سر بنتي كاملة وحصريه بقلم انجي الخطيب
سر بنتي كاملة وحصريه بقلم انجي الخطيب
أنا أول واحدة حسّيت إن في حاجة غلط في بنتي سلمى… قبل ما أي حد ياخد باله.
في الأول، التغييرات كانت بسيطة جدًا، لدرجة إن أي حد ممكن يقول:
“دي شوية إرهاق وهتعدي.”
بس أنا كنت أمها… وكنت عارفة بنتي كويس.
سلمى عندها عشرين سنة، وكانت طول عمرها بنت مليانة حركة وضحكة وصوتها عالي في البيت. أول ما ترجع من الجامعة، تدخل ترمي شنطتها على الكنبة وتفضل تحكيلي حصل إيه في يومها، وتفضل تتخانق مع أخوها على الريموت، وبعدها تقعد جنبي في المطبخ وهي بتاكل أي حاجة تلاقيها قدامها.
لكن من كام أسبوع… سلمى اتغيرت.
كانت ترجع من الجامعة، تسيب شنطتها جنب باب الشقة، وتدخل أوضتها على طول من غير حتى ما تقول:
“مساء الخير يا ماما.”
والأغرب إنها بدأت تشتكي من الغثيان كل يوم تقريبًا.
خصوصًا بعد الضهر.
في الأول قلت يمكن ضغط الدراسة.
يمكن نومها قليل.
يمكن الجو الحر مأثر عليها.
لكن بعدين بدأت أخد بالي من حاجة خوفتني أكتر…
#انجي_الخطيب
بنتي كانت بتخس بسرعة.
هدومها بدأت توسع عليها، ووشها فقد امتلاءه، وتحت عينيها ظهر سواد واضح.
مرة وأنا بجهز الغدا، بصيت لها وقلت:
— “سلمى… إنتِ خسيتي؟”
بصتلي بسرعة وقالت:
— “لا يا ماما.”
— “إزاي لا؟ ده البنطلون اللي كان ضيق عليكي بقى واسع.”
ضحكت ضحكة صغيرة وقالت:
— “يمكن عشان بطلت آكل بالليل.”
سكت شوية، وبعدين سألتها:
— “ليه؟”
هزت كتفها وقالت:
— “مش عارفة… ماليش نفس.”
دخل أبوها حسام في الكلام وهو بيقلب في موبايله:
— “يا جماعة سيبوها، يمكن عايزة تخس شوية. البنات اليومين دول كلهم بيعملوا كده.”
بصيت له بضيق.
— “بس هي مش بتخس بشكل طبيعي يا حسام.”
رفع عينه من الموبايل وقال:
— “يعني نروح لدكتور كل ما تقول بطني وجعتني؟”
— “دي مش مجرد وجع بطن.”
تنهد وقال:
— “يا ستي لو كل مرة حد اشتكى من حاجة روحنا المستشفى، هنقضي عمرنا ندفع فلوس للدكاترة والتحاليل.”
كنت عايزة أرد عليه.
كنت عايزة أقوله إن إحساسي بيقول إن الموضوع أكبر من كده.
لكن بدل ما أجادله… بصيت لسلمى.
كانت قاعدة قدامي وساكتة.
إيديها في حجرها، وأصابعها بتتحرك في توتر.
سألتها بهدوء:
— “إنتِي كويسة يا حبيبتي؟”
ما ردتش.
فضلت ساكتة ثواني .
وبعدين حطت إيدها على بطنها وضغطت عليها.
لاحظت الحركة دي.
— “بتوجعك؟”
هزت راسها بالنفي.
— “لا.”
— “سلمى… بصيلي.”
رفعت عينيها ناحيتي.
وكان في عينيها حاجة غريبة.
خوف. مش تعب. مش إرهاق.لا كان خوف.
قربت منها ومسكت إيدها.
— “في حاجة حصلتلك في الجامعة؟”
قالت بسرعة:
— “لا.”
— “حد ضايقك؟”
— “لا يا ماما.”
— “حد هددك؟” اتجمدت للحظة.
مجرد ثانية واحدة… لكن أنا شوفتها.
شوفت الخوف في وشها قبل ما تخبيه.
قربت منها أكتر وقلت:
— “سلمى… أنا أمك. قوليلي.”
سحبت إيدها من إيدي وقالت:
— “مفيش حاجة.”
وقامت دخلت أوضتها.
وقفت مكانها وأنا ببص وراها.
كنت حاسة إن بنتي بتخبي عني حاجة.
حاجة كبيرة.
تاني يوم، حاولت أقنعها نروح لدكتور.
قالت:
— “أنا كويسة يا ماما.”
قلت:
— “إنتِي مش كويسة.”
— “بجد مفيش حاجة.”
#انجي_الخطيب
— “يبقى نروح نطمن.”
