سكريبت طليقى قالى عايزه تشوفى ابنك تيجى تشتغلى خدامه كاملة أماني سيد
طليقى قالى عايزه تشوفى ابنك تيجى تشتغلى خدامه فى بيتى عند مراتى ووقتها تقدرى تشوفيه وتبقى مربيه ليه مش عجبك اللى بينى وبينك المحاكم
جوزى مانعنى أشوف اشوف ابنى وهو عنده سنتين او أقابله لانى اتطلقت منه بسبب إنه كان بيخونى ولما اتطلقنا راح اتجوز وعشان مايدفعش نفقه ابنه اخده هو عشان يربيه حاولت كتير اشوفه حتى لو من بعيد لكن مكنتش بعرف رفعت قواضى لكن بسبب وضعى كنت بخسرها اخر حاجه عملتها بعتله ناس يتوسطوا وفعلاً وافق يقابلنى وشرط عليه اغرب شرط
قالى عايزه تشوفى ابنك تيجى تشتغلى خدامه فى بيتى عند مراتى ووقتها تقدرى تشوفيه وتبقى مربيه ليه مش عجبك اللى بينى وبينك المحاكم
اشتياقى لابنى خلانى ادوس على كرامتى واوافق أهم حاجة هو اراعيه واخد بالى منه
دخلت بيته ورجلي بتتقل مع كل خطوة، البيت اللي كنت في يوم من الأيام سيدته وراعية أركانه، داخلاله النهارده وطرحتي نازلة على عيني وراسي في الأرض، مجرد خدامة مالهاش حتى حق تتكلم. أول ما الباب اتقفل ورايا، بصلي بابتسامة صفرا كلها شماتة وغرور، وقالي بنبرة باردة تقطع في القلب: “مكانك مش هنا في الصالون، ادخلي المطبخ.. ده هيكون أوضتك ومطرح ما هتحطي راسك، ومش عايز أسمعلك صوت، فاهمة؟”
دخلت مراته قالتله دى الخدامه اللى قولت عليها
بصلى بغرور لانه عارف انى مش هقدر اتكلم كانه بيعاقبنى على ذنب خيانه وقالها اه اتصرفى فيها زى ماتحبى دى لخدمتك وبس وعشان الولد مايتعبكيش وتخرجى براحتك
بلعت ريقي وحبست دموعي بالعافية، وهزيت راسي بالموافقة. دخلت المطبخ كان بارد، سيراميكه متلج، رمى لي فيه مرتبة قديمة رفيعة ومخدة متهالكة في زاوية جنب التلاجة، وقالي: “هتنامي هنا.. والصبح من النجمة تصحي قبل ما أي حد فينا يفتح عينه، البيت يتكنس ويتمسح، والفطار يجهز، وبعدها تبدأي تشوفي شغلك مع ابنك.”
الذل بدأ من أول دقيقة.. مراته الجديدة كانت بتبصلي بقرف وتتعمد ترمي طلبات تعجيزية. كانت تقلب العصير على الأرض مخصوص وتقولي: “امسحي هنا يا شاطرة، ونضفي كويس البيت مش زريبة.” وهو كان يتفرج عليها ويبتسم، بل ويزيد في إذلالي قدامها، يدخل يرمي جزمته في وشي ويقولي لمعيها، وإذا اتأخرت ثانية في كوباية الشاي يزعق ويهين في كرامتي بأبشع الألفاظ، وهو عارف كويس إني ساكتة ومستحملة كل الإهانة دي لسبب واحد بس.. حتة اللحم اللي بتجري في الصالة.
أول ما شوفت ابني، قلبي اتخلع من مكانه. كان بيجري ومش فاهمني، ملامحه اللي وحشتني، ريحته اللي كنت محرومة منها شهور. نزلت على ركبي وفتحت إيديا وأنا هموت وآخده في حضني وأبوسه، لكن قبل ما ألمسه، جه طليقي وشدني بقسوة من دراعي وزعق فيا: “انتي هنا مربية وخدامة، متقربيش منه بالشكل ده ولا كإنك أمه، أنتي ملكيش صفة هنا غير تنضفيه وتأكليه وتسمعي الكلام، وحسك عينك تفكريه بيكي أو تنطقي وتقوليله أنا أمك.. لو سمعتك بتقوليها هرميكي في الشارع ومش هتشوفيه تاني ليوم الدين.”
بقيت أقضي نهاري كله في شقا وكسرة نفس؛ أطبخ، وأغسل الهدوم على إيدي، وأمسح، وعيني دايماً رايحة عليه وهو بيلعب. كنت بستنى اللحظات اللي يطلبوا مني فيها أغيرله هدومه أو أأكله، وأقفل باب الأوضة براحة عشان أدفن وشي في رقبته وأشم ريحته وأبكي من غير صوت، وأهمس في ودنه وأنا قلبي بيتحرق: “أنا هنا عشانك يا قلب أمك.. كل الذل ده يهون بس عشان متبعدش عن عيني.” بالليل، لما البيت يهدى والكل ينام، كنت برمي جسمي المهدود على المرتبة في أرض المطبخ الساقعة، أضم ركبي لصدري وأبكي بحرقة على كرامتي اللي اتداست، لكن كنت بصبر نفسي وأقول: بكرة ربنا هيعدلها، والظلم ده مش هيستمر للأبد.
تاني يوم صحيت قبل الفجر بدقايق على صوت خبط شديد على باب المطبخ.
فتحت عيني وأنا مش عارفة أنا فين للحظة.
بعدين افتكرت.
أنا مش في بيتي.
أنا في بيت طليقي.
أنا هنا عشان ابني.
مسحت دموعي بسرعة وقومت من على المرتبة القديمة، ولقيت ضهري كله بيوجعني من النوم على الأرض. غسلت وشي بمية ساقعة، ولبست هدومي، وبدأت أرتب المطبخ.
