جنون امي كامله حكايات زهرة حصري
جنون امي كامله حكايات زهرة حصري
من 15سنه امي قالت انها شافت ابويا اعتدى على اختي الصغيره ومن وقتها وهيه مرميه في مستشفى المجانين ، لحد ما روحتلها في يوم اقنعها تغير كلامها بس مصرختش ولا انهارت زي ما بتعمل مسكت ايدي ورسمت علامه صغيره وغريبه خلتني انا اللي صرخت ومقدرتش اوقف دموعي!!!!!
15سنة وأنا بحاول أستوعب اللحظة اللي حياتنا فيها اتكسرت نصين ومقامتلهاش قومه تاني.
كنت وقتها عندي يادوب 12 سنة، طفلة كل همها في الدنيا ألعابها، ومدرستها، والضحكة اللي ما بتفارقش بيتنا. كان بيتنا دايماً مليان دفا وونس. أمي وأبويا كانوا بيحبوا بعض بشكل كل الناس بتحسدهم عليه. أبويا فعلا كان بطل، الراجل الملتزم الخلوق اللي كل العيلة بتحلف براسه، وأمي كانت هي الأمان والضحكة الصافية اللي منورة دنيتنا. كل حاجة كانت تمام، لحد ما في ليلة أسود من قرن الخروب، كل الحب والدفا ده اتمحى في ثواني.
صحيت في نص الليل على صوت صريخ يرعب. الصوت جاي من الصالة، صريخ أمي وهي بتبكي وبتضرب بشكل جنوني. جريت طلعت من الأوضة، شوفت منظر عمري ما هنساه... أمي ماسكة في هدوم أبويا، بتضربه بكل قوتها، بتشتمه بأبشع الألفاظ وهي منهارة وبتقول بصوت مخنوق من كثر العياط: "دي بنتك الصغيره ازاي تعمل كده؟ ازاي تعتدي عليها يا حقير؟! جالك قلب تلمسها ازاي وهي حتة منك يا وسخ؟!"
أنا وقفت في مكاني، جسمي كله بيترعش، الخوف تملكني وقلت بصوت بيترعش: "فيه ايه يا ماما؟ مالك؟"
بصتلي بعيون مليانة جنون ورعب وقالتلي: "اتصلي بخالك بسرعة يا نسمة! خليه يجي يجيب البوليس، أنا هسجنه.. هوديه ورا الشمس!"
أبويا كان واقف مذهول، وشه أصفر زي الورقة، إيديه بترتعش وهو بيحاول يمسكها ويقرب منها ويقول بقلة حيلة: "اهدي يا مديحة.. اهدي يا حبيبتي الله يهديكي! يمكن شوفتي كابوس؟ أنا كنت طالع أشرب مية ومايا في أوضتها نايمة.. معقولة أعمل كده في بنتي؟ أنتِ عقلك جرى له ايه؟"
جريت زي المجنونة على أوضة اختي مايا، لقيتها فعلا في سابع نومة،ما حستش بأي حاجة من اللي بتدور برة. رجعت أتحايل على أمي، بس كانت فاقدة الأهلية تماماً، مش سامعة حد ولا شايفانة.
على الصبح، البيت اتملى بأهلنا. كل العيلة اتجمعت، وأمي منهارة وبتحاول تقنعهم وهم بيحاولوا يهدوها ويفهموها إنها غلطانة، إن ده مستحيل. أبويا كان بالنسبة للكل مثال للرجل المستقيم، الخلوق، الأب اللي مفيش منه اثنين. محدش كان قادر يصدق ولا يفهم ايه اللي يخلي ست متجوزة راجل زي ده تتهمه اتهام بشع وقذر بالشكل ده! بس هي كانت بتصرخ في وش الكل: "أنا شوفت بعيني! شوفته بعيني الوسخ.. والله لهسجنه!"
ومن اليوم ده، حياتنا اتقلبت رأساً على عقب. أمي دخلت مستشفى الأمراض العقليه، وأنا -البنت اللي مكملتش 12 سنة- لقيت نفسي فجأة مسؤولة عن بيت كامل، وعن أخت صغيرة يادوب عندها عشر سنين . بقيت أنا الأم وأنا أختها الكبيرة. بقيت أنام جنبها كل ليلة، أخدها في حضني وأحاول أسكت دموعها وهي بتبكي وتصرخ كل يوم بالليل عايزة أمها. أبويا رفض تماماً إنه يتجوز تاني، رفض يجيب لنا مرات أب، كان دايماً حنين معانا، يخدمنا ويراعينا، ووشه دايماً شايل حزن أتقل من الجبال على مراته اللي فقدت عقلها وفقدها فجأة من غير مقدمات.
