القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ابني مالك حكايات زهرة حصري



ابني مالك حكايات زهرة حصري

 

بسبب حبي الأعمى لمراتي، نيمت أمي المقعده في بيت متهالك تحت المطر، ومكنتش اعرف إن ابني اللي لسه مكملش أربع سنين هيكون أرجل مني ويروح يدور عليها!


من يوم ما اتجوزت وانا عايش حياتي تحت رحمة حمايا. راجل من أعيان البلد ومعاه فلوس ملهاش أول من آخر، وهو اللي كان ممول شركتي من الألف للياء. طول عمري عايش خايف خسارته، وخايف أكتر على زعل مراتي سارة، بنت الدلال والعز اللي لو زعلت، أبوها ممكن يهد حياتي في لحظة. حياتنا كانت ماشية كويسة ظاهرياً، مافيش مشاكل تقريباً، غير مشكلة واحدة بس من وجهة نظر سارة: وجود أمي معانا في البيت.

أمي ست طيبة وغلبانة، أصابها الشلل من فترة، لا حول ليها ولا قوة، حتى النطق راح منها . البيت كبير وواسع، وأنا كنت جايب لها خدامة مخصوص ترعاها في كل حاجة وتخلي بالها منها، يعني سارة مكنتش بتتعب في خدمتها ولا بتشيل همها خالص. بس برضه مكنتش طايقاها. كل يوم تفتعل خناقة من مفيش، تبص لأمي بقرف وتتحجج بأي حاجة.

كنت أتحايل عليها يا سارة دي ست كبيرة وملهاش غيري في الدنيا، بيتنا القديم بيت قش وطين وواقع، لو جت نسمة هوا شديدة هتهده على دماغ اللي فيه، ملهاش أي مكان تاني تقعد فيه غير هنا معانا." كانت تتأفف وتستخف كلامي، وتسكت يومين وترجع تاني لنفس النغمة.

اللي كان يجنن سارة أكتر لما تلاقي ابننا مالك، اللي لسه مكملش أربع سنين، قاعد تحت رجلين جدته وبيلعب معاها. كانت تجري تصرخ وتتخانق معايا: "ابنك عمال يتعلم لغة الإشارة والتهتهة عشان يفهم ستة! أنا عايزاه يبطل اللغبطة دي، خليه يبعد عنها خالص عشان يعرف يتكلم كويس زي بقية الأطفال!" وتروح تشد الولد بغضب وقسوة من جنب أمي.

كنت



أرجع كل يوم ألاقيها عامة خناقة وطاردة الخدامة أو قافلة على أمي الباب، وأنا أكون عارف في سري إن أمي العاجزة دي مش هي السبب، بس كنت بسكت وأبلع لساني... مكنتش مستعد أكسر خاطر سارة أو أخسرها هي والشركة والعز اللي أنا فيه.

لحد ما جه اليوم الأسود ده. مطر شديد برا والجو يدوبك ينفع فيه الدفا. الخدامة كانت بعيدة في مشوار، وأمي في الصالة قاعد على كرسيها و بأيديها الضعيفة زقت عجلة الكرسي وراحت ناحية المطبخ. كانت جعانة، ومحبتش تتعب حد، فمدت إيدها اللي بترعش بالعاافية تحاول تكب شوية أكل من الحلة. إيدها اترعشت، الحلة المغلية وقعت على الأرض وعلى هدوم أمي، والأكل كله اتكب.

سارة طلعت على الصوت، وبدأت تصرخ وتنهر في أمي بأبشع الألفاظ. أنا دخلت البيت في اللحظة دي على الصوت: " ولسه هجري على امي اطمن عليها والأكل مغرق هدومها، سارة زعقت بصوت هز البيت: "أمك كبت الأكل اللي تعبت فيه طول النهار! هي قاصدة تنكد علينا ولا فاكرة نفسها هتعرف تجيب أكل لنفسها؟! دي حتى مابتتدخلش الحمام لوحدها!"

دموع أمي نزلت بكسرة نفس تهد الجبال.

اتصدمت من الجمله دي وكنت هزعق فيها بس فاجأتني ووقفت قصادي بحدة: "أنا جبت أآخري يا سيف! هاخد ابني وأروح بيت بابا خلاص، مش طايقة العيشة دي ولا طايقة الست دي هنا تاني!"

حاولت أهديها وأمسك إيدها: "يا سارة استهدي بالله، دي أمي ومريضة..."