كنت بحاول أتحرك من غير صوت عشان محدش يصحى ويبدأ يوم جديد من الإهانات.
لكن قبل ما أخلص، سمعت صوت مرات طليقي، نجلاء، جاي من ورايا.
قالت:
“إنتي لسه مخلصة؟”
لفيت لها.
كانت واقفة عند باب المطبخ، لابسة روب طويل، وشعرها مفرود، وفي إيدها الموبايل.
قلت بهدوء:
“لسه شوية.”
قالت بسخرية:
“شوية؟ ده أنا لو جبت قطة تلم البيت كانت خلصت أسرع منك.”
بلعت كلامي.
مش عشان خايفة منها.
عشان ابني.
قالت:
“اعمليلي فطار، وجوزي عايز قهوته أول ما يصحى. وابني ما ينزلش من أوضته غير لما أقولك.”
هزيت راسي.
ومجرد ما قالت “ابني”، حسيت قلبي اتقبض.
ابني.
الكلمة اللي كنت بحاول حتى ما أفكرش فيها بصوت عالي.
دخلت المطبخ وبدأت أجهز الفطار.
وبعد أقل من ساعة، سمعت صوت خطوات صغيرة على الأرض.
جسمي كله اتشد.
ما قدرتش أمنع نفسي إني ألف.
كان هو.
ابني.
واقف عند باب المطبخ، شعره منكوش من النوم، لابس بيجامة صغيرة عليها رسومات عربية، وفي إيده عربية لعبة.
فضلت أبص له كأني شايفة الدنيا لأول مرة.
هو بصلي.
ثواني.
وبعدين قرب خطوة.
أنا قلبي كان بيجري ناحيته، لكن رجلي ثابتة مكانها.
افتكرت كلام أبوه.
“إنتي خدامة ومربية.”
ففضلت واقفة.
ابني قرب أكتر.
بص في وشي وقال:
“إنتي مين؟”
السؤال كان أبشع من أي إهانة اتقالتلي.
أنا أمه.
أنا اللي حملته تسع شهور.
أنا اللي كنت بصحى له بالليل.
أنا اللي كنت بخاف عليه من السخونية.
أنا اللي كنت بلفه في البطانية لما يبرد.
أنا اللي كنت بحط إيدي على صدره عشان أتأكد إنه بيتنفس وهو نايم.
ومع ذلك، هو مش عارفني.
دموعي نزلت غصب عني.
ابتسمت له وقلت:
“أنا… ماما نجلاء قالتلي إني هساعدك.”
بصلي باستغراب.
وقال:
“إنتي بتعرفي تعملي عربية؟”
ضحكت وسط دموعي.
وقلت:
“أيوه.”
مد إيده بالعربية.
وأنا أخدتها منه.
قعدت على الأرض وبدأت أصلح له عجلة كانت مفكوكة.
قعد جنبي.
وكان أول مرة أبقى قريبة منه بالشكل ده من غير ما حد يشدني بعيد.
سألني:
“اسمك إيه؟”
قلت:
“مريم.”
قال:
“مريم؟”
قلت:
“أيوه.”
سكت شوية وبعدين قال:
“ماما قالت إنك هتفضلي هنا.”
قلبي وجعني.
سألته:
“إنت بتحب تلعب هنا؟”
قال:
“لأ.”
“ليه؟”
بص ناحية الصالة واتأكد إن محدش سامعه.
وبعدين قرب مني وهمس:
“عشان بابا بيزعق كتير.”
اتجمدت.
قلت:
“وبيزعقلك؟”
هز راسه.
“لما أكسر حاجة.”
حطيته في حضني للحظة.
وقلت:
“معلش يا حبيبي.”
هو ما اعترضش.
بل بالعكس، سند راسه على صدري.
وفي اللحظة دي حسيت إن ربنا بيعوضني عن كل ليلة نمت فيها وأنا بعيط.
لكن الفرحة ما كملتش.
صوت طليقي جه من الصالة:
“إيه اللي بيحصل هنا؟”
ابني اتخض.
قام بسرعة.
وأنا وقفت.
دخل طليقي وبصلي بنظرة قاسية.
قال:
“أنا مش قلتلك متقربيش منه؟”
قلت:
“هو اللي جهلي.”
“مش فارقة. أنا حذرتك.”
نزلت عيني.
قال لابني:
“ياسين، تعالى هنا.”
ابني جري عليه.
طليقي مسك إيده وبصلي.
“لو كررتيها، مش هتشوفيه خالص.”
قلت:
“حاضر.”
خرج.
لكن قبل ما يخرج، ياسين لف وبصلي.
النظرة دي فضلت في قلبي طول اليوم.
فيها خوف.
وفيها سؤال.
وكأن الطفل الصغير ده كان حاسس إن في حاجة غلط.
مرت الأيام.
أنا كنت بصحى قبلهم، أنضف، أطبخ، أغسل، وأراعي ياسين.
ونجلاء كانت كل يوم بتختلق سبب جديد لإهانتي.
مرة تقول إني نسيت فوطة.
مرة تقول إن الأكل ناقص ملح.
مرة تكسر طبق وتقولي:
“إنتي اللي وقعتيه.”
كنت بسكت.
مرة رشقت عليا مية من الخرطوم وهي بتغسل البلكونة وقالت:
“اتعودي، هنا محدش هيدلعك.”
ومرة كانت قاعدة قدام طليقي وقالت:
“هي أصلًا محظوظة إني سايباها تدخل بيتنا.”
ضحك.
لكن في وسط كل ده، حصل شيء غريب.
ياسين بدأ يتعلق بيا.
في البداية كان بيناديني “مريم”.
وبعدين بدأ يقول:
“مريم، تعالي.”
“مريم، اقعدي معايا.”
“مريم، احكيلي حكاية.”
كنت بفرح من أبسط كلمة.
