سكريبت بقالي 12سنه كامله حكايات رومانى مكرم
سكريبت بقالي 12سنه كامله حكايات رومانى مكرم
انا متجوزة بقالي 12سنه، عمرى37سنه وربنا ما كتبليش الحمل .. من حوالي شهرين عرفت إن أهله رشحو بنت من العيلة وهو وافق وبدأوا يجهزوا للجواز.
المشكلة ان حماتي قالتلي انتي روحي اقعدي عند أهلك كام شهر وسيبي الشقة لابني يعيش فيها مع مراته الجديدة لأنك اكتر واحده عارفه ظروقه ولا يقدر يأجر ولا يشتري شقق دلوقتي ولا يجهزها
استغربت جدا لأن الشقة أصلا ملكي أنا اللي دفعت مقدمها من فلوس ورثتي عن والدتي والباقي كنت بسدده من مرتبي وجوزي بنفسه وقتها قال إن من حقي تتكتب باسمي لأنها فلوسي.
في صالة شقة “ريهام” الهادئة، كان فنجان القهوة قد برد تماماً في يدها وهي تستمع إلى كلمات حماتها، الحاجة فايزة، التي كانت تُلقيها ببرود شديد وكأنها تطلب منها كوباً من الماء وليس التنازل عن حياتها.
“يا بنتي إنتي أكتر واحدة عارفة ظروفه.. الغلاء اللي إحنا فيه ميرحمش، وهو لا يقدر يأجر ولا يشتري شقة جديدة ولا يجهزها، روحي اقعدي عند أهلك كام شهر لحد ما أموره تستقر مع مراته الجديدة، وسيبي الشقة هنا يعيشوا فيها.. إنتي أصيلة يا ريهام وتفهمي في الأصول.”
اثنا عشر عاماً مرت على زواج ريهام ومدحت. اثنا عشر عاماً من السعي خلف حلم الأمومة، طرقوا خلالها أبواب عشرات الأطباء، وأنفقوا كل ما يملكون بين تحاليل وأشعة ومحاولات تلقيح مجهري باءت كلها بالفشل. في النهاية، تقبلت ريهام قضاء الله برضا تام، وحمدت الله على وجود زوجها بجانبها. لكنها لم تكن تعلم أن خلف هذا الوجه الهادئ لزوجها يختبئ إعصار سيقتلع استقرارها من جذوره.
قبل شهرين فقط، تناهى إلى مسامعها من إحدى قريباته أن العائلة رشحت له فتاة من الأقارب تُدعى “علا”، تصغره بعشر سنوات، وأن مدحت وافق على الفور وبدأوا بالفعل في ترتيبات الزواج. الصدمة الأولى كانت قاسية، لكن الصدمة الأشد كانت هذه المواجهة الحالية مع حماتها، وفي غياب مدحت الذي تهرب من التواجد في المنزل.
نظرت ريهام حولها.. إلى الجدران التي اختارت ألوانها بنفسها، إلى الأثاث الذي دفعته ثمنه خطوة بخطوة. التفتت إلى الحاجة فايزة وقالت بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة حادة كالشفرة:
“الشقة دي يا طنط؟ الشقة اللي أنا دفعت مقدمها بالقرش الواحد من ورث أمي الله يرحمها؟ الشقة اللي فضلت سنين أسدد أقساطها من مرتبي وشقايا ومدحت مدفعش فيها مليم واحد؟”
تغيرت ملامح الحاجة فايزة فوراً، واختفت نبرة الرجاء الزائفة ليحل محلها وجه آخر صارم:
“جرى إيه يا ريهام؟ مفيش فرق بين الراجل ومراته، ومدحت هو اللي عمل للشقة دي قيمة بوجوده فيها. وبعدين إنتي مابتخلفيش، يعني لا ليكي عيل يورث ولا يملى عليكي المكان، البنت الجديدة جاية تجيب لمدحت الحتة اللي هتسند اسمه، وأقل واجب تقدميه لزوجك بعد الصبر ده كله إنك تسهليله جوازته!”
وقفت ريهام، واعتدلت في وقفتها بقوة لم تعهدها في نفسها من قبل. شعرت بحرارة الغدر تحرق صدرها، لكنها رفضت أن تنزل منها دمعة واحدة أمام هذه المرأة. وقبل أن تنطق بكلمة، انفتح باب الشقة ودخل مدحت.
كان وجهه شاحباً، وعيناه تتهربان من النظر في عيني زوجته. نظرت إليه ريهام وقالت مباشرة:
“أمك بتطلب مني أسيب لها شقتي يا مدحت.. شقتي اللي إنت بنفسك قولت وقت ما اشتريناها إنها من حقي وتتكتب باسمي لأنها فلوسي.. إيه رأيك في الكلام ده؟”
تنحنح مدحت، وفرك يديه بارتباك، ثم قال بصوت خفيض:
“يا ريهام.. أمي بتتكلم لمصلحتنا كلنا. إنتي عارفة إني مضغوط ومصاريف الجواز كتير، وعلا وأهلها متمسكين بمستوى معين، إحنا بس هنقعد هنا فترة مؤقتة لحد ما ربنا يفرجها، وإنتي شقتك موجودة ومحدش هيخدها منك، أهلك بيتهم كبير وهيستحملوكي كام شهر.”
ضحكت ريهام ضحكة قصيرة مليئة بالمرارة والسخرية. التفتت إلى حقيبتها الموضوعة على الطاولة، وأخرجت منها هاتفها ومفاتيحها، ثم نظرت إلى مدحت وعينيهما تلتقيان لأول مرة بوضوح منذ أسابيع.
“فترة مؤقتة؟ وأنا أروح ضيفة عند أهلي عشان أسيب ملكي لضرتي؟”
صمتت للحظة، ثم تابعت بنبرة قاطعة هزت أركان الغرفة:
“مدحت.. الشقة دي باسمي، وعقدها الأزرق متسجل في الشهر العقاري. قدامك بالظبط 24 ساعة.. تاخد والدتك وحاجاتك الشخصية وتخرجوا من هنا. لأن الخطوة الجاية مش هتكون عتاب.. الخطوة الجاية هتعرفوها بنفسكم وبكرة الصبح.”
♡#الكاتب_رومانى_مكرم_♡
خرجت ريهام من الشقة وصفعت الباب خلفها بقوة، تاركة مدحت ووالدته في حالة من الذهول والاضطراب. نزلت درجات السلم والدموع المحبوسة بدأت تشق طريقها على وجهها، لكنها لم تكن دموع انكسار، بل كانت بداية معركة لم يحسب لها مدحت وعائلته أي حساب.
يا ترى هيحصل إيه؟ هل مدحت وأمه هيخافوا من تهديد ريهام ويلموا حاجتهم ويمشوا في الـ 24 ساعة دول؟ ولا هيفتكروا إنها مجرد “قرصة ودن” ويحاولوا يكسروا عينها ويستولوا على الشقة بطريقتهم؟ وريهام.. إيه هي الخطوة المفاجئة اللي هتعملها بكرة الصبح وهتقلب بيها الترابيزة على الكل؟ و
خرجت ريهام إلى الشارع والشهقات تتصاعد في صدرها، لكن مع كل خطوة تخطوها بعيداً عن العمارة، كان الهواء البارد يعيد ترتيب أفكارها ويسكب الجليد على نيران قلبها. لم تتجه إلى منزل أهلها كما توقع مدحت وحماتها، بل أوقفت سيارة أجرة وانطلقت مباشرة إلى مكتب الأستاذ مراد، المحامي العتيق وصديق والدها الراحل، والرجل الذي أشرف بنفسه قبل سنوات على تسجيل عقد الشقة وبند الملكية باسمها.