رفضت.
وأبوها كالعادة قال:
— “سيبيها يا نادية، هي أدرى بنفسها.”
لكن بعدها بكام يوم، حصل موقف خلاني ما أنامش طول الليل.
كنت داخلة أوضتها الصبح أصحيها عشان الجامعة.
لقيتها قاعدة على طرف السرير، ووشها شاحب جدًا.
قلت:
— “مالك؟”
ردت بصوت ضعيف:
— “دوخت شوية.”
جريت عليها.
— “دوخة إيه؟ إنتِ كويسة؟”
قالت:
— “أنا كويسة.”
لكنها وهي بتحاول تقوم، سندت إيدها على الحيطة.
وللحظة… حسيت إن الأرض نفسها بتتحرك من تحتي.
مسكت دراعها وقلت:
— “خلاص. النهارده مفيش جامعة. هنروح للدكتور.”
بصتلي بخوف وقالت:
— “لا يا ماما.”
— “ليه؟”
سكتت.
وبعدين قالت:
— “بابا هيزعل.”
الجملة دي وقعت على قلبي زي الحجر.
— “بابا هيزعل ليه؟”
ما ردتش.
— “سلمى، أبوكي ماله بالموضوع؟”
بصت في الأرض.
وساعتها فهمت إن الموضوع مش مجرد تعب.
كان في سر.
وسلمى كانت خايفة تحكيه.
وفي نفس الليلة، دخلت عليها وهي قاعدة على السرير.
قفلت الباب ورايا، وقعدت جنبها.
مسكت إيدها وقلت:
— “اسمعيني يا بنتي… لو في حاجة حصلت، مهما كانت، أنا مش هسيبك لوحدك.”
بصتلي شوية.
#انجي_الخطيب
وبعدين قالت جملة عمري ما هنساها:
— “أنا بطلت أحكي لبابا.”
اتصدمت.
— “ليه؟”
رفعت عينيها وقالت:
— “عشان أنا مش مصدقاه.”
قلبي دق بسرعة.
— “مش مصدقة أبوكي في إيه؟”
سكتت.
فضلت أبص لها مستنية.
لكنها ما قالتش حاجة.
وفي اللحظة دي، لأول مرة… بدأت أخاف من جوزي.
مش منه شخصيًا.
لكن من احتمال إن يكون هو الشخص الوحيد اللي بنتي كانت محتاجة تصدقه…
وهو أكتر شخص كانت خايفة تحكيله.
تاني يوم الصبح، أخدت قرار من غير ما أقول لحسام.
استنيت لحد ما خرج من البيت، وبعدها روحت الجامعة وخدت سلمى معايا.
ما قلتلهاش إحنا رايحين فين.
ولا قلت لأي حد.
ودخلنا مستشفى حكومي كبير قريب من بيتنا.
كنت ماسكة إيد بنتي وإحنا قاعدين في الاستقبال، وهي بتبص حواليها بتوتر.
بعد شوية، دخلنا عند الدكتور.
حكيت له كل اللي حصل.
فقدان الوزن. الغثيان. الدوخة. الخوف.
وتغير شخصيتها.
الدكتور بدأ يسأل سلمى أسئلة بسيطة.
لكن كل ما كان بيسألها سؤال…
كانت تبصلي.
كأنها مستنية مني الإذن إنها تتكلم.
وفي نص الكشف، طلب منها تعمل مجموعة تحاليل وأشعة.
مرت الساعات ببطء.
وأنا قاعدة بره، إيدي بتترعش، وبحاول أتصل بحسام من غير ما يعرف أنا فين.
لكن قبل ما أعمل المكالمة…
خرج الدكتور من الغرفة.
وقف قدامي.
وشوفت ملامح وشه اتغيرت.
بصلي ثواني من غير ما يتكلم.
وبعدين قال:
— “حضرتك… لازم ندخل نتكلم.”
دخلت وراه.
وأول ما قفلت باب الغرفة…
الدكتور بصلي بنظرة عمري ما هنساها.
وبصوت واطي قال:
— “اللي ظهر في التحاليل… مش حاجة بسيطة.”
سألته وأنا حاسة إن نفسي اتقطع:
— “يعني بنتي مالها؟”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— “إحنا محتاجين نعمل فحوصات تانية فورًا.”
— “ليه؟”
بص ناحية سلمى.
ثم رجع بصلي وقال:
— “لأن في حاجة في النتائج… مش راكبة خالص.”
وفي اللحظة دي…
سلمى بدأت تعيط.
وأنا فهمت إن اللي بنتي كانت بتحاول تخبيه عني…
ممكن يكون أخطر بكتير مما كنت متخيلة.