وفي ليلة، وأنا بحكيله قصة قبل النوم، سألني فجأة:
“هو كل الأطفال ليهم ماما؟”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“وأنا؟”
قلبي وقف.
قلت:
“إنت كمان.”
سأل:
“فين ماما؟”
ما عرفت أرد.
فضل باصصلي.
وبعدين قال:
“بابا بيقول إنها سابتني.”
دموعي نزلت.
قلت:
“أحيانًا الكبار بيقولوا كلام مش كامل.”
قال:
“يعني هي ما سابتنيش؟”
سكت.
هو قرب مني.
“هي بتحبني؟”
حطيت إيدي على شعره.
وقلت:
“أوي.”
قال:
“إنتي عارفاها؟”
بلعت ريقي.
وقلت:
“أيوه.”
“قابلتيها؟”
بصيت له.
وقلت:
“يمكن أكتر مما تتخيل.”
ما فهمش.
نام وهو ماسك طرف هدومي.
وأنا فضلت قاعدة جنبه لحد ما نام.
في اليوم التالي، وأنا بنضف أوضة طليقي، لقيت درج مفتوح.
ماكنتش بدور على حاجة.
لكن وأنا بحط الهدوم في الدولاب، وقعت ورقة على الأرض.
انحنيت عشان أخدها.
كانت صورة.
صورة ليا أنا وياسين.
قديمة.
ياسين كان لسه رضيع.
وأنا شايله.
الصورة كانت متقطعة من النص.
لكن وشي كان ظاهر.
سمعت صوت خطوات.
حطيت الصورة بسرعة مكانها.
دخل طليقي.
بصلي.
وقال:
“بتعملي إيه؟”
قلت:
“بنضف.”
بص للدرج.
وقفلته بنفسه.
وبعدين قال:
“اخرجي.”
خرجت.
لكن الصورة فضلت في دماغي.
ليه محتفظ بصورة ليا؟
وليه مقطعها؟
بدأ الشك يدخل قلبي.
وفي نفس الأسبوع، حصل شيء أهم.
كنت بغير لياسين هدومه، ولقيت علامة زرقاء صغيرة على دراعه.
سألته:
“إيه ده يا حبيبي؟”
قال:
“وقعت.”
قلت:
“فين؟”
سكت.
وبعدين قال:
“بابا زقني.”
قلبي اتقبض.
“ليه؟”
قال:
“كنت عايز أروح عند ماما.”
سكت.
بصلي وقال:
“هو ماما وحشة؟”
قربته مني.
وقلت:
“لأ.”
“بابا بيقول إنها وحشة.”
قلت:
“مفيش إنسان بيقدر يعرف كل حاجة عن حد من غير ما يسمعه.”
هو سكت.
وبعدين قال:
“إنتي بتتكلمي زيها.”
جسمي كله اتجمد.
سألته:
“يعني إيه؟”
قال:
“ماما زمان كانت بتقوللي نفس الكلام.”
أنا ما قدرتش أتكلم.
بدأت أفكر.
يمكن هو فاكرني.
يمكن ذاكرته الصغيرة لسه محتفظة بحاجة.
يمكن كل اللي حصل مش زي ما طليقي بيقول.
لكن أكبر مفاجأة كانت لسه جاية.
بعد أسبوع تقريبًا، وأنا في المطبخ، سمعت خناقة في الصالة.
نجلاء كانت بتزعق:
“إنت وعدتني إن الموضوع خلص!”
طليقي قال:
“وطي صوتك.”
“أنا مش هسكت!”
“لو فضحتي نفسك، إنتي اللي هتندمي.”
“أنا عايزة أعرف هي ليه هنا؟”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“عشان ياسين.”
نجلاء ردت:
“مش عشانه. إنت جايبها عشان حاجة تانية.”
وقتها قربت من باب المطبخ من غير ما يحسوا.
سمعت طليقي بيقول:
“إنتي مالكيش دعوة.”
قالت:
“لأ ليا. طول ما هي في بيتي ليا دعوة.”
وبعدين سمعت صوت حاجة اتكسرت.
رجعت بسرعة للمطبخ.
بعد دقائق، دخلت نجلاء.
كانت متوترة.
قالت:
“إنتي سمعتي حاجة؟”
قلت:
“لأ.”
قربت مني.
“بصي في عيني.”
بصيت لها.
قالت:
“لو فكرتي تسألي عن أي حاجة تخص جوزي أو الماضي، هخليكي تندمي إنك دخلتي البيت ده.”
قلت:
“أنا ماليش غير ياسين.”
قالت:
“وده بالذات اللي مش هخليكي تاخديه.”
خرجت.
وقتها فهمت إن وجودي في البيت ده مش مجرد إذلال.
كان في سر.
سر له علاقة بيا.
وبياسين.
وبطليقي.
وفي ليلة، حصلت الحاجة اللي غيرت كل شيء.
كنت قاعدة في المطبخ، وياسين نايم جنبي على كرسي صغير، بعد ما كان تعبان.
سمعت صوت الموبايل بيرن في الصالة.
طليقي كان في الحمام.
الموبايل فضل يرن.
نجلاء ما كانتش موجودة.
بصيت للموبايل.
رقم غريب.
المكالمة انتهت.
وبعدها وصلت رسالة.
ما كانش قصدي أشوفها.
لكن شاشة الموبايل نورت.
والرسالة ظهرت قدامي:
“لازم تقول لها الحقيقة قبل ما الطفل يكبر ويعرفها من حد تاني.”
جسمي كله اتجمد.
مين اللي بيكلمه؟
وإيه الحقيقة؟
وقبل ما أفكر، سمعت صوت طليقي.
“إنتي بتبصي على موبايلي؟”
رفعت عيني.
كان واقف ورايا.
وشه كان متغير.
قلت:
“الموبايل رن.”
خطفه من إيدي.