دخلت ريهام المكتب، وعيناها تحملان مزيجاً من الإصرار والغضب. أفسحت لها السكرتيرة الطريق فوراً لمقابلة المحامي. جلس الأستاذ مراد يستمع إليها في صمت تام، ينصت لتفاصيل الغدر، ولمحاولات الاستيلاء على حقها بطمع صريح، بينما كانت هي تسرد ما حدث بنبرة هادئة وقوية:
“عمي مراد.. أنا مش هسمح ليهم ياخدوا شقايا ولا يكسروا نفسي. الشقة شقتي، والورق معاك ومعايا، أنا عاوزة آخد حقي بالقانون ومن غير ما أترجاهم ولا أدخل معاهم في خناقات شوارع.”
خلع الأستاذ مراد نظارته، ونظر إليها بابتسامة وثقة قائلاً:
“يا بنتي الشقة باسمك مسجلة في الشهر العقاري، والأقساط التي سُددت ثابتة بحسابك البنكي، يعني موقعك القانوني صلب زي الحديد. هما فاكرينك ست مكسورة عشان موضوع الخلفة وهتسلمي. بكرة الصبح هيكون في إقلام قاسية بتنزل على وش مدحت وأمه، وهيعرفوا إن الله حق.”
في هذه الأثناء، وفي صالة الشقة، كان مدحت يجلس على أريكته واضعاً رأسه بين يديه، بينما كانت الحاجة فايزة تذرع الصالة جيئاً وذهاباً بصوت مرتفع وهي تحثه على الصمود:
“متخافش يا مدحت! هي بتتفاصح عليك وبتهددك بس.. هتروح فين يعني؟ هتفضل عند أهلها يومين وتعرف إن مالهاش غيرك وترجع تتأسف. البنت دي كبرت وشابت وما بتخلفش، مين هيتحملها غيرك؟ بكرة لما ‘علا’ تيجي وتملى البيت عيال، ريهام هتعرف إننا أصحاب الحق وهترضى بالأمر الواقع. دي مجرد قرصة ودن ومش هتقدر تعمل حاجة.”
اقتنع مدحت بكلام والدته، وظن أن تهديد ريهام بالـ 24 ساعة مجرد ثورة غضب أنثوية ستتلاشى مع حلول الصباح. مر اليوم الأول والليل بطيئاً، ومدحت يُمني نفسه بانتصار سيطرت أمه على المشهد، متجاهلاً الحرارة التي تركها جمر كلام ريهام القاطع.
في تمام الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، انقطعت أوهام مدحت على صوت طرقات قوية ومتواصلة على باب الشقة. استيقظ مدحت فزعاً، وخرجت أمه من الغرفة المجاورة وهي تفرك عينيها بضيق. فتح مدحت الباب ليجد أمامه محضراً من المحكمة، يرافقه الأستاذ مراد بشخصه، ومعهم اثنان من رجال الشرطة بلباسهم الرسمي.
شحب وجه مدحت، وتراجعت الحاجة فايزة إلى الخلف بخطوات مرتجفة. تقدم الأستاذ مراد ومد يده بإخطار رسمي، وقال بصوت جهوري أسمع الجيران في الممر:
“أستاذ مدحت.. معاك إعلانات رسمية بدعوى طرد للغصب، وإنذار بعدم التعرض لملكية الأستاذة ريهام، بالإضافة إلى قرار محضر تمكين فوري للشقة بصفتها المالك الوحيد بالمستندات الرسمية المسجلة. قدامك أربع ساعات بالضبط لإخلاء المكان بالكامل ونقل متعلقاتك الشخصية، وإلا سيتم التنفيذ بالقوة الجبرية وتحرير محضر استيلاء على ملك الغير.”
صرخت الحاجة فايزة بذهول:
“جرى إيه يا محامي يا بتاع القضايا؟ دي شقة ابني! هو الراجل وهي الست، يعقلوها إزاي دي؟ الشقة دي هيتجوز فيها بكرة!”
رد الأستاذ مراد بصرامة ودون أن يرمش له جفن:
“القانون مابيعترفش بالكلام ده يا حاجة. الشقة ملك خالص للست ريهام بفلوس ورثها وشقاها. ابنك ملوش فيها مسمار واحد. والأستاذة ريهام أرفقت مع المحضر صور عقود الشراء وإيصالات السداد البنكية باسمها. أربع ساعات والشرطة هترجع تنفذ الشمع الأحمر لو ما خرجتوش.”
سقطت الكلمات كالصاعقة على مدحت. التفت إلى أمه التي بدأت تصرخ وتولول، ثم التفت إلى الضابط الذي أكد ببرود ينذر بالجدية:
“قدامكم مهلة لإخلاء الشنط والحاجة الخاصة بيكم بس، شقة الأستاذة هتتسلم ليها ومفيش حاجة تخرج من العفش أو الأجهزة لأنها مثبتة في الفواتير باسمها.”
حاول مدحت الاتصال بريهام عشرات المرات، لكن هاتفها كان مغلواً تماماً في وجهه. شعر لأول مرة بحجم الورطة؛ أين سيذهب بأمه؟ وكيف سيواجه أهل “علا”، العروس الجديدة، الذين اشترطوا شقة مجهزة بالكامل ومستقرة خلال أيام قليلة للزفاف؟ الساعات الأربع مرت كأنها دقائق معدودة، وتحت أنظار أهل المنطقة والجيران الذين تجمعوا يتساءلون ويتهمسون عن طمع العائلة التي أرادت أن تطرد صاحب الحق، اضطر مدحت للحاق بأمه وهو يحمل حقائب ملابسه الشخصية فقط، يجر أذيال الخيبة والفضاحة نحو منزل خاله الضيق في أطراف المدينة.
في المساء، عادت ريهام إلى شقتها برفقة الأستاذ مراد وأخيها الأكبر. فتحت الباب ونظرت إلى البيت الهادئ. لم تكن هناك أدنى رغبة لديها في البكاء. دخلت غرفتها، وأمسكت بهاتفها لتجد رسائل متوسلة من مدحت يحاول فيها استعطافها والاعتذار، ومطالبتها بالموافقة على بيع الشقة وتقاسم ثمنها لكي يخرج من أزمته مع أهل العروس الجديدة.
مسحت ريهام الرسالة ببرود، وقالت لأخيها وللمحامي بنبرة ملؤها التحدي واليقين:
“مدحت فاكر إن الحكاية خلصت عند الشقة.. هما افتكروا إني عشان مابخلفش هكون ضعيفة وأستسلم للذل. خطوتي الجاية مش بس الشقة يا عمي مراد.. حضر قضايا المؤخر، والمقشة، وكل مليم دفعه معايا أو استلفه مني طول الـ 12 سنة اللي فاتوا. أنا هجيب حقي للقافية والنسب.”