#انجي_الخطيب
سحبت الكرسي وقعدت عليه بالعافية لأن رجلي مابقتش شايلااني، والشفاط اللي في سقف أوضة الدكتور كان بيطلع صوت زن منتظم بيزود التوتر اللي في الصدر. الدكتور حط الورق على المكتب، وفرك وش بفرط إيده، وبصلي بتركيز وقال بصوت واطي ومحسوب: “التحاليل مطلع نسبة سموم وأدوية مهدئة ثقيلة جدًا في دم سلمى.. أدوية جدول مش ممكن تتاخد إلا بروشتة حمرا ومتابعة طبية دقيقة، والأدوية دي هي اللي عاملاها هبوط حاد في الضغط وتليف في جدار المعدة، وهي السبب في الغثيان والخسسان المفاجئ ده.”
الكلمات نزلت عليا زي المية المغلية. بصيت لسلمى اللي كانت قاعدة على حرف الكنبة الجلد، دفنة وشها بين إيديها وجسمها كله بيميل وبيترعش بخوف. قربت منها، مسكت كتافها وهزيتها بالراحة وأنا حاسة بضربات قلبي بتخبط في زوري: “سلمى.. بصيلي هنا. أدوية إيه دي؟ إنتِ بتجيبي الكلام ده منين؟ حد بيجبرك تاخدي حاجة؟”
سلمى رفعت وشها، ودموعها كانت مغرقة خدودها الشاحبة، وصوتها طلع مخنوق ومتقطع: “أنا مابشتريش حاجة يا ماما.. والله العظيم ما بشتري حاجة.”
— “لأ امال الأدوية دي دخلت جسمك إزاي؟! اتكلمي يا بنتي أرجوكي!”
سلمى حطت إيدها على بوقها تحاول تكتم شهقاتها، وبصت للدكتور وبعدين بصتلي وهي مرعوبة: “بابا.. بابا هو اللي كان بيديهالي.”
الزنة اللي في الأوضة اختفت فجأة، وحسيت بصمت مرعب لف المكان. الدكتور نفسه سكت وبص للولد والبنت بذهول.
مسكت إيدها بقوة وقلت بصوت بيترعش: “بابا؟! حسام؟ بيديكي إيه؟ إنتِ بتقولي إيه يا سلمى؟!”
ردت وهي بتبكي بحرقة: “من شهرين.. لما بدأت أشتكي من صداع بسيط، بابا جابلي علبة شريط من غير اسم، وقال إنها فيتامينات ومقويات استوردها مخصوص عشان دراستي وإرهاق الجامعة.. وكان بيصر كل يوم بالليل يقف جنبي لحد ما أبلع حباية قدامه بنفسه.. وكنت كل ما أقوله يا بابا الحبوب دي بتخليني أدوخ وعايزة أرجع، يقولي ده بداية الشفا والسموم بتطلع من جسمك، واوعي تقولي لأمك عشان متقلقش وتكبر الموضوع وتعمل دوشة.”
مسحت عيني اللي أظلمت من الصدمة، وسألتها وأنا مش قادرة أستوعب: “وليه.. ليه يا سلمى؟ أب يعمل كده في بنته ليه؟! إيه السر؟”
سلمى نزلت رأسها في الأرض، وشفت الفزع حقيقي في عينيها وهي بتقول: “عشان من شهرين.. أنا شفت بابا بالصدفة في الكافيه اللي جنب الجامعة.. كان قاعد مع ست ثانية، وكان بيمضيها على أوراق ومستندات شقتنا وكتب ملكية أرض جدي اللي باسمك أنتِ يا ماما.. ولما واجهته في الشارع قبل ما يركب عربيته، هددني وقال لي لو نطقتِ بحرف لأمك هخرب بيتك وأخليكِ تسقطي في الجامعة.. ومن يومها وهو بيتعامل معايا بحنية مزيفة وبيجبرني آخد الحبوب دي كل ليلة.. عشان لما أضعف وأمرض، محدش يصدقني لو اتكلمت ويقولوا عليا بعيا وبخرف!”
الكلام كان أقسى من إنه يتصدق، بس كل الخيوط اتجمعت في دماغي في ثانية واحدة.. امتناعه عن جيبان الدكتور، استهتاره بتعبها، إصراره إننا ندفعش فلوس للتحاليل، وتوتره كل ما أقرب من أوضتها.. حسام ماكانش مجرد أب مهمل أو بيبخل على بنته، حسام كان بيموت بنتي بالبطيء عشان يحمي سر سرقته وخيانته لينا.
في اللحظة دي بالذات، شاشة موبايلي اللي كانت على المكتب نورت.. وصوت نغمة الاتصال يرن في الأوضة بخبث.
بصيت للشاشة.. كان مكتوب: “حسام”.
