القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

“أنا خنـتك مع جوزك كاملة.حكايات اسما السيد

 “أنا خنـتك مع جوزك كاملة.حكايات اسما السيد 



حكايات اسما السيد 1


“أنا خنـتك مع جوزك.. بقالنا أقل من ساعة! بس صدقيني، والله العظيم اللي حصل كان غصب عني وغلطة!”


دي كانت أول كلمة نزلت عليا زي الصاعقة من لسان “شهد” مرات أخويا، أول ما فتحت باب أوضة الفندق ودخلت عليا فجأة.



كانت بتشهق من العياط، المكياج سايح على وشها ومغرق خدودها، وفستانها المكسي المترز متقطع من عند الكتف.


وأنا؟ كنت لسه قاعدة بفستان فرحي المنفوش والمكياج كامل على وشي.


قعدت قدامي على طرف السرير وهي بتمسح دموعها بإيد بتترعش وقالتلي:


— سامحيني يا “ندى”… جوزك “أحمد” ماكانش في وعيه خالص، دخل أوضتي وهو مخدوع وفاكرني أنتِ، وأنا اتفاجئت بيه ومفقتش إلا بعد ما الفأس وقعت في الرأس وكل حاجة خلصت!


ومفيش دقيقة، ولقيت “أحمد” واقف على باب .


الراجل اللي من كام ساعة بس كنت واقفة جنبه في الكوشة وسط زغاريد عيلتنا وناسنا في الحلمية، والكل عمال يباركلنا ويقولنا “ألف مبروك يا عرسان”.


قميصه البدلة كان متبهدل، وأزراره مقفولة بالورب وكل زرار في فتحة غير بتاعته.


بصيتله.. وبصيت لـ “شهد”.


ماكنتش محتاجة حد يقعد يشرحلي ولا يبررلي، المنظر كان شارح نفسه.


“شهد” غطت وشها بإيديها الاثنين وقالت وهي بتتظاهر بالعياط والحرقة:


— أنا مش عارفة هبص في وش “كريم” أخوكي إزاي بعد المصيبة دي؟ أنا أحسن حاجة ألم هدومي وأختفي من حياتكم خالص.. هو ما يعرفش حاجة، وأنتِ يا “ندى” كملي حياتك مع جوزك وعيشوا حياتكم، ونقفل على الموضوع ده ومحدش من العيلة يعرف حاجة عشان البيت ميتخربش.


فضلت باصة لها بسكوت وعيني بتفحصها.. وبعدين قلت بنبرة سخرية:


— يا سلام! بقيتي خايفة علينا وعلى بيتنا أوي كده فجأة؟


رفعت راسها وبصتلي باستغراب:


— قصدك إيه يا “ندى”؟


قلتلي ببرود:


— طالما أنتِ خايفة على العيلة وطالعة فيها المضحية، يبقى ننزل حالاً قاعة الأفراح تحت ونقول للناس كلها على المأساة دي.


وشها جاب ألوان في ثانية، والدم هرب منه:


— لأ.. لأ طبعاً! أنا ماقصدتش كده خالص!


قلت لها:


— أمال قصدك إيه؟ وبالمرة ننادي “كريم” أخويا، عشان يسمع القصة من مراته المصونة بنفسه.


هنا وشها اصفر زي الليمونة المصرورة.


و”أحمد” جوزي قرب مني بسرعة ومسك إيدي، وقال وهو ملهوف:


— كفاية بقى يا “ندى”! أنا اللي غلطت وأنا الشيطان غواني، هي مالهاش أي ذنب في اللي حصل!


قلتله وأنا بشد إيدي منه بقرف:


— حلو أوي.. روح بقى قول البقين دول لـ “كريم” أخويا وريني شجاعتك.


رد عليّ بفزع:


— لأ طبعاً! هو مش لازم يعرف حاجة واصلا مستحيل يعرف!


بصيتله وضحكت بقلة حيلة وقلت:


— نعم؟! تخونني ليلة دخلتنا وفي قلب الفندق ومع مرات أخويا، وعايزني كمان أستر عليك وأخبي عليه؟


قال وهو بيحاول يهديني:


— الموضوع لو اتعرف هيعمل حريقة وهيهد العيلتين، فكري في أبونا وأمنا، وفكري في شغلنا وسمعتنا وسط الناس في السوق!


مسكت شنطتي الصغيرة، وبصيتله في عينه وقلت:


— عندك حق.. وأنا فعلاً لازم أفكر في عيلتي صح.