فتح الرسالة.
قرأها.
وفجأة لونه اتغير.
قلت:
“مين بيبعتلك؟”
صرخ:
“إنتي مالكيش دعوة!”
ياسين صحي من الصوت.
وبدأ يعيط.
قربت منه.
لكن طليقي وقف بيني وبينه.
قال:
“من النهارده مش هتقربي منه.”
قلت:
“بس هو تعبان.”
“اطلعي من هنا.”
“فين؟”
“برا.”
بصيت له.
“دلوقتي؟”
قال:
“أيوه.”
دخلت نجلاء على الصوت.
ولما شافت الموبايل في إيده، قربت منه.
قالت:
“جالك تاني؟”
بص لها.
“اسكتي.”
أنا بصيت لهم الاتنين.
لأول مرة شفت الخوف في عين نجلاء.
مش غرور.
مش شماتة.
خوف حقيقي.
قلت:
“إنتوا مخبيين عني إيه؟”
ولا واحد رد.
طليقي فتح الباب وقال:
“اطلعي.”
لكن في اللحظة دي، ياسين جري ناحيتي.
مسك في رجلي.
وقال:
“مريم متروحيش.”
نجلاء صرخت:
“خده يا محمود!”
طليقي حاول يشيله.
لكن ياسين تشبث بيا.
وكان بيعيط:
“مريم متسيبينيش!”
أنا حطيته في حضني.
طليقي شده.
وأنا لأول مرة ما قدرتش أسكت.
صرخت:
“ده ابني!”
الصالة كلها سكتت.
الكلمة خرجت مني من غير تفكير.
طليقي بصلي.
نجلاء بصتلي.
وياسين سكت.
وبعدين قال:
“ابنك؟”
أنا غطيت بوقي بإيدي.
طليقي شدني من دراعي.
لكن قبل ما يعمل أي حاجة، ياسين قال:
“يعني مريم هي ماما؟”
نجلاء وشها ابيض.
طليقي سكت.
وكان سكوتهم هو الإجابة.
ابني عرف.
عرف من نظرة واحدة.
فضلت أبص له وأنا ببكي.
وقلت:
“أيوه يا حبيبي.”
ياسين جري عليا.
وحضنني.
وأنا ضميته بكل قوتي.
بعد سنتين.
بعد سنتين من الحرمان.
حضنته أخيرًا قدامهم.
طليقي وقف مكانه كأنه اتشل.
نجلاء قالت:
“محمود!”
لكنه ما ردش.
ياسين كان بيعيط في حضني:
“ليه سيبتيني؟”
قلت:
“أنا ما سبتكش.”
“بابا قال إنك مش عايزاني.”
قلت:
“ده مش حقيقي.”
“طب ليه ما جيتيش؟”
ما عرفت أشرح له كل حاجة.
قلت:
“كنت بدور عليك كل يوم.”
مسك وشي بإيديه الصغيرين.
وقال:
“كنت عارف إنك ماما.”
سألته:
“إزاي؟”
قال:
“عشان لما بحلم بيكي، بتبقي زيك.”
شهقت.
قلت:
“إنت كنت بتحلم بيا؟”
هز راسه.
“كنت بقول لبابا.”
سكت.
“وكان بيقولي إن ده خيال.”
وقتها بصيت لطليقي.
قلت:
“إنت عملت فيه إيه؟”
قال بعصبية:
“كفاية.”
لكن ياسين لأول مرة رفع صوته:
“بابا كداب!”
طليقي اتصدم.
نجلاء قالت:
“اسكت يا ياسين.”
الطفل مسك في رقبتي.
“أنا عايز ماما.”
طليقي قرب.
لكن الباب الخارجي اتفتح.
ودخل رجل كبير.
كان محامي طليقي.
عرفته من جلسات المحكمة القديمة.
بص لنا.
ولما شاف ياسين في حضني، وقف.
وقال:
“الحمد لله.”
طليقي قال:
“إنت جيت ليه؟”
المحامي ما ردش عليه.
بصلي وقال:
“مدام مريم، لازم نتكلم.”
قلت:
“في إيه؟”
قال:
“في حاجة كان لازم تعرفيها من سنتين.”
طليقي قال:
“مش هنا.”
المحامي رد:
“لأ. هنا.”
نجلاء بدأت تبكي.
أنا بصيت لها.
قالت:
“أنا آسفة.”
قلت:
“على إيه؟”
قالت وهي بتعيط:
“أنا ما كنتش عايزة الموضوع يوصل لكده.”
طليقي صرخ:
“نجلاء!”
المحامي قال:
“كفاية يا محمود.”
وبعدين طلع ملف من شنطته.
حطه على الترابيزة.
وقال:
“ده تقرير المحكمة.”
فتحت عيني.
“تقرير إيه؟”
قال:
“التقرير اللي اتقدم قبل سنتين في قضية حضانة ياسين.”
قلت:
“أنا شفته.”
هز راسه.
“لأ. إنتي شوفتي نسخة ناقصة.”
قلبت في الورق.
وكانت الصدمة.
التقرير الأصلي كان فيه توصية واضحة إن ياسين يفضل قريب من أمه، وإن منعه عنها بشكل كامل مش في مصلحته.
قلت:
“يعني إيه؟”
قال:
“النسخة اللي وصلتك كانت ناقصة صفحات.”
بصيت لمحمود.
“إنت عملت كده؟”
ما ردش.
المحامي قال:
“والأخطر إن في إفادات اتقدمت باسمك من غير علمك.”
قلت:
“إفادات إيه؟”
قال:
“إنك رفضتي تشوفي ابنك.”
ضحكت من شدة الصدمة.
“أنا؟”
قلت:
“أنا كنت بترجاهم في المحكمة.”
قال:
“عارف.”
فتح الملف.
“لأن عندي إثبات.”
طلع مجموعة أوراق.
