغيرة أعدتها بنفسها؛ مطرزة بحرفي اسمها واسمه بالخيط الأحمر، وتحيط بهما هالة على شكل قلب صغير. وقالت: «صنعتها لك بالأمس».


شعر نعمان بدفء يغمر صدره وقال: «شكراً لكِ يا ليان… سآخذها معي إلى مكتبي حتى لا أنسى أبداً ما هي الأشياء الحقيقية التي تستحق الاهتمام في هذه الحياة».


أثناء نزوله على الدرجات، تصادف مع دينا، مديرة إدارة العقارات لديه، وهي تنزل بخطوات حادة بصوت كعبها العالي وتحمل ملفاً تحت ذراعها.


سألته باستغراب: «ما الذي تفعله هنا يا رئيس؟»


«أمر شخصي.»


«هل له علاقة بمستأجرة الشقة (4ب)؟ إنها متأخرة عن الإيجار لثلاثة أشهر، ووفقاً للعقد الذي وقّعت عليه أنت بنفسك، يفترض أن نرفع دعوى إخلاء هذا الأسبوع».


لم يجبه نعمان على الفور. كان مصمماً في داخله على أنه لن يستطيع أحد إخراج ليان من تلك الشقة طالما أن له سلطة أو كلمة.


لم تكن دينا غبية؛ فما إن رأت ملامح وجهه وهو يغادر المبنى يحمل تلك القطعة المطرزة، حتى أدركت أن هناك أمراً غير طبيعي. وفي بعد ظهر ذلك اليوم، بدأت بالتفتيش والبحث في سجلات العقارات، وتاريخ الإيجارات، والمراسلات، لتكتشف تحويلات مالية شخصية من حساب نعمان الخاص إلى حساب المستشفى الحكومي، ومدفوعات لصيدلية الحي. كان يدفع التكاليف بصمت دون أن يخبر أحداً.


في تلك اللحظة، تغيرت ملامح دينا. لم تكن تملك أي تعاطف إنساني مع الق\ضية، بل رأت في الأمر فرصة سانحة؛ فإذا كان نعمان يحول أموالاً غير معلنة، فهذا يمثل ثغرة قانونية ومالية يمكن استخدامها للإطاحة به وإزاحته من منصبه في الشركة.


في صباح اليوم التالي، ذهبت دينا إلى المبنى بمفردها وطرقات الباب بقوة على الشقة (4ب). فتحت ليان الباب.


«هل أمكِ في البيت؟»


«لا، هي في المستشفى.»


«أخبري أمكِ أن أمامها ثلاثة أيام فقط لإخلاء الشقة. أنا أسفة، ولكن لا يوجد استثناءات».


«أمي مريضة»، قالت ليان دون أن تتحرك من مكانها.


«أعلم ذلك، وأنا أسفة لما تمكثين به، لكن هذه هي قوانين المالك».


لم تقل ليان شيئاً؛ بل اكتفت بإغلاق الباب ببطء.


وفي طريق خروجها، تقاطعت طرق دينا مع العجوز أم سمير على الدرج.


سألتها أم سمير بنبرة حادة: «هل أنتِ من تركتِ إشعار الإخلاء؟»


«هذا عملي، ولا يوجد شيء شخصي في الأمر».


«بالطبع، هذا ما يقوله الجميع دائماً»، تمتمت أم سمير بغضب. «ولكن عندما تصبح تلك الطفلة المسكينة في الشارع، هل ستكونين أنتِ من يشرح لها السبب؟».


لم تبالِ دينا واصلت طريقها دون إجابة.


في بعد ظهر ذلك اليوم، مشت ليان إلى المستشفى وهي تحمل إشعار الإخلاء المطوي في حقيبتها المدرسية، وأرته لأمها. قرأت سارة الورقة وإغماضت عينيها من شدة العجز، فقد كانت أضعف من أن تتكلم، واكتفت بمد يدها لتمسد شعر ابنتها بحنان وحزن.


في هذه الأثناء، تلقى نعمان اتصالاً من رقم مجهول. كان صوت دينا حاداً كعادته: «أمامك 24 ساعة فقط للتوقيع على قرار الإخلاء. إذا لم تفعل، فسأرسل الملف كاملاً إلى الشركاء ومجلس الإدارة، بما في ذلك كل التحويلات البنكية التي قمت بها… القرار لك».


أغلق نعمان الخط دون أن ينطق بكلمة، وكان فكاه مشدودين من شدة الغضب.


عادت خطواته إلى الشقة في ذلك المساء.


سألته ليان وهي تنظر إليه بعينين خائفتين: «ماذا ستفعل؟ أنا لا أستطيع الدفع، ولا أملك مكاناً نذهب إليه… ولكن إذا غادرت الشقة، كيف ستعرف أمي أين تجدني عندما تخرج؟».


أغمض نعمان عينيه للحظة. لم تكن ليان تقلق على نفسها، بل كان كل همها ألا تفقد أمها طريقها إليها.


قال لها بنبرة صلبة ومطمئنة: «لن تذهبي إلى أي مكان. لن أسمح لشيء كهذا بأن يحدث… أعدكِ».