وسبتهم وخرجت.


نزلت على القاعة تحت..


كانت أغان المهرجانات لسه شغالة، والضيوف قاعدين بيهزروا ويضحكوا وكأن مفيش أي مصيبة بتتطبخ فوق.


مشيت بثبات لحد ما وقفت قدام تربيعة أهلي وقلت بصوت عالي هز الطاولة:


— يا بابا.. يا بابا ويا أمي.. ويا “كريم” يا أخويا، أنا لازم أقولكم على حاجة مهمة.


“كريم” أخويا قام اتنطر من كرسيه وقال بقلة صبر:


— خير يا “ندى”؟ في إيه مالك طالعة جري كده ليه؟


وفي اللحظة دي، دخل “أحمد” وورا منه “شهد” القاعة، وواقفين ورايا.. أول ما الناس لمحت منظرهم المبهدل وفستانها المتقطع، الأغاني كأنها اتطفت والصوت بدأ يهدى تدريجياً.


بصيت لـ “كريم” أخويا في عينه وقلتله من غير مقدمات ولا لف ودوران:


— جوزي كان فوق بيخونني مع مراتك من أقل من ساعة!


القاعة كلها سكتت، السكوت كان يرعب لدرجة إن لو دبوس وقع كان هيترسخ صوته.


أبويا بصلي بذهول وهو مش مصدق أذنه:


— أنتِ بتقولي إيه يا بت؟ جرى لعقلك إيه؟!


“شهد” بدأت وتعيط بصوت عالي:


— والله العظيم كانت غلطة يا عمي! والله ما كان قصدي!


بصيتلها وقلت بتهكم:


— غلطة إزاي يعني؟ جوزي دخل أوضتك بالغلط، وأنتِ يا حبيبتي بالصدفة برضو ماعرفتيش إنه مش جوزك اللي نايم جنبك؟


“كريم” كان واقف مكان زي الصنم، عينيه زي الزجاج ومش قادر ينطق كلمة.. وبعدين بص لمراته وقال بصوت واطي ومكتوم:


— الكلام ده حصل فعلاً؟


قالت وهي بتمسك في إيده:


— اسمعني بس يا “كريم” والله العظيم الموضوع…


رد عليها بعصبية وهستيريا:


— جاوبيني بشرع ربنا! حصل ولا لأ؟!


“أحمد” جوزي اتدخل وركب وش الشجاعة وقال:


— ماتلومهاش يا “كريم”، أنا اللي دخلت عليها وأنا السبب في كل ده.


“كريم” بصله بصرامة، وبعدها رجع بص لمراته وقال بنبرة هادية بشكل :


— خلاص.. بكرة الصبح المحامي بتاعي هيتصل بيكي.


“شهد” اتفاجئت وبرقت عينها:


— محامي؟! ليه يا “كريم”؟


قالها وهو بيلف وشه عنها:


— عشان ورق طلاقك يجهز.


وهنا.. وفي اللحظة دي بالذات، أنا لمحت حاجة غريبة جداً.


لمدة ثانية واحدة بس..


شفت لمعة ونظرة في عينيها.


ماكنتش نظرة واحدة مكسورة وخايفة إن جوزها يطلقها ويخرب بيتها..


بالعكس!


دي كانت نظرة فرحة وانتصار مكتوم!


حاولت تخبي النظرة دي بسرعة وترجع تصرخ وتعيط، بس أنا كنت لقطتها بخبرتي.


وساعتها جه في دماغي سؤال واحد بس:


هو هي كانت مستنية “كريم” يطلقها بفارغ الصبر؟


وهنا بدأت أشك إن اللي حصل فوق في ده ماكانش غلطة ولا نزوة شيطان أصلًا.. ده كان ملعوب!


طلعت موبايلي من الشنطة بسرعة، وبعت رسالة لمحامي العيلة:


— “يا أستاذ، عايزاك تتصرف فوراً وتضمن إن تسجيلات كاميرات الفندق من أول أول امبارح لحد اللحظة دي ما تتمسحش ولا يتلعب فيها تحت أي ظرف.”


وبعدها بساعات قليلة..



وصلتني أول خيط في اللعبة.


“أحمد” جوزي و”شهد” مرات أخويا ماكانوش مع بعض لأول مرة ليلة فرحي زي ما ادعوا!



الكاميرات جابتهم بالدليل القاطع إنهم بيتقابلوا في الفندق ده وفي شقق مفروشة بقالهم شهور طويلة!