“كل طلبات الزيارة اللي قدمتيها.”
ثم قال:
“وكل مرة اتمنعتي فيها.”
بصيت للأوراق.
كانت دموعي بتنزل.
سألت:
“ليه؟”
المحامي بص لمحمود.
“ده السؤال اللي لازم هو يجاوبه.”
محمود قال:
“أنا كنت بخاف عليها.”
صرخت:
“على مين؟”
“على ياسين.”
“من إيه؟”
سكت.
قلت:
“إنت كنت بتعاقبني.”
قال:
“أنا كنت عايز أربي ابني بعيد عن المشاكل.”
قلت:
“المشاكل اللي عملتها إنت بخيانتك؟”
سكت.
المحامي قال:
“في حاجة تانية.”
طلع ورقة.
“كان في تحويلات مالية.”
بصيت له.
“تحويلات لمين؟”
قال:
“لشخص كان بيتابع القضايا.”
سألت:
“يعني إيه؟”
قال:
“أدلة تشير لمحاولة التأثير على مسار القضية.”
محمود بدأ يتوتر.
قال:
“الكلام ده مش مثبت.”
المحامي رد:
“عشان كده لسه ما قدمتوش.”
نجلاء قالت:
“قدمه.”
محمود لف لها.
“إنتي بتعملي إيه؟”
قالت:
“أنا تعبت.”
وبعدين بصتلي.
“أنا غلطت لما وافقت أساعده.”
قلت:
“ساعدتيه في إيه؟”
قالت:
“في البداية كنت فاكرة إنك ست وحشة.”
سكتت.
“هو حكالي إنك سيبتي ياسين وطلبتي الطلاق ورفضتي تشوفيه.”
قلت:
“وده كان كذب.”
قالت:
“عرفت بعد الجواز.”
“إزاي؟”
قالت:
“لما شفت الملفات.”
وبعدين بكت.
“بس كنت اتجوزته خلاص.”
قلت:
“ليه كملتي؟”
قالت:
“خفت.”
المحامي سألها:
“عندك نسخة من الرسائل؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
طلع موبايلها.
وقالت:
“هو كان بيهددني لو اتكلمت.”
محمود صرخ:
“كفاية كذب!”
لكن نجلاء فتحت الموبايل.
وورته للمحامي.
المحامي قرأ.
وبعدين بصلي.
وقال:
“دي رسائل مهمة.”
أنا ما كنتش فاهمة كل حاجة.
لكن حاجة واحدة كانت واضحة.
الحكاية أكبر من مجرد طلاق.
بعدها بأيام، خرجت من البيت.
لكن المرة دي مش مطرودة.
خرجت وأنا ماسكة إيد ابني.
المحامي كان معايا.
بدأت إجراءات جديدة.
لكن محمود حاول يقلب الموضوع.
قال إني دخلت بيته بطريقة غير لائقة.
قال إني خطفت الطفل.
قال إني أذيت ياسين نفسيًا.
لكن الحقيقة بدأت تظهر واحدة واحدة.
أول مرة دخلت المحكمة الجديدة، كنت مرعوبة.
ياسين كان ماسك إيدي.
سألني:
“هنرجع بيتنا؟”
بصيت له.
قلت:
“هنروح المكان اللي ربنا كاتبه لينا.”
قال:
“أنا عايز أعيش معاكي.”
ضمّيته.
قلت:
“أنا كمان.”
الجلسة كانت طويلة.
وكل كلمة كانت بتفتح جرح قديم.
لكن المرة دي كان عندي مستندات.
رسائل.
طلبات زيارة.
إثباتات.
وشهادة نجلاء.
وأهم حاجة كان ياسين نفسه.
ما كانش هو اللي بيقرر.
لكن كلامه ساعد في توضيح علاقته بيا واللي حصل خلال الفترة اللي فاتت.
وبعد فترة، صدر قرار يسمح لي برؤيته بشكل منتظم.
وبعدها بدأت الأمور تتغير تدريجيًا.
أول يوم خرج فيه ياسين معايا لوحدنا، أخدته على محل حلويات.
قال:
“ماما، أنا عايز حاجة.”
قلت:
“عايز إيه؟”
قال:
“عايز نجيب حاجة لبابا.”
بصيت له.
“ليه؟”
قال:
“عشان هو بابا برضه.”
حطيته في حضني.
وقلت:
“ربنا يخليك يا ابني.”
في اللحظة دي فهمت إن الطفل اللي حاولوا يحطوا الكراهية في قلبه كان أرحم من كل الكبار.
مرت شهور.
والأمور القانونية استمرت.
لكن حياتي بدأت ترجع.
اشتغلت.
استأجرت شقة صغيرة.
حطيت سرير لياسين.
اشتريت له ملايات عليها عربيات.
وحطيت صورته فوق السرير.
أول ليلة نام فيها عندي، فضلت قاعدة جنبه.
قال:
“ماما.”
قلت:
“نعم؟”
“إنتي هتختفي لما أصحى؟”
دموعي نزلت.
قلت:
“لأ.”
“وعد؟”
“وعد.”
مسك إيدي.
ونام.
لكن في نص الليل صحيت على صوته.
كان بيقول:
“ماما…”
قربت منه.
“أنا هنا.”
فتح عينيه.
قال:
“حلمت إن بابا خدني منك.”
ضمّيته.
وقلت:
“خلاص يا حبيبي.”
قال:
“هو هيعمل كده؟”
قلت:
“إحنا هنمشي في الطريق الصح.”
وبعدين قبلت راسه.
“وربنا عمره ما بيضيع حق حد.”
بعد فترة، حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
نجلاء اتصلت بيا.
كنت مترددة أرد.
لكن رديت.
قالت:
“مريم.”
قلت:
“أيوه.”
“ممكن أشوفك؟”
اتقابلنا في مكان عام.
كانت شكلها مختلف.