رفعت عيني للدكتور اللي كان متابع الموقف بحذر جاهز يتدخل، وبعدين بصيت لسلمى اللي انكمشت في مكانها أول ما سمعت النغمة. مسكت الموبايل، مسحت دموعي بإيدي الثانية، ورديت بصوت ثابت وبارد عكس النار اللي بتاكل في صدري: “أيوة يا حسام..”
جالي صوته من الناحية الثانية بتوتر بيحاول يداريه: “إنتِ فين يا نادية؟ برن عليكي من بدري الشقة فاضية.. وسلـمى فين؟”
بصيت لبنتي اللي كانت خايفة، وضغطت على إيدها بقوة عشان أطمنها، وقلت بصوت حاسم مافيهوش نقطة ضعف واحدة: “إحنا في المستشفى يا حسام.. والتحاليل طلعت، والدكتور مستنيك تيجي فورًا عشان يستلم منك شريط الفيتامينات اللي بتديه لبنتك بنفسك.”
السكوت حل على الناحية الثانية من الخط، وصوت أنفاسه بقى عالي وسريع، وقبل ما ينطق بأي كلمة قفلت السكة في وشه، وبصيت للدكتور وقلت له بنبرة أُم مستعدة تهد الدنيا: “اتصل بالأمن يا دكتور.. واطلب البوليس.. جوزي زمانه جاي في الطريق.”
…….
مرت نصف ساعة كانت أطول من العمر كله، والأوضة ساكنة إلا من صوت أنفاس سلمى المتسارعة وهي حاضناني ومستخبية في صدري كأنها طفلة عندها خمس سنين. الدكتور كان واقف عند الشباك يتابع مدخل المستشفى، ولما شاف عربية حسام بتركب الرصيف القداماني بنفس الطيش، أومأ لي برأسه وقال بصوت واطي: “وصل.. والأمن جاهز تحت، والبوليس بلغناه وفي الطريق.”
شديت على إيد سلمى وقلت لها بصوت مكتوم: “ماتخافيش.. حظه الأسود إنه فاكرنا لسة الست والبنت الضعاف اللي هيقعد يضحك عليهم كلمتين.”
الباب اتفتح بفتحة مفاجئة، ودخل حسام وهو بيفتح زراير جرافيته، ووشه أصفر ومربوك، يحاول يستعرض هيمنته المزيفة اللي متعود عليها. بصلي بعيون مليانة توتر وقال بنبرة عالية بيحاول يغطي بيها على خشيته: “إيه الجنان اللي بتعملوه ده؟! مستشفى إيه وتحاليل إيه وأنتِ بترميني بالكلام في التليفون قدام الناس إزاي يا نادية؟! كبرتي الموضوع وعملتي هيصة على شوية إرهاق عند البنت!”
الدكتور قرب خطوة ووقف بينه وبين سلمى اللي انكمشت أكتر، وقال بجمود طبي محترف: “أستاذ حسام، الهدوء مطلوب هنا. النسبة اللي طالعة في دم بنتك من الأدوية الجدول مش إرهاق ولا كلام فاضي.. دي مادة كفيلة تعمل هبوط حاد في الدورة الدموية، ومثبتة في تقرير طبي رسمي باسم المستشفى.”
حسام اتلجلج، وشه احمر، وبصلي بغيظ وقال: “أنتِ اتجننتي يا نادية؟ مصدقة الأوهام دي؟ أنا أضر بنتي؟! أنا اللي بجيب لها أحسن المكملات عشان دراستها تقوموا تتهموني بالتسميم؟! هاتوا الشنطة بتاعتها والورق ده وإحنا مروحين حالا، ونشوف دكتور خاص يفهم!”
خطا خطوة ناحية سلمى عشان يمسك إيدها ويجرها، لكن في اللحظة دي طلعت من جيبي الموبايل اللي كنت فتحت فيه التسجيل الصوتي من أول ما دخل، وقفت قدامه وراسي مرفوعة، وبصيت في عينيه بثبات عمري ما حسيته قبل كده: “سلمى حكتلي كل حاجة يا حسام.. حكتلي عن الكافيه، وعن توكيلات الأرض، وعن التهديد اللي هددتهولها.. وعن الشريط اللي بتجبرها تبلعه كل ليلة بحجة الفيتامينات.”
حسام اتجمد مكانه، وعينيه توسعت برعب حقيقي، وتحولت نبرته من العصبية للانهيار: “أنتِ بتقولي إيه؟! البنت دي بتخرف.. البنت مريضة ونفسيتها تعبانة من الدراسة وبتتخيل حاجات!”
ردت سلمى بصوت واضح لأول مرة، صوت خرج من وسط الخوف والدموع لكنه هز الأوضة كلها: “أنا مش بخرف يا بابا.. والشريط اللي باخد منه فاضل فيه حبتين في الدرج المقفول في مكتبك.. وأنا صورت الموبايل بتاعك وهو عليه رسائل المحامي اللي بتتفق معاه على نقل الملكية!”