لكن الصدمة الكبيرة اللي طيرت النوم من عيني ماكانتش مجرد خيانة زوجية..


لأن لما المحامي بدأ ينبش ورا مقابلاتهم وسفرياتهم مع بعض..


اكتشف إنهم كانوا بيخططوا لمصيبة أكبر بكتير..


حاجة تخص المعرض وشغل أبويا والتجارة وفلوس العيلة كلها!


والألعن والأضل..


إن جزء كبير من الخطة دي كان اتنفذ فعلاً واتبصم عليه قبل ليلة الفرح بأسبوعين.


وساعتها بس فهمت.. إن جوازي من “أحمد” من البداية خالص..


ماكانش حب ولا زواج مصاهرة.. ده كان مجرد كارت في اللعبة وخطة معمول حسابها بالسنتي!و


 


لم تكن الخيانة سوى القشرة الخارجية لشرخ أعمق بكثير يمتد في جدار عائلتنا.


جلست في غرفتي القديمة ببيت أبي بعد تلك الليلة العصيبة، ورسائل المحامي تتوالى على هاتفي محمّلة بملفات ومستندات جعلت رأسي يدور. “أحمد” لم يكن مجرد شاب طموح تقدم لخطبتي قبل عام ونال إعجاب والدي بأمانته وحسن تفكيره؛ بل كان أداة تم زرعها بعناية فائقة.


قبل عام ونصف، بدأ والدي يعاني من أزمات صحية متتالية، وكان “كريم” أخوبي يدير معرض السيارات وخطوط الاستيراد والتصدير الخاصة بعائلتنا. وفي تلك الفترة تحديدًا، ظهرت “شهد” في حياة كريم؛ فتاتها الوديعة ذات الملامح البريئة التي تزوجها بعد قصة حب قصيرة. وما إن دخلت شهد البيت، حتى اقترحت على أبي التوسع في استيراد قطع الغيار والسيارات الفارهة من خلال شركة جديدة للشحن والتخليص الجمركي، وادعت أن ابن عمها “أحمد” – الذي اتضح لاحقًا أنه ليس ابن عمها ولا يمت لها بصلة قرابة رسمية – خبير في هذا المجال ويمكنه إدارة المشروع.


أعدت شهد وأحمد الخطة على هادئة. جعلوا أحمد يتقرب مني حتّى وقعت في حبه وتكللت بالخطوبة ثم عقد القران. وخلال الأشهر الستة الماضية، وبحكم أنه أصبح صهر العائلة والمستشار المالي المقرب لأبي ولـ “كريم”، حصل أحمد على تفويضات رسمية وتواقيع على أوراق بضائع ومستندات بنكية.


المستندات التي استخرجها المحامي من هيئة الاستثمار والسجل التجاري في الصباح التالي لليلة الفرح كشفت الحقيقة الكاملة:


أحمد وشهد قاما بتأسيس شركة وهمية خارج البلاد باسم مشابه لشركة أبي، ونقلا إليها عقود التوريد الحصرية التي تمتلكها عائلتنا منذ أكثر من عشرين عامًا. وليس هذا فحسب، بل إن التوقيع الذي حصل عليه أحمد من أبي قبل الفرح بأسبوعين تحت مسمى “إجراءات جمركية روتينية”، كان في الحقيقة تنازلًا رسميًا عن المعرض الرئيسي ومخازن البضائع لصالح تلك الشركة الوهمية، مقابل ديون وهمية تم افتعالها في الدفاتر!


كان مخططهم يعتمد على النحو التالي: أن تقع الفضيحة ليلة الفرح بطريقة تبدو وكأنها “خطأ ونزوة”، فتصرخ شهد وتتظاهر بالندم حتى يطلقها كريم بصرامة وهدوء ودون أن يسألها عن أي تفاصيل مالية، تمامًا كما حدث. وبعد الطلاق، تتوارى شهد عن الأنظار بحجة الخجل والعار، ويختفي أحمد بعد أن تفسخ العائلة عقد زواجي منه. وفي غضون أسابيع قليلة، وبعد أن تهدأ الفضيحة وتنشغل العائلة بترميم كرامتها وجراحها، يفاجأ الجميع بإنذارات قضائية تطالب بتسليم المعرض والمخازن وتجميد أصول أبي المالية بناءً على الأوراق الموقعة!