ابتسم الأستاذ مراد وقدم لها ملفاً جديداً أخرجه من حقيبته، وقال:
“جهزي نفسك يا ريهام.. رفعنا دعوى خلع ودعوى استرداد كافة الحقوق المالية، وبكرة الصبح النيابة هتوجه له استدعاء رسمي بناءً على بلاغ التبديد اللي قدمناه في قائمة المنقولات الزوجية.”
جلس مدحت على مرتبة قديمة في صالة منزل خاله الضيق، يحيطه صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت أنين أمه وهي تتحسر على ما آلت إليه أمورهم. لم يكن يدرك أن طرده من الشقة بالقوة الجبرية أمام الجيران ليس سوى بداية السيل الذي سيجرف كل ما تبقى من كبريائه وخططه.
في صباح اليوم التالي، وتحديداً في تمام الساعة العاشرة، كان والد “علا” يجلس في مضافة بيته في انتظار مدحت لمناقشة ترتيبات الفرح وتحديد موعد نقل أثاث العروس. دخل مدحت محني القامة، وجهه شاحب، وتحت عينيه هالات سوداء تجسد ليلة قاسية لم يذق فيها طعم النوم.
حاول مدحت الالتفاف والمواربة، مدعياً أن هناك صيانة مفاجئة في الشقة ستأخذ بضعة أسابيع، وأن أمور التجهيز تسير على قدم وساق. لكن الحقيقة لم تلبث أن انكشفت بسرعة الصاروخ؛ ففي القرى والأحياء المترابطة، تتناقل الأنباء بأسرع مما يتخيل المرء. لم تمر سوى ساعتين حتى ورد اتصال لوالد علا من أحد معارفه في منطقة مدحت، ينقل له التفاصيل الكاملة لما حدث بالصوت والصورة: مدحت وأمه أُخرجا من الشقة بقرار تمكين رسمي ولصالح زوجته الأولى، بل وتلاحقه بلاغات رسمية في قسم الشرطة.
ضرب والد علا بيده على الطاولة بغضب أهتزت له أركان الغرفة، ونظر إلى مدحت بنظرة تحقير وقال بصوت مرتفع:
“إنت جاي تخدعنا يا مدحت؟ جاي تقولنا شقة ملكك ومجهزة، ونكتشف إنك طالع منها بشنطة هدومك وبقرار تمكين وبلاغ تبديد؟ عاوز تتجوز بنتنا على شقى وعرق ست ثانية طردتك من بيتها؟ بنت العيلة اللي جيت تخطب منها مش هتدخل بيت مش معترف بيك فيه، والجوازة دي ملغية ومفيش بيناتنا كلام تاني!”
خرج مدحت من منزل أهل علا يجر أذيال الخيبة والفضاحة، لكن الصدمات كانت تتوالى كالأمواج العاتية. بمجرد وصوله إلى الشارع، أخرج هاتفه ليجد رصيد حساباته البنكية قد فرض عليه حجز تحفيظي بناءً على دعوى أقامتها ريهام لاسترداد ديون ومبالغ مالية كانت قد حولتها إلى حسابه الشخصي عبر سنوات الزواج لبناء مشروع صغر بينهما، متسلحة بإيصالات تحويل بنكية رسمية تُثبت أن الأموال كانت على سبيل الأمانة وليست هبة.
وفي نفس اليوم، أرسلت المحكمة إعلانات جديدة إلى مقر عمله؛ دعوى خلع مرفوعة من ريهام تتنازل فيها عن حقوقها الشرعية للطلاق الفوري، بالتوازي مع دعوى حبس في محضر تبديد قائمة المنقولات الزوجية، حيث طالبت فيه برد كافة محتويات الشقة أو دفع قيمتها المالية بالكامل، والتي كُتبت في بداية زواجهما برقم كبير يضمن لها حقها.
اشتعل رأس مدحت، وصار كالمجذوب يركض بين المكاتب والمحاكم. حاول اللجوء إلى العقلاء من كبار العائلة للتدخل، لكن الجميع سدوا الأبواب في وجهه وفي وجه أمه الحاجة فايزة بعدما علموا بحقيقة ما أقدما عليه من ظلم وجشع ضد امرأة صانت بيته اثنا عشر عاماً وتحملت معه مرارة الحرمان من الأطفال.
في هذه الأثناء، كانت ريهام تقف في بلكونة شقتها المستردة، تنظر إلى أفق المدينة والشمس تشرق غامرة الصالة بأشعتها الدفيئة. لم تعد تلك المرأة المنكسرة التي تبكي حظها أو تجلس في الممرات الضيقة للعيادات الطبية وهي تشعر بالذنب. رفعت رأسها للسماء ونفست عن صدرها حسرة سنوات طويلة.
أحاطت بها عائلتها وأخوها الأكبر الذي وقف بجانبها كالسد المنيع، وقدم لها الأستاذ مراد التقرير الإجرائي الصباحي:
“يا ريهام، مدحت الآن بين فكي بأس القانون. الجوازة الجديدة اتلغت تماماً وأهل البنت رفضوه وطردوه، والحجز البنكي شل حركة فلوسه، وقضية التبديد قدامها أيام وتتحول للجلسات ويكون قدام الخيار بين السجن أو الدفع نقدياً. الراجل جالي المكتب يتوسل وهو بيبكي عشان نعمل صلح ونفك الحجز.”
نظرت ريهام إلى المحامي بملامح جامدة خالصة من أي عاطفة قديمة، وقالت بصوت ممتلئ بالقوة واليقين:
“صلح؟ بعد ما طلب مني أسيب ملكي لضرّتي وأروح ضيفة عند أهلي؟ قوله إن الصلح كلمة مسحها من قاموسنا يوم ما فكر يكسر نفسي. القانون هياخد مجراه للآخر، ومفيش تنازل عن مليم واحد من شقايا.”
غادر المحامي لبدء إجراءات جلسة الخلع المحسومة، بينما دخلت ريهام إلى غرفتها وأمسكت بالأوراق القديمة، والتحاليل، والروشتات الطبية التي تراكمت على مدار اثني عشر عاماً، وألقت بها جميعاً في سلة المهملات، ملقية معها آخر أثر لرجل لم يعرف قيمتها.
لكن مدحت، وهو في قاع أزمته، كان يعد العدة لمحاولة أخيرة يائسة؛ محاولة لا تخضع لأحكام المحاكم ولا للشرطة، بل تهدف للوصول إلى ريهام مباشرة وكسر إرادتها في لحظة مواجهة لم تكن تتوقعها.
بقالي 12سنه حكايات رومانى مكرم 2
كان الليل يخيم بكلكله على المنطقة السكنية الهادئة، وأصوات الحركة في الشارع قد بدأت تتلاشى تدريجياً لفسح المجال لهدوء خادع. في تلك الأثناء، كان مدحت يقف تحت شجرة ضخمة مواجهة لعمارة ريهام، يدخن سيجارته بشراسة متناهية، والشرر يتطاير من عينيه الناعستين من أثر السهر والإنهاك النفسي. لم يعد مدحت ذلك الرجل الهادئ المنظم الذي عرفته ريهام طوال اثني عشر عاماً؛ فقد تحول خلال أيام قليلة إلى شخص ممزق، تتجاذبه خسارة زوجته وصدمة ضياع عروسه الجديدة “علا”، وفضيحة إخلائه من الشقة أمام الجيران، ناهيك عن الكابوس القانوني الذي يحيط برقبته كالمشنقة.