يتبع ….


الطفلة والمليونير ج٢ – محمد نور

الطفلة والمليونير – محمد نور (الجزء الأخير)


الفصل الرابع


في الصباح التالي، وصل نعمان في الساعة السابعة والنصف. كانت ليان تنتظره على الدرج وبظهرها حقيبة صغيرة، تملؤها مشاعر متضاربة بين التوتر والحماس. قاد السيارة نحو المستشفى في صمت غالباً.


كانت سارة مستلقية على الفراش، يبدو عليها الشحوب والضعف أكثر من ذي قبل. اقتربت منها ليان، وعانقتها بحذر شديد دون أن تطلق سراحها. وظل نعمان يراقب المشهد من عند الباب.


في هذه الأثناء، كانت دينا تجري اتصالاتها مع المحامين وتجمع الوثائق، رافضةً فكرة الخسارة. وتمكنت بسريّة تامة من الحصول على توقيع القاضي بإخلاء الشقة دون علم نعمان، مستغلة علاقاتها وإحدى شركات الإخطارات المتخصصة في هذا النوع من القضايا.


وفي ظهيرة يوم الجمعة، وصل شخصان بملابس مدنية إلى المبنى وبحوزتهما الأوراق الرسمية. طرقا باب الشقة (4ب) دون إجابة؛ فقد كانت ليان ووالدتها في المستشفى.


لم تكن سوى العجوز أم سمير هناك، والتي أسرعت بالنزول فور رؤيتهما وسألتهما بغضب: «ماذا تفعلان هنا؟»


«ننُفّذ أمر إخلاء قضائي.»


فتحا الباب باستخدام مفتاح أُعطي لهما وبدأا في توضيب المحتويات. نزُعت رسومات ليان عن الجدران، ودُفاترها المدرسية، وحقيبة الخيوط الملونة، ولعبتها القماشية ذات العين الواحدة… كل شيء وُضع في صناديق كُتب عليها: “أغراض شخصية”.


حاولت أم سمير الاتصال بـ نعمان مراراً وتكراراً، لكنه لم يرد؛ إذ كان متواجداً في قاعة الانتظار بالمستشفى التخصصي الفاخر الذي رتّب نقل سارة إليه بعدما أكد له أحد الأطباء وجود علاج تجريبي يمنحها فرصة حقيقية للشفاء.


حضرت دينا بنفسها لاحقاً للإشراف على التفرغ. وسألها أحدهم: «وماذا لو عادت الطفلة؟»


أجابت دينا ببرود: «ليست مشكلتي»، ثم غادرت.


بعد ساعات، وبعد أن استقرت حالة سارة دون أن تتجاوز مرحلة الخطر تماماً، عاد نعمان برفقة ليان ليرتاحا ويتناولا شيئاً من الطعام.


استقبلتهما أم سمير عند المدخل بملامح يملؤها القلق. ركضت ليان للأعلى حتى وصلت باب شقتها فتسمرت في مكانها؛ كان هناك شريط إشعار أبيض ملصق على الباب: تم تنفيذ الإخلاء. يُمنع الدخول.


سألت ليان بصوت يرتجف: «ما هذا؟»


تفحص نعمان هاتفه ليجد عشرين مكالمة لم يرد عليها، جميعها من أم سمير، ورسالة نصية واحدة: «لقد أخذوا كل شيء يا نعمان… دينا أرسلت أشخاصاً لإخلاء الشقة بالكامل.»


سألته ليان: «هل هي تلك المرأة؟»


لم يجبه نعمان على الفور، ثم قال: «نعم… هي».


نظرت ليان إلى الأرض، واستدارت ونزلت الأدراج دون أن تنطق بكلمة أخرى.


في تلك الليلة، أخذها نعمان إلى منزله، وخصص لها إحدى غرف الضيوف، وأعد لها حساءً وشراباً دافئاً. أكلت في صمت، وعندما انتهت، جلست على الأريكة واضعة رأسها بين ركبتيها.


سألته بصوت خافت: «ماذا لو ماتت أمي وأنا هنا؟»


«لن يحدث ذلك. وحتى لو حدث، فأعدكِ بأنكِ لن تكوني وحيدة أبداً، وسيكون هناك من يقف بجانبكِ دائماً.»


نظرت إليه لأول مرة طوال اليوم وقالت: «أمي أخبرتني أن هدا لن تتركني بمفردي أبداً».


«وهي لن تفعل ذلك… وأنا لن أفعل أيضاً.»


لاحقاً، وبعد أن نامت ليان أخيراً، خرج نعمان إلى الشرفة واتصل بـ دينا وقال بغضب: «كيف تفعلين ذلك دون علمي؟»


«لأنك لا تملك الجرأة لفعله. وإذا لم يعجبك الأمر، فأنت تعرف ما عليك فعله.»


«لقد تجاوزتِ الحدود يا دينا… وسأصلح هذا الأمر.» وأغلق الخط.