دخلت صالة المنزل وأنا أحمل الكمبيوتر المحمول والمستندات المطبوعة. كان أبي يجلس واضعًا رأسه بين يديه، وأمي تبكي في الصالون، بينما كريم يجلس على الأريكة المجاورة وعيناه متورمتان من الغضب والذهول.


وضعت الأوراق على الطاولة الدائرية في المنتصف وقُلت بصوت صارم:


— امسحوا دموعكم وانسوا موضوع الفضيحة والخيانة دي تمامًا.. اللي حصل فوق في الفندق كان مجرد الستارة اللي غطوا بيها على الجريمة الحقيقية!


رفع كريم رأسه باستغراب:


— قصدك إيه يا ندى؟ أوراق إيه دي؟


جلست أمامه ببرود وشرحت له كل تفصيلة:


— شهد وأحمد مش أقارب أساسًا، ولا دي كانت أول مرة يتجمعوا فيها. دول شركاء في شركة وهمية مأسسينها في الخارج، والأوراق دي بتثبت إن أحمد نقل ملكية المعرض الرئيسي والمخازن الكبيرة باسم الشركة دي بتوقيع بابا اللي أخدوه منه قبل الفرح بأسبوعين! شهد كانت عايزاك تطلقها فورًا الفرح عشان تطلع من حياتنا بصفة المظلومة أو الخاطئة اللي اختفت، وتضمن إنك مش هتفتش وراها ولا ورا حساباتها، وأحمد كان متوقع إننا هنرميه بره حياتنا ونلغي الجوازة ونقفل الصفحة عشان السمعة، وبعد ما نهدى نكتشف إننا شغالين عندهم بالتبعية وإن الحلال كله أتاكل!


قام كريم من مكانه كالمجنون، وأمسك بالأوراق يقرؤها بعينين تتسعان شيئًا فشيئًا. شحب وجه أبي وانحبست أنفاسه، بينما قال كريم بصوت يرتجف من الهول:


— يعني شهد.. شهد ما خنتنيش عشان أحمد عجَبها ولا عشان غلطة؟ شهد كانت داخلة البيت ده من الأول عشان تسرقنا؟!


قلت له بثبات:


— تمامًا. الخيانة كانت الكارت السريع عشان ننهي العلاقات وننشغل بالمصيبة الأخلاقية، وننسى المصيبة المالية لحد ما المهلة القانونية للتظلم على العقود تخلص!


وقف أبي بصعوبة وقال بصوت متهدج:


— والشغل؟ والمعرض اللي بنيته طول عمري؟ الأوراق دي فيها إمضائي فعلاً يا ندى؟


أومأت برأسي وقلت:


— إمضاءك صح، بس التوقيع اتأخد بفرية وتدليس، وده اللي المحامي شغال عليه دلوقتي. بس عشان نكسب القضية ونسترد كل حاجة ونحبسهم، مش لازم يعرفوا إننا اكتشفنا الملعب المالي ده!


نظر لي كريم وقال:


— نعمل إيه؟ أنا كنت هروح أقتله أو أبعت أوراق الطلاق لشهد النهاردة!


أوقفته بيدي وقلت:


— لأ.. لو طابقت خطتك مع خطتهم يبقوا كسبوا. شهد مستنية ورقة طلاقها عشان تختفي وتروح تسلم الأوراق للبنك وللشهر العقاري. من اللحظة دي، مفيش طلاق هيتم، ومفيش بلاغ خيانة هيتعمل! هنلعب معاهم نفس اللعبة، وهنخليهم يفتكروا إننا بلعنا الطُعم وصدقنا إنها مجرد “غلطة ونزوة” وبنحاول نلم الموضوع عشان السمعة.. لحد ما نجيبهم تحت رجلينا بالدليل القاطع.


حكايات اسما السيد 2


في الصباح التالي، كان التوتر يسود المنزل كهدوء ما قبل العاصفة. أغلقت باب الغرفة عليّ وعلى “كريم” وأبي، ووضعت خطة التحرك على الطاولة. الخطوة الأولى كانت تقضي بالحفاظ على الشكوك والتظاهر بالضعف للانقضاض في الوقت المناسب.


اتصل كريم بـ “شهد” عبر الهاتف، وحرص على أن تكون نبرة صوته مكسورة ومترددة كما تمنّت هي تمامًا. قال لها وهو يبتلع غضبه:



— شهد.. أنا مش هقدر أطلقك دلوقتي، العيلة كلها في حالة صدمة وبابا تعبان جدًا. لو الموضوع خرج بره وشاع الطلاق في نفس يوم الفرح، الناس هتاكل وشنا. خفيكي شوية عند أهلك كم يوم لحد ما نشوف هنحل المصيبة دي إزاي بعيد عن الإعلام والسوق.