من غير مكياج.
وشها مرهق.
قعدت قدامي وقالت:
“أنا عارفة إنك بتكرهيني.”
قلت:
“أنا مش عايزة أكره حد.”
بكت.
وقالت:
“أنا ظلمتك.”
سكت.
قالت:
“كنت بسمع كلام محمود وأصدقه.”
وبعدين قالت:
“بس لما عرفت الحقيقة، حاولت أوقفه.”
سألتها:
“ليه ما اتكلمتيش من الأول؟”
قالت:
“كنت جبانة.”
سكتنا.
وبعدين قالت:
“ياسين بيحبك.”
قلت:
“ده ابني.”
قالت:
“أنا عارفة.”
وبعدين طلعت ظرف.
حطته قدامي.
قلت:
“إيه ده؟”
قالت:
“حاجات تخص ياسين.”
فتحت الظرف.
لقيت صور قديمة.
صور لابني وهو رضيع.
صور أنا كنت فاكرة إنها ضاعت.
صورة له وهو لابس أول بدلة.
صورة أول عيد.
وصورة لي وأنا شايله.
مسكت الصورة.
قلت:
“إنتي عندك الصور دي؟”
قالت:
“محمود كان مخبيهم.”
سألتها:
“ليه؟”
قالت:
“مش عارفة.”
لكن تحت الصور كان في ورقة صغيرة.
فتحتها.
وكان مكتوب عليها بخط محمود:
“لو مريم عرفت الحقيقة، كل اللي عملته هيضيع.”
قلبي وقف.
بصيت لنجلاء.
قالت:
“دي مش كل حاجة.”
“في إيه تاني؟”
قالت:
“في تسجيل.”
“تسجيل لإيه؟”
قالت:
“لليلة اللي اتخانقت فيها معاه.”
وأخرجت فلاشة صغيرة.
وقالت:
“اسمعيه.”
رجعت البيت.
حطيت الفلاشة في اللابتوب.
التسجيل بدأ.
سمعت صوت محمود.
كان بيتكلم مع شخص ما.
قال:
“أنا مش هسيبها تاخده.”
الصوت الآخر قال:
“بس دي أمه.”
محمود رد:
“أنا مش هخسر.”
الصوت الآخر قال:
“إنت عارف إن اللي بتعمله غلط.”
محمود قال:
“المهم يفضل معايا.”
الصوت الآخر سأل:
“ليه؟”
سكت محمود.
وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“لأن ياسين مش ابني.”
وقفت من على الكرسي.
رجعت التسجيل.
سمعت الجملة تاني.
“ياسين مش ابني.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قعدت.
ضغطت تشغيل.
الصوت الآخر قال:
“إنت متأكد؟”
محمود قال:
“أيوه.”
“ومريم تعرف؟”
“لأ.”
“وإزاي أخدته منها؟”
محمود رد:
“لأن لو عرفت الحقيقة هتدور وراه.”
التسجيل انتهى.
أنا كنت مشلولة.
ابني مش ابنه؟
إزاي؟
أنا متجوزاه وقتها.
الحمل كان منه.
ولا يمكن…
فتحت عيني.
افتكرت حاجة قديمة.
قبل ولادة ياسين بشهور، محمود كان مسافر فترة طويلة.
وكان بيننا مشاكل.
لكن رجع.
وقال إن السفر اتأخر.
أنا وقتها ما شكيتش.
لأنني كنت زوجته.
لكن التسجيل كان بيقول حاجة تانية.
اتصلت بالمحامي.
جالي تاني يوم.
حكيت له.
سمع التسجيل.
قال:
“لازم نعرف مين الأب البيولوجي.”
قلت:
“بس أنا مش عايزة غير ياسين.”
قال:
“وعشان كده لازم نعرف الحقيقة.”
عملنا الإجراءات القانونية اللازمة.
وبعد أسابيع، ظهرت نتيجة التحليل.
كانت الصدمة.
محمود لم يكن الأب البيولوجي لياسين.
لكن مين الأب؟
كان في اسم واحد ظهر في الأوراق.
اسم رجل كنت أعرفه.
شخص كان يعمل مع محمود في نفس المكان.
اسمه سامح.
أنا عمري ما كنت خنت محمود.
وده اللي خلاني أصرخ لما شفت الاسم.
قلت:
“مستحيل.”
المحامي قال:
“التحليل أثبت النتيجة.”
قلت:
“أنا متأكدة من نفسي.”
قال:
“وده معناه إن في حاجة في القصة إنتي ما تعرفيهاش.”
بدأنا ندور.
واكتشفنا إن وقت ولادتي كان في خطأ إداري قديم في المستشفى.
وفيه ملفين اتبدلوا مؤقتًا.
لكن التحليل كان واضح.
ياسين مش ابن محمود.
ومش ابني بيولوجيًا حسب النتيجة؟
هنا كانت الصدمة الأكبر.
التحليل بيني وبين ياسين أكد إن أنا أمه البيولوجية.
يعني ياسين ابني.
لكن أبوه شخص تاني.
أنا كنت منهارة.
مش عشان الأب.
عشان معنى ده إن محمود كان عارف.
وكان مخبي.
والأخطر إنه كان عنده سبب.
بعد أيام، المحامي واجه محمود بالأوراق.
محمود انهار.
وقال:
“أنا عرفت قبل الولادة.”
سألته:
“إزاي؟”
قال:
“سامح اعترف.”
قلت:
“سامح؟”
قال:
“أيوه.”
“بس أنا ما خنتكش.”
قال:
“عارف.”
سكت.
قلت:
“إذن إزاي؟”
هنا محمود حكى الحقيقة.
قبل سنتين من ولادة ياسين، كان في حادثة.
أنا كنت راجعة من المستشفى بعد زيارة أختي.
حصل لي حادث.
واتنقلت المستشفى وأنا فاقدة الوعي.
وقتها كنت حامل بالفعل؟
لكن القصة ما كانتش منطقية.
المحامي وقف محمود وقال:
“قول الحقيقة كاملة.”
محمود قال:
“ياسين اتولد بعد عملية تلقيح صناعي.”
أنا بصيت له.
“إيه؟”
قال:
“إنتي وقتها كنتي فاكرة إن الحمل حصل طبيعي.”
سكت.
“بس الدكتور قال إن في إجراءات حصلت من غير ما تعرفي.”
اتجمدت.
قال المحامي:
“وده مخالف للقانون.”
محمود هز راسه.
“أنا كنت عايز طفل.”
بصيت له.
“عملت فيا كده؟”
قال:
“كنت خايف تسيبيني.”
قلت:
“فقررت تسرق ابني مني؟”
سكت.
وبعدين قال:
“لما عرفنا إن الحمل نجح، الدنيا اتعقدت.”
“مين سامح؟”
قال:
“كان له علاقة بالعيادة.”
الموضوع بقى قضية أكبر.
اتفتحت تحقيقات.
والحقيقة ظهرت إن في تلاعب حصل في إجراءات طبية من غير علمي.
لكن في النهاية، أهم حاجة كانت واضحة:
ياسين ابني.
وأنا أمه.
ومحمود ما كانش عنده حق يمنعني عنه بالشكل اللي عمله.
بعد كل اللي حصل، صدر قرار قضائي جديد ينظم حياة ياسين.
وأصبح لي حق كامل في رعايته.
أما محمود، فبدأت إجراءات قانونية ضده في أكثر من جانب.
ونجلاء اختارت تبعد عنه.
أما أنا، فبدأت أتعلم أعيش من جديد.
مش بسهولة.
لكن خطوة خطوة.
وفي يوم، كنت قاعدة في البيت بحضر الغدا.
ياسين دخل المطبخ.
قال:
“ماما.”
قلت:
“نعم يا حبيبي.”
“ممكن أسألك سؤال؟”
“اسأل.”
“إنتي ليه وافقتي تشتغلي خدامة؟”
سكت.
وبعدين قعدت قدامه.
قلت:
“عشانك.”
قال:
“بس كانوا بيهينوكي.”
قلت:
“كنت مستعدة أتحمل أي حاجة عشان أفضل قريبة منك.”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“أنا لما أكبر مش هخلي حد يهينك.”
ضحكت.
وقلت:
“مش عايزة منك غير إنك تبقى كويس.”
قال:
“هكون.”
وبعدين حضني.
في اللحظة دي حسيت إن كل التعب كان له معنى.
مش معنى إن الظلم كان صح.
لكن معنى إن قلبي ما استسلمش.
بعد سنة، كنت ماشية مع ياسين في الشارع.
كان ماسك إيدي.
كبر.
وبقى فاهم أكتر.
عدينا قدام بيت محمود.
وقف.
بص للبيت.
وقال:
“هنا كنت بتعيشي؟”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“وكنت بتنامي في المطبخ؟”
ابتسمت بحزن.
“أيوه.”
قال:
“أنا فاكر.”
بصيت له.
“فاكر إيه؟”
قال:
“كنت بصحى بالليل وأشوفك نايمة هناك.”
قلبي اتوجع.
قال:
“كنت بخاف عليكي.”
قربته مني.
“كنت صغير.”
قال:
“بس كنت عارف إنك بتحبيني.”
سألته:
“إزاي؟”
قال:
“عشان كنتي بتبوسي راسي لما تفتكري إني نايم.”
دموعي نزلت.
هو مسحها بإيده.
وقال:
“ماما متعيطيش.”
ضحكت.
“أنا مش بعيط.”
قال:
“إنتي دايمًا بتقولي كده.”
ضحكنا.
وكملنا طريقنا.
لكن بعد شهور، وصلني ظرف من المحكمة.
فتحت الظرف.
كان فيه إشعار بجلسة جديدة.
الموضوع ما كانش عن الحضانة.
كان عن شيء تاني.
اسم سامح ظهر مرة أخرى.
وكان مطلوب حضوره للشهادة.
وفي الجلسة، ظهر رجل ما شفتهوش من سنين.
سامح.
وقف قدامي.
بص في الأرض.
وقال:
“أنا آسف.”
قلت:
“على إيه؟”
قال:
“على كل حاجة.”
المحامي قال:
“قول الحقيقة.”
سامح بدأ يحكي.
قال إن محمود كان يعرف إن ياسين ليس ابنه البيولوجي، وإنه استخدم المعلومة دي عشان يضغط عليا.
قال إنه كان يعتقد إن لو أنا عرفت الحقيقة، هنهار وأسيب الطفل.
لكن الحقيقة كانت عكس كده.
أنا ما كنتش هسيب ابني.
ولا يوم.
سامح قال:
“محمود كان عايز يستخدم الطفل كس/لاح ضدك.”
الجملة دي وجعتني.
لكنها أكدت حاجة كنت حاساها من أول يوم.
كل الإهانات.
كل التهديدات.
كل مرة كان بيقوللي فيها “مش هتشوفيه”.
ما كانتش تربية.
كانت عقاب.
وفي نهاية الجلسة، خرجت وأنا حاسة لأول مرة إن الباب اللي كان مقفول في وشي من سنتين بدأ يتفتح.
رجعت البيت.
لقيت ياسين مستنيني.
قال:
“ماما، حصل إيه؟”
قعدت جنبه.
وقلت:
“خلصنا.”
ابتسم.
“يعني مش هتسيبيني؟”
قلت:
“أبدًا.”
قال:
“حتى لو أنا كبرت؟”
ضحكت.
“حتى لو بقيت أطول مني.”
قال:
“وأتجوز؟”
ضحكت أكتر.
“لما تكبر ابقى نشوف.”
ضحك.
وبعدين حط راسه على كتفي.
وقال:
“أنا مبسوط.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“عشان عندي ماما.”
حضنته.
وقلت:
“وأنا عندي ابني.”
مرت سنوات.
وياسين كبر.
وبقى شاب محترم.
كان كل فترة يفتح موضوع أبوه الحقيقي.
وأنا كنت دايمًا أقول له:
“لما تبقى مستعد تعرف، هقولك كل اللي أعرفه.”
ولما وصل للسن المناسب، حكيت له الحقيقة كلها من غير كراهية.
قلت له:
“أنا مش عايزاك تكره حد.”
قال:
“أنا مش هكره حد.”
وبعدين سأل:
“ومحمود؟”
قلت:
“هو غلط.”
قال:
“بس هو رباني فترة.”
قلت:
“وده شيء لازم تعترف بيه.”
قال:
“أنا ممكن أسامحه.”
بصيت له.
وقلت:
“المسامحة مش معناها إنك تنسى اللي حصل.”
هز راسه.
“عارف.”
بعدها بفترة، محمود طلب يشوفه.
ياسين وافق.
قعد معاه ساعة.
لما رجع، سألته:
“إيه اللي حصل؟”
قال:
“اعتذر.”
“وإنت؟”
قال:
“سامحته.”
سكت.
وبعدين قال:
“بس مش هرجع أعيش معاه.”
قلت:
“ده قرارك.”
قال:
“أنا عايز بيتي هنا.”
ابتسمت.
“بيتك هنا.”
بعدها بسنين، كنت قاعدة في نفس المطبخ اللي كنت فيه يوم من الأيام بخدم غصب عني.
لكن المرة دي كان مطبخي أنا.
بيتي أنا.
قدامي كوب شاي.
وعلى الحيطة صورة كبيرة لياسين.
سمعت المفتاح في الباب.
دخل.
كان لابس بدلة.
قال:
“ماما.”
قلت:
“أيوه.”
“جبتلك حاجة.”
طلع كيس صغير.
فتحته.
كانت سلسلة بسيطة عليها حرف “م”.
قلت:
“دي إيه؟”
قال:
“عشان كل مرة كنتي بتقولي إنك ضحيتي بكرامتك عشاني.”
سكت.
“أنا عايزك تعرفي إنك ما خسرتيش كرامتك.”
دموعي نزلت.
قال:
“اللي أهانك هو اللي خسر.”
حضنته.
وقال:
“أنا فخور بيكي.”
وقتها افتكرت المرتبة القديمة.
المطبخ البارد.
الجزم اللي كان بيرميها قدامي.
الكوبايات اللي كنت بغسلها وأنا بعيط.
افتكرت أول مرة شوفته.
وهو بيقوللي:
“إنتي مين؟”
وبعدين افتكرت آخر مرة.
وهو بيقول:
“أنا فخور بيكي.”
فرق كبير بين الجملتين.
سنين كاملة بين الاتنين.
لكن أكتر حاجة فرحتني إن ابني ما طلعش نسخة من اللي أذاني.
طلع إنسان.
رحيم.
فاهم.
وعارف إن الأم مش مجرد كلمة في ورقة.
الأم هي اللي تفضل واقفة حتى لما الدنيا كلها تحاول توقعها.
وفي آخر ليلة قبل فرحه، دخل عليا المطبخ.
قال:
“ماما.”
قلت:
“نعم.”
“فاكرة أول يوم جيتي فيه بيت بابا؟”
ضحكت.
“إنت كنت صغير.”
قال:
“أنا فاكر.”
“فاكر إيه؟”
قال:
“فاكر إنك كنتي بتعيطي في المطبخ.”
سكت.
قال:
“وفاكر إنك كنتي كل ليلة تدخلي عندي وتغطيني.”
قلت:
“كنت فاكر؟”
قال:
“أيوه.”
وبعدين قال:
“أنا كنت مستنيكي.”
بكيت.
قال:
“حتى وأنا مش فاهم، كنت مستني أمي.”
قربت منه.
وضميته.
وقلت:
“وأنا عمري ما بطلت أدور عليك.”
قال:
“عشان كده ربنا جمعنا.”
وقبل ما يخرج، وقف عند الباب.
وبصلي.
وقال:
“ماما.”
“نعم؟”
“لو رجع بيكي الزمن، كنتي هتوافقي تشتغلي خدامة تاني عشاني؟”
بصيت له طويلًا.
وقلت:
“لو كان ده الطريق الوحيد عشان أوصل لك، آه.”
ابتسم.
وقال:
“بس أنا دلوقتي مش هسمحلك تدفعي التمن لوحدك.”
وخرج.
وقعدت أنا لوحدي.
ببكي.
لكن المرة دي دموعي ما كانتش دموع ذل.
كانت دموع نجاة.
رفعت إيدي للسماء وقلت:
“الحمد لله.”
الحمد لله على ابني.
الحمد لله على إن الحقيقة ظهرت.
الحمد لله إن الظلم مهما طال مش بيبقى أقوى من ربنا.
والحمد لله إني في اليوم اللي كنت فاكرة فيه إني خسرت كل حاجة، كنت في الحقيقة ببدأ أسترد حياتي من جديد.
بعدها بأيام، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
“أنا آسف إني اتأخرت، بس دلوقتي لازم تعرفي الحقيقة الأخيرة.”
وقفت مكاني.
بصيت للشاشة.
والرسالة كان تحتها اسم:
سامح.
وفي آخر الرسالة كان مكتوب:
“محمود ما كانش هو اللي بدأ الحكاية.”
قفلت الموبايل.
قلبي بدأ يدق.
كنت فاكرة إن الحكاية انتهت.
لكن الظاهر إن كل اللي عرفته لحد اللحظة دي…
كان مجرد أول طبقة من الحقيقة.


تعليقات
إرسال تعليق