حل الصباح مع عاصفة رعدية قوية وأمطار غزيرة. استيقظ نعمان قبل شروق الشمس ليجد سرير ليان فارغاً؛ لا ملابس، ولا حقيبة، ولا أي أثر.


اتصل بالمستشفى أولاً، لكن لم يُسمح بالزيارات في ذلك الصباح الباكر، مما يعني أنها لم تذهب إلى هناك. فاد سيارته مسرعاً إلى المبنى القديم. لم ترها أم سمير، لكنها سمعت خطوات على الدرج في حدود الساعة الثالثة فجراً.


راجع نعمان تسجيلات كاميرات المراقبة بالقرب من المكان، فرأى ليان تسير بمفردها تحت المطر، ترتدي معطفاً كبيراً وحقيبتها متأرجحة على ظهرها.


وفجأة، تذكر شيئاً… دار الرعاية!


كانت أم سمير قد ذكرت له سابقاً أن سارة وليان قضتا بضع ليالٍ في دار لرعاية النساء والاطفال بالقرب من المستشفى القديم عندما دخلت سارة المستشفى للمرة الأولى.



قاد نعمان سيارته عبر الأمطار الغزيرة وصل إلى الدار وطرق الباب بقوة. وكانت ليان بالداخل، ملفوفة ببطانية، وإلى جوارها حذاؤها الملطخ بالطبن.


سألها وهو يعانقها بشدة: «لماذا غادرتِ بهذه الطريقة؟»


أجابت بصوت خفيض: «لأنه لم يعد لدي بيت… ولم أرد أن أكون عبئاً عليك».


ضمها نعمان إليه أكثر وقال: «ليان… أنتِ لستِ وحدكِ بعد اليوم… أعدكِ بذلك»


الفصل الخامس


في الصباح نفسه، استعان نعمان بمحاميه واستعرض معه كل ما قامت به دينا، واستصدر أمراً قضائياً مستعجلاً لوقف أي إجراءات إضافية، كما طلب مراجعة شاملة لكل وثيقة وقّعت عليها نيابة عنه. كان يساوره الشك في وجود أمور أكبر مخبأة تحت السطح؛ ذلك النوع من التجاوزات النظامية الهادئة التي لا تظهر في موقف درامي واحد، بل تتراكم عبر توقيعات صغيرة لم يفكر أحد في تدقيقها.


رتب نعمان غرفة صغيرة لـ ليان بالقرب من جناح والدتها في المستشفى التخصصي، قريبة لدرجة تمكنها من السير في الممر بجواربها إذا استيقظت في منتصف الليل لترتوي بمرأى أمها وهي تتنفس.


في بعد ظهر ذلك اليوم، زارت ليان أمها مجدداً، وكانت أكثر هدوءاً هذه المرة، وهي تهمس لها بأنها لم تعد خائفة. لم تستطع سارة الرد، لكن انزلاقت دمعة من طرف عينها. وكان نعمان يقف عند الباب، فشعر بغصة في صدره وضيق لم يعهده من رجل طالما افتخر برزانته ورباطة جأشه في أصعب المفاوضات.


في تلك الليلة، وبينما كانت ليان تنام أخيراً بسلام، تلقى نعمان بريداً إلكترونياً من محاميه. لم تكن دينا قد نفذت الإخلاء دون إذن فحسب، بل زورت أيضاً توكيلاً رسمياً محدوداً لاتخاذ قرارات قانونية باسم الشركة؛ وهو نوع الوثائق الذي إن ترك دون مواجهة، كفيل بإفساد ما هو أكبر بكثير من مجرد نزاع على شقة سكنية. كانت المعركة قد بدأت للتو.


عندما خطت ليان قدميها لأول مرة داخل المنزل الجديد الذي ستعيش فيه، تسمرت عند المدخل. كان منزلاً صغيراً مرتباً في حي هادئ، يضم غرفتي نوم، ومطبخاً بموقد حديث، وسماداً أمامياً صغيراً تغطيه العشاب بدلاً من الحصى.


قال لها نعمان: «سنعيش هنا… هذا بيتكِ الآن».


«هل ستعيش معنا هنا أيضاً؟»


«لا، لكنني سأزوركِ كل يوم».


سارت ببطء إلى منتصف غرفة المعيشة، لمست الكرسي، ونظرت من النافذة إلى الشارع الهادئ في الخارج، وكأنها تتوقع أن يتلاشى هذا المشهد بأكمله في اللحظة التي تشيح فيها بنظرها عنه.


قالت بجدية بالغة جعلت قلبه يعتصر: «أريد أن أحاول… أريد أن أعرف كيف يكون الشعور بالسلام».


عرّفها نعمان على مريم، وهي ممرضة استأجرها بناءً على توصية الطبيب لتكون متاحة على مدار الساعة لخدمة ليان ومتابعة كل ما يتعلق بالمستشفى. لم تكن مريم من النوع الجاد جفافاً، بل كانت دافئة، بشوشة، ومن النوع الذي يستمع قبل أن يتكلم. نظرت إليها ليان بطرف عينها دون أن تنطق بشيء، ولم يضغط نعمان عليها، مدركاً أن الثقة في هذا المنزل ستُبنى بالتدريج وبأفعال صغيرة لا بالقرارات الفوقية.