كانت والدته الحاجة فايزة قد أنهكت جسدها النحيل بالبكاء والعويل في بيت شقيقها، لكنها لم تتوقف عن ضخ السموم في عقله، محرضة إياه على ألا يترك ريهام تتنعم بالشقة وحدها، أيا كانت العواقب. كان عقله المشتت يصور له أن مواجهة واحدة حاسمة وجهاً لوجه مع ريهام، بعيداً عن المحامين وضباط الشرطة وشقيقها، كفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها، أو على الأقل انتزاع تنازل منها تحت وطأة الخوف أو استعطاف الماضي الذي جمعهما.
انتظر مدحت حتى تأكد من مغادرة شقيق ريهام العمارة في ساعة متأخرة، بعد أن طمأن أخته وأحكم إغلاق الأبواب. تسلل مدحت صاعداً درجات السلم بخطوات ثقيلة ومكتومة، متفادياً استخدام المصعد حتى لا يلفت أنظار البواب. وقف أمام باب الشقة التي عاش فيها أجمل وأقسى أيام حياته. وضع يده على المقبض متمنياً لو أن مفتاحه القديم لا يزال يعمل، لكنه تذكر أن ريهام غيّرت كالون الباب بالكامل في نفس يوم استلامها للعين.
طرق مدحت الباب بطرقات متتابعة، خفيفة في بدايتها ثم ما لبثت أن أصبحت أكثر إصراراً. من الداخل، كانت ريهام تجلس في الصالة تقرأ بعض الأوراق الخاصة بدعوى استرداد أموالها. تجمدت حركتها فور سماع الصوت، واقتربت بخطوات حذرة من الباب السحري “العين السحرية”. عندما رأت وجه مدحت الشاحب وعينيه الزائغتين، شعرت بانتفاضة خفيفة في قلبها، ليست خوفاً، بل مزيجاً من الاشمئزاز والدهشة من جسارته.
“ريهام.. افتحي يا ريهام، أنا مدحت.. محتاج أتكلم معاكي خمس دقايق بس، مش هنزل من هنا إلا لما أكلمك!” قالها بصوت خفيض بحة المرارة تخنقه.
لم تفتح ريهام الباب، بل وقفت خلفه بثبات وقالت بصوت ناصع ومسموع: “مفيش كلام بيني وبينك يا مدحت. الـ 24 ساعة اللي أديتهالك خلصت من زمان، والدفاتر بيني وبينك اتفلت، المقابلة الجاية هتكون في المحكمة وبس.”
ضرب مدحت بكفه على الباب وقال بنبرة غاضبة يتخللها الاستعطاف: “محكمة إيه وحقوق إيه اللي بتتكلمي عنها؟ إنتي دمرتيني! دمرتي مستقبلي وفضحتيني قدام الناس وجبتي أجلي وأجل أمي! عشان إيه كل ده؟ عشان أردت أعمل زي أي راجل وأكون أب؟ هو ده ذنبي اللي بتعاقبيني عليه؟ إنتي نسيتي 12 سنة عشناهم سوا؟ نسيتي وقوفي جنبك في العيادات والمستشفيات؟ افتحي الباب وخلينـا نتفاهم زي البني آدمين بدل المهازل دي!”
استمعت ريهام لكلماته، وشعرت أن كل كلمة تنطق بها حنجرته تدين شره وطمعه أكثر. ردت عليه بنبرة صارمة حادة كالإبرة: “إنت ما أردتش تكون أب يا مدحت، إنت أردت تاخد شقايا وعرقي وتديه لغيري! أردت ترميني عند أهلي زي الكركوبة القديمة عشان تجيب ست ثانية تعيش في ملكي وعلى حساب كرامتي! لو كنت جيتلي بوضوح وقولتلي حقي أكون أب وعاوز أتجوز، كنت هحزن وآلم بس كنت هحترم رجولتك وأسيبك بالمعروف. لكن إنت وأمك خططتوا للسرقة والتمكين والغدر، وجايين دلوقتي تتباكوا على الماضي؟ الماضي ده أنا مسحته برجلي يوم ما خرجت من الباب ده.”
حاول مدحت الضغط على المقبض بأسلوب أراد به إرهابها: “أنا مش ماشي من هنا يا ريهام! الشقة دي فيها كل ريحة من حياتي، والقضايا اللي رفعتيها دي مش هتوصلك لحاجة غير إنك تحبسيني، ولو حبستيني مش هتشوفي مليم واحد! تنازلي عن القضايا والحجز البنكي، ونكتب اتفاق يرضيكي، الشقة تفضل باسمك وأنا هأجر شقة ثانية لعلا ونبدأ صفحة جديدة.. بس فكي الخناق عني!”
ضحكت ريهام ضحكة ساخرة وصل صداها إلى أذنيه خلف الباب: “تأجر لعلا؟ إنت لسه عايش في الوهم؟ علا وأهلها طردوك ورجموك بفضيحتك يابن الحاجة فايزة! محدش يرضى بيك بعد ما ظهرت على حقيقتك. وفر كلامك وروح دورلك على محامي يدافع عنك في قضية التبديد الحابسة، لأن الشرطة قدامها ساعات وتدور عليك لتنفيذ أحكام الحبس والتحفظ.”
تصبب العرق الساخن من جبهة مدحت، وشعر برغبة عارمة في كسر الباب، لكنه فوجئ بأصوات أقدام تصعد السلم بسرعة. كان بواب العمارة واثنين من سكان البناية الشبان قد صعدوا بعد أن لاحظ الشبان وقوف مدحت المريب وتناهي صوته المرتفع.
تقدم أحد السكان، وهو رجل ستيني يحترمه الجميع، وقال بلهجة جافة: “جرى إيه يا أستاذ مدحت؟ إنت طالع هنا تعمل إيه في وقت زي ده؟ الست أخدت شقتها بالقانون ومن حقها تعيش في أمان، ينفع اللي بتعمله ده؟ ولا نجيب الشرطة تتصرف معاك؟”
وجد مدحت نفسه حصيراً بين نظرات الازدراء من جيرانه الأقدمين الذين كانوا بالأمس يحترمونه. تراجع خطوة إلى الخلف، وعيناه تنظران إلى العين السحرية للباب بكره واعتصار. قال وهو ينسحب ببطء: “ماشي يا ريهام.. إنتي اللي اخترتي الحرب المفتوحة، ومتلوميش إلا نفسك على اللي هيحصل!”
نزل مدحت الدرجات يجر خيبته، متجهاً نحو الحواري الضيقة التي يقطن فيها بعض أصدقاء السوء الذين طالما ابتعد عنهم في أيام عزمه واستقراره. كان يبحث عن وسيلة غير قانونية للضغط على ريهام، وسيلة تدفعها للتراجع وتنازلها عن الحجز البنكي وقضايا التبديد التي باتت تهدد مستقبله الوظيفي وسمعته بالكامل.