في اللحظة دي، اتفتح باب الأوضة ودخل أمين شرطة ومعاه اثنين من أفراد أمن المستشفى. الضابط بص للكل وقال بنبرة حازمة: “مين أستاذ حسام؟”
حسام التفت بذهول، وحاول يتكلم ويرقع: “يا حضرة الضابط ده سوء فهم عائلي.. بنتي تعبانة وشوية مشاكل..”
الدكتور حط التقرير الطبي على مكتبه وقدمه للضابط مباشرة وقال: “ده تقرير طبي أولي بحالة تسمم كيميائي ناتج عن أدوية جدول مخدرة، والأم والبنت متهمين الأب بإجبار المريضة على تناولها.”
بصيت لحسام وهو بيتسحب لورا وأفراد الأمن بيقربوا منه، وقربت منه خطوة واحدة وقالت له بصوت منخفض وحاد زي السكين: “البيت اللي كنت عايز تسرقه، والأرض اللي كنت عايز تبني بيها حياتك على حساب صحة بنتك.. بقى هو نفس السجن اللي هتقضي فيه بقية عمرك يا حسام.”
العساكر كلبشوا إيديه، وهو بيصرخ وبيحاول يقاوم ويقول إننا بنتبلى عليه، لكن صوته بدأ يبعد ويتلاشى وهو بيتسحب في الطرقات.. وأنا قعدت جنب سلمى، أخدتها في حضني وحسيت لأول مرة إن نبضها بدأ يهدى، وإن الخوف اللي كان كابس على روحها بدأ يتبخر مع كل نفس بتاخده في أمان.
……….
الممرضات دخلوا الأوضة بسرعة يجهزوا سلمى عشان ينقلولها المحاليل ويبدأوا إجراءات التطهير العاجل للتخلص من آثار السموم، وأنا واقفة جنبها ماسكة إيدها ومش راضية أسيبها ولا ثانية. الضابط قرب مني بجهد يداري بيه تأثره وقال بلهجة جادة: “يا مدام نادية، إحنا محتاجين قوة تنزل مع حضرتك حالاً على البيت عشان نتحفظ على شريط الأدوية والمستندات المزورة اللي سلمى قالت عليها قبل ما حد يوصل لها أو يخفيها.”
بصيت لسلمى اللي كانت راقدة على السرير وجسمها ضعيف، مسحت على شعرها وقلت لها بصوت هادي: “ساعة واحدة يا حبيبتي.. هجيب الأدلة اللي هتكتف الخاين ده وأرجعلك فوراً، مش هسيبك تاني أبداً.”
سلمى بصتلي بعيون دموعها مسحوبة بابتسامة خفيفة لأول مرة من شهور، وقالت بصوت خافت بس مستقر: “أنا مش خايفة خلاص يا ماما.. روحي وهاتي حقنا.”
طلعت مع أمين الشرطة وعسكريين على الشقة. الباب كان مفتوح جزئياً زي ما حسام سابه لما نزل يجري للمستشفى. دخلت المكان اللي عشت فيه عشرين سنة فاكرة إن فيه أماني وسكني، ولأول مرة أحس بغربة وقرف من كل ركن فيه. مشيت بثبات لحد أوضة المكتب، ووقفت قدام مكتبه الخشب. افتكرت كلام سلمى، ودورت في العلبة اللي فوق المكتب لحد ما لقيت المفتاح الصغير، وفتحت الدرج السري المقفول.
جوة الدرج، كان شريط الدوا اللي فاضل منه حبتين ملفوف بقلة ضمير في ورق أبيض، وتحتيه الملف الأزرق.. ملف كامل فيه توكيل مزور ببصمتي، وعقود تنازل عن قطعة أرض جدي، ورسايل مطبوعة بينه وبين محامي الشمال بيتفقوا فيها على البيع وسفره برة مصر أول ما الصفقة تتم وتصفية حساباته.
الضابط شال الملف والحبوب بحرص وحطهم في أكياس حرز، وبصلي بأسف وقال: “ده ماكانش بيعاملكم كعيلة.. ده كان بيخطط لكل حاجة بدم بارد، والتقرير الطبي مع العينات دي هيقفلوا عليه السجن لسنوات طويلة.”
في اليوم التالي في النيابة، حسام انهار تماماً. محاولات الإنكار والإسقاط اللي كان بيمارسها عليا وعلى بنته اتبخرت قدام تحريات المباحث وتقرير الطب الشرعي الأولي اللي أثبت وجود مواد جدول مخدرة وثقيلة في دم بنتي، بالإضافة للتوكيلات المزورة. النيابة وجهت له اتهامات صريحة بالتزوير في أوراق رسمية، والشروع في القتل، وإعطاء أدوية ضارة عمدًا بقصد الإيذاء الشديد. لما خرج من باب التحقيق مكلبش ومكسور عشان يتنقل لزنزانة التخشيبة، بصلي بنظرة ترجي أخيرة، بس أنا درت وشي عنه وماستخسرتش فيه حتى كلمة عتاب واحدة.