كانت تلك الليلة مختلفة؛ نامت ليان وباب غرفتها مفتوح، لا خوفاً، بل لكي تسمع إذا ما وصل أحد. وفي السادسة من صباح اليوم التالي، كانت مستيقظة بالفعل، تجلس في المطبخ تشرب الحليب الدافئ وأمامها دفتر مفتوح تكتب فيه رسالة لأمها: «أريدها أن تعرف أننا بخير… هل يمكنني المساعدة في أي شيء؟».


«هل يمكنك أخذي إلى المستشفى بعد ذلك؟ في أي وقت تشاء».


في ذلك الصباح، قادا السيارة وصوت الموسيقى الهادئة يملأ المكان، وكانت ليان تتحدث عن المدرسة، وعن معلمة أعطتها قلماً جميلاً، وعن شوقها للخياطة دون أن تشعر بالضغط أو القهر الذي كان يرافقها. كان هناك هدوء في صوتها لم يكن موجوداً من قبل.


خلال ذلك الأسبوع، بدأ أكل ليان يتحسن ونومها يغدو أكثر استقراراً. سجلتها مريم في أقرب مدرسة دون أي معوقات، وهي مدرسة بسيطة في الحي مليئة بأناس طيبين، حيث تفهمت إحدى المعلمات وضعها ورحبت بها على الفور.


في هذه الأثناء، بدأت سارة تستجيب للعلاج ببطء. لم يكن هناك شفاء معجزة، لكن تغيير المستشفى والراحة والأدوية الجديدة… كل ذلك كان يؤتي ثماره.



في أحد الأيام، جلس الطبيب مع نعمان وقال له: «حالتها لا تزال حرجة، لكنها تقاوم، وقرب ابنتها منها يعطيها دافعاً كبيراً للاستمرار».


«هل تعتقد أنها يمكن أن تتعافى؟»


«مع ما نفعله الآن، لديها فرصة حقيقية. ليس أمراً مضموناً، ولكنه ممكن جداً».


كان هذا كل شيء بالنسبة لـ نعمان؛ فرصة حقيقية، وأمل جديد.


ورغم ذلك، كان يعلم أن دينا لم تنتهِ بعد. فمنذ آخر رسالة من محاميه، خيم عليها الصمت، وهذا لم يطمئنه؛ فقد كان يعرفها جيداً ويعلم أن صمتها يعني أنها تخطط لأمر أكبر. لذا بدأ بتحريك بيادقه، فجمع الوثائق، والرسائل الإلكترونية التوثيقية، وتقريراً محاسبياً بكل خطوة قامت بها دينا خلال الأسابيع الماضية.


في إحدى الليالي أثناء العودة من المستشفى، سألت ليان فجأة: «لماذا تفعل كل هذا من أجلنا؟»


«لأن أحداً ما كان يجب أن يفعل ذلك».


«ولكن لماذا أنت بالذات؟»


«لأنني أملك القدرة على ذلك، ولأنكما تستحقان الأفضل».


لم تقل شيئاً آخر، بل أسندت رأسها على النافذة، مدركة أن لديها أخيراً شيئاً لا يمكن شراؤه أو طلبه… شخصاً لن يتخلى عنها أبداً.


لم تكن دينا تعرف معنى الخسارة؛ فقد تعلمت منذ صغرها أن العالم ملك لمن يتحرك لا لمن ينتظر أن تهبط عليه النعم. اتصلت بمحاسب سابق في الشركة كان يدين لها بجميل، وأمرته بالتفتيش في كشوفات نعمان المالية الأخيرة: الحسابات، المصاريف، التبرعات، وكل ما يمكن أن يبدو مشبوهاً.


وفي غضون أسبوع، كان بحوزتها ملف كامل: تحويلات خاصة، فواتير طبية، إيصالات نقل، مفبركة ومغلفة بأرقام خسائر مضخمة ورسائل بريد إلكترونية منتقاة بعناية، بعد جردها من سياقها الأصلي الذي يوضح أنها مصاريف شخصية.


ذهبت إلى اثنين من كبار الشركاء في الشركة، وعرضت الملف كاملاً وكأنها مجرد موظفة حريصة على مصلحة العمل: «لا أريد إثارة المشاكل»، قالت بنبرة ناعمة، «لكن هذا قد يتحول إلى مسؤولية مالية وقانونية خطيرة، ولا أريد أن نتحمل جميعاً عواقب ذلك».


بدأ الشركاء، وهم يحدقون في الأرقام والوثائق، يشكون في الأمر. زرعت دينا الفكرة بحذر بأن نعمان يتصرف بعاطفية وطيش، بل وبعدم مسؤولية: «إنه ينفق أموال الشركة وكأنها حسابه الشخصي على مستأجرة مريضة وطفلة لا تربطه بهما أي صلة قرابة».