كنا عايشين في مأساة حقيقية. كل ما نحاول نروح نزورها في المستشفى، أول ما تشوف أبويا تصرخ وتتجنن، وتمسك فيه بحقد وعنف... فالأطباء نصحوا إن أبويا يبطل يزورها خالص ويتابع حالتها من بعيد لبعيد. وبمرور الوقت، أنا وأختي كمان بطلنا نروح، المكان كان مرعب بالنسبة لنا كأطفال، وأبويا ما كانش بيأمن يودينا مع حد غيره.
عدت السنين، أربعطاشر.. خمسطاشر سنة وأنا كبرت. وكل ما أمي كانت تبدأ تتحسن، ييجي الدكتور وهو مقرر خلاص يكتب لها خروج، ويسألها عن ليلتها الأخيرة في البيت، تنهار تاني وتصرخ وتكرر نفس الاتهام البشع، فيجددوا لها الإقامة في المستشفى.
بعد 15 سنة، كبرت وأتعرفت على شاب محترم عن طريق الشغل، ودخل بيتنا وخطبني وهنتجوز. في اللحظة دي حسيت إن فيه حاجة ناقصة.. أمي لازم تكون معايا، لازم تطلع تحضر فرحي. قررت إن لازم أروح أزورها لوحدي، من غير أبويا ومن غير أختي، وأحاول أصلح اللي باظ من سنين.
رحت لأبويا وطلبت منه أزورها لوحدي. وافق بصعوبة شديدة وبعد تحايل كبير، وكان خايف عليا، بس في النهاية راحت.
دخلت عليها مستشفى المجانين... المكان كان كئيب، والريحة تقيلة، بس أول ما شوفتها قلبي اتعصر. كانت كبرت وشاب شعرها، بس لسة فيها حاجة من أمي بتاعة زمان
اول ما شافتني وقفت والدموع ملت عيونها عرفتني فورا رغم اني كبرت واتغيرت ..عرفتني مع اني انا نفسي بالعافيه اتعرفت عليها ...قالت وصوتها بيترعش...نسمه
ابتسمت بدموع وجريت حضنتها قولتلها ايوه انا نسمه يا حببتي وحشتيني...وحشتيني يا ماما
امي بقت تحضني بلهفه وسألت عني وعن مايا وكأن مفيهاش اي حاجه لحد ما مسكت إيدها وبدأت أعرض عليها العرض اللي جيت علشانه.
قلت لها بصوت هادي وبترجي: "يا ماما.. عشان خاطري، اكدبي على الدكاترة. قوليلهم إنك بقيتي كويسة، ولو سألوكي عن اليوم ده، قوليلهم خلاص.. أنا كنت فاهمة غلط، كان كابوس وسوء فهم وخلاص عدى. اعملي كده عشان تخرجي وتكوني معايا في فرحي!"
أمي بصت بحده وقالت: "بس أنا مش فاهمة غلط يا نسمة! أنا شوفته!"
أنا خفت تروح في نوبة الصريخ العادية والدكاترة يجوا يجروها، فرديت عليها بسرعة وبلهفة عشان أهديها: "عارفة يا ماما.. عارفة، بس احنا هنضحك عليهم بس! هنقول كده للدكاترة عشان يوافقوا يخرجوكي وترجعي لنا البيت!"
هنا... حصل أغرب حاجة في حياتي.
أمي صمتت فجأة. . ما صرختش، ولا انهارت، ولا جتلها حالة الجنون اللي متعودين عليها كل سنة.
بصت لي بنظرة غموض وابتسمت ابتسامة هادية جداً. قربت مني، ومسكت إيدي الأيمين بالراحة، وفتحت كفي... وكان جنبها ورقه وقلم بتشخبط فيهم وتتسلى مسكت القلم ورسمت على بطن إيدي علامة صغيرة وغريبة جداً.