على الطرف الآخر، حاولت شهد إظهار التأسف والندم، لكن نبرة الارتياح كانت واضحة في نبرات صوتها وهي تجيب:


— اللي تشوفه يا كريم.. أنا أسفة، والله العظيم مظلومة، وهعمل اللي تقول عليه وهقعد هادية خالص لحد ما تهدا النفوس.


بمجرد أن أغلقت الخط، ابتسمت ببرود وقلت لـ كريم:


— هي فاكرة إننا بنحاول نلم الموضوع عشان السمعة والخوف من كلام الناس، وده هيخليها تطمن وتتحرك ببطء وتفتكر إن العقود اللي مع أحمد في أمان.


في نفس الوقت، كان “أحمد” يحاول الاتصال بي عشرات المرات. تركت هاتفه يرن حتى المنتصف، ثم أجبته بصوت متهدج يظهر الانكسار والتردد:


— أحمد.. متتصلش بيّ تاني دلوقتي. أنا قلبي مكسور، بس بابا رفض يدخل الشرطة عشان سمسرة السوق وشغل المعرض. اقفل الموضوع ده وماتظهرش في المعرض يومين لحد ما نعرف هنقول إيه للتجار والشركاء.


رد أحمد بسرعة ولهفة مزيفة:


— يا ندى أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني.. الشغل والمصنع والمعرض يغوروا، المهم أنتِ وبابا، أنا مش هقرب من الشغل الأيام دي خالص لحد ما تؤمريني.


وقع أحمد وشهد في الفخ؛ ظنا أن الصدمة العاطفية والخوف على سمعة العيلة جعلا الجميع في حالة شلل وتستر، مما منحهما شعورًا الزائف بالأمان لعدم استعجال تقديم العقود المزورة للشهر العقاري والبنوك قبل موعدها المحدد في خطتهما.


لكن خلف الكواليس، كان محامي العيلة “الأستاذ فاروق” يعمل برتم متسارع. استطاع من خلال علاقاته بالرقابة المالية وهيئة الاستثمار الحصول على كشوفات الحسابات البنكية الخاصة بالشركة الوهمية التي أسسها أحمد وشهد في إحدى الدول الأوفشور. والمفاجأة الكبرى كانت في التواريخ!


التحويلات المالية من حسابات شركة أبي إلى حساب تلك الشركة البديلة لم تبدأ قبل أسبوعين فقط كما ظننا، بل كانت تجري بشكل مبالغ صغيرة ومتكررة منذ أكثر من ثمانية أشهر! شهد كانت تقوم بتسريب الأرقام السرية وكشوفات الحسابات الخاصة بكريم وأبي، بينما كان أحمد يستغل التفويضات الجمركية لتزوير الفواتير وتضخيم أسعار قطع الغيار المستوردة، ثم تحويل الفروق المالية لحسابهما الخاص.


قال الأستاذ فاروق وهو يعرض التقارير المالية والتحليلات الجنائية للحسابات:


— الجريمة مش مجرد خيانة ولا استيلاء على معرض.. دي عملية غسيل أموال واختلاس منظمة ومكتملة الأركان. العقود اللي توقيع أبويكي عليها تم استغلالها بناءً على توكيل ملغى صادر باسم شركة قديمة صفّيتوها من سنتين، وده معناه إن العقود دي باطلة قانونًا وبتُعد تزويرًا واستعمال أوراق مزورة!


سألت المحامي بثبات:


— والمكالمات وتكليفات تسليم البضائع؟


أجاب المحامي بابتسامة وثوق:


— جهزنا كل حاجة. بكره الصبح أحمد عنده ميعاد في الفندق مع أحد الموردين الأجانب عشان يسلمهم توكيل الشحن الجديد اللي سرقه من المعرض، وهو فاكر إن محدش متابعه.


في اليوم التالي، طُلب من كريم أن يتظاهر بطلب اجتماع عاجل وسري في مكتب المعرض الرئيسي بحجة تسوية الأمور المالية مع أحمد وشهد بوجود المحامي وبشكل ودي “بعيدًا عن المحاكم”.