بدأت الفكرة تؤتي ثمارها وتترسخ لديهم. لم تكن دينا تسعى لمجرد توجيه لوم أو لفت نظر، بل كانت تريد إزاحته من منصبه وإخراجه من الشركة تماماً، وكانت تعلم أنها بحاجة إلى مزيد من الدعم لتحقيق ذلك، فبدأت تتحرك بحذر من طابق إلى طابق، تهمس في آذان الموظفين الموثوقين: «إنه لم يعد كما كان… هناك شيء غير طبيعي، إنه يخفي شيئاً ما».


كانت الاستراتيجية بسيطة جداً: عزله تماماً.


الفصل السادس


في هذه الأثناء، لم يكن لدى نعمان أدنى فكرة عن المدى الذي وصلت إليه الأمور. وفي أحد الأيام، فور عودته إلى مكتبه، وجد خطابات رسمية على مكتبه؛ إشعاراً للحضور أمام اجتماع طارئ لشركاء الشركة للتحقيق في اتهامات بالتصرف وسوء استخدام موارد الشركة.


ورغم أن كل درهم أنفقه على سارة وليان كان من حسابه الشخصي الخاص، إلا أن المستندات قُدمت بطريقة تظهره وكأنه يمارس احتيالاً مالياً بحق الشركة. اتصل بمحاميه على الفور وقال: «دينا هي من تقف خلف هذا الأمر».


«هل لديك دليل؟»


«ليس بعد، ولكنني سأحصل عليه».


لم يذق نعمان طعم النوم في تلك الليلة، ليس خوفاً، بل من شدة الغضب.


في اليوم التالي، طلب نعمان الاطلاع على سجلات الشركة والوثائق الداخلية، وهناك وجد الضالة: توقيع دينا مزوراً بإتقان، تفوض به المستندات الاتهامية ضده.


وفي المساء، تلقى مكالمة من رقم مجهول: «دينا تبحث في أمر الطفلة، وتصمم على إثبات أنك تعيش معها لتتهمك برعاية غير قانونية ومحاولة سلب وصاية الطفلة».


اتصل بالمستشفى التخصصي فوراً وقال لـ سارة: «أحتاج منكِ أن تثقي بي يا سارة. دينا تحاول التسلل إلى حياتنا، ولن أسمح لها بذلك. سأحمي ليان وكأنها ابنتي، ولكنني بحاجة لتفويض منكِ حتى تكون الأوراق القانونية سليمة تماماً».


فتحت سارة عينها للحظة، وتمتمت بصوت خافت جداً، لكن نعمان فهم مقصدها كاملاً عندما قالت: «أنا أثق بك…».



مرت الأسابيع، واستقرت ليان في روتين حياتها الجديد.


وفي أحد الأيام، بينما كان نعمان يجلس في الباحة الخارجية للمستشفى لاستنشاق الهواء النقي، جلست بجواره امرأة دون أن تنطق بكلمة. كانت العجوز أم سمير!


قالت له: «لم أتوقع أن أراك بهذا الحال. الصغيرة أرسلت لي رسالة من هاتف مريم. لم أستطع البقاء في المنزل، فأخذت الحافلة وأتيت إلى هنا».


ثم أخرجت قرص ذاكرة (Flash Drive) صغير من حقيبتها وقالت: «لدي شيء قد يفيدك؛ تسجيل لصوت دينا في الليلة التي جاؤوا فيها لإخلاء الشقة. كنت أسجل أصوات الممر والمبنى كعادتي عندما يجافيني النوم، وسجلت كل شيء! كانت تتحدث في الهاتف عن تزوير الأوراق وعن الشركاء الذين اشترت ذممهم بالفعل».


قبض نعمان على يده بقوة وقال: «هذا التسجيل يغير كل شيء!».


«لا تستخدمه الآن، انتظر اللحظة المناسبة».


في اليوم نفسه، أخذ نعمان التسجيل إلى محاميه، الذي نصحه بضرورة وجود شاهد ثانٍ. اتصل نعمان بـ أم سمير (السيدة الخياطة) والتي أكدت بدورها أنها سمعت حديثاً مشابهاً في الليلة ذاتها.


وبحلول بعد ظهر ذلك اليوم، كان نعمان ومحاميه قد جهزا الملف كاملاً: شهادات موثوقة، كشوفات حسابات بنكية سليمة 100%، وشهادة شخصين لا مصلحة لهما في هذا النزاع.


وقبل نهاية اليوم، مر نعمان على غرفة سارة؛ كانت قد بدأت تستجيب للعلاج الجديد، تحرك يديها، وعيناها مفتوحتان تتابعان ليان كلما اقتربت منها.


استيقظ نعمان في الصباح التالي وفكرة واحدة تسيطر على عقله: اليوم ستسقط دينا.


كان التوتر يخيم على مقر الشركة عند وصوله. وكان محاميه ينتظره في قاعة الاجتماعات الكبرى ومعه ملف مليء بالمستندات وقرص الذاكرة، وكانت أم سمير حاضرة أيضاً.