أول ما عيني وقعت على العلامة دي، واستوعبت أمي بتعمل ايه وبترسملي ايه...انا اللي حسيت بانهيار وصرخت بقوه ودموعي نزلت زي المطر بشكل هستيري، ما قدرتش أوقفها ..
العلامة اللي رسمتها أمي على بطن إيدي ما كانتش مجرد شخبطة بقلم رصاص عادي، دي كانت الوحمة الخاصة جداً اللي موجودة في كتف أبويا الشمال! وحمة شكلها غريب جداً، شبه النجمة المتآكلة، محدش في الدنيا يعرف شكلها ولا تفاصيلها الدقيقة غير أمي.. وأنا!
أنا اللي كنت بشوفها وأنا صغيرة لما أبويا يلبس نص كم في الحر. أمي رسمتها بالملي، وحطت وسطها نقطة سوداء غامقة، ورسمت فوقيها خط عريض زي السهم مشاور على كف إيدي. بصتلي في عيني بنظرة أبرد من التلج، وقالت بصوت واطي جداً يقطع النفس: "أبوكي مش هو أبوكي يا نسمة.. الراجل اللي عايش معاكم في البيت ده، وعامل فيها الحنين، ما عندهوش الوحمة دي في كتفه! الراجل ده شخص تاني.. ومحدش صدقني لما قولت إنه دخل الأوضة على أختك، عشان أنا الوحيدة اللي عارفة إن اللي جوه البيت ده شبح، مسخ سرق حياة أبوكم!"
صرخت.. صرخت بصوت هز جدران المستشفى الكئيبة. الدموع نزلت من عيني زي المطر، الدكاترة والممرضين جُم يجروا على الصوت، افتكروا إن أمي هاجمتني أو جتلها النوبة. مسكوني وأنا بجري لورا، ببعد عنها وأنا جسمي كله بيتكتك من الرعب. أمي كانت واقفة مكانها، ثابتة، بتطالعني بنظرة شفقة وحزن، من غير ما تتحرك خطوة واحدة.
خرجت من المستشفى وأنا مش شايفة قدامي. الشارع كان بيلف بيا، والأفكار بتاكل في دماغي زي السوس. معقولة؟ معقولة الكلام ده؟ أمي مش مجنونة؟ أمي محبوسة بقالها
15 سنة بين أربع حيطان عشان حقيقة مرعبة محدش قدر يستوعبها؟!
طول الطريق للبيت وأنا بحاول أفتكر.. بحاول أراجع شريط حياتي كله من وأنا طفلة عندها 12 سنة. افتكرت الليلة دي بالذات.. الليلة اللي الصريخ قام فيها. أبويا فعلاً كان في الأوضة، بس هل أنا شفت كتفه؟ هل شفت جسمه؟ الراجل ده طوال السنين اللي فاتت كان دايماً يلبس قمصان بأكمام طويلة، حتى في أحر أيام الصيف! كنا بنقول عليه راجل راقي وبيحب يلبس محزق ومحترم، لكن هل كان بيداري حاجة؟
حتى العادات الصغيرة اللي تتنسي مع الزمن، بدأت تطفو على سطح ذاكرتي زي الجثث الهربانة من القاع. افتكرت إن أبويا -قبل الليلة الشؤم دي- كان دايماً بيشرب الشاي بسكر زيادة، وبيكتب بإيده الشمال، ودايماً يضحك بصوت عالي يرن في الصالة. بس الراجل اللي عاش معانا الـ 15 سنة اللي فاتوا كان بيشرب الشاي مر، بيمسك المعلقة بإيده اليمين، وضحكته مكتومة ومبتخرجش إلا بالعافية! إزاي أنا ومايا والعيلة كلها انطست في عيوننا بالشكل ده؟ إزاي التغييرات الجوهرية دي أخدناها على إنها صدمة نفسية من جنون أمي ورزاناته بعد المأساة؟!
وصلت البيت، كانت الساعة قربت على المغرب. فتحت الباب بإيد بترتعش. كان البيت هادي، وريحة الأكل اللي أبويا طابخه مالية المكان. أبويا خرج من المطبخ، لابس مريلة الأكل، وابتسم ابتسامته الحنونة المعتادة اللي كانت بالنسبة لي مصدر الأمان في الدنيا.
"
نسمة؟ حبيبتي رجعتي؟" قالها بلهفة وقرب مني، "عملتي إيه مع أمك؟ كلمتيها؟ تطمنيني يا بنتي، شكل عيونك بيقول إنك عيطتي كتير."