في صبيحة اليوم التالي، كان الأستاذ مراد يجلس في مكتبه يتابع حركة الملفات القضائية الخاصة بريهام. أشار لمساعده بضرورة تسريع وتيرة دعوى الخلع لجعل العاطفة والورق في خطين متوازيين حاسمين. حضر أخي ريهام للمكتب، وأبلغ المحامي بحدث الليلة الماضية، وأن مدحت حاول اقتحام السكن أو إرهاب ريهام.
قال الأستاذ مراد وهو يمسك بقلم مذهب ويوقع على إفادة جديدة: “جميل جداً.. هذا التصرف الأرقام تخدمنا فيه. تم تحرير محضر إثبات حالة فوراً بعدم التعرض مع تقديم شهادة الجيران والبواب. الخطوة دي هتثبت أمام قاضي الأسرة وقاضي الجنايات أن المتهم يمارس الضغط والتنكيل بالموكلة للتهرب من أداء الحقوق المالية وثمن قائمة المنقولات.”
وفي نفس اليوم، تلقت الإدارة المالية في شركة مدحت إخطاراً رسمياً من المحكمة ينص على الحجز التنفيذي على نسبة من راتبه الشهري لصالح نفقة متعة ومؤخر صداق ورسوم ديون مسجلة بأحكام قضائية نهائية. عندما علم مدير مدحت بالأمر، استدعاه إلى مكتبه وعنفه بشدة:
“إيه المهازل دي يا مدحت؟ أحكام حجز، وأوراق محاكم جاية الشركة، وضباط بيسألوا عنك؟ سمعة الشركة مش لعبة، قدامك مهلة تسوي مشاكلك دي فوراً وإلا هتقُدم استقالتك أو يتم إنهاء خدمتك للحفاظ على اسم المؤسسة!”
خرج مدحت من مكتب مديره والدنيا تدور به. أصبحت كل الطرق مسدودة في وجهه: لا شقة يسكنها، ولا عروس ينتظرها، ولا حساب بنكي يستطيع السحب منه، والآن وظيفته التي هي مصدر رزقه الوحيد باتت على شفير الهاوية.
رجع إلى منزل خاله، ليجد الحاجة فايزة تبكي بحرقة بعد أن وصلها خبر التحفظ على الأثاث والممتلكات، وأسقط في يدها أن كل المخططات التي رسمتها لوليدها قد تحولت إلى رماد، وأن ريهام التي ظنتها جداراً قصيراً يمكن قفزه بسهولة، أصبحت جبل صلب يتحطم عليه كبرياؤهم.
في هذه الأثناء، كانت ريهام تقف أمام مرآتها في الشقة، ترتدي ملابس أنيقة وتضع لمسات خفيفة من الزينة التي حرمت نفسها منها لسنوات طويلة تحت وطأة الحزن والحرمان. نظرت إلى وجهها لتجد أن ملامحها قد استردت بريقها وشبابها، وأن سن السابعة والثلاثين ليس نهاية المطاف بل بداية جديدة لامرأة عرفت قيمة نفسها واستعادت كرامتها المغتصبة.
خرجت ريهام متجهة إلى مقر عملها، ممتلئة بالثقة واليقين بأن الحق إذا وجد من يدافع عنه بشجاعة لا يمكن أن يضيع. لكنها لم تكن تعلم أن مدحت، بعد أن أغلقت بوجهه كل الأبواب المشروعة وغير المشروعة، يتجهز لإطلاق رصاصة طيش أخيرة، مجنونة وغير متوقعة، ستغير مجرى الأحداث كلياً وتضع الجميع أمام مواجهة لم يحسب لها أحد أي حساب.
وقفت الحاجة فايزة في منتصف صالة منزل أخيها الضيق، تلوح بيديها في الهواء كالمجنونة وصوتها يتردد بين الجدران بالدعاء والوعيد، بينما كان مدحت يجلس على طرف الأريكة، ينظر إلى الفراغ بأعين حمراء غائرة. كانت فكرة الفشل والخسارة الكاملة تأكل رأسه؛ لقد فقد الشقة، وضاعت منه “علا” وألغيت الزواجة، وحُجز على حسابه البنكي وراتبه، وبات مهدداً بالسجن في أي لحظة بسبب دعوى تبديد المنقولات. لم يعد لديه ما يخسره، وفي تلك اللحظة بالذات، ولد في عقله المشتت مخطط خطير وسوداوي.
التفت مدحت إلى أمه وقال بنبرة جافة كالحديد:
“خلاص يا أمي.. النواح والمحاكم مش هيرجعوا لينا حقنا ولا هيرجعوا كرامتي اللي اتعجنت في الطين. ريهام فاكرة إن القانون بيحميها، وفاكرة إن شقيقها والمحامي حيطة سد.. أنا هعرف إزاي أخليها تجيلي بنفسها تبوس إيدي وتتنازل عن كل حاجة.”
في صباح اليوم التالي، خرجت ريهام من بوابتها متجهة إلى مقر عملها في إحدى شركات المقاولات الكبرى. كانت تمشي بقمة ثقتها، مرفوعة الراس، تحيط بها مشاعر الحرية والكرامة بعد سنوات من القهر والتهميش. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن مدحت كان يراقبها من بعيد، يقف داخل سيارة قديمة استأجرها باسم أحد معارفه، يتابع خطواتها وينتظر اللحظة المناسبة.
أنهت ريهام عملها في تمام الساعة الرابعة عصراً، وتوجهت إلى أحد المتاجر الكبرى لشراء بعض المستلزمات لشقتها. أثناء عودتها في طريق جانبي شبه خالٍ يؤدي إلى بنايتها، توقفت السيارة القديمة فجأة بجانبها. فتح مدحت الباب وهبط منها بسرعة كالبرق، يرافقه رجلان من ذوي البنية القوية من أصدقاء السوء الذين استعان بهم ببعض المال المتبقي معه نقدياً.
قبل أن تستوعب ريهام ما يحدث أو تطلق صرخة استغاثة، حاصرها الرجلان وضغطا على ذراعيها بقوة، بينما قام مدحت بسحب حقيبة يدها التي تحتوي على أوراق ملكية الشقة، وهاتفها المحمول، والبطاقات البنكية، بالإضافة إلى العقد الأزرق المسجل الذي كانت تحمله معها للذهاب به إلى المحامي لمتابعة إجراءات الجلسة القادمة.
دفعت ريهام مدحت بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ بثبات ورعب:
“إنت أجننت يا مدحت؟ جاي تثبتني في الشارع وتسرقني؟ فاكر إنك بكده هتاخد الشقة؟”
رد مدحت بنبرة مشحونة بالغل وهو يمسك الحقيبة بقوة:
“الورق ده هو اللي قويكي عليا يا ريهام! العقد الأزرق ده اللي أخدتي بيه الشقة وطردتيني أنا وأمي! الورق ده هيتحرق دلوقتي، وأنتي مش هتشوفي مليم ولا شقة تاني، ولو فكرتي تبلغي، صورك وأوراقك الشخصية اللي في الشنطة هتوصل لكل مكان وهفضحك!”