قاطعتني بغضب أعمى: "يا أنا يا هي الليلة دي يا سيف! اختار دلوقتي!"

أمي كانت بتبصلي بدموع ، وسارة واقفة مستنية قراري. بعد لحظات صدمة وتفكير خبيث في خسارة الشركة والفلوس والعز، نزلت عيني في الأرض وقلت لمراتي بنبرة مكسورة زي العاده: "حاضر يا سارة.

.. أنا هاخدها من هنا الليلة."

أخدت أمي وركبتها عربيتي، وطلعت بيها. سارة كانت فاكرة إنها فازت وركبت راسها، ولا هي ولا أنا كان عندنا أدنى علم إننا أكتر اتنين خسروا في الدنيا دي كلها في اللحظة دي.

قبل ما نمشي، سارة كانت دخلت مالك أوضته عشان ينام وهدته. بس مالك، بقلبه اللي أرجل من قلبي بمليون مرة، أول ما سمع الدوشة وعرف إنهم هيطردوا جدته، اتسحب في الخفاء ومن غير ما حد يشوفه،وركب العربية واستخبى تحت الكرسي الورااني!

وأنا ماشي بالعربية، أمي لمحت حفيدها مستخبى تحت الكرسي. كانت عايزة تحذرني إن ابنك الصغير في العربية ولانها مش بتنطق بدأت تشد في قميصي بأيدها التعبانة بقوة وتشاور ورا. أنا كنت فاكرها بتترجاني أرجعها البيت ومستحرمة اللي بعمله، فكنت ببعد إيدها وأقولها بجفاء: "أرجوكي يا ماما كفاية! متصعبوهاش عليا أكتر من كده، حرام عليكم، أنا مش ناقص!" وتجاهلت كل إشاراتها وتوسلاتها طول الطريق.

وصلت البيت القديم، بيت أهلي المهجور من سنين. وقفت العربية بعيد شوية لأن الشارع ضيق ومفيش مدخل ليها. نزلت وشلت أمي وحطيتها في الكرسي بتاعها وفي اللحظة دي، مالك استغل انشغالي وخرج من تحت الكرسي ونزل يسحف ورايا في الضلمة والمطر عشان يروح لجدته.

أول ما دخلت بيها البيت أمي مسكت في إيدي بأعلى قوة عندها، وفضلت تشاور على الباب وتصرخ بصوت مكتوم. أنا فهما مز اشارتها انها تقصد مالك ابني وكنت فاكرها خايفة متشفهوش تاني، فقلت لها: "متقلقيش على مالك يا ماما.. ده ابني ومحدش هيحرمك منه. أنا هحاول تاني مع سارة، هي قلبها طيب وتهدى بس وهاجي أخدك من هنا. أنا آسف يا ماما.. عارف إن اللي بعمله ده ضعف وخسة، بس

أنا مش عايز أخرب بيتي وأهدم شركتي، وأكيد أنتِ كمان مش عايزة كده."

أمي فضلت تشاور وتضرب بإيدها على صدري بكل ما فيها عشان تفهمني إن ابني جه معانا وهو برا في الشارع، بس أنا سبت إيدها وقلت لها ببرود: "متقلقيش، هي ليلة أو اتنين بالكتير، وهخلي سارة بنفسها تيجي تاخدك. ولو فضلت مزرجنة، هحاول ألاقي لك شقة تانية تقعدي فيها."

البيت كان متكسر، مهجور من زمن، الحشرات بتجري في كل مكان، والمطر ينزل من السقف فوق راسها في كل نقطة. اخترت دنيتي وفلوسي، وسيبت أمي في الخراب ده ومشت.

في الوقت ده، مالك الطفل اللي عنده أربع سنين كان بيدور على بيت جدته في الضلمة. لقى كذا شارع ضيق ومماطل، معرفش أبوه دخل من أنهي واحد فيهم. فضل ماشي قدامه في الشارع الغريق تحت المطر الشديد، من غير هدف، بيعيط وبينادي على جدته، ومش عارف يرجع العربية إزاي، ولا عارف طريق البيت، ولا فين مكان جدته اللي راح عشان يحميها.

رجعت البيت وأنا مخنوق، دخلت لقيت سارة قاعدة مستنياني بنصر. سألتها بضيق: "فين مالك؟"

ردت عليا بابتسامة وفرحة: "قبل ما تمشوا على طول دخلته أوضته ينام.. شكراً يا حبيبي إنك مكسرتش خاطري وفضلتني انا."