أنا وقفت في مكاني، رجليا مش شيلاني. بصيت على كتفه الشمال.. كان لابس قميص بيتي خفيف بس كمه طويل لحد المعصم. بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت مخنوق: "الزيارة كانت صعبة يا بابا.. أمي.. أمي لسة تعبانة."
قرب مني أكتر، وحط إيده على كتفي عشان يهديني: "معلش يا حبيبتي، ربنا يشفيها. أنا قولتلك بلاش تروحي عشان ما تتعببش أعصابك قبل فرحك."
في اللحظة دي، ومعدتي بتقلب من كتر الخوف، قررت إني لازم أتأكد. لازم أعرف هل أمي مظلومة ومجنونة بفعل فاعل، ولا هي فعلاً غايبة عن الوعي وتخيلت الوحمة وتخيلت كل حاجة.
قلتله وأنا بحاول أبتسم ابتسامة باهتة: "بابا.. الدنيا حر أوي النهار ده، إنت ليه دايماً لابس طويل كده في البيت؟ ما تقلع الجاكيت أو ترفع أكمامك شوية."
أبويا ثُبت في مكانه وثانية واحدة بس.. مجرد ثانية، شفت في عيونه نظرة حادة، نظرة رعب وجحود عمري ما شفتها في عيونه أبداً طوال 15 سنة! النظرة اختفت بسرعة وحل محلها الهدوء المزيف، وقال بنبرة هادية: "أصل جسمي بياخد برد بسرعة يا بنتي من التكييف.. إنتي عارفة عضمي وجاعني من كبر السن."
النظرة دي.. النظرة السريعة دي كانت الكافية إنها تزرع الشك في قلبي زي الخنجر.
حاولت أتصرف بطبيعية عشان ما يحسش بأي تغيير. قعدت معاه
على الترابيزة وأنا حاسة إن الأكل بيمر في زوري زي الشوك. كان بيطالعني بتركيز غريب، وكأنه بيحاول يقرا اللي جوه دماغي، وأنا كنت بتهرب من نظراته وبدعي إن مايا ترجع بسرعة من كليتها عشان وجودها يقلل حدة التوتر اللي كان خافق في الشقة.
لما مايا رجعت، كان الليل جه خلاص. اتعشينا في جو مشحون بالسكوت. أبويا دخل أوضته ونام. البيت بقى كحل وهادي زي المقبرة. تسحبت بالراحة، رجليا مش حاسة بيها، ومشيت في الممر المظلم لحد باب أوضة أبويا. الباب كان موارب حاجة بسيطة.
بصيت من الفتحة الصغيرة.. كان نايم على السرير، والقنديل الصغير منور جنبه. قلبي كان بيموت من الخوف، بس كان لازم أدخل. تسحبت بالراحة جداً، ومسكت مقص صغير كان معايا في جيبي. قربت من السرير خطوة بخطوة، ونفسي مكتوم.
قربت إيدي البترتعش من كتفه الشمال.. مسكت طرف الكم بالراحة أوي، وبدأت أرفعه فوق.. سنتيمتر بحجم سنتيمتر..
صدري كان بيعلو ويهبط من كتر ضربات قلبي اللي كنت حاسة إنها مسموعة في البيت كله. رفعت الكم لحد ما وصلت لمنطقة الكتف..
وبصيت...
المكان كان أملس تماماً! مفيش أي وحمة! مفيش نجمة، ولا مفيش أي أثر لعلامة في كتفه الشمال!
جسمي اتجمد. الدنيا دارت بيا، وكنت هصرخ، بس قبل ما يخرج أي صوت من بقي، لقيت إيد قوية زي الحديد اتقفلت على رقبتي من ورا، وصوت همس جنب ودني بنبرة تخوف الحجر: "كنت خايف إن اليوم ده ييجي يا نسمة.
. بس إنتي اللي دورتي على هلاكك بإيدك
الخنقة على رقبتي كانت بتزيد، وحسيت بالأنفاس بتقطع من صدري. لفيت راسي بالعافية وأنا بصرخ بصوت مكتوم، لقيت الراجل اللي عشت معاه 15 سنة وأنا فاكراه أبويا الحنين، باصصلي بعيون مليانة شر وحقد عمره ما ظهر قبل كده.