دفِعت ريهام على الأرض وسقطت على الرصيف، بينما قفز مدحت والرجلان داخل السيارة وانطلقوا بسرعة جنونية تاركين أثراً من الغبار. وقفت ريهام على قدميها، تمسح التراب عن ثيابها. كان ذهول الصدمة يلفها لدقائق، لكن دموع الانكسار لم تجد طريقها إلى عينيها هذه المرة أيضاً؛ بل حل محلها غضب ساطع كالشمس.
استجمعت ريهام قواها وتوجهت فوراً إلى أقرب قسم شرطة. في نفس الوقت، كان شقيقها والأستاذ مراد المحامي قد وصلا إلى القسم بعد أن أبلغتهما هاتفياً من هاتف أحد المحلات المجاورة لموقع الحادث.
دخلت ريهام إلى مكتب رئيس المباحث، وروت له التفاصيل بالكامل، محددة أرقام لوحة السيارة التي استطاعت بذكائها وقوة ملاحظتها حفظها قبل فرارهم، بالإضافة إلى تحديد أسماء الأشخاص الذين كانوا مع مدحت.
قال الأستاذ مراد لرئيس المباحث بصرامة قانونية:
“سيادة المقدم.. الواقعة دي مش مجرد خلاف زوجي، دي سرقة بالإكراه في الطريق العام، وترويع للمواطنين، وإتلاف مستندات رسمية مسجلة. المتهم يستغل عدم وجود هاتف مع الموكلة ويحاول ابتزازها للتنازل عن قضايا الخلع والتبديد والحجز البنكي.”
أمر رئيس المباحث فوراً بتشكيل قوة تحريات سريعة وتفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بالمحل الشارع الذي شهد الواقعة. خلال أقل من ساعتين، كانت الكاميرات قد التقطت التفاصيل كاملة بالصوت والصورة: مدحت وهو يتهجم على ريهام، ويسرق حقيبتها ويدفعها أرضاً بمساعدة شخصين آخرين.
تم تحرير محضر جنائي عاجل بتهمة “السرقة بالإكراه، والاعتداء في الطريق العام، والابتزاز”، وصدر أمر ضبط وإحضار فوري لمدحت والشخصين المشاركين معه.
في هذه الأثناء، كان مدحت يجلس في مقهى مهجور في أطراف المدينة، يحاول حرق الأوراق والعقد الأزرق وهو يظن بغباء شديد أنه بحرق الورق قد ألغى ملكية ريهام للشقة، متجاهلاً أن العقد مسجل إلكترونياً ورسمياً في أروقة الشهر العقاري ولدى المحكمة، وأن ما يحمله ليس سوى النسخة الورقية التنفيذية التي يمكن استخراج بدل فاقد لها في دقائق معدودة.
بينما كان مدحت يبتسم بانتصار زائغ وهو ينظر إلى النيران وهي تأكل حقيبة ريهام، اقتحمت سيارات الشرطة المكان. صدم مدحت عندما وجد نفسه محاطاً برجال المباحث والكلاب الشرطية. أُلقي القبض عليه وعلى شريكيه متلبسين بآثار الجريمة والمستندات المحترقة جزئياً في أيديهم.
تم اقتاد مدحت مكبلاً بالأغلال إلى قسم الشرطة. وفي الصباح الباكر، أُحيل إلى النيابة العامة متلبساً بجريمة جنائية لا تفيد فيها الشفاعات ولا التأجيلات.
تقابلت عينا ريهام بعيني مدحت أمام باب النيابة. كان يرتدي الكلبشات في يديه، وجهه شاحب وملابسه ممزقة من أثر القبض عليه، بينما كانت هي تقف بجوار شقيقها والمحامي، شامخة كالصرخة الحرة.
نظر إليها مدحت بصوت مكسور يتوسل الرحمة:
“ريهام.. الحقيني يا ريهام، أمي هتموت فيها لو اتحبست.. تنازلي عن المحضر وأنا هكتبلك تنازل عن كل حاجة ومش هتشوفي وشي تاني!”
ردت ريهام بصوت هادئ، حاسم، يقطع القول ويعلن ختام فصل ويفتح أبواب فصل أشد ضراوة:
“اللي عملته إمبارح يا مدحت أثبتلي إنك مش بس طماع.. إنت مجرم. والقانون مش هيسيبك، وأنا مش هتنازل عن حق الشارع ولا حق كرامتي اللي حاولت تدوس عليها. استعد للجلسة الجاية.. لأن السجن مش هيبقى نهاية قصتك، ده هيبقى بداية الحساب الحقيقي.”
بقالي 12سنه حكايات رومانى مكرم 3
سُحِبَ مدحت إلى داخل حجز النيابة العامة والأغلال تقيد يديه، بينما انطلقت الحاجة فايزة في الشوارع تهذي كالمجنونة، تسقط وتنهض، يلفها الذهول والصدمة بعد أن تلقت خبر حبس ابنها أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة جنائية لا مجال فيها للصلح المباشر. لم تعد تشغل بالها بالشقة، ولا بعلا العروس التي طارت، ولا بكلام الناس؛ بل أصبحت ترى ابنها الوحيد يقف على أعتاب سجائر وأسوار السجن المشدد.
داخل زنتاخة النيابة، وقف مدحت في وادي الخوف. كان يحاول شرح موقفه لوكيل النيابة بنبرة متوسلة متلعثمة، زاعماً أن الحقيبة تحتوي على متعلقاته الشخصية وأن ما حدث لم يكن سوى نوبة غضب بين زوجين. لكن وكيل النيابة واجهه بالتسجيلات المصورة الواضحة التي فرغتها المباحث من كاميرات الشارع، والتي أظهرت استعانته بمسجلين خطر للتعدي على زوجته وسرقتها بالإكراه وسحلها في الطريق العام.
صدر القرار كالصفعة التي قطعت آخر أمل لمدحت: “يُحبس المتهم مدحت أربعة أيام على ذمة التحقيق، ويُجدد له في الميعاد، مع تجديد حبس المشاركين معه، وإحالة القضية إلى محكمة الجنايات بعاجل جلسات.”
أمام باب النيابة، انهمرت الحاجة فايزة على قدمي ريهام وهي تصرخ وتتوسل، تحيط بها نظرات الناس والمارة:
“سامحيه يا ريهام! أنا اللي أخطأت وأنا اللي وزيته يا بنتي! ابني ضاع ومستقبله انتهى! التنازل في إيديكي يا ريهام، ابوسي إيديكي ما تخليش ابني يتسجن، الشقة حقك والفلوس حقك ومش عاوزين منها مليم واحد بس انقذي مدحت!”
نظرت ريهام إلى الحاجة فايزة وهي جالس تحت قدميها. تذكرت اليوم الذي كانت تصب فيه هذه المرأة السموم في أذن ابنها، وتطلب منها إخلائها لشقتها بكل برود وقسوة لمجرد أنها امرأة تحرم من الإنجاب. سحبت ريهام ثوبها ببطء وثبات، وقالت بصوت هادئ ورصين:
“يا حاجة فايزة.. إنتي اللي زرعتي الطمع في قلبه، وإنتي اللي أقنعتيه إن أكل حقي وشقايا شطارة ورجولة. يوم ما طردتيني من بيتي وقريتي عليا الفاتحة مع العروسة الجديدة، ما افتكرتيش إن ربنا حي وموجود؟ مدحت ما أذانيش في فلوس بس، مدحت حاول يهد كرامتي وسحلني في الشارع عشان ينقذ طمعه. القانون هو اللي يتكلم دلوقتي، ومفيش تنازل.”