رجعت المستشفى مع شروق الشمس. الأوضة كانت هادية وصوت قطرات المحلول نازلة بالراحة. قعدت على الكرسي جنب سرير سلمى، ومسكت إيدها الدافية. فتحت عينها، ولما شافتني ابتسمت ابتسامة صافية رجعتلي بيها روحي.
قربت منها وبست رأسها وقلت لها بصوت حنون وثابت: “خلاص يا قلب أمك.. الشر اتخلع من حياتنا بغير رجعة.. ومن النهارده مفيش سر يخوفك، ولا باب مقفول يترعب منه قلبك.”
سحبت إيدي وحطتها على خدها وقالتلي ونبرتها مليانة أمان ورضا: “أنا من النهارده مش خايفة من أي حاجة يا ماما.. طول ما إنتِ جنبي، أنا بجد كويسة.”
سر بنتي ج2
حكايات انجي الخطيب
عدت الأسابيع الأولى وزي ما الدكاترة قالوا، جسم سلمى بدأ يتخلص تدريجيًا من أثر السموم اللي كانت بتنهكها. لون وشها الشاحب بدأ يرجعله الحمار، والضحكة اللي كانت غايبة من شهور رجعت تنور الشقة تاني. الشقة اللي طردنا منها الخوف وبقت حقيقي ملكنا وأماننا، بعد ما غيرنا كل الكوالين وشيلنا كل حاجة كانت بتفكرنا بيه.
القضية مشيت بسرعة، الأدلة كانت قاطعة وتقارير الطب الشرعي والتحريات والمستندات المزورة ما سابوش لحسام أي منفذ للهرب. القاضي أخد بالأسباب وأصدر حكمه بالسجن المشدد، مع بطلان كل التوكيلات اللي حاول يزورها، بالإضافة لحكم الطلاق للضرر اللي خدته في وقت قياسي.
في يوم جلسة النطق بالحكم، كنت واقفة في قاعة المحكمة ومسكين إيد بعض أنا وسلمى. لما القاضي نطق بالحكم والعساكر سحبوا حسام عشان يرجع السجن، بص ناحيتنا بكسرة وندم، بس أنا ما حسيتش بشماتة.. حسيت بس بإن كابوس ثقيل وانزاح عن صدرنا، وبإن حق بنتي ورجع لها بالكامل.
سلمى رجعت جامعتها، وبقت تمشي وهي مرفوعة الراس. ما بقتش البنت الخايفة اللي بتسكت على وجعها، ولا بقت تخبي عني أي حاجة مهما كانت صغيرة. وأنا تعلمت إن الأمومة مش مجرد أكل وشرب واهتمام، الأمومة هي السلاح والدرع اللي بيحمي الأبناء، حتى لو كان التهديد جاي من أقرب الناس لينا.
في يوم، كنا قاعدين في البلكونة بنشرب الشاي بعد الظهر. الجو كان دافي وشمس العصر بتعكس على وش سلمى وهي بتضحك وبتحكيلي عن اللي حصل في يومها في الجامعة، وترمي شنطتها زي زمان وتسألني على الغدا.
رفعت عينها من الموبايل، بصتلي وابتسمت ابتسامة صافية وقالت:
— “تعرفي يا ماما.. أنا زمان كنت فاكرة إن الخوف هو اللي بيحمينا لما بنسكت ونعدي الأمور.. بس لما شفتك واقفة قدامه وما اترددتيش ثانية واحدة عشان تنقذيني، فهمت إن شجاعتك هي اللي حمتني بجد.”
قربت منها، مسكت إيدها ودست عليها بحنية وقلت لها:
— “طول ما إحنا مع بعض وفي ضهر بعض يا سلمى.. مفيش حاجة في الدنيا دي كلها تقدر تكسرنا تاني.”
……..
مرت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة كانت كفيلة إنها ترمم كل حاجة اتكسرت جوانا، وتبني مكانها قوة ماكناش نعرف إنها عندنا.
سلمى اتخرجت من الجامعة بتقدير امتياز، والبيت اللي كان دايماً خايم عليه الخوف والمجاملات الكدابة، بقى مليان دفا وحياة. كنت واقفة قدام التسريحة بظبط لها روب التخرج الأسود، وبصيت لوشها في المراية.. الملامح الشاحبة الخايفة اختفت تماماً، وجِه مكانها وش بنت واثقة من نفسها، عينها بتلمع بالأمل ومستقبل جديد هي اللي بتبنيه بإيدها.
وفجأة، رن تليفوني برقم غريب..