جاء أحمد وشهد إلى المعرض بثقة تامة. كانت شهد ترتدي ملابس سوداء وتتظاهر بالحياء والانكسار، بينما أحمد يتصرف بجمود وكأنه المظلوم الذي يضحي بكرامته من أجل العائلة.


جلس الجميع حول طاولة الاجتماعات الكبرى في المكتب. بدأ أحمد الحديث بنبرة هادئة ومثلت الخبث:


— يا عمي.. أنا عارف إن خطئي كبير، وأنا مستعد أتنازل عن كل مستحقاتي في الشركة وأسيب البلد كلها وأمشي، بس عشان خاطر ندى وعشان خاطر سمسرة العيلة، بلاش قضايا ولا فضايح.


وهنا رفعت رأسي، وبصيت لهما بنظرة جعلت شهد تتراجع للخلف خطوة. قمت من مقعدي، وأخرجت ملفًا أسود ضخمًا ووضعته بقوة في منتصف الطاولة.


قلت بنبرة حادة وواضحة:


— تنازل عن إيه يا أحمد؟ عن الشركة الوهمية اللي أنتم مأسسينها في الخارج؟ ولا عن الـ 12 مليون جنيه اللي حولتوها من حساب بابا لحسابكم على مدار الـ 8 أشهر اللي فاتوا؟


اصفرّ وجه أحمد فورًا، وتجمدت شهد في مكانها وكأن صاعقة ضربتها.


تابعت بصرامة:


— ولا عن عقود التنازل المزورة اللي خليت بابا يوقعها تحت اسم “إجراءات جمركية” بتوكيل يلغى قانونًا من سنتين؟ أنت وهي فاكرين إن لعبة الفندق ولعبة “الغلطة والشهوة” كانت هتعدي علينا وننشغل بالفضيحة وننسى أصل الحكاية؟


صُدمت شهد وحاولت الوقوف وهي تتلعثم:


— أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه يا ندى؟! أوراق إيه وحسابات إيه؟ الكلام ده ملوش أساس من الصحة!


في تلك اللحظة، فتح باب المكتب، ودخل الأستاذ فاروق ومعه ضابط شرطة واثنين من رجال المباحث.


قال الضابط وهو يبرز أمر النيابة العامة للقبض عليهما:


— أحمد “…” وشهد “…”، صادر ضدكم أمر جلب وقبض من النيابة العامة بتهم التزوير في أوراق رسمية، والاستيلاء على أموال الشركة، وغسيل الأموال، بناءً على البلاغ المقدم والتسجيلات والمستندات الموثقة.


انهارت شهد وسقطت على الأرض وهي تصرخ وتتوسل لكريم:


— كريم! الحقني يا كريم! والله أحمد هو اللي أغواني وهو اللي خطط لكل حاجة! أنا ماليش دعوة، هو اللي هدّدني بحاجات قديمة!


لكن كريم نظر إليها ببرود تام، ودون أن يرمش له جفن، قال لها كلمة واحدة:


— السرقة والخيانة كانوا اختيارك من أول يوم دخلتي فيه البيت ده.. والقانون هو اللي هيرد عليكي.


قاد رجال الشرطة أحمد وشهد إلى الخارج وسط ذهول الموظفين والعمال في المعرض، وساد الصمت المكان. لكن بينما كان أحمد يُساق إلى سيارة الشرطة، التفت إليّ بنظرة ملؤها الغل والوعيد وقال بصوت خفيض:


— فاكرة إنك خلصتي يا ندى؟ الأوراق اللي خرجت بره مصر مش في إيدي ولا في إيد شهد.. الملفات مع ناس تانية خالص هتدمر المعرض والعيلة كلها من بره!


ساد الذهول مكتب المعرض بعد أن أخذت الشرطة أحمد وشهد، لكن نبرة التهديد الأخير التي أطلقها أحمد قبل دخوله سيارة البلاغات كانت كافية لتبديد أي شعور مؤقت بالراحة. الجملة لم تكن مجرد مناورة لمكابرٍ سقط في الفخ، بل كانت إشارة واضحة إلى وجود شريك ثالث يحرك الخيوط من الظل، شريكٍ يحمل بين يديه النسخ الأصلية من الأوراق والملفات الصادرة للخارج.