البيت كان ساكت تماماً، وأنا كلي تعب وندم وخزي. دخلت السرير عشان أنام، وسارة دخلت جمبي وهي طايرة من الفرحة إنها اتخلصت من حماتها.. مكنتش لاهي ولا أنا نتخيل الكابوس  اللي مستنينا أول ما نفتح عينينا!

نمت ساعة واحدة بس، بس مكنتش نومة.. كانت كابوس طويل ومكتوم. صحيت على صوت رعد هز شبابيك الأوضة، وحسيت بنغزة في قلبي زي السكينة. قمت من السرير ومشيت في الممر الشبه ضلمة، ورحت على أوضة مالك عشان أطمن عليه.. فتحت الباب، السرير كان فاضي!


 

في الأول قلت يمكن راح الحمام، أو راح أوضة سارة.. ناديت بصوت واطي: "مالك؟" مفيش رد. فتشت البيت حتة حتة، وتحت الكنب وفي المطبخ.. الولد ملوش أثر! جريت على سارة وصحيتها برعب: "سارة! فين مالك؟! مالك مش في أوضته!"

قامت مفزوعة: "يعني إيه مش في أوضته؟ أنا مديّاه إيدي وميمّماه قبل ما تمشي!"

بدأنا ندور في البيت زي المجانين، لحد ما لمحت باب البلكونة المقفول، والجزامة اللي جنب باب الشقة.. جزامة مالك كانت مفتوحة، وكوتشيه الصغير مش موجود! في اللحظة دي، افتكرت أمي.. افتكرت نظراتها المذعورة وهي بتزنق نفسها في العربية، وافتكرت مسكتها في قميصي وإيدها اللي بتشاور على الكرسي الورااني وعلى الباب وهي بتصرخ بصوت مكتوم!

دمي اتجمد في عروقي. اللغز اتفك في عقلي في ثانية واحدة.. أمي مكنتش بتترجاني عشان ما أرميهاش.. أمي كانت بتقولي إن ابني معايا! إنه استخبى في العربية ونزل ورايا في المطر!

صرخت في سارة بصوت هز أركان البيت: "أمي كانت بتفهمني! الولد نزل ورايا عند البيت القديم! الولد ضاع في الضلمة والمطر!"

سارة وشها أصفرّ وبدأت تصرخ وتلطم على وشها: "ابني!! يا سيف ابني لو جرى له حاجة هموت!"

طلعت أجري زي المجنون، وركبت العربية وسارة ورقت معايا وهي بتبكي وبتصرخ. الشوارع كانت غرقانة مية، والمطر نازل زي السيل. كنت بفرمل العربية بالعافية من كتر الارتجاف اللي في إيدي. وصلت المنطقة القديمة، الشوارع الضيقة كانت عبارة عن

برك مية وضلمة كاحلة لأن الكهربا كانت مقطوعة.

نزلت أنا وسارة نصرخ في الشارع: "مالك! يا مالك!"

المكان كان مرعب، وصوت المطر والرعد داري على أصواتنا. جيران المنطقة القديمة خرجوا على صريخنا، وبدأوا يدوروا معانا بالكشافات. ساعتين كامليين وإحنا بنلف في شوارع طين وخرابة، وسارة طايحة في المية بتصرخ وترمي نفسها على الأرض: "يا رب رجعهولي وما عايزه حاجة من الدنيا! يا رب خد فلوسي وعزي ورجعلي ابني!"

ولحد ما طلقت شمس الصبح.. ونور ربنا كشف الفاجعة.

على بعد مسافة قصيرة من الشارع الرئيسي اللي بتعدي منه العربيات بسرعة، لقينا تجمهر من الناس وسرينة عربية إسعاف.. قلبي وقفت دقته. جريت زي المجهد، بدق ب رجلي في المية.. زقيت الناس..

ولقيت مالك.. طفلي الصغير اللي مكملش أربع سنين، مرمي على جانب الطريق، هدومه غرقانة طين ودم، وشنطته الصغيرة اللي كان حاطط فيها لعبته علشان بيلعب بيها مع جدته كانت جنبه.

عربية خبطته وهي ماشية بسرعة في الضلمة والمطر، والسواق جرى وسابه ينزف في البرد!

سارة صرخت صرخة  ، ووقعت أغمى عليها في المية والطين. أنا ما بكتش.. ما عرفتش أبكي.. حافيت على ركبتي وشيلت جثة ابني بين إيديا. كان جسمه سقعان زي الثلج.. بصيت لوشه البريء ولقيت رجليه متجهة ناحية بيت أمي.. الولد كان فاضل له خطوات ويصل لجدته عشان يحميها، بس أنا بعتي له الموت بإيديا!