رديت بثبات: “أيوة؟”
جالي صوت أخته، عمتها.. الصوت اللي اختفى طول فترة المحاكمة والتحقيقات، وجاي النهاردة ينقط زعل مزيف وترجي:
— “أزيك يا نادية.. مبروك تخرج سلمى، عرفنا من الجامعة.”
سكت وما رديتش، فكملت بنبرة فيها لوم متغطي بالمسكنات:
— “يا نادية يا أختي.. حسام تعبان أوي في السجن، والتنازل بتاعك أنتِ وسلمى عن الشق المدني هو الأمل الوحيد عشان نقدر نعمله عفو طبي أو نخفف عنه.. الراجل اتعلم الدرس خلاص وانكسر، وعيب عشان خاطر شكل سلمى قدام الناس في يوم زي ده يتقال أبوها في السجن!”
بصيت لسلمى في المراية، لقيتها سمعت الصوت وعينها جات في عيني.. بس المرة دي ما انكمشتش، ولا اتهزت، بل هزت لي رأسها بابتسامة ناضجة وقوية، كأنها بتقولي: “ردي يا ماما.. إحنا خلاص مابقاش عندنا حاجة نخاف عليها أو نخبيها.”
قربت الموبايل من بوقي، وقلت بصوت هادي وواثق هز السماعة:
— “اليوم اللي حسام قرر فيه يسقي بنته السم عشان شوية فلوس، كان هو اليوم اللي شال فيه اسمه من حياتنا للأبد.. سلمى مش محتاجة تداري وشها من حد، اللي المفروض يداري وشه هو الخاين اللي هان أمانته. وما تفتكريش إنك بتبتزينا بيوم تخرجها، سلمى النهاردة رافعة رأسها لأنها نجت، وحقه بيخلصه بالقانون.. ياريت الرقم ده ما يرنش تاني.”
قفلت السكة في وشها وعملت حظر للرقم، وحسيت براحة غير عادية، كأن آخر خيط كان بيحاول يشدنا للمستنقع القديم اتقطع للابد.
سلمى التفتت لي، قلعت قبعة التخرج من على رأسها وحطتها على رأسي وهي بتضحك بصوتها العالي اللي رجع يرن في البيت زي زمان:
— “التاج ده ليكي أنتِ يا نادية.. أنتِ اللي اتخرجتي النهاردة بامتياز في الشجاعة.”
حضنتها بقوة وأنا حاسة إن النور اللي مالي الأوضة مش مجرد شمس الصبح.. ده نور أمل جديد، اتكتب لنا بعد ما كان الظلم فاكر إنه يقدر يطفينا.
……..
بعد حفل التخرج بأيام قليلة، التليفون رن تاني.. بس المرة دي المكالمة كانت من عمادة الكلية.
صدر قرار تعيين سلمى معيدة في قسمها بعد ما جابت المركز الأول على دفعتها. الخبر نزل علينا زي المطر الدافئ في يوم حر، حضنتها وفضلنا نعيط ونضحك في نفس الوقت، كأن ربك كان بيعوضنا عن كل نقطة دموع نزلناها في الظلمة.
في أول يوم تسليم شغلها، أصرت إني أروح معاها. مش عشان خايفة.. لأ، عشان تشاركني لحظة رد الاعتبار في نفس المكان اللي بدأت فيه كابوسنا.
وقفنا قدام مبنى الكلية.. نفس المبنى اللي كانت بتدخل بابه وهي بترتعش من التهديد والتعب، وعلى بعد خطوات كان الكافيه اللي أبوه قعد فيه بيخطط لخراب حياتنا.
سلمى كانت لابسة طقم رسمي أنيق، مسكت إيدي وقالتلي وهي بتبص للمبنى بابتسامة واسعة:
— “شايفة يا ماما؟ المكان ده اللي كنت بدخله وأنا حاسة إن القفص بيقفل عليا.. النهاردة أنا داخلاه وأنا اللي بملك المفتاح.”
دخلنا المدرج الكبير، وقفت هي على المنصة تظبط ورق أول محاضرة ليها قدام الدفعة الجديدة، وأنا قعدت في آخر بنش ورا.. أراقبها بقلب أُم حاسس إن روحه هي اللي واقفة تتكلم.
أول ما سلمى بدأت تتكلم، صوتها ملأ القاعة وثقتها كانت بتهز المكان. وفي وسط المحاضرة، لما واحدة من الطالبات سألتها بتوتر عن إزاي تتغلب على الضغط والصعوبات في الدراسة، سلمى سكتت ثواني، بصتلي في آخر المدرج، وبعدين التفتت للطالبة وقالت بنبرة هادية وعميقة:
— “الظروف ممكن تضغط عليكي، وممكن ناس قريبة منك تحاول تحبطك أو تضعفك.. بس افتكري دايماً إن قوتك الحقيقية بتبدأ لما ترفضي تسلمي عقلك للوجع، ولما تعرفي إن في ضهرك حقيقة واحدة صلبة مش ممكن تتكسر.. إيمانك بنفسك وبإللي بيحبوكي بجد.”