انطلقت ريهام مع شقيقها والمحامي مراد، تاركين الحاجة فايزة تلطم خدودها وتصرخ في أروقة المجمع القضائي.
في صبيحة اليوم التالي، عقد الأستاذ مراد مؤتمراً مصغراً في مكتبه لإدارة باقي الملفات. كانت قضية الخلع قد تحدد لها جلسة حاسمة لتطبيق الحكم النهائياً، بينما صدر قرار المحكمة بالحجز التحفظي الشامل على ما تبقى من أثاث في منزل والدة مدحت نفاذاً لقائمة المنقولات الزوجية، بالإضافة إلى صدور حكم غيابي بحبسه سنة في قضية تبديد الأمانة.
في غضون أيام قليلة، تحول مدحت من رجل ميسور يستعد لزفاف جديد، إلى متهم يقبع خلف القضبان في انتظار محاكمة الجنايات، ووظيفته جرى إنهاء خدمته فيها رسمياً بناءً على قرار النيابة وإخطار الحبس الاحتياطي، وأصبح اسمه مادة للتندر والحديث في المنطقة بأكملها.
داخل السجن، كان مدحت يقضي ليلته على الأرض الباردة، يمر عليه شريط السنين الـ 12 السابقة. تذكر صبر ريهام عليه، وتذكر كيف كانت تقسم معه لقمة العيش وتدفع من راتبها لنسدد أقساط الشقة، وكيف كانت تسانده في كل كبوة مر بها. أدرك بمرارة قاتلة أن أمه والطمع قاداه إلى الهاوية، وأن المرأة التي ظنها ضعيفة واستكانت لظروفها، تحولت إلى قوة جارفة لا يمكن الوقوف أمامها بعد أن مس كرامتها الغدر.
بالمقابل، كانت ريهام قد استعادت كافة وثائقها البديلة الرسمية من الشهر العقاري، وجلست في صالتها تجدد أثاث المنزل وديكوراته، وكأنها تمحو كل بقايا وجود مدحت من ذاكرة المكان. بدأت تخطط لتأسيس مشروعها الخاص في إدارة التصميمات الهندسية بالاستفادة من مبالغ التأمين والتعويضات التي أقرها لها المحامي.
لكن المأساة لم تقف عند هذا الحد؛ إذ تلقت ريهام اتصالات مكثفة من كبار عائلة مدحت وأقربائه من الصعيد، الذين قرروا التدخل السريع بعد أن أصبحت السمعة العائلية على المحك، وعقدوا جلسة عرفية موسعة لمطالبة ريهام بإنهاء المحاكم مقابل شروط قاسية سيعرضونها عليها، مهددين بفتح ملفات قديمة وأوراق عائلية شائكة لم تكن ريهام تتوقع أن يتم نبشها من جديد.
انعقدت الجلسة العرفية الكبرى في سرادق ضخم أُقيم في إحدى القرى المجاورة لتجمع عائلة مدحت، وتوافد إليها كبار العائلات والوجهاء لرأب الصدع الذي هز سمعة العيلة بأكملها. جلس العمد والمشايخ في صدر المجلس، وأمامهم كان يقف شقيق ريهام وحيدةً نيابة عنها، متسلحاً بالحقيقة ومسنداً بملفات قضايا وأحكام نهائية لا تقبل الشك.
حاول كبار عائلة مدحت في بداية الجلسة ممارسة الضغط الأدبي والعائلي، لوحوا برغبتهم في لم الشمل، وتحدثوا بلغة النخوة والتقاليد، بل وذهب بعضهم إلى التلميح بفتح ملفات ديون ومعاملات تجارية قديمة ومطالبات مالية بين والد ريهام الراحل ووالد مدحت قبل سنوات، في محاولة يائسة لخلق ورقة ضغط تتنازل بموجبها ريهام عن قضية الجنايات وقضايا الخلع والتبديد.
لكن شقيق ريهام لم يرتبك ولم تتراجع قدمه خطوة واحدة. أخرج من حقيبته ملفاً أسود يتضمن نسخاً من جميع إيصالات السداد البنكية، وعقد الشقة الأزرق الموثق بالشهر العقاري، وتفريغ تسريبات الكاميرات التي أثبتت التعدي والسرقة بالإكراه، بالإضافة إلى مستندات رسمية تبرئ ذمة والد ريهام من أي ديون ملغزة. وضع الملف على الطاولة أمام العمدة بنبرة واثقة هددت أركان السرادق:
“يا كبار العائلات.. أنتم جئتم لتطالبوننا بالتنازل وتلوحون بملفات قديمة ملفقة، لكنكم تناسيتم أن ابنتنا صانت بيت مدحت اثنا عشر عاماً، ودققت في القرش قبل المليون لبناء هذا البيت، وكان الجزاء أن يطردوها أمه وهو إلى الشارع ليأتوا بغيرها في ملكها وشقائها! ثم يتهجم عليها في الشارع ويسرقها بالإكراه ويمزق ورقها! القانون قال كلمته، ومن يريد الصلح فليبدأ بتقديم الحقوق لأصحابها، وليس بشرط الفتوة والابتزاز.”
تصفح العمدة والمشايخ المستندات واحداً تلو الآخر، وساد السرادق صمت كالمقابر. تحولت ملامح الحاضرين من الهجوم إلى الذهول الشديد من حجم الغدر والطمع الذي أقدم عليه مدحت وأمه. وقف العمدة واكتسى وجهه بالصرامة، وتطلع إلى خوال مدحت وكبار عائلته وقال بلهجة قاطعة:
“الورق واضح ونظيف كالشمس.. وابنتكم ريهام هي صاحبة الحق الكامل والمنصورة بالقانون والأصول. مدحت وأمه أساؤوا للشرع والعرف وجروا العائلة إلى الهاوية. الجلسة هذه لن تضغط على ريهام، بل سنلزم عائلة مدحت بكتابة إقرار تنازل نهائي عن أي دعاوى كاذبة، ودفع التعويض المالي الذي تقره ريهام بشروطها، وإلا سنرفع يدنا عن مدحت ونتركه يواجه مصيره أمام قضاء الدولة وحدها دون دعم من العائلة!”
تلقى مدحت هذا الخبر داخل محبسه كالصاعقة. سقطت آخر ورقة توت كان يستتر بها؛ فقد تبرأت منه العائلة ورفع كبار القوم أيديهم عنه، وأصبح يواجه حبل المحاكمة الجنائية بمفرده بعد أن رفضت ريهام أي وساطة لا تضمن لها حقوقها وتؤكد رد اعتبارها علناً.
مرت الأيام وساءت حالة مدحت النفسية والصحية داخل السجن، بينما كانت أمه الحاجة فايزة تطوف على مكاتب المحامين تبحث عن ثغرة واحدة تنقذ ولدها، لكن الجميع أكدوا لها أن القضية مكتملة الأركان والتسجيلات المصورة وتحريات المباحث تجعل الحكم بالسجن المشدد مسألة وقت لا أكثر.