"إنت.. إنت مين؟!" قلتها بصوت مبحوح والدموع مغرورة في عيوني.
ابتسم ابتسامة قذرة ومريضة، وزقني بقوة على الأرض، وقفلت الباب بالمفتاح عشان مايا ما تسمعش حاجة. وقرّب مني وهو بيفك زراير أكمام قميصه، وقال بصوت واطي ومخيف: "أنا اللي ربيتكم! أنا اللي شلتكم لما أبوكي الحقيقي مات واندفن تحت الأرض ومحدش دريان بيه!"
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. "أبويا الحقيقي مات؟!"
قال وهو بيضحك بتهكم ومرارة: "أبوكي المرحوم كان أخويا التوأم.. التوأم الملتزم، الشريف، اللي أخد العز والبيت والست اللي طول عمري بحلم بيها! مديحة كانت ملكي أنا الأول، بس هي اختارته هو عشان كان الأخ الطيب.. وأنا طلعت الصايع، البصام، اللي العيلة بريت منه وطردته من حياتها! سافرت وتغربت وكنت بشوف نجاحه وأنا باكل في نفسي من الغل."
كمل وهو بيمشي في الأوضة زي الوحش المحبوس، وعيونه بتلمع في النور الضعيف: "من 15 سنة، جيت هنا في نص الليل سر من غير ما حد يحس. كان بيني وبين أخويا حسابات وفلوس قديمة. دخلت عليه وهو صاحي، اتشاكلنا بصوت واطي، ومسكت في رقابته لحد ما مات في إيدي. ما كنتش ألمح خيار تاني غير إن أحل محله! إحنا توأم متطابق بالملي، محدش يقدر يفرق بينا في الشكل ولا الصوت ولا حتى النبرة. شلت جثته ونقلتها بالليل في شنطة عربيتي، ودفنته
في المزرعة المهجورة اللي كانت ملكنا زمان، ورجعت البيت حاسس إني خلاص بقيت صاحب الأملاك وصاحب البيت والزوج والأب!"
دموعي كانت بتنزل بغزارة، والذهول شال تفكيري تماماً.. الراجل ده عاش معانا 15 سنة وممثل دور الأب المثالي!
كمل وقال وعيونه مليانة غضب مجنون: "أول ليلة ليّ في البيت، دخلت الأوضة عشان أسرق ورق الشقة والفلوس قبل ما أتقن الدور، مديحة صحيت وفتحت النور.. ولأنه توأمي، ما عرفتش تفرق في الأول، بس لما قربت منها عشان أسكتها، مسكتني من كتفي الشمال تتهمني وتعاتبني.. وعرفت! عرفت إن الوحمة مش موجودة! عرفت إني مش جوزها بل القاتل اللي سرق حياته! قمت زاققها وهي بدأت تصرخ وتتجنن. وما تلاقتش طريقة أهرب بيها من اتهامها القاتل غير إني أتهمها بالجنون، وأمثل قدام الكل إنها جتلها حالة نفسية وتخيلت إني اعتديت على مايا الصغيره عشان أكسر شهادتها قدام الناس والمحكمة وأخلي كلامها كله يهياث مالوش قيمة! الكل صدقني.. عشان أنا الأب الملتزم اللي بيعيط على مراته، وهي الست اللي اتجننت فجأة!"
"يا مجرم.. يا قتال القتلة!" صرخت فيه وأنا بحاول أقوم وأجري على الباب، "أمي عاشت 15 سنة مظلومة ومقيدة في مستشفى المجانين بسبب قذارتك! حرمتنا منها وعيشتنا في وهم وخليتنا نكرهها ونخاف منها! والله ما هسيبك!"
قبل ما أوصل للباب، مسكني من شعري وجرني لورا بقوة. وقعت على الأرض ورأسي خبطت في طرف الكومودينو. الحس ضرب في رأسي ودم دافي بدأ ينزل على وشي. مسك المقص اللي كان وقع مني، وقرّب مني وهو بيقول بصوت ملهوش رحمة: "للأسف يا نسمة..
كان نفسي أحضر فرحك وأسلمك لعريسك زي أي أب.. بس إنتي نبشتي في المقابر، واللي ينبش في المقابر يدخل جوة معاهم! مستحيل أسمحلك تهدني بعد كل السنين دي!"