بدأ نعمان الحديث أمام مجلس الإدارة بصوت صلب: «لدي دليل قاطع على أن أمر الإخلاء تم باستخدام وثائق مزورة، ولدي ما يثبت أن توقيعي قد زُوّر على تفويضات داخلية للشركة».


قاطعت دينا بغضب ونبرة حادة: «تلقي هذه الاتهامات دون أي أدلة؟»


سحب نعمان قرص الذاكرة وقدمه للمجلس: «هنا تسجيل صوتي كامل، وهناك شاهدة كانت تقف هناك عندما كنتِ تتحدثين عن خطتكِ للإطاحة بي».


تدخل المحامي وقدم الشهادة الثانية وسجلات البنك. وتغيرت ملامح الحاضرين في الغرفة تماماً.


سلم نعمان قرار الإخلاء المزور إلى رئيس المجلس قائلاً: «هذا يحمل توقيعي، لكنني لم أوقعه قط».


قالت دينا: «هذا لا يثبت أنني أنا من قامت بذلك!».


رد نعمان بسخرية: «ومن فعلها إذن؟ خزنة المستندات؟». فصدرت بعض الضحكات الخافتة والمترددة في القاعة.


دعا رئيس المجلس إلى الهدوء وسأل: «هل يمكنكِ يا دينا تفسير سبب استخدام وثائق دون موافقة مجلس الإدارة؟»


صمتت دينا للحظة ثم قالت بكبرياء: «تصرفت للحفاظ على مصلحة هذه الشركة، كان على أحد ما أن يتصرف».


سألها رئيس المجلس: «عن طريق تزوير التواقيع؟»


رد نعمان: «أنا لا أطلب منها الاعتراف، ولكن الأدلة لا تكذب».


وبعد استراحة قصيرة للمداولة، صدر القرار: «قرر مجلس الإدارة إيقاف دينا عن العمل وتجميد صلاحياتها لمدة ثلاثة أشهر لحين الانتهاء من التحقيق الكامل في جميع المواد والأدلة المقدمة».


اشتد فك دينا بغيظ. وقبل أن تغادر القاعة، مرت بجانب نعمان وقالت له بصوت خفيض: «أنت لم تكسب المعركة… أنت فقط اشتريت لنفسك بعض الوقت».


أجابها نعمان بكل هدوء: «وهذا يكفيني وزيادة في الوقت الحالي».


الفصل السابع


كانت تلك الليلة هادئة، وهي الأولى منذ وقت طويل التي تمر دون مكالمات طارئة. لكنها لم تكن النهاية، بل مجرد استراحة مؤقتة.


أصبح الذهاب إلى المستشفى روتيناً يومياً لـ ليان. وفي أحد الأيام، وبينما كانت ترسم في صالة الانتظار، سمعت ممرضتين تتحدثان عن المريضة في الغرفة (307)، وأن هناك خياراً أخيراً أمامها؛ وهو علاج تجريبي جديد ولكن تكلفته باهظة جداً.


ذهبت فوراً إلى مريم وسألتها: «هذا العلاج لأمي، أليس كذلك؟ هل يعلم نعمان به؟»


أجابتها مريم: «ليس بعد، الأطباء ينتظرون التقييم الطبي الكامل أولاً».


لم تذق ليان طعم النوم في تلك الليلة. وفي اليوم التالي، طلبت من مريم الإذن للتوقف عند مكتبة للقصاصات، باديةً أنها تريد شراء ورق لصناعة بطاقة معايدة. لكنها توجهت بدلاً من ذلك إلى مطبعة، وبحثت عبر الإنترنت عن كيفية بيع التطريز، وبدأت في صناعة قطاع مطرزة سراً؛ قلوب، وأسماء، وعبارات مثل «كن قوياً».



ساعدتها إحدى زميلاتها في المدرسة في تصوير القطع، فنشرتها على الإنترنت، وبدأت تتلقى الطلبات، وتطرز الأسماء على قصاصات القماش، وترتب عمليات التسليم عبر سائق توصيل عند زاوية الشارع. لم تخبر أحداً بما تفعله.


كانت تضع كل درهم تجمعه في صندوق صغير خبأته تحت فراشها، وكان هدفها الوصول إلى 200 درهم.


مر أسبوعان. وفي أحد الأيام، مر نعمان على غرفتها ليمسح عليها، فوجدها نائمة والإبرة لا تزال في يدها، وبجوارها قصاصة قماش كُتب عليها اسم «سارة» بخيط بنفسجي.


سأل باستغراب: «ماذا تفعل؟»


لم تكن لدى مريم أي فكرة أيضاً.


استيقظت ليان فجأة، فسألها نعمان: «هل تبيعين هذه القطع؟»


«نعم، من أجل علاج أمي. لا أريدها أن تموت بسبب المال».


جثا نعمان أمامها قائلاً: «لن يحدث ذلك أبداً. ليس عليكِ تحمل هذا العبء بمفردكِ».


ردت بصلابة وإصرار: «بل عليّ ذلك، لأنها طالما تفانت وقدمت كل شيء من أجلي… والآن جاء دوري».