في هذه الأثناء، بلغت ريهام الذروة في إعادة بناء حياتها. أنهت جميع ديكورات شقتها، وأسست مكتبها الخاص للتصميم الهندسي بالتعاون مع شقيقها، ووردها أخيرًا حكم الخلع النهائي ليقطع آخر صلة رسمية أو عاطفية بمدحت، وتسترد بذلك حريتها وكرامتها كاملة غير منقوصة.
لكن المحامي الأستاذ مراد استدعاها إلى مكتبه قبل يومين فقط من الجلسة النهائية والفاصلة في محكمة الجنايات، ونظر إليها بنبرة تحمل الكثير من المفاجآت:
“ريهام.. الجلسة القادمة بعد غد هي جلسة النطق بالحكم النهائي في قضية السرقة بالإكراه والتعدي، ومدحت يواجه حكماً قد يصل إلى سبع سنوات سجن مشدد. لكن مدحت عن طريق محاميه أرسل عرضاً أخيراً وغير متوقع إطلاقاً.. عرضاً قد يقلب كل الموازين ويتضمن سر خطير يخفيه عن الجميع منذ سنوات طويلة.”
نظرت ريهام إلى الأستاذ مراد بذهول واستفهام، وشخصت أبصارها نحو الملف الذي يمسك به بين يديه. تنحنح المحامي وقال بصوت خفيض ملؤه الجدية:
“مدحت أرسل مع محاميه إقراراً رسمياً مسجلاً ومعتمداً، يعترف فيه بمسؤوليته كاملة عن كل ما حدث، ويتنازل بموجبه عن أي مطالبات أو حقوق مادية أو عينية، ويدفع التعويض المالي الذي حددناه كاملاً نقدياً من أصل مستحقاته وممتلكاته الشخصية المباعة. لكن السر الحقيقي ليس هنا يا ريهام.. السر يكمن في التقرير الطبي الشامل الذي أرفقه مع الإقرار.”
فتحت ريهام التقرير الطبي المرفق، ولما قرأت سطوره الأولى أظلمت الدنيا في عينيها من شدة الصدمة. كان التقرير صادراً عن أحد المراكز الطبية الكبرى منذ أكثر من تسع سنوات، ويثبت بوضوح حاسم أن العقم والعقم المنسوب لمسألة الإنجاب كان بسبب مشكلة طبية دائمة وغير قابلة للعلاج لدى مدحت نفسه، وأن ريهام كانت سليمة تماماً ولا تعاني من أي مانع صحي يمنعها من الأمومة!
سقطت الأوراق من يد ريهام على الطاولة، وشعرت بزلزال يضرب كيانها. تسعة أعوام كاملة قضاها مدحت وهو يوهمها ويوهم أهله بأن المانع منها، تركها تتجرع مرارة الشعور بالذنب، وتتنقل بين عيادات الأطباء وتتحمل الآلام الجسدية والنفسية لعمليات الحقن المجهري والفحوصات القاسية، في حين كان هو يعلم يقيناً أنه السبب، واستغل صبرها وصمتها ليحملها عقاباً لم تكن طرفاً فيه، بل وتمادى في طغيانه ليجلب لها ضرة ويحاول سلبها شقتها وعرقها!
قال الأستاذ مراد بنبرة أسى: “مدحت كان يخفي هذا التقرير خوفاً من الشكيمة والمظهر أمام أهله ومجتمعه، وقرر أن يضحّي بكِ وبشبابكِ لتظلي القفص الذي يحمي سرّه. وهو الآن يترجاكِ بهذا الاعتراف وهذا المستند لتسديد ثمن ظلم السنين، مقابل أن تقبلي التصالح وتنزلي بالتهمة من سرقة بالإكراه إلى مشاجرة عادية، ليخرج بحكم مخفف أو مع وقف التنفيذ بعد أن أمضى أشهر الحبس الاحتياطي.”
وقفت ريهام على قدميها، وجمعت أوراقها بثبات لم يعهده المحامي من قبل. لم تعد هناك دموع في عينيها، بل كان هناك يأس واحتضار لآخر طيف للمواجد أو الحسرة على رجل لم يعرف للإنسانية أو المروءة معنى.
في صباح اليوم التالي، اكتظت قاعة محكمة الجنايات بالحاضرين. جلس مدحت في قفص الاتهام بملابس السجن البيضاء، وجهه شاحب للغاية وجسده نحيل، وأمه الحاجة فايزة تجلس في الصفوف الأولى تئن وتبكي وترفع يديها بالدعاء.
دخلت ريهام القاعة ترتدي ثوباً أسود أنيقاً، تمشي بخطوات واثقة وهامة مرفوعة، وبجوارها شقيقها والأستاذ مراد. تلاقت عينها بعيني مدحت قبالة القفص؛ كان ينظر إليها بنظرة توسل ذليلة، يستجدى في عينها عفواً أو نظرة عطف تبقيه بعيداً عن غياهب السجن.
نُودِيَ على القضية، ووقف الأستاذ مراد أمام رئيس المحكمة، وقدم مذكرة ختامية تُفند الواقعة، ثم أخرج إقرار الاعتراف والتقرير الطبي، وقال بصوت هز جنبات القاعة:
“سيادة الرئيس.. الموكلة لا تطلب انتقاماً، ولا تطلب سوى إرساء العدل. نحن نقبل التسوية المالية والمدنية ونتنازل عن الشق الشخصي في الدعوى بعد استرداد كافة الحقوق والممتلكات المغتصبة وإظهار الحقيقة كاملة أمام الأهل والمجتمع ببراعة موكلتي من أي ذنب، لكننا نترك الشق الجنائي والعدالة الجنائية لهيئة المحكمة الموقرة لتقرر ما تراه رادعاً لمن استغل القوة وتعدى على حُرَمات الطريق العام والسكن.”
عمّ الصمت أرجاء القاعة لدقائق، قبل أن تصدر المحكمة حكمها النهائي: قبول الصلح في الشق المدني والتنازل الشخصي، وتعديل القيد والوصف للجريمة، مع معاقبة المتهم مدحت بالسجن لمدة سنة واحدة مع الشغل والنفاذ عن تهمة التعدي وترويع المواطنين، وإلزامه بالمصاريف والتعويض المالي المناسب.
طارت الصرخة من فم الحاجة فايزة وسقطت مغشياً عليها في القاعة، بينما انهمرت الدموع من عيني مدحت وهو يُساق مكبلاً بالأغلال نحو محبسه لقضاء عقوبته، بعد أن فقد عمله، وسمعته، وشقته، وزوجته الجديدة، وانكشفت سوأته وسره الذي خبأه تسع سنوات أمام العائلة والجميع.
خرجت ريهام من المجمع القضائي، واستنشقت هواء الصباح النقي وهي تنظر إلى السماء. رفعت رأسها وقالت بابتسامة صافية: ” الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.”
عادت ريهام إلى شقتها، الشقة التي اشترتها بمالها وشقائها. فتحت النوافذ ليدخل شعاع الشمس الدافئ، وبدأت رسم لوحاتها وتصميماتها الجديدة لمكتبها الهندسي المستقل. كانت في السابعة والثلاثين من عمرها، لكنها شعرت أن حياتها الحقيقية، المليئة بالكرامة والحرية والسلام النفسي، قد بدأت للتو.


تعليقات
إرسال تعليق