رفع المقص وكان نازل بيه في صدري، غمضت عيني وصريخي ملا المكان، واستسلمت للموت وأنا بدعي ربنا ينقذ أختي منه..
وفجأة! الباب اتخلع بصوت حاد جداً زلزل الأوضة!
"سيبهااااا يا حوان!"
فتحت عيني بسرعة، لقيت مايا واقفة على الباب، وشها أصفر زي الميتين، ماسكة فازة ورد رخام ثقيلة جداً، وبكل قوتها وصرخة وجع مكتومة من سنين، خبطته بيها على دماغه من ورا! الراجل اتغير اتزانه ووقع على الأرض مغمي عليه والدم نازل من راسه يغرق السجادة.
مايا كانت بترتعش وبتعيط وهي شايفاني غرقانة في دمي. جرت عليّ وحضنتني وهي بتصرخ بهستيريا: "نسمة! نسمة إنتي كويسة؟! إيه الكلام البشع اللي الراجل ده كان بيقوله ده؟! أنا سمعت كل حاجة من ورا الباب! بابا فين؟ وأمي فين؟!"
أنا مسكت إيدها بقوة وقلت لها وأنا بقوم بصعوبة ونفسي مقطوع: "أمي مش مجنونة يا مايا.. أمي كانت حاميتنا طول السنين دي بعذابها! أمي مظلومة! اتصلي بالشرطة بسرعة.. اتصلي بعصام (خطيب) وبالشرطة، الكابوس ده لازم ينتهي النهار ده قبل ما يفوق!"
ربطنا إيديه ورجليه بسلك التليفون، وخلال ساعات قليلة، كانت الشقة مليانة بشرطة وباحثين جنائيين. والراجل ده لما فاق اتقبض عليه، ومع الضغط والتحقيقات العنيفة ومواجهته بالأدلة البصمية واختبارات الـ DNA اللي أثبتت إنه مش أبويا البيولوجي بل أخوه التوأم، انهار تماماً. اعترف بكل حاجة.. ارتحلت
القوات للمزرعة المهجورة واستخرجوا جثة أبويا الله يرحمه اللي كانت مدفونة هناك، واعترف بالمؤامرة البشعة اللي دمرت عيلتنا 15 سنة وسلبت أمي حريتها وعقلها قدام العالم.
القضية هزت الرأي العام، وكل الناس اللي اتهموا أمي زمان بالجنون وبصوا لنا بعين الرحمة المزيفة، كانوا موطيين راسهم في الأرض من الخزي والذنب.
بعد أسبوع واحد..
كنت واقفة قدام باب مستشفى الأمراض العقلية، بس المرة دي ما كنتش لوحدي. كنت أنا ومايا، وعصام خطيبي اللي وقف جنبي زي الجبل، ووكيل النيابة اللي جاب قرار إخلاء سبيل رسمي ورد اعتبار كامل لأمي.
الباب الكئيب اتفتح.. وأمي خرجت.
كانت لابسة فستان أبيض هادي جابتهولها مايا، وشعرها الأبيض يتطاير مع الهواء. أول ما شافتني أنا ومايا، ما صرختش ولا عيطت بمأساوية.. ابتسمت نفس الابتسامة الهادية الصافية بتاعة زمان، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي وعارفة إن الحق لازم هيرجع.
جرت مايا عليها وارتمت في حضنها وهي بتعيط وتستسمحها وتبوس إيديها، وأنا قربت منها، مسكت إيدها اليمين، وبست بطن إيدها.. المكان اللي رسمتلي فيه العلامة اللي نقدت حياتنا وحررتها من السجن الظالم.
أمي رفعت رأسي، ومسحت دموعي وإيدها بترتعش من الفرحة، وقالت بصوت كله دفا وأمان رجّع للبيت روحه: "خلاص يا نسمة.. خلاص يا مايا.. الكابوس خلص، ويا دوب نلحق نجهز لفرحك ونفرش شقتك زي ما كنت بحلم طول عمري."
حضنتها بأقوى ما عندي، ولأول مرة من 15 سنة، حسيت إن صدري اتنفس هواء نقي، وإن البيت رجع يتدفى تاني بوجودها.. حسيت إن الحق مهما اتأخر
ومهما اندفن تحت الأرض.. لازم ييجي يوم ويطلع للنور.


تعليقات
إرسال تعليق