عدنا إلى المنزل، ورغم أننا استرددنا زمام المبادرة قانونياً، إلا أن الغموض كان يلتف حول العائلة كالحبل المشدود. جلس الأستاذ فاروق معنا، وأعاد فحص الحسابات والتحويلات الدولية التي تمت خلال الأيام الأخيرة، ليتبيّن أن هناك جهة شحن واستيراد منافسة في السوق—شركة “الألفي” المملوكة لرجل أعمال يُدعى “رؤوف الألفي”—كانت تدعم حركة حساب أحمد وشهد بالخارج وتستقبل التوكيلات المحولة.


كان رؤوف الألفي يسعى منذ سنوات لاحتكار خطوط الاستيراد الخاصة بعائلتنا، ووجد في طمع شهد وغدر أحمد الفرصة الذهبية للإطاحة بنا وتصفية أعمالنا في السوق نهائياً.



قال الأستاذ فاروق بنبرة جادة:


— أحمد وشهد كانوا مجرد أدوات تنفيذية داخل البيت والمعرض، والمدبر الحقيقي اللي معاه التنازلات الدولية وحسابات الأوفشور هو رؤوف الألفي. لو الأوراق دي اتفعلت في المصانع الموردة في أوروبا والصين خلال 48 ساعة، شحنات البضائع الجديدة كلها هتروح لحسابه، والمعرض هنا هيتصفى بسبب التزامات مالية مش هنقدر نغطيها.



قام كريم من مقعده وعيناه تتشتعان غضباً:


— يعني بعد كل اللي عملناه، السلسلة لسه مقطوعة؟ الشغل اللي بابا بناه في ثلاثين سنة يضيع في لحظة عشان مجرم في السوق؟


رددت عليه بثبات وصرامة:


— مش هيضيع.. طالما عرفنا رأس الأفعى، يبقى اللعب هيبقى معاه هو بوش مكشوف. أحمد وشهد المحبوسين دلوقتي على ذمة التزوير واختلاس الأموال هيتحولوا لكروت ضغط في إيدنا.


في صباح اليوم التالي، توجهت برفقة الأستاذ فاروق إلى النيابة العامة لمتابعة التحقيقات. كانت شهد في حالة انهيار تام داخل التخشيبة، تبكي وتتوسل لوالدتي ولأي شخص تراه، وتبدي استعدادها للإدلاء بأي اعتراف ينجيها من السجن. أما أحمد فكان يحاول التزام الصمت بناءً على تعليمات محامي الألفي الذي وُكّل دفاعاً عنه فجأة.


دخلت لمقابلة شهد في مكتب التحقيق بحضور المحامي، وبصيت لها ببرود وقلت:


— قدامك خيارين يا شهد.. إما تلبسي القضية لوحدك أنتِ وأحمد، وتتحكم عليكي بتهم تزوير وغسيل أموال عقوبتها بتوصل للسجن المشدد، أو تقولي الحقيقة كاملة عن رؤوف الألفي والتكليفات اللي أخدتوها منه والمكان اللي متخزن فيه باقي الأوراق الأصلية واللاشيء اللي استلمتوه منه.


انهارت شهد واعترفت بالتفاصيل:


— رؤوف هو اللي زق أحمد عليكي يا ندى! وهو اللي كان بيمشينا خطوة بخطوة.. الأوراق الأصلية والتفويضات الجمركية المترجمة موجودة في خزانة خاصة بمكتبه في التجمع الخامس، وأحمد كان المفروض يسلمها المندوب بتاعه ليلة الفرح بعد ما تخلص الفضيحة، بس اللي حصل في الفندق بوّز الميعاد!


باستخدام اعترافات شهد التفصيلية ورسائل “الواتساب” والتسجيلات الصوتية المسترجعة من هاتفها، صدر قرار عاجل من النيابة العامة بالتفتيش والتحفظ على مكتب رؤوف الألفي واستدعائه فوراً للتحقيق بتهمة الإضرار بالأمن الاقتصادي والتزوير والتحريض على الاختلاس.


في اليوم نفسه، داهمت قوة من المباحث مقر شركة الألفي، وأثناء عملية التفتيش بحضور المحامي وكريم، تم ضبط الخزانة السرية وبداخلها كافة العقود والتفويضات الأصلية المزوّرة قبل أن تجد طريقها إلى البنوك والموردين بالخارج، إلى جانب وثائق كشفت تورطه في قضايا تهريب وتزوير أخرى.