«كم جمعتِ حتى الآن؟»


«مائتين وعشرة دراهم».


شيء ما انكسر بداخل نعمان بهدوء شديد في تلك اللحظة.


في اليوم التالي، ذهب إلى المستشفى وحصل على التفاصيل المالية كاملة: التكلفة تقارب أربعة آلاف درهم بالإضافة إلى الفحوصات الأولية. وقرر أن يفعل شيئاً مختلفاً هذه المرة.


قال لـ ليان: «سأتولى أنا دفع باقي المبلغ، لكنكِ أنتِ من ستسلمين ما جمعتِه بنفسكِ. هذا جهدكِ، وهذه هديتكِ، وأمكِ تستحق أن تعلم ما فعلتِه من أجلها».


وفي اليوم التالي، وهي تحمل الصندوق الصغير بين يديها، دخلت ليان مكتب الطبيب وقالت وهي تضع الصندوق على الطاولة: «هذا من أجل علاج أمي».


وفي مساء ذلك اليوم، قصت ليان على والدتها سارة كل ما قامت به. لم تستطع سارة الكلام، لكنها ضغطت على يد ابنتها بقوة، وانهمرت من عينيها دموع صامتة تفيض بالحب والفخر.


أقر الأطباء بدء العلاج التجريبي، لكن القرار الأخير كان بيد سارة نفسها.


دخل نعمان الغرفة ومعه الأوراق الرسمية وقال: «العلاج جاهز. إنه ينطوي على بعض المخاطرة، ولكنه الفرصة الأفضل المتاحة».


نظرت سارة إلى ليان وقالت بصوت خافت: «لا أريد أن أترككِ».


ردت ليان: «أريدكِ أن تتعافي يا أمي. ولكن إن كنتِ لا تريدين خوض العملية، فأن سأكون بخير… فقط أخبريني بما تريدين».


أخذت سارة نفساً عميقاً وقالت: «أنا موافقة».


تحدد موعد العملية الجراحية في صباح اليوم التالي. لم ينم أحد جيداً في تلك الليلة.


وبعد ما يقرب من ست ساعات من الانتظار القاتل، خرج الطبيب من غرفة العمليات وقال: «لقد نجحت العملية وتجاوزت المرحلة الحرجة».


غطت ليان وجهها بيديها الصغيرتين، وانفجرت أخيراً بالدموع… دموع الفرح.


سألت وهي تنظر إلى نعمان: «هل نجحنا حقاً؟»


أجابها نعمان والابتسامة تملأ وجهه: «نعم يا ليان… لقد نجحنا».


الفصل الثامن (الأخير)


في أحد الأيام، وبينما كانت مريم تغسل الأطباق في المنزل، رن جرس الباب. كانت دينا هي الواقفة عند الباب؛ دون حُلّتها الرسمية، ودون ملفاتها المعتادة، فقط معطف طويل ومظروف في يدها.


خرجت ليان إليها وسألتها: «ماذا تريدين يا دينا؟»


أخرجت دينا صورة قديمة من المظروف وقالت: «كنت أعرف والدتكِ منذ زمن طويل… كنا أختين، تفرقنا ونحن صغار، وتبنتها عائلة أخرى. وجدتها بعد سنوات طويلة، ولم أخبرها قط بحقيقتي… لكنها ردتني وقالت إن حياتها ممتلئة بكِ ولا تسع أحداً آخر».


اشتدمت ملامح ليان، فتابعت دينا: «أنتِ لستِ ابنتها البيولوجية… تبنّتكِ عندما كان عمركِ ثلاثة أشهر. تركتكِ أمكِ الحقيقية في عيادة، وأتت سارة بعد ذلك بوقت قصير وسألت إن كان بإمكانها مساعدتكِ، ولم تتخلَّ عنكِ لحظة واحدة منذ ذلك الحين».


ساد صمت ثقيل، فسألتها ليان: «وماذا في ذلك يا دينا؟ ما الذي يغيره هذا؟»


«ألا يهمكِ الأمر؟»


«لا، لأنها أمي الحقيقية. هي من ربتني، وعلمتني الخياطة، واحتضنتني عندما كنت أخاف… لا شيء آخر يهم».


«وأنا خالتكِ…»


«نعم… ولماذا أردتِ إيذاءنا إذن؟»


لم تجد دينا إجابة. في تلك اللحظة، ترجل نعمان من سيارته وتوجه نحوهما مباشرة.


قالت دينا: «لم آتِ للشجار يا نعمان… جئت لأقول الحقيقة. أنا مريضة، ليس كـ سارة، لكن أيامي في هذا العالم معدودة، ولا أريد أن أحمل كل هذا الإثم معي عندما أرحل».



رد عليها نعمان: «إذن افعلي الشيء الصحيح قبل أن ترحلي».


أومأت دينا برأسها ومشت بعيداً بخطوات بطيئة.


سمعت سارة بزيارة دينا في ذلك المساء؛ إذ قصت عليها ليان كل شيء بصراحة ودون تجميل.