في اللحظة دي، حسيت  الدنيا بتنهار على دماغي. ده

مش سوء حظ.. ده عقاب ربنا السريع المباشر! ربنا ما سابنيش أتهنى بفلوسي ولا بشركتي ولا بمراتي اللي بعت أمي عشانها.. ربنا أخد مني أغلى حاجة في حياتي، بالطفل اللي آويت أمي عشان خفت أخسره، هو نفسه اللي راح بسبب قسوتي!

بعد الدفن، الدنيا كلها اسودت في وشي. حمايا جاب أكبر الدكاترة لسارة اللي دخلت في حالة صدمة عصبية ونفسية شديدة، وكانت كل ما تشوفني تصرخ وتقول: "أنت السبب! أنت اللي أخدته معاك! أنت اللي رميت أمك وجبتلنا الخراب!"

وقفت قدامها في المستشفى، ووشي خالي من أي تعبير.. بصيت لها وبصيت لأبوها اللي كان بيبصلي بفرعونة وكبرياء.

قلت لها بصوت ميت: "أنا فعلاً السبب.. السبب إني فضلت الفلوس والعز عليكي وعلى أمي. والنهاردة، العز ده تحت جزمتي.. أنتِ طالق يا سارة. طالق بالثلاثة."

حمايا زعق: "أنت بتطلق بنتي؟! أنت نسيّت نفسك ولا نسيت مين اللي عملك؟! أنا ههد شركتك وهفلسك وأرجّعك شحات زي ما أخدتك!"

تبسمت بكسرة ومرارة وقلت له: "هدها يا بيه.. خد كل حاجة.. الشحاذة أنظف مليون مرة من العيشة في الحرام والقسوة."

سيبتهم ومشيت. تنازلت عن الشركة، وعن البيت، وعن كل قرش في البنك.. خرجت بيافتي وهدومي اللي عليا بس.

رحت للبيت القديم.. للخرابة اللي سيبت فيها أمي تحت المطر.فتحت الباب المكسور.. لقيت أمي قاعدة على كرسيها في زاوية الشارع الناشفة، وشها كان أصفر ومبلولة من المطر اللي نزل من السقف، وعينيها رافعة  بتدعي.

. وأول ما شافتني، بكت بشدة ومدت إيدها المرتعشة تحضنني.

أمي مكنتش عارفة إن مالك مات.. كانت فاكرة إنه ضاع بس..نزلت على ركبي تحت رجليها..  على الأرض الغرقانة طين ومية تحت رجليها التعبانة، وبست إيدها ورجليها وأنا بصرخ وببكي لأول مرة زي العيل الصغير: "سامحيني يا أمي.. سامحيني  .. ابني مات  يا امي.. أنا اللي قتلت ابني بجهلي وضعفي.. سامحيني يا أمي!"أمي مسكت راسي بإيدها اللي بترعش، وحطت راسي في حضنها.. وكانت بتطبطب عليا وبتبكي معايا، ورغم إنها مش قادرة تتكلم، صوت أنينها كان بيقول: "مسامحاك يا بني.. مسامحاك."من اليوم ده.. مرت سنين.أنا سبت المدينة، وأخدت أمي وعشنا في بيت صغير بسيط في قرية بعيدة. بشتغل أي شغلانة بسيطة تجيب لقمتنا بالحلال.. أبيع خضار، أشتغل فاعل.. المهم إني أرجع كل يوم بقرش حلال أطعم بيه أمي.عايش تحت رجلين أمي.. أنا اللي بغسل لها، وأنا اللي بؤكلها، وأنا اللي بشيلها أحطها في سريرها. بمسح الطين من تحت جزمتها  كل يوم قبل ما أسارة سمعت إنها اتجوزت غيري عشان تتخطى الصدمة وعايشة في عز أبوها، بس أنا ما بقاش يهمني حد في الدنيا غير الست العاجزةكل ليلة لما المطر ينزل، بفتكر ركضة مالك في الضلمة، وبفتكر  لإثم اللي ارتكبته.. وأعرف إن رضا أمي هو القشة الوحيدة اللي فاضلالي عشان ربنا يغفرلي يوم القيامة. خسرت ابني وخسرت دنيتي.. بس كسبت أمي، وعايش خادم تحت رجليها لحد ما أروح لابني وأنا نضيف.


تعليقات

التنقل السريع
    close