أثناء خروج رؤوف الألفي مقيداً بالكلبشات من مبنى شركته تحت حراسة مشددة، كنت واقفة عند مدخل المبنى بجوار كريم وأبي. نظر إلينا بشرارة غل مكتومة، فاقتربت منه خطوات وقالت بصوت هادئ ونبرة ثقة:


— كنت فاكر إن العائلة هتنكسر وتنشغل عشان أنت تاخد الجمل بما حمل؟ البيوت اللي مبنية على شقا حلال ما بتهدهاش ألاعيب الرخاص!


تم تحفظ النيابة على كافة المستندات المزورة، وأُعيدت خطوط الاستيراد والتوكيلات الحصرية رسمياً باسم أبي، بينما أُسقطت كل القضايا والديون الوهمية التي حُبكت ضد المعرض.


عصراً، تجمعنا في منزلنا القديم بالحلمية. كان الهدوء قد بدأ يعود تدريجياً، وجلس أبي يمسك بيد كريم ويستعيد أنفاسه بعد أسبوع من الخوف والضغط العصبي.


لكن الحكاية لم تنتهِ تماماً عند هذا الحد؛ إذ كان هناك فصل أخير يخص المسار القانوني النهائي، وورقة طلاق شهد، والقصاص العدلي الذي سينزل على الجميع في جلسة النطق بالحكم…


جاء صباح جلسة النطق بالحكم حاسمًا وثقيلًا، وكأن السماء نفسها تشاركنا إزاحة هذا الكابوس عن كاهل عائلتنا.


وقفنا في قاعة المحكمة الكبرى؛ أبي بوقاره واستعادته لعافيته، وكريم بثباته وهدوئه بعد أن طوى صفحة الماضي كليًا، وأنا بجانبهما نتابع المشهد الأخير للدراما التي بدأت ليلة فرحي.


في قفص الاتهام، كان المنظر يتحدث عن نفسه. شهد بأسمالها الباهتة ووجهها الذابل الذي أكلته الشكوك والندم، بجانب أحمد ورؤوف الألفي اللذين تبادلا النظرات الحاقدة والاتهامات الهمسية بعد أن انكشف كل شيء وتخلى عنهما الجميع.


ساد الصمت القاعة مع دخول الهيئة، واعتلى القاضي المنصة ليقرأ الحيثيات بكلمات هزت أركان المكان. أكدت المحكمة أن الجريمة لم تكن مجرد نزوة أو خلاف عائلي، بل كانت معركة دنيئة استهدفت سلب مقدرات عائلة شريفة وتدمير بيتها من الداخل باستخدام التزوير والخيانة وغسيل الأموال.


ودوت الأحكام كالصواعق:


— السجن المشدد لمدة عشر سنوات لأحمد ورؤوف الألفي مع إلزامهما بردم كافة المبالغ المختلسة والغرامات المالية المضاعفة.


— السجن المشدد لمدة خمس سنوات لشهد لمشاركتها وتسهيلها عمليات التزوير والاستيلاء.


انهارت شهد في القفص وسقطت مغشيًا عليها وهي تصرخ باسم كريم، لكن كريم لم يلتفت حتى للخلف. أخرج من جيب جاكيته الداخلي الأوراق الرسمية الموثقة من المحكمة الاقتصادية ومحكمة الأسرة، ووقع في جلسة علنية وموثقة وثيقة طلاقها النهائي، لتقطع آخر رابط كان يربطها باسم عائلتنا إلى الأبد.


خرجنا من القاعة إلى صحن المحكمة، والشمس تشرق صافية لأول مرة منذ أسابيع طويلة.


نظر إليّ أبي وعيناه ملأى بدموع الفخر والامتنان، وأمسك بيدي وقال بصوت خنقته العبرة:


— أنتِ مش بس حميتي أباكي وأخوكي يا ندى.. أنتِ صنتي البيت اللي بنيته بعرق عمري، وربيتينا كلنا على إن الحق مابيعليش عليه زُور.


ابتسمت له وأنا أنظر إلى الحلمية وإلى معرضنا الذي عادت إليه الحياة والنشاط بأضعاف ما كان عليه، وقُلت بثبات:


— العيلة اللي تتسند على الحق والضمير الصاحي يا بابا، ما تكسرهاش خيانة رخيصة، ولا يقدر عليها ألف لعب من تحت الترابيزة.


انتهت القصة، لا بالفضيحة التي خططوا لها، بل بالعدالة التي أنصفتنا، وبدرس قاسية تعلمناه جميعًا: أن الأقنعة مهما بلغت إتقانها، تتساقط حتمًا أمام أول شعاع للحقيقة.


 


تعليقات

التنقل السريع
    close