الطلبة سقفوا، وأنا دموعي نزلت بالراحة على خدي.. بس المرة دي كانت دموع فخر وراحة بال.
بعد ما خلصت المحاضرة، خرجنا نمشي في جناين الكلية والهوا المنعش بيداعب وشنا. مسكت إيدها وقلت لها:
— “فخورة بيكي يا دكتورة سلمى.”
ضحكت ضحكتها الرنانة وحضنت دراعي وقالت:
— “وأنا فخورة بيكي يا أعظم أم في الدنيا.. القصة ماكانتش عن الوجع يا ماما، القصة كانت عن إزاي طلعنا من الوجع ده ووقفنا على رجلينا أشد وأقوى من الأول.”
ومشينا مع بعض في طريقنا للبيت، والماضي بقى مجرد صفحة مطوية في كتاب مقفول.. صفحة اتعلمنا منها إن الشمس لما بتطلع بعد ليل طويل، بتنور كل شبر في الروح من جديد.
……
عدت أربع سنين كمان.. وسرعة الأيام كانت بتجري بينا وأحلامنا بتكبر معاها.
في القاعة الرئيسية الكبيرة في الكلية، كانت مناقشة رسالة الدكتوراة الخاصة بسلمى. القاعة كانت مليانة أساتذة وطلبة، وأنا كنت قاعدة في الصف الأولاني، لابس أطقم شيك، والابتسامة مش مفارقة وشي، بس دقات قلبي كانت متسارعة بنفس الفخر والرهبة اللي حسيتهم أول يوم دخلت فيه المدرسة.
بعد ساعات من المناقشة العلمية، وقفت لجنة الأساتذة، ونطق رئيس اللجنة بالقرار: منح الباحثة سلمى درجة الدكتوراة بمرتبة الشرف الأولى، مع توصية بطباعة الرسالة وتبادلها بين الجامعات.
القاعة كلها اتملت بالسقفة والزغاريد، وسلمى وقفت على المنصة وشها بينور بالشغف. استلمت شهادتها، وبعدين مسكت الميكروفون عشان تقول كلمة الإهداء. بصتلي وسط الزحمة، وسكتت ثواني وصوتها اتخنق بدموع بسيطة، بس كانت دموع انتصار:
— “أنا بهدي الإنجاز ده.. للإنسانة الوحيدة اللي حسّت بيا في الوقت اللي ماكانش حد شايفني فيه.. لأمي، اللي خاضت المعركة كلها بقلب شجاع وما اترددتش لحظة إنها تفديني بعمرها.. إنتِ السر يا ماما، إنتِ اللي رجعتيلي حياتي ورجعتيني لنفسي.”
الدموع نزلت من عيني وأنا بقوم أقف وأسقف لها، وكل اللي في القاعة بيبصولي بحب واحترام، كأنهم شايفين رحلة الكفاح كلها مكتوبة على وشي.
بالليل، بعد ما الحفلة خلصت والناس مشيت، قعدنا أنا وهي في صالة شقتنا الجديدة.. شقة واسعة بتطل على شجر وخضرة، حيطانها دافية ومفيهاش أي ركن يفكرنا بالماضي أو بالخوف. كنا بنشرب الشاي في هدوء، وصوت الهوا برة بيحرك الستاير بالراحة.
سلمى حطت شهادة الدكتوراة على الترابيزة قدامي، وقعدت جنب على الكنبة وحطت رأسها في حجري زي زمان لما كانت طفلة. مشيت إيدي على شعرها وأنا بحس بالسكينة الكاملة اللي ملت روحنا.
بصتلي فوق وقالت:
— “عارفة يا ماما.. أوقات بفتكر الأيام الصعبة دي وأقول: معقولة إحنا عدينا من كل ده؟”
ابتسمت لها وقلت لها بحنية وثبات:
— “الليل مهما يطول يا سلمى، الفجر لازم بيطلع.. والوجع اللي مش بيموتنا بيخلينا أشد وأصلب من الأول.”
زمان، في أول يوم، كنت بقول لنفسي الخايفة: “أنا أول واحدة حسّيت إن في حاجة غلط في بنتي..”
أما النهاردة، وأنا باصة لعينين بنتي الدافيين ومسكة إيدها القوية، أقدر أقول وأنا مطمنة ومرتاحة:
“أنا أول واحدة حسّيت إن بنتي رجعت لي بجد.. وإن الخوف مالوش مكان في بيتنا تاني.”
تمت


تعليقات
إرسال تعليق