لم تتفاجأ سارة ولم تفزع، بل همست بصوت خافت: «لا يهم كيف أتيتِ إليّ يا ليان… المهم أنكِ أتيتِ، وهذا كل ما يهم في هذه الحياة».


في اليوم التالي، استيقظت سارة وهي أكثر ضعفاً، فقد أخذ العلاج منها كل مأخذ. طلب نعمان إذن استثنائياً لنقلها إلى المنزل لتقضي أيامها الأخيرة بين ابنتها ومحبيها بدلاً من جدران المستشفى الباردة. جهزت مريم سريراً طبياً وأجهزة أكسجين ورعاية على مدار الساعة.


كان نعمان يمر عليهم كل بعد ظهر، يحدث سارة عن العمل وعن تفاصيل الحياة البسيطة. كانت تبتسم وتضحك بصوت خفيض جداً، لكن ابتسامتها كانت تملأ المكان دفئاً.


في إحدى الليالي، أخرج نعمان علبة صغيرة كان قد أخذها من دينا قبل رحيلها؛ كان فيها رسالة قديمة اصفرت أوراقها من أم ليان الحقيقية:


«لا أستطيع الاحتفاظ بكِ، فلا أملك ما أعينكِ به على الحياة… لكنني آمل أن يمنحكِ من يجدكِ الحب والرعاية اللذين عجزتُ عن تقديمها لكِ… أنا أسفة».


حدقت ليان في الورقة، فسألها نعمان: «هل تريدين معرفة من كانت؟»


هزت رأسها بالرفض وقالت: «لا أحتاج لذلك، فأنا أعرف بالفعل من هي أمي… وهي مستلقية في تلك الغرفة هناك».


في أحد الأيام، طلبت سارة التحدث مع نعمان بمفردهما.


قالت له: «شكراً لك على كل ما فعلته… من أجلي، وبشكل خاص من أجل ليان».


«لا داعي لشكركِ يا سارة، لم أفعل سوى الواجب».


«بل هناك الكثير… لقد ظهرت في حياتنا عندما لم يكن هناك أحد».


أمسكت بيده وتابعت: «أطلب منك شيئاً واحداً… إذا حدث لي أي شيء، لا تدع ليان تظل بمفردها أبداً».


رد عليها بصوت ممتلئ بالصدق: «لن تكون بمفردها أبداً… أعدكِ».


قالت: «أنا أستأمنك عليها…».


كانت تلك آخر الكلمات التي دارت بينهما. وفي تلك الليلة، فاضت روح سارة بسلام أثناء نومها، دون ألم أو معاناة.


اقتربت ليان من جانب أمها، قبّلت جبهتها وهمست: «شكراً لكِ يا أمي». لم تصرخ، ولم تنفجر بالبكاء، بل أسندت رأسها على صدر أمها وكأنها لا تزال تستمع إلى نبضات قلبها.


كانت مراسم العزاء بسيطة وحميمة؛ حضرها نعمان، ومريم، والعجوز أم سمير، وأم أحمد (السيدة الخياطة)، والممرضة التي كانت تهتم بهما في المستشفى.


لم تُرِد ليان وضع الزهور على القبر، بل وضعت رسالة مطوية في كفن والدتها كتب فيها:


«كل شيء سيكون بخير يا أمي… الآن جاء دوري لأرعاكِ وأراقبكِ من هنا».


مرت الأشهر… اختفت دينا، وقيل إنها انتقلت إلى مكان بعيد، ولم يسأل نعمان عنها قط. استمرت ليان في دراستها ومدرستها، بينما أنهى نعمان المعاملات القانونية ليصبح وصيها الشرعي ورعايتها رسمياً. لم يكن الأمر سهلاً، لكن بعد كل ما مروا به، لم تكن هناك نهاية أصلح من هذه.


وفي أحد الأيام، أثناء تنظيف خزانة سارة، وجدت ليان صندوقاً مخبأً بعناية؛ فيه رسوماتها القديمة، ومناديل مطرزة، وأول رسالة كتبتها لأمها في الروضة… وتحت كل ذلك، وجدّت مظروفاً مغلقاً يحمل اسمها بخط يد أمها:


«ليان… لم تكتوبي ابنتي بالدم قط، لكنكِ كنتِ أعظم حب في حياتي. شكراً لأنكِ أنقذتِني. الآن جاء دوركِ لتطيري وتدخلي الحياة، وجاء دوره ليرعاكِ كما كنتُ أفعل تماماً. لا تدعي أحداً يطفئ نوركِ أبداً».


طوت ليان الرسالة بحذر وخرجت إلى الفناء الخلفي حيث كان نعمان يعتني بالأشجار.


سألته باعتزاز: «هل ستعلمني كيف أقود؟»


نظر إليها مستغرباً وابتسم: «أقود ماذا؟»


أجابت وهي تبتسم: «كيف أقود الحياة!».


وضحك الاثنان معاً… لأنهما رغم كل المآسي والصعاب، كانا لا يزالان هنا، يواصلان الحياة معاً، وكان ذلك أكثر من كافٍ..


تمت





تعليقات

التنقل